القاعدة السننية — الزينة موضوعة للابتلاء
إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
الكهف ٧
«الجميع جعله الله زينة لهذه الدار، فتنة واختباراً»السعدي، ص ٨٣٠
تعمّق — التفسير الكامل
يخبر تعالى أنه جعل جميع ما على وجه الأرض، من مآكل لذيذة، ومشارب، ومساكن طيبة، وأشجار، وأنهار، وزروع، وثمار، ومناظر بهيجة، وصور مليحة، وذهب وفضة وخيل وإبل ونحوها، الجميع جعله الله زينة لهذه الدار، فتنة واختباراً. ﴿أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ أي: أخلصه وأصوبه.
تفسير السعدي، ص ٨٣٠
إضاءة — ابن عاشور
وَمِنْ لَوَازِمِ هَذِهِ الزِّينَةِ أَنَّهَا تُوقِظُ الْعُقُولَ إِلَى النَّظَرِ فِي وُجُودِ مُنْشِئِهَا وَتَسْبُرُ غَوْرَ النُّفُوسِ فِي مِقْدَارِ الشُّكْرِ لِخَالِقِهَا.
التحرير والتنوير، جـ١٥، ص ٢٥٧
ومآلها — صعيد جرز
وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا
الكهف ٨
«هذه حقيقة الدنيا، قد جلاها الله لنا كأنها رأي عين»السعدي، ص ٨٣٠
تعمّق — التفسير الكامل
أي: ومع ذلك سيجعل الله جميع هذه المذكورات فانية مضمحلة، وزائلة منقضية. وستعود الأرض صعيداً جرزاً قد ذهبت لذاتها، وانقطعت أنهارها، واندرست آثارها، وزال نعيمها. هذه حقيقة الدنيا، قد جلاها الله لنا كأنها رأي عين، وحذرنا من الاغترار بها، ورغبنا في دار يدوم نعيمها، ويسعد مقيمها.
تفسير السعدي، ص ٨٣٠
إضاءة — ابن عاشور
تَكْمِيلٌ لِلْعِبْرَةِ وَتَحْقِيقٌ لِفَنَاءِ الْعَالم [...] أَيْ سَنَجْعَلُ مَا عَلَى الْأَرْضِ كُلَّهُ مَعْدُومًا فَلَا يَكُونُ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا تُرَابٌ جَافٌّ أَجْرَدُ لَا يَصْلُحُ لِلْحَيَاةِ فَوْقَهُ وَذَلِكَ هُوَ فَنَاءُ الْعَالَمِ.
التحرير والتنوير، جـ١٥، ص ٢٥٨
علمنا بها قشري — ظاهرٌ من الحياة الدنيا
يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ
الروم ٧
«فهم واقفون مع الأسباب غير ناظرين إلى مسببها المتصرف فيها»السعدي، ص ١١٣٣
تعمّق — التفسير الكامل
وهؤلاء الذين لا يعلمون أي: لا يعلمون بواطن الأشياء وعواقبها. وإنما {يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا} فينظرون إلى الأسباب ويجزمون بوقوع الأمر الذي في رأيهم انعقدت أسباب وجوده [...] فهم واقفون مع الأسباب غير ناظرين إلى مسببها المتصرف فيها. {وهم عن الآخرة هم غافلون} قد توجهت قلوبهم وأهواؤهم وإراداتهم إلى الدنيا وشهواتها وحطامها فعملت لها وسعت وأقبلت بها وأدبرت وغفلت عن الآخرة، فلا الجنة تشتاق إليها ولا النار تخافها وتخشاها ولا المقام بين يدي الله ولقائه يروعها ويزعجها وهذا علامة الشقاء وعنوان الغفلة عن الآخرة. ومن العجب أن هذا القسم من الناس قد بلغت بكثير منهم الفطنة والذكاء في ظاهر الدنيا إلى أمر يحير العقول ويدهش الألباب. وأظهروا من العجائب الذرية والكهربائية والمراكب البرية والبحرية والهوائية ما فاقوا به وبرزوا وأعجبوا بعقولهم [...] وهم مع ذلك أبلد الناس في أمر دينهم وأشدهم غفلة عن آخرتهم وأقلهم معرفة بالعواقب.
تفسير السعدي، ص ١١٣٣
إضاءة — ابن عاشور
أَيْ يَعْلَمُونَ ظَوَاهِرَ مَا فِي الدُّنْيَا، أَيْ وَلَا يَعْلَمُونَ دَقَائِقَهَا وَهِيَ الْعُلُومُ الْحَقِيقِيَّةُ وَكُلُّهَا حَاصِلَةٌ فِي الدُّنْيَا. وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ كَانَتِ الدُّنْيَا مَزْرَعَةَ الْآخِرَةِ.
