عَلى الطَّريق دقيقة · فكرة قرآنية واحدة في أقل من دقيقة
مِنْ سُورَةِ البَقَرَة

معاييرُ التولية

مفهوم واحد… في دقيقة — البقرة ٢٤٧
الرسم أعلاه مولَّد بالذكاء الاصطناعي — النصوص القرآنية في الصفحة منقولة موثَّقة بمصادرها
طلبوا مَلِكاً… فلما جاء التعيينُ اعترضوا: ليس ذا نسبٍ ولا مال. فبأيّ ميزانٍ يُختار مَن يقود؟
﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
البقرة ٢٤٧
خُلَاصَةُ المَعْنَى
طلبوا ملكاً يقاتلون معه، فلما جاءهم التعيين من الله اعترضوا: كيف يملك علينا وهو دوننا في الشرف والنسب، وليس عنده مال؟ ميزانان قاسوا بهما: الوجاهة والثروة — وهو بناء على ظن فاسد؛ ظنوا أن الملك ونحوه من الولايات لا يكون إلا بشرف النسب وكثرة المال، ولم يعلموا أن الصفات الحقيقية مقدَّمة عليها. فجاء الجواب بميزان آخر: ﴿إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم﴾ — قوة الرأي التي يُهتدى بها لمصالح الأمة، والقوة التي تنفذ ما يقتضيه الرأي المصيب؛ فإذا تم الرأيُ وقويَ التنفيذ حصل الكمال، ومتى فات أحدهما اختل الأمر: قوةٌ بلا حكمة خرقٌ وقهر، ورأيٌ بلا قوة تنفيذ لا يُجدي شيئاً. وقُدّم العلم على القوة لأن وقعه أعظم. وأما المال فلم يجب عنه أصلاً — فالمُلك إذا قام بالعلم والنصر توافر له المال، والغنى غنى النفس لا وفرة المال. ثم رُدّ الأمر كله إلى مصدره: ﴿والله يؤتي ملكه من يشاء﴾ — واسع الفضل لا يخص به شريفاً دون وضيع، عليمٌ بمن يستحقه فيضعه فيه.
صياغة مبسطة ملخَّصة من المراجع المنقولة في هذه الصفحة — التفصيل الحرفي أدناه

معاني الكلمات

أَنَّىٰبِمَعْنَى كَيْفَ، وَهُوَ اسْتِفْهَامٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّعَجُّبِ
اصْطَفَاهُ{إن الله اصطفاه عليكم} فلزمكم الانقياد لذلك
بَسْطَةًوَالْبَسْطَةُ اسْمٌ مِنَ الْبَسْطِ وَهُوَ السِّعَةُ وَالِانْتِشَارُ، فَالْبَسْطَةُ الْوَفْرَةُ وَالْقُوَّةُ مِنَ الشَّيْءِ
وَاسِعٌ{والله واسع} الفضل كثير الكرم
عَلِيمٌ{عليم} بمن يستحق الفضل فيضعه فيه
المعاني منقولة من: التحرير والتنوير جـ٢ ص ٤٩٠ و٤٩٢ + تفسير السعدي ص ١٣٤

