عَلى الطَّريق جلسة · رحلة تدبر تغيّر نظرتك لموضوع واحد
جـلـسـة

من ذا الذي يُقرِض الله؟

في أواخر البقرة سؤالٌ معلَّقٌ منذ أربعة عشر قرناً… يبحث عن يدٍ تجيب.
١٨ آية ٧ محطات وجسر ٦ دقائق بالموجز — أو نصف ساعة بالقطوف
كف مبسوطة تحمل حبة قمح تلمع بضوء ذهبي وخلفها حقل عند الفجر
الصور هنا رسمها الذكاء الاصطناعي لتؤنس الطريق — أما المعاني فمن مصادرها الموثقة وحدها.
خريطة الجلسة
رحلة الإنفاق…
من الخوف إلى الوعد
١البوابةالغني المطلق… لماذا يطلب منك قرضاً؟ ٢نداء الوقتماذا لو أُغلق السوق للأبد؟ ٣ماذا… أم لمن؟لماذا أجاب القرآن سؤالاً غير الذي سُئل؟ ٤المضاعفةأي تاجرٍ يرفض ربحاً بسبعمائة ضعف؟ ٥آداب العطاءكيف تحترق الصدقة بعد خروجها؟ ٦الوعدانمن الذي يخوّفك حين تهمّ بالعطاء؟ ٧السر والعلانيةأين تذهب نفقةٌ لا يراها أحد؟ جسرجسر الختامكيف تصل صدقتك إلى من لا يمدّ يده؟
اضغط أي محطة للانتقال إليها — أو امضِ في الرحلة بترتيبها
المحطة الأولى

من ذا الذي يُقرِض الله؟

الغني المطلق… لماذا يطلب منك قرضاً؟
الخيط: قلبُ الإطار من أول آية: عطاؤك ليس خسارةً — هو دَينٌ مضمونُ الردّ عند من يقبض ويبسط
۞
مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
البقرة ٢٤٥
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
الملك الغني يطلب قرضاً من عبده الفقير — لا لحاجته سبحانه، بل ليضمن لعبدِه أن عطاءه دَينٌ مضمون الرد مضاعفاً: فكما أن القرض يجب أداؤه، فثوابُك واصلٌ لا محالة، والتضعيف أُبهم عمداً لأن المبهم في الترغيب أقوى من المحدود. وربما توهم الإنسان أنه إذا أنفق افتقر — فجاء الجواب في الآية نفسها: ﴿والله يقبض ويبسط﴾، فالإمساك لا يبسط الرزق والإنفاق لا يقبضه. ومن لطائف التسمية: لا يقرضك إلا محب.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على البقرة ٢٤٥

تسمية النفقة قرضاً تقلب العطاء إلى استثمار
ولما كان القتال فى سبيل الله لا يتم إلا بالنفقة وبذل الأموال في ذلك، أمر تعالى بالإنفاق في سبيله ورغب فيه، وسماه قرضا فقال: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} فينفق ما تيسر من أمواله في طرق الخيرات، خصوصًا في الجهاد، والحسن هو الحلال المقصود به وجه الله تعالى
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٣٢
يسمي وهم الافتقار بالإنفاق ويهدمه
ولما كان الإنسان ربما توهم أنه إذا أنفق افتقر دفع تعالى هذا الوهم بقوله: {والله يقبض ويبسط} أي: يوسع الرزق على من يشاء ويقبضه عمن يشاء، فالتصرف كله بيديه ومدار الأمور راجع إليه، فالإمساك لا يبسط الرزق، والإنفاق لا يقبضه، ومع ذلك فالإنفاق غير ضائع على أهله، بل لهم يوم يجدون ما قدموه كاملًا موفرا مضاعفا
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٣٣
يؤصّل استعارة «القرض» لله: بذلٌ حقيقتُه إرجاعُ المثل مضموناً، فيقلب الإنفاق من خسارة إلى دَين مضمون الردّ
وَالْقَرْض إِسْلَافُ الْمَالِ وَنَحْوِهِ بِنِيَّةِ إِرْجَاعِ مِثْلِهِ، وَيُطْلَقُ مَجَازًا عَلَى الْبَذْلِ لِأَجْلِ الْجَزَاءِ، فَيَشْمَلُ بِهَذَا الْمَعْنَى بَذْلَ النَّفْسِ وَالْجِسْمِ رَجَاءَ الثَّوَابِ، فَفِعْلُ (يُقْرِضُ) مُسْتَعْمَلٌ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ٤٨١
يفسّر «والله يقبض ويبصط» بتعريضٍ بالوعد بالتوسعة على المنفق والتقتير على البخيل، ويعضده بالحديث — دواء مباشر لخوف النقصان
يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا: يَقْبِضُ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ وَيَبْسُطُ الْجَزَاءَ وَالثَّوَابَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ يَقْبِضُ نُفُوسًا عَنِ الْخَيْرِ وَيَبْسُطُ نُفُوسًا لِلْخَيْرِ، وَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالْوَعْدِ بِالتَّوْسِعَةِ عَلَىالْمُنْفِقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالتَّقْتِيرِ عَلَى الْبَخِيلِ.وَفِي الْحَدِيثِ «اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا وَمُمْسِكًا تَلَفًا»
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ٤٨٣
⚖️ التخريج: هو دعاء المَلَكين في الحديث المتفق عليه — البخاري (١٤٤٢) ومسلم (١٠١٠) من حديث أبي هريرة، ولفظ ابن عاشور اختصارٌ له.
«وإليه ترجعون»: جزاء الآخرة أعظم مما وُعدوا به في الدنيا، والممسك هو المحروم — إتمام قلب الإطار من خسارة إلى استثمار
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّنْبِيهِ وَالتَّذْكِيرِ بِأَنَّ مَا أُعِدَّ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْجَزَاءِ عَلَى الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَعْظَمُ مِمَّا وُعِدُوا بِهِ مِنَ الْخَيْرِ فِي الدُّنْيَا، وَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأَنَّ الْمُمْسِكَ الْبَخِيلَ عَنِ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَحْرُومٌ مِنْ خَيْرٍ كَثِيرٍ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ٤٨٣
الفروق الثلاثة ثم الحكمة: الثواب واصل لا محالة
أَنَّ الْقَرْضَ إِنَّمَا يَأْخُذُهُ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِفَقْرِهِ وَذَلِكَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ وَثَانِيهَا: أَنَّ الْبَدَلَ فِي الْقَرْضِ الْمُعْتَادِ لَا يَكُونُ إِلَّا الْمِثْلَ