«فلما زينت لهم هذه المذكورات بما فيها من الدواعي المثيرات، تعلقت بها نفوسهم ومالت إليها قلوبهم»السعدي، ص ١٦٣
تعمّق — التفسير الكامل
يخبر تعالى أنه زين للناس حب الشهوات الدنيوية، وخص هذه الأمور المذكورة لأنها أعظم شهوات الدنيا وغيرها تبع لها، قال تعالى {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها} فلما زينت لهم هذه المذكورات بما فيها من الدواعي المثيرات، تعلقت بها نفوسهم ومالت إليها قلوبهم، وانقسموا بحسب الواقع إلى قسمين: قسم: جعلوها هي المقصود، فصارت أفكارهم وخواطرهم وأعمالهم الظاهرة والباطنة لها، فشغلتهم عما خلقوا لأجله، وصحبوها صحبة البهائم السائمة، يتمتعون بلذاتها ويتناولون شهواتها، ولا يبالون على أي: وجه حصلوها، ولا فيما أنفقوها وصرفوها، فهؤلاء كانت زادا لهم إلى دار الشقاء والعناء والعذاب. والقسم الثاني: عرفوا المقصود منها وأن الله جعلها ابتلاء وامتحانا لعباده، ليعلم من يقدم طاعته ومرضاته على لذاته وشهواته، فجعلوها وسيلة لهم وطريقا يتزودون منها لآخرتهم ويتمتعون بما يتمتعون به على وجه الاستعانة به على مرضاته، قد صحبوها بأبدانهم وفارقوها بقلوبهم، وعلموا أنها كما قال الله فيها {ذلك متاع الحياة الدنيا} فجعلوها معبرا إلى الدار الآخرة ومتجرا يرجون بها الفوائد الفاخرة، فهؤلاء صارت لهم زادا إلى ربهم.
«فكأنهم خلقوا للبقاء فيها، وكأنها ليست دار ممر»السعدي، ص ٦١٤
تعمّق — التفسير الكامل
يقول تعالى {إن الذين لا يرجون لقاءنا} أي: لا يطمعون بلقاء الله، الذي هو أكبر ما طمع فيه الطامعون، وأعلى ما أمله المؤملون، بل أعرضوا عن ذلك، وربما كذبوا به {ورضوا بالحياة الدنيا} بدلا عن الآخرة. {واطمأنوا بها} أي: ركنوا إليها، وجعلوها غاية مرامهم ونهاية قصدهم، فسعوا لها وأكبوا على لذاتها وشهواتها، بأي طريق حصلت حصلوها، ومن أي وجه لاحت ابتدروها، قد صرفوا إرادتهم ونياتهم وأفكارهم وأعمالهم إليها. فكأنهم خلقوا للبقاء فيها، وكأنها ليست دار ممر، يتزود منها المسافرون إلى الدار الباقية التي إليها يرحل الأولون والآخرون، وإلى نعيمها ولذاتها شمر الموفقون. {والذين هم عن آياتنا غافلون} فلا ينتفعون بالآيات القرآنية، ولا بالآيات الأفقية والنفسية، والإعراض عن الدليل مستلزم للإعراض والغفلة، عن المدلول المقصود.
«فرضوا بها واطمأنوا، وغفلوا عن الدار الآخرة»السعدي، ص ٧٣٦
تعمّق — التفسير الكامل
ثم وصفهم بأنهم {الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة} فرضوا بها واطمأنوا، وغفلوا عن الدار الآخرة. {ويصدون} الناس {عن سبيل الله} التي نصبها لعباده وبينها في كتبه وعلى ألسنة رسله [...] {أولئك} الذين ذكر وصفهم {في ضلال بعيد} لأنهم ضلوا وأضلوا، وشاقوا الله ورسوله وحاربوهما، فأي ضلال أبعد من هذا؟ وأما أهل الإيمان فبعكس هؤلاء يؤمنون بالله وآياته، ويستحبون الآخرة على الدنيا ويدعون إلى سبيل الله ويحسنونها مهما أمكنهم، ويبينون استقامتها.
