عَلى الطَّريق دقيقة · فكرة قرآنية واحدة في أقل من دقيقة
مِنْ سُورَةِ البَقَرَة

ثلاثُ مصافٍ لجيشِ طالوت

مفهوم واحد… في دقيقة — البقرة ٢٤٦–٢٤٩
الرسم أعلاه مولَّد بالذكاء الاصطناعي — النصوص القرآنية في الصفحة منقولة موثَّقة بمصادرها
بدأوا كثرةً تطلب القتالَ بحماسة… فلماذا لم يبلغ النهايةَ إلا قليلٌ من قليلٍ من قليل؟
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ۝ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ۝ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۝ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾
البقرة ٢٤٦–٢٤٩
خُلَاصَةُ المَعْنَى
بدأوا كثرةً تطلب القتال بحماسة: ﴿ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله﴾. فجاءت المصفاة الأولى — مصفاة الكلام أمام الفعل: ﴿فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلاً منهم﴾؛ لمّا طلبوا القتال خُيّل أنهم محبون له ثم نكصوا عنه، وإنما الظالم من يقول «لا» بعد «نعم». ثم المصفاة الثانية — مصفاة الشهوة: نهرٌ في طريق جيشٍ عطشان، وأمرٌ بترك الشرب إلا غرفة يد؛ اختبارٌ لقوة يقينهم ومخاطرتهم بأنفسهم وعزيمة معاكستهم نفوسهم — فمن لم يصبر عن الماء ساعةً فكيف يصبر على قتال يتطاول؟ ﴿فشربوا منه إلا قليلاً منهم﴾. ثم المصفاة الثالثة — مصفاة اليقين: حتى بعض من جاوز النهر قال ﴿لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده﴾، فلم يثبت إلا ﴿الذين يظنون أنهم ملاقو الله﴾ — أي يستيقنون ذلك — يثبّتون أنفسهم ورفقاءهم: ﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله﴾؛ فلا تغني الكثرة مع خذلان الله، ولا تضر القلة مع نصره. وبهذه القلة الموقنة الصابرة — وقد دعوا: ﴿ربنا أفرغ علينا صبراً﴾ — كان النصر: ﴿فهزموهم بإذن الله﴾. والخاتمة هي القانون: ﴿والله مع الصابرين﴾ — بالنصر والمعونة والتوفيق، وأعظم جالبٍ لمعونة الله صبرُ العبد لله.
صياغة مبسطة ملخَّصة من المراجع المنقولة في هذه الصفحة — التفصيل الحرفي أدناه

معاني الكلمات

الْمَلَإِقصة الملأ من بني إسرائيل وهم الأشراف والرؤساء
فَصَلَوَمَعْنَى فَصَلَ بِالْجُنُودِ: قَطَعَ وَابْتَعَدَ بِهِمْ، أَيْ تَجَاوَزُوا مَسَاكِنَهُمْ وَقُرَاهُمُ الَّتِي خَرَجُوا مِنْهَا
فَلَيْسَ مِنِّيأَيْ فَلَيْسَ مُتَّصِلًا بِي وَلَا عَلَقَةَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ
لَمْ يَطْعَمْهُبِمَعْنَى لَمْ يَذُقْهُ
يَظُنُّونَأي: يستيقنون ذلك
فِئَةٍوَالْفِئَةُ: الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْفَيْءِ وَهُوَ الرُّجُوعُ، لِأَنَّ بَعْضَهُمْ يَرْجِعُ إِلَى بَعْضٍ
أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًاأي: قو قلوبنا, وأوزعنا الصبر
المعاني منقولة من: التحرير والتنوير جـ٢ ص ٤٨٤ و٤٩٥ و٤٩٧ و٤٩٩ + تفسير السعدي ص ١٣٣ و١٣٥