التحرير والتنوير، جـ٢١، ص ٥٠
الحصر — لهو ولعب، والدار الآخرة هي الحيوان
وَمَا هَـٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ
العنكبوت ٦٤
«ثم تزول سريعا، وتنقضي جميعا، ولم يحصل منها محبها إلا على الندم والحسرة والخسران»السعدي، ص ١١٣٠
تعمّق — التفسير الكامل
يخبر تعالى عن حالة الدنيا والآخرة، وفي ضمن ذلك، التزهيد في الدنيا والتشويق للأخرى، فقال: {وما هذه الحياة الدنيا} في الحقيقة {إلا لهو ولعب} تلهو بها القلوب، وتلعب بها الأبدان، بسبب ما جعل الله فيها من الزينة واللذات، والشهوات الخالبة للقلوب المعرضة، الباهجة للعيون الغافلة، المفرحة للنفوس المبطلة الباطلة، ثم تزول سريعا، وتنقضي جميعا، ولم يحصل منها محبها إلا على الندم والحسرة والخسران. وأما الدار الآخرة، فإنها دار الحيوان أي: الحياة الكاملة، التي من لوازمها، أن تكون أبدان أهلها في غاية القوة، وقواهم في غاية الشدة، لأنها أبدان وقوى خلقت للحياة، وأن يكون موجودا فيها كل ما تكمل به الحياة، وتتم به اللذات [...] مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. {لو كانوا يعلمون} لما آثروا الدنيا على الآخرة، ولو كانوا يعقلون لما رغبوا عن دار الحيوان، ورغبوا في دار اللهو واللعب، فدل ذلك على أن الذين يعلمون، لا بد أن يؤثروا الآخرة على الدنيا، لما يعلمونه من حالة الدارين.
تفسير السعدي، ص ١١٣٠
إضاءة — ابن عاشور
نَبَّهَهُمْ عَلَى أَنَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا كَالْخَيَالِ وَأَنَّ الْحَيَاةَ الثَّانِيَةَ هِيَ الْحَيَاةُ الْحَقُّ.
التحرير والتنوير، جـ٢١، ص ٣٠
مثل الماء الكامل — ازدهار، فظنُّ قدرة، فحصاد ليلي
إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
يونس ٢٤
«فأصبح صفر اليدين منها، ممتلئ القلب من همها وحزنها وحسرتها»السعدي، ص ٦٢٠
تعمّق — التفسير الكامل
وهذا المثل من أحسن الأمثلة، وهو مطابق لحالة الدنيا، فإن لذاتها وشهواتها وجاهها ونحو ذلك يزهو لصاحبه إن زها وقتًا قصيرًا، فإذا استكمل وتم اضمحل، وزال عن صاحبه، أو زال صاحبه عنه، فأصبح صفر اليدين منها، ممتلئ القلب من همها وحزنها وحسرتها. فذلك {كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض} أي: نبت فيها من كل صنف، وزوج بهيج [...] {حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت} أي: تزخرفت في منظرها، واكتست في زينتها، فصارت بهجة للناظرين، ونزهة للمتفرجين، وآية للمتبصرين، فصرت ترى لها منظرًا عجيبًا ما بين أخضر، وأصفر، وأبيض وغيره. {وظن أهلها أنهم قادرون عليها} أي: حصل معهم طمع، بأن ذلك سيستمر ويدوم، لوقوف إرادتهم عنده، وانتهاء مطالبهم فيه. فبينما هم في تلك الحالة {أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس} أي: كأنها ما كانت فهذه حالة الدنيا، سواء بسواء. {كذلك نفصل الآيات} أي: نبينها ونوضحها، بتقريب المعاني إلى الأذهان، وضرب الأمثال {لقوم يتفكرون} أي: يعملون أفكارهم فيما ينفعهم.
تفسير السعدي، ص ٦٢٠
إضاءة — ابن عاشور
وَقَوْلُهُ: لَيْلًا أَوْ نَهاراً تَرْدِيدٌ فِي الْوَقْتِ لِإِثَارَةِ التَّوَقُّعِ مِنْ إِمْكَانِ زَوَالِ نَضَارَةِ الْحَيَاةِ فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ.
التحرير والتنوير، جـ١١، ص ١٤٣
تكثيف المثل — هشيم تذروه الرياح
وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا
الكهف ٤٥
«فبينا زهرتها وزخرفها تسر الناظرين، إذ أصبحت هشيماً تذروه الرياح»السعدي، ص ٨٤٤
تعمّق — التفسير الكامل
يقول تعالى لنبيه ومن قام بوراثته: اضرب للناس مثل الحياة الدنيا ليتصوروها حق التصور، ويعرفوا ظاهرها وباطنها، فيقيسوا بينها وبين الدار الباقية، ويؤثروا أيهما أولى بالإيثار. وأن مثل هذه الحياة الدنيا، كمثل المطر، ينزل على الأرض، فيختلط نباتها، فتنبت من كل زوج بهيج، فبينا زهرتها وزخرفها تسر الناظرين، إذ أصبحت هشيماً تذروه الرياح.
تفسير السعدي، ص ٨٤٤
إضاءة — ابن عاشور
كَانَ أَعْظَمَ حَائِلٍ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَبَيْنَ النَّظَرِ فِي أَدِلَّةِ الْإِسْلَامِ انْهِمَاكُهُمْ فِي الْإِقْبَالِ عَلَى الْحَيَاةِ الزَّائِلَةِ وَنَعِيمِهَا [...] وَتَرْتِيبُهُ أَسْبَابَ الْفَنَاءِ عَلَى أَسْبَابِ الْبَقَاءِ، وَذَلِكَ اقْتِدَارٌ عَجِيبٌ.
التحرير والتنوير، جـ١٥، ص ٣٣٠–٣٣٢