«حتى جاءكم الموت وأنتم بتلك الحال الذميمة»السعدي، ص ١٥٢٣
تعمّق — التفسير الكامل
فينادي المنافقون المؤمنين، فيقولون لهم تضرعا وترحما: {ألم نكن معكم} في الدنيا نقول: لا إله إلا الله ونصلي ونصوم ونجاهد، ونعمل مثل عملكم؟ {قالوا بلى} كنتم معنا في الدنيا، وعملتم في الظاهر مثل عملنا، ولكن أعمالكم أعمال المنافقين، من غير إيمان ولا نية صادقة صالحة، بل {فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم} أي: شككتم في خبر الله الذي لا يقبل شكا، {وغرتكم الأماني} الباطلة، حيث تمنيتم أن تنالوا منال المؤمنين، وأنتم غير موقنين، {حتى جاء أمر الله} أي: حتى جاءكم الموت وأنتم بتلك الحال الذميمة. {وغركم بالله الغرور} وهو الشيطان، الذي زين لكم الكفر والريب، فاطمأننتم به، ووثقتم بوعده، وصدقتم خبره.
«الجميع جعله الله زينة لهذه الدار، فتنة واختباراً»السعدي، ص ٨٣٠
تعمّق — التفسير الكامل
يخبر تعالى أنه جعل جميع ما على وجه الأرض، من مآكل لذيذة، ومشارب، ومساكن طيبة، وأشجار، وأنهار، وزروع، وثمار، ومناظر بهيجة، وصور مليحة، وذهب وفضة وخيل وإبل ونحوها، الجميع جعله الله زينة لهذه الدار، فتنة واختباراً. ﴿أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ أي: أخلصه وأصوبه.
«هذه حقيقة الدنيا، قد جلاها الله لنا كأنها رأي عين»السعدي، ص ٨٣٠
تعمّق — التفسير الكامل
أي: ومع ذلك سيجعل الله جميع هذه المذكورات فانية مضمحلة، وزائلة منقضية. وستعود الأرض صعيداً جرزاً قد ذهبت لذاتها، وانقطعت أنهارها، واندرست آثارها، وزال نعيمها. هذه حقيقة الدنيا، قد جلاها الله لنا كأنها رأي عين، وحذرنا من الاغترار بها، ورغبنا في دار يدوم نعيمها، ويسعد مقيمها.
«فهم واقفون مع الأسباب غير ناظرين إلى مسببها المتصرف فيها»السعدي، ص ١١٣٣
تعمّق — التفسير الكامل
وهؤلاء الذين لا يعلمون أي: لا يعلمون بواطن الأشياء وعواقبها. وإنما {يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا} فينظرون إلى الأسباب ويجزمون بوقوع الأمر الذي في رأيهم انعقدت أسباب وجوده [...] فهم واقفون مع الأسباب غير ناظرين إلى مسببها المتصرف فيها. {وهم عن الآخرة هم غافلون} قد توجهت قلوبهم وأهواؤهم وإراداتهم إلى الدنيا وشهواتها وحطامها فعملت لها وسعت وأقبلت بها وأدبرت وغفلت عن الآخرة، فلا الجنة تشتاق إليها ولا النار تخافها وتخشاها ولا المقام بين يدي الله ولقائه يروعها ويزعجها وهذا علامة الشقاء وعنوان الغفلة عن الآخرة. ومن العجب أن هذا القسم من الناس قد بلغت بكثير منهم الفطنة والذكاء في ظاهر الدنيا إلى أمر يحير العقول ويدهش الألباب. وأظهروا من العجائب الذرية والكهربائية والمراكب البرية والبحرية والهوائية ما فاقوا به وبرزوا وأعجبوا بعقولهم [...] وهم مع ذلك أبلد الناس في أمر دينهم وأشدهم غفلة عن آخرتهم وأقلهم معرفة بالعواقب.
«ثم تزول سريعا، وتنقضي جميعا، ولم يحصل منها محبها إلا على الندم والحسرة والخسران»السعدي، ص ١١٣٠
تعمّق — التفسير الكامل
يخبر تعالى عن حالة الدنيا والآخرة، وفي ضمن ذلك، التزهيد في الدنيا والتشويق للأخرى، فقال: {وما هذه الحياة الدنيا} في الحقيقة {إلا لهو ولعب} تلهو بها القلوب، وتلعب بها الأبدان، بسبب ما جعل الله فيها من الزينة واللذات، والشهوات الخالبة للقلوب المعرضة، الباهجة للعيون الغافلة، المفرحة للنفوس المبطلة الباطلة، ثم تزول سريعا، وتنقضي جميعا، ولم يحصل منها محبها إلا على الندم والحسرة والخسران. وأما الدار الآخرة، فإنها دار الحيوان أي: الحياة الكاملة، التي من لوازمها، أن تكون أبدان أهلها في غاية القوة، وقواهم في غاية الشدة، لأنها أبدان وقوى خلقت للحياة، وأن يكون موجودا فيها كل ما تكمل به الحياة، وتتم به اللذات [...] مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. {لو كانوا يعلمون} لما آثروا الدنيا على الآخرة، ولو كانوا يعقلون لما رغبوا عن دار الحيوان، ورغبوا في دار اللهو واللعب، فدل ذلك على أن الذين يعلمون، لا بد أن يؤثروا الآخرة على الدنيا، لما يعلمونه من حالة الدارين.