من التفسير

اعتراضٌ بميزانَي الوجاهة والثروة
فكان هذا تعيينا من الله الواجب عليهم فيه القبول والانقياد وترك الاعتراض، ولكن أبوا إلا أن يعترضوا، فقالوا: {أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال} أي: كيف يكون ملكا وهو دوننا في الشرف والنسب ونحن أحق بالملك منه. ومع هذا فهو فقير ليس عنده ما يقوم به الملك من الأموال
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان — عبد الرحمن بن ناصر السعدي — ص ١٣٤
تشخيصُ الخلل: ظنٌّ فاسد
وهذا بناء منهم على ظن فاسد، وهو أن الملك ونحوه من الولايات مستلزم لشرف النسب وكثرة المال، ولم يعلموا أن الصفات الحقيقية التي توجب التقديم مقدمة عليها، فلهذا قال لهم نبيهم: {إن الله اصطفاه عليكم} فلزمكم الانقياد لذلك {وزاده بسطة في العلم والجسم} أي: فضله عليكم بالعلم والجسم
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان — عبد الرحمن بن ناصر السعدي — ص ١٣٤
لماذا العلمُ والجسم بالذات؟ — معادلةُ الرأي والتنفيذ
أي: بقوة الرأي والجسم اللذين بهما تتم أمور الملك، لأنه إذا تم رأيه وقوي على تنفيذ ما يقتضيه الرأي المصيب، حصل بذلك الكمال، ومتى فاته واحد من الأمرين اختل عليه الأمر، فلو كان قوي البدن مع ضعف الرأي، حصل في الملك خرق وقهر ومخالفة للمشروع، قوة على غير حكمة، ولو كان عالما بالأمور وليس له قوة على تنفيذها لم يفده الرأي الذي لا ينفذه شيئًا
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان — عبد الرحمن بن ناصر السعدي — ص ١٣٤
لماذا اختار اللهُ لهم مَلِكاً من عامّتهم؟
وَالسِّرُّ فِي اخْتِيَار نبيئهم لَهُمْ هَذَا الْمَلِكَ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ تَبْقَى لَهُمْ حَالَتُهُمُ الشُّورِيَّةُ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، فَجَعَلَ مَلِكَهُمْ مِنْ عَامَّتِهِمْ لَا مِنْ سَادَتِهِمْ، لِتَكُونَ قَدَمُهُ فِي الْمُلْكِ غَيْرَ رَاسِخَةٍ، فَلَا يُخْشَى مِنْهُ أَنْ يَشْتَدَّ فِي اسْتِعْبَادِ أُمَّتِهِ
التحرير والتنوير — محمد الطاهر ابن عاشور — جـ٢ ص ٤٩٠
المعياران المحتاجُ إليهما في سياسة الأمة — والعلمُ مقدَّم
فَأَعْلَمَهُمْ نَبِيئُهُمْ أَنَّ الصِّفَاتِ الْمُحْتَاجَ إِلَيْهَا فِي سِيَاسَةِ أَمْرِ الْأُمَّةِ تَرْجِعُ إِلَى أَصَالَةِ الرَّأْيِ وَقُوَّةِ الْبَدَنِ لِأَنَّهُ بِالرَّأْيِ يَهْتَدِي لِمَصَالِحِ الْأُمَّةِ، لَا سِيَّمَا فِي وَقْتِ الْمَضَائِقِ، وَعِنْدَ تَعَذُّرِ الِاسْتِشَارَةِ أَوْ عِنْدَ خِلَافِ أَهْلِ الشُّورَى وَبِالْقُوَّةِ يَسْتَطِيعُ الثَّبَاتَ فِي مَوَاقِعِ الْقِتَالِ فَيَكُونُ بِثَبَاتِهِ ثَبَاتُ نُفُوسِ الْجَيْشِ.
التحرير والتنوير — محمد الطاهر ابن عاشور — جـ٢ ص ٤٩١
ولماذا لم يُجِبهم عن شرطِ المال أصلاً؟
وَلَمْ يُجِبْهُمْ نَبِيئُهُمْ عَنْ قَوْلِهِ: وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ اقْتِصَارِهِ عَلَى قَوْلِهِ: وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ فَإِنَّهُ بِبَسْطَةِ الْعِلْمِ وَبِالنَّصْرِ يَتَوَافَرُ لَهُ الْمَالُ
التحرير والتنوير — محمد الطاهر ابن عاشور — جـ٢ ص ٤٩١
﴿واللهُ واسعٌ عليم﴾ — الفضلُ يوضَع في مُستحقِّه
{والله واسع} الفضل كثير الكرم، لا يخص برحمته وبره العام أحدا عن أحد، ولا شريفا عن وضيع، ولكنه مع ذلك {عليم} بمن يستحق الفضل فيضعه فيه، فأزال بهذا الكلام ما في قلوبهم من كل ريب وشك وشبهة لتبيينه أن أسباب الملك متوفرة فيه، وأن فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده، ليس له راد، ولا لإحسانه صاد.
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان — عبد الرحمن بن ناصر السعدي — ص ١٣٤
حين تختارُ مَن تُولّيه أمراً — عملاً، أو مسؤوليةً، أو ثقة — بأيّ الميزانين تَزِن؟
حجم الخط
الخلفية