من التفسير

المصفاةُ الأولى: كلامٌ يسبق الفعل
ولهذا لما لم تكن نياتهم حسنة ولم يقوَ توكلهم على ربهم {فلما كتب عليهم القتال تولوا} فجبنوا عن قتال الأعداء وضعفوا عن المصادمة, وزال ما كانوا عزموا عليه, واستولى على أكثرهم الخور والجبن {إلا قليلا منهم} فعصمهم الله وثبتهم وقوى قلوبهم فالتزموا أمر الله ووطنوا أنفسهم على مقارعة أعدائه, فحازوا شرف الدنيا والآخرة
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان — عبد الرحمن بن ناصر السعدي — ص ١٣٤ (بدايته في ذيل ص ١٣٣)
«لا» بعد «نعم»
لِأَنَّهُمْ لَمَّا طَلَبُواالْقِتَالَ خُيِّلُوا أَنَّهُمْ مُحِبُّونَ لَهُ ثُمَّ نَكَصُوا عَنْهُ. وَمِنْ أَحْسَنِ التَّأْدِيب قَوْلُ الرَّاجِزِ:مَنْ قَالَ لَا فِي حَاجَة … مسؤولة فَمَا ظَلَمْ وَإِنَّمَا الظَّالِمُ من … يَقُولُ لَا بَعْدَ نَعَمْ
التحرير والتنوير — محمد الطاهر ابن عاشور — جـ٢ ص ٤٨٧
المصفاةُ الثانية: حكمةُ اختبار النهر
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَلِكَ لَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ سَائِرٌ بِهِمْ إِلَى عَدُوٍّ كَثِيرِ الْعدَد، وَقَوي الْعَهْد أَرَادَ أَنْ يَخْتَبِرَ قُوَّةَ يَقِينِهِمْ فِي نُصْرَةِ الدِّينِ، وَمُخَاطَرَتَهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ وَتَحَمُّلَهُمُ الْمَتَاعِبَ وَعَزِيمَةَ مُعَاكَسَتِهِمْ نُفُوسَهُمْ
التحرير والتنوير — محمد الطاهر ابن عاشور — جـ٢ ص ٤٩٦
ساعةٌ عن الماء… تكشفُ سنينَ القتال
فعصى أكثرهم وشربوا من النهر الشرب المنهي عنه, ورجعوا على أعقابهم ونكصوا عن قتال عدوهم وكان في عدم صبرهم عن الماء ساعة واحدة أكبر دليل على عدم صبرهم على القتال الذي سيتطاول وتحصل فيه المشقة الكبيرة
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان — عبد الرحمن بن ناصر السعدي — ص ١٣٥
المصفاةُ الثالثة: أهلُ اليقين يُثبّتون الباقين
{قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله} أي: يستيقنون ذلك, وهم أهل الإيمان الثابت واليقين الراسخ, مثبتين لباقيهم ومطمئنين لخواطرهم, وآمرين لهم بالصبر {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله} أي: بإرادته ومشيئته فالأمر لله تعالى, والعزيز من أعزه الله, والذليل من أذله الله, فلا تغني الكثرة مع خذلانه, ولا تضر القلة مع نصره
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان — عبد الرحمن بن ناصر السعدي — ص ١٣٥
﴿كم من فئة﴾ — كلمةُ مَن يُثبِّت لا مَن يتحسَّر
وَفِي قَوْلِهِ: كَمْ مِنْ فِئَةٍ خَبَرِيَّةٌ لَا مَحَالَةَ إِذْ لَا مَوْقِعَ لِلِاسْتِفْهَامِ فَإِنَّهُمْ قَصَدُوا بِقَوْلِهِمْ هَذَا تَثْبِيتَ أنفسهم وأنفس رفقائهم، وَلِذَلِكَ دَعَوْا إِلَى مَا بِهِ النَّصْرُ وَهُوَ الصَّبْر والتوكل فَقَالُوا وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ.
التحرير والتنوير — محمد الطاهر ابن عاشور — جـ٢ ص ٤٩٩
قانونُ الخاتمة: ﴿واللهُ مع الصابرين﴾
{والله مع الصابرين} بالنصر والمعونة والتوفيق, فأعظم جالب لمعونة الله صبر العبد لله, فوقعت موعظته في قلوبهم وأثرت معهم.
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان — عبد الرحمن بن ناصر السعدي — ص ١٣٥
عند كلِّ مصفاةٍ ضفّتان… فعلى أيِّهما تجدُ نفسَك: مع الكثرةِ التي رجعت، أم مع القلةِ التي عبرت؟
حجم الخط
الخلفية