أ) لماذا قال هناك ﴿وإنها لكبيرة﴾؟
ابن عاشور — الكبيرة هي الصعبة الشاقة
وَالْمُرَادُ بِالْكَبِيرَةِ هُنَا الصعبة الَّتِي تشتق عَلَى النُّفُوسِ، وَإِطْلَاقُ الْكِبَرِ عَلَى الْأَمْرِالصَّعْبِ وَالشَّاقِّ مَجَازٌ مَشْهُورٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١، ص ٤٧٩
وقول السعدي «{لَكَبِيرَةٌ} أي: شاقة… فإنها سهلة عليهم خفيفة» — نصه الكامل في المرحلة ٢ أعلاه، ص ٢٧–٢٨
الرازي — الثقل ليس في الجوارح بل في الاعتقاد: من لا يعتقد فيها منفعةً ثقلت عليه
وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَإِنَّهَا ثَقِيلَةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَخْشَعْ أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْتَقِدُ فِي فِعْلِهَا ثَوَابًا وَلَا فِي تَرْكِهَا عِقَابًا، فَيَصْعُبُ عَلَيْهِ فِعْلُهَا.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣، ص ٤٩٠
الرازي — مثال الدواء المر الذي يشرح معنى الثقل
مِثَالُهُ إِذَا قِيلَ لِلْمَرِيضِ: كُلْ هَذَا الشَّيْءَ الْمُرَّ فَإِنِ اعْتَقَدَ أَنَّ لَهُ فِيهِ شِفَاءً سَهُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ فِيهِ صَعُبَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ،
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣، ص ٤٩١
وعلى هذا يُحمل حديث قرة العين (بلفظ الرازي)
وَعَلَيْهِ يُحْمَلُقَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام: «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ»
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣، ص ٤٩١ (تخريجه المستقل: رواه النسائي ٣٩٣٩ — حديث حسن، تحقق مباشر من sunnah.com — معتمد بقرار سامي 2026-07-15)
ب) ومن الخاشعون الذين تخف عليهم؟ الآية ٤٦ نفسها تجيب
السعدي — تعريف الخشوع
والخشوع هو: خضوع القلب وطمأنينته, وسكونه لله تعالى, وانكساره بين يديه, ذلا وافتقارا, وإيمانا به وبلقائه.
تفسير السعدي، ص ٢٨ (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
السعدي — ﴿يظنون﴾ أي يستيقنون — واليقين بالملاقاة هو الذي «خفف عليهم العبادات»
ولهذا قال: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ} أي: يستيقنون {أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ} فيجازيهم بأعمالهم {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} فهذا الذي خفف عليهم العبادات وأوجب لهم التسلي في المصيبات, ونفس عنهم الكربات, وزجرهم عن فعل السيئات، فهؤلاء لهم النعيم المقيم في الغرفات العاليات، وأما من لم يؤمن بلقاء ربه, كانت الصلاة وغيرها من العبادات من أشق شيء عليه.
تفسير السعدي، ص ٢٨ (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
ابن عاشور — الخاشع: من ذلّل نفسه فاستعدت لقبول الخير
وَالْمُرَادُ بِالْخَاشِعِ هُنَا الَّذِي ذَلَّلَ نَفْسَهُ وَكَسَرَ سُورَتَهَا وَعَوَّدَهَا أَنْ تَطْمَئِنَّ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ وَتَطْلُبَ حُسْنَ الْعَوَاقِبِ وَأَنْ لَا تَغْتَرَّ بِمَا تُزَيِّنُهُ الشَّهْوَةُ الْحَاضِرَةُ فَهَذَا الَّذِي كَانَتْ تِلْكَ صِفَتَهُ قَدِ اسْتَعَدَّتْ نَفْسُهُ لِقَبُولِ الْخَيْرِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١، ص ٤٨٠
ابن عاشور — الآية ٤٦ «فيها معنى التفسير للخاشعين وبيان منشأ خشوعهم»، والظن هنا الاعتقاد الجازم
وَقَدْ وَصَفَ تَعَالَى الْخَاشِعِينَ بِأَنَّهُمْ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَوَهِيَ صِلَةٌ لَهَا مَزِيدُ اتِّصَالٍ بِمَعْنَى الْخُشُوعِ فَفِيهَا مَعْنَى التَّفْسِيرِ لِلْخَاشِعِينَ وَمَعْنَى بَيَانِ مَنْشَأِ خُشُوعِهِمْ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الظَّنِّ هُنَا الِاعْتِقَادُ الْجَازِمُ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١، ص ٤٨٠
البقاعي — لِمَ عبّر بالظن عن العلم؟ يكفي العاقلَ الظنُّ ليلزم الطاعة، فكيف والأمر متيقن!