«فأصبح صفر اليدين منها، ممتلئ القلب من همها وحزنها وحسرتها»السعدي، ص ٦٢٠
تعمّق — التفسير الكامل
وهذا المثل من أحسن الأمثلة، وهو مطابق لحالة الدنيا، فإن لذاتها وشهواتها وجاهها ونحو ذلك يزهو لصاحبه إن زها وقتًا قصيرًا، فإذا استكمل وتم اضمحل، وزال عن صاحبه، أو زال صاحبه عنه، فأصبح صفر اليدين منها، ممتلئ القلب من همها وحزنها وحسرتها. فذلك {كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض} أي: نبت فيها من كل صنف، وزوج بهيج [...] {حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت} أي: تزخرفت في منظرها، واكتست في زينتها، فصارت بهجة للناظرين، ونزهة للمتفرجين، وآية للمتبصرين، فصرت ترى لها منظرًا عجيبًا ما بين أخضر، وأصفر، وأبيض وغيره. {وظن أهلها أنهم قادرون عليها} أي: حصل معهم طمع، بأن ذلك سيستمر ويدوم، لوقوف إرادتهم عنده، وانتهاء مطالبهم فيه. فبينما هم في تلك الحالة {أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس} أي: كأنها ما كانت فهذه حالة الدنيا، سواء بسواء. {كذلك نفصل الآيات} أي: نبينها ونوضحها، بتقريب المعاني إلى الأذهان، وضرب الأمثال {لقوم يتفكرون} أي: يعملون أفكارهم فيما ينفعهم.
«فبينا زهرتها وزخرفها تسر الناظرين، إذ أصبحت هشيماً تذروه الرياح»السعدي، ص ٨٤٤
تعمّق — التفسير الكامل
يقول تعالى لنبيه ومن قام بوراثته: اضرب للناس مثل الحياة الدنيا ليتصوروها حق التصور، ويعرفوا ظاهرها وباطنها، فيقيسوا بينها وبين الدار الباقية، ويؤثروا أيهما أولى بالإيثار. وأن مثل هذه الحياة الدنيا، كمثل المطر، ينزل على الأرض، فيختلط نباتها، فتنبت من كل زوج بهيج، فبينا زهرتها وزخرفها تسر الناظرين، إذ أصبحت هشيماً تذروه الرياح.
«تفتن بزخرفها، وتخدع بغرورها، وتغر بمحاسنها، ثم هي منتقلة»السعدي، ص ٢٢٨
تعمّق — التفسير الكامل
هذه الآية الكريمة فيها التزهيد في الدنيا بفنائها وعدم بقائها، وأنها متاع الغرور، تفتن بزخرفها، وتخدع بغرورها، وتغر بمحاسنها، ثم هي منتقلة، ومنتقل عنها إلى دار القرار، التي توفى فيها النفوس ما عملت في هذه الدار، من خير وشر. {فمن زحزح} أي: أخرج، {عن النار وأدخل الجنة فقد فاز} أي: حصل له الفوز العظيم من العذاب الأليم، والوصول إلى جنات النعيم، التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
«بخلاف من عرف الدنيا وحقيقتها، فجعلها معبرا ولم يجعلها مستقرا»السعدي، ص ١٥٢٥
تعمّق — التفسير الكامل
يخبر تعالى عن حقيقة الدنيا وما هي عليه، ويبين غايتها وغاية أهلها، بأنها لعب ولهو، تلعب بها الأبدان، وتلهو بها القلوب [...] وقوله: {وزينة} أي: تزين في اللباس والطعام والشراب، والمراكب والدور والقصور والجاه. وغير ذلك {وتفاخر بينكم} أي: كل واحد من أهلها يريد مفاخرة الآخر، وأن يكون هو الغالب في أمورها، والذي له الشهرة في أحوالها، {وتكاثر في الأموال والأولاد} أي: كل يريد أن يكون هو الكاثر لغيره في المال والولد، وهذا مصداقه، وقوعه من محبي الدنيا والمطمئنين إليها. بخلاف من عرف الدنيا وحقيقتها، فجعلها معبرا ولم يجعلها مستقرا، فنافس فيما يقربه إلى الله، واتخذ الوسائل التي توصله إلى الله وإذا رأى من يكاثره وينافسه بالأموال والأولاد، نافسه بالأعمال الصالحة [...] كذلك الدنيا، بينما هي زاهية لصاحبها زاهرة، مهما أراد من مطالبها حصل [...] إذ أصابها القدر بما أذهبها من يده، وأزال تسلطه عليها، أو ذهب به عنها، فرحل منها صفر اليدين، لم يتزود منها سوى الكفن، فتبا لمن أضحت هي غاية أمنيته ولها عمله وسعيه.
«فليس بعاقل من آثر الفاني الخسيس على الباقي النفيس»السعدي، ص ٧٨٨
تعمّق — التفسير الكامل
فآثروا ما يبقى على ما يفنى فإن الذي عندكم ولو كثر جدا لا بد أن {ينفد} ويفنى، {وما عند الله باق} ببقائه لا يفنى ولا يزول، فليس بعاقل من آثر الفاني الخسيس على الباقي النفيس [...] ومن الدواعي للزهد أن يقابل العبد لذات الدنيا وشهواتها بخيرات الآخرة، فإنه يجد من الفرق والتفاوت ما يدعوه إلى إيثار أعلى الأمرين وليس الزهد الممدوح هو الانقطاع للعبادات القاصرة كالصلاة والصيام والذكر ونحوها، بل لا يكون العبد زاهدا صحيحا حتى يقوم بما يقدر عليه من الأوامر الشرعية الظاهرة والباطنة، ومن الدعوة إلى الله وإلى دينه بالقول والفعل، فالزهد الحقيقي هو الزهد فيما لا ينفع في الدين والدنيا، والرغبة والسعي في كل ما ينفع.
«ما آثر أحد الدنيا إلا لنقص في عقله»السعدي، ص ١١٠٤
تعمّق — التفسير الكامل
هذا حض من الله لعباده على الزهد في الدنيا وعدم الاغترار بها، وعلى الرغبة في الأخرى، وجعلها مقصود العبد ومطلوبه، ويخبرهم أن جميع ما أوتيه الخلق، من الذهب، والفضة، والحيوانات والأمتعة، والنساء، والبنين، والمآكل، والمشارب، واللذات، كلها متاع الحياة الدنيا وزينتها، أي: يتمتع به وقتا قصيرا، متاعا قاصرا، محشوا بالمنغصات، ممزوجا بالغصص. ويزين به زمانا يسيرا، للفخر والرياء، ثم يزول ذلك سريعا، وينقضي جميعا، ولم يستفد منه صاحبه إلا الحسرة والندم، والخيبة والحرمان. {وما عند الله} من النعيم المقيم، والعيش السليم {خير وأبقى} أي: أفضل في وصفه وكميته، وهو دائم أبدا، ومستمر سرمدا. {أفلا تعقلون} أي: أفلا يكون لكم عقول، بها تزنون أي: الأمور أولى بالإيثار [...] وأنه ما آثر أحد الدنيا إلا لنقص في عقله.
«خير من لذات الدنيا، خيرية لا نسبة بينهما»السعدي، ص ١٣٧١
تعمّق — التفسير الكامل
هذا تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة، وذكر الأعمال الموصلة إليها فقال: {فما أوتيتم من شيء} من ملك ورياسة، وأموال وبنين، وصحة وعافية بدنية. {فمتاع الحياة الدنيا} لذة منغصة منقطعة. {وما عند الله} من الثواب الجزيل، والأجر الجليل، والنعيم المقيم {خير} من لذات الدنيا، خيرية لا نسبة بينهما {وأبقى} لأنه نعيم لا منغص فيه ولا كدر، ولا انتقال. ثم ذكر هذا الثواب لمن فقال: {للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون} أي: جمعوا بين الإيمان الصحيح، المستلزم لأعمال الإيمان الظاهرة والباطنة، وبين التوكل الذي هو الآلة لكل عمل.
«أفليست الدنيا ـ من أولها إلى آخرها ـ لا نسبة لها في الآخرة»السعدي، ص ٥٧٠
تعمّق — التفسير الكامل
{أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة} أي: ما حالكم إلا حال من رضي بالدنيا وسعى لها ولم يبال بالآخرة، فكأنه ما آمن بها. {فما متاع الحياة الدنيا} التي مالت بكم، وقدمتموها على الآخرة {إلا قليل} أفليس قد جعل الله لكم عقولا تزنون بها الأمور، وأيها أحق بالإيثار؟ أفليست الدنيا ـ من أولها إلى آخرها ـ لا نسبة لها في الآخرة. فما مقدار عمر الإنسان القصير جدا من الدنيا حتى يجعله الغاية التي لا غاية وراءها، فيجعل سعيه وكده وهمه وإرادته لا يتعدى حياته الدنيا القصيرة المملوءة بالأكدار، المشحونة بالأخطار. فبأي رأيٍ رأيتم إيثارها على الدار الآخرة الجامعة لكل نعيم [...] فوالله ما آثر الدنيا على الآخرة من وقر الإيمان في قلبه، ولا من جزل رأيه، ولا من عُدَّ من أولي الألباب.
تفسير السعدي، ص ٥٦٩–٥٧٠
هنا يكتمل جواب سؤال الافتتاح
وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ
الأعلى ١٧
«فحب الدنيا وإيثارها على الآخرة رأس كل خطيئة»السعدي، ص ١٦٦٧
تعمّق — التفسير الكامل
وللآخرة خير من الدنيا في كل وصف مطلوب، وأبقى لكونها دار خلد وبقاء وصفاء، والدنيا دار فناء، فالمؤمن العاقل لا يختار الأردأ على الأجود، ولا يبيع لذة ساعة، بترحة الأبد، فحب الدنيا وإيثارها على الآخرة رأس كل خطيئة.
«فإن ذلك كله زهرة الحياة الدنيا، تبتهج بها نفوس المغترين»السعدي، ص ٩١٧
تعمّق — التفسير الكامل
أي: لا تمد عينيك معجبا، ولا تكرر النظر مستحسنا إلى أحوال الدنيا والممتعين بها، من المآكل والمشارب اللذيذة، والملابس الفاخرة، والبيوت المزخرفة، والنساء المجملة، فإن ذلك كله زهرة الحياة الدنيا، تبتهج بها نفوس المغترين، وتأخذ إعجابا بأبصار المعرضين، ويتمتع بها ـ بقطع النظر عن الآخرة ـ القوم الظالمون، ثم تذهب سريعا، وتمضي جميعا، وتقتل محبيها وعشاقها، فيندمون حيث لا تنفع الندامة [...] {ورزق ربك} العاجل من العلم والإيمان، وحقائق الأعمال الصالحة، والآجل من النعيم المقيم، والعيش السليم في جوار الرب الرحيم {خير} مما متعنا به أزواجا، في ذاته وصفاته {وأبقى} لكونه لا ينقطع [...] وفي هذه الآية، إشارة إلى أن العبد إذا رأى من نفسه طموحا إلى زينة الدنيا، وإقبالا عليها، أن يذكرها ما أمامها من رزق ربه، وأن يوازن بين هذا وهذا.
«فإذا كان وعده حقا، فتهيئوا له، وبادروا أوقاتكم الشريفة بالأعمال الصالحة»السعدي، ص ١٢٢٤
تعمّق — التفسير الكامل
يقول تعالى: {يا أيها الناس إن وعد الله} بالبعث والجزاء على الأعمال، {حق} أي: لا شك فيه، ولا مرية، ولا تردد، قد دلت على ذلك الأدلة السمعية والبراهين العقلية، فإذا كان وعده حقا، فتهيئوا له، وبادروا أوقاتكم الشريفة بالأعمال الصالحة، ولا يقطعكم عن ذلك قاطع، {فلا تغرنكم الحياة الدنيا} بلذاتها وشهواتها ومطالبها النفسية، فتلهيكم عما خلقتم له، {ولا يغرنكم بالله الغرور} الذي هو عدوكم في الحقيقة.
«الذي يبقى للإنسان وينفعه ويسره، الباقيات الصالحات»السعدي، ص ٨٤٤
تعمّق — التفسير الكامل
أي: المال والبنون زينة الحياة الدنيا، ليس وراء ذلك شيء، وأن الذي يبقى للإنسان وينفعه ويسره، الباقيات الصالحات. وهذا يشمل جميع الطاعات الواجبة والمستحبة، من حقوق الله وحقوق عباده، من صلاة، وزكاة، وصدقة، وحج، وعمرة، وتسبيح، وتحميد، وتهليل، وتكبير، وقراءة، وطلب علم نافع، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، وصلة رحم، وبر والدين، وقيام بحق الزوجات، والمماليك، والبهائم، وجميع وجوه الإحسان إلى الخلق — كل هذا من الباقيات الصالحات، فهذه خير عند الله ثواباً وخير أملاً.