وعبر بالظن عن العلم تهويلاً للأمر وتنبيهاً على أنه يكفي العاقل في الحث على ملازمة الطاعة في ظن لقاء الملك المطاع المرجو المخوف فكيف والأمر متيقن لا مِراء فيه ولا تطرّق للريب إليه!
نظم الدرر، البقاعي، جـ١، ص ٣٤٣
البقاعي — أو ظنُّ الموت في كل لحظة
ويجوز أن يراد ظن الموت في كل لحظة، فإنه إذا كان على ذكر من الإنسان أوجب له السعادة.
نظم الدرر، البقاعي، جـ١، ص ٣٤٣
الرازي — نفس الوجه: من توقع الموت في كل لحظة لم يفارق قلبَه الخشوع
وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ الْمَوْتَ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ مُتَوَقِّعًا لِلْمَوْتِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ فَإِنَّهُ لَا يُفَارِقُ قَلْبَهُ الْخُشُوعُ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣، ص ٤٩١
ج) ولماذا قال هنا ﴿إن الله مع الصابرين﴾؟ — العمود
ابن عاشور — النص المحوري في الجلسة: المقارنة الصريحة بين الذيلين
إِلَّا أَنَّا نَقُولُ هُنَا إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: إِنَّها لَكَبِيرَةٌ عِلْمًا مِنْهُ بِضَعْفِ عَزَائِمِهِمْ عَنْ عَظَائِمِ الْأَعْمَالِ وَقَالَ هُنَالِكَ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ وَلَمْ يَذْكُرْ مِثْلَ هَذَا هُنَا، وَفِي هَذَا إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ يُسِرَّ لَهُمْ مَا يَصْعُبُ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَأَنَّهُمُ الْخَاشِعُونَ الَّذِينَ اسْتَثْنَاهُمُ اللَّهُ هُنَالِكَ، وَزَادَ هُنَا فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ فَبَشَّرَهُمْ بِأَنَّهُمْ مِمَّنْ يَمْتَثِلُ هَذَا الْأَمْرَ وَيُعَدُّ لِذَلِكَ فِي زُمْرَةِ الصَّابِرِينَ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ٥٣
ابن عاشور — الذيل تعليل: اصبروا ليكون الله معكم
وَقَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ تَذْيِيلٌ فِي مَعْنَى التَّعْلِيلِ أَيِ اصْبِرُوا لِيَكُونَ اللَّهُ مَعَكُمْ لِأَنَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ٥٣
الرازي — المعية ضمانُ مددٍ متجدد: توفيقاً وتسديداً وألطافاً
ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ يَعْنِي فِي النَّصْرِ لَهُمْ كَمَا قَالَ: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الْبَقَرَةِ: 137] فَكَأَنَّهُ تَعَالَى ضَمِنَ لَهُمْ إِذَا هُمُ اسْتَعَانُوا عَلَى طَاعَاتِهِ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ أَنْ يَزِيدَهُمْ تَوْفِيقًا وَتَسْدِيدًا وَأَلْطَافًا
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٤، ص ١٢٥
د) الذروة — المعية
السعدي — المعية الخاصة والمعية العامة (جوهرة المرحلة)
فعلمت أن الصبر محتاج إليه العبد, بل مضطر إليه في كل حالة من أحواله، فلهذا أمر الله تعالى به, وأخبر أنه {مَعَ الصَّابِرِينَ} أي: مع من كان الصبر لهم خلقا, وصفة, وملكة بمعونته وتوفيقه, وتسديده، فهانت عليهم بذلك, المشاق والمكاره, وسهل عليهم كل عظيم, وزالت عنهم كل صعوبة، وهذه معية خاصة, تقتضي محبته ومعونته, ونصره وقربه, وهذه منقبة عظيمة للصابرين، فلو لم يكن للصابرين فضيلة إلا أنهم فازوا بهذه المعية من الله, لكفى بها فضلا وشرفا، وأما المعية العامة, فهي معية العلم والقدرة, كما في قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} وهذه عامة للخلق.
تفسير السعدي، ص ٧٤ (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
الحرالي عند البقاعي — المعنى الذي تبلغ عنده الجلسة ذروتها
فبداية الدين صبر وخاتمته يسر، فإن من كان الله سبحانه وتعالى معه رفع عنه مرارة الصبر بوضع حلاوة الصحبة التي تشعر بها كلمة مع - انتهى.
نظم الدرر، البقاعي، جـ٢، ص ٢٤٨ (ضمن نقل البقاعي عن الحرالي)
مصادر جُمل الموجز: (ابن عاشور جـ٢ ص٥٣ وجـ١ ص٤٧٩–٤٨١ + البقاعي جـ٢ ص٢٤٥ وجـ١ ص٣٤٣ + السعدي ص٢٨ و٧٤ + الرازي جـ٣ ص٤٩٠–٤٩١ + الحرالي عند البقاعي جـ٢ ص٢٤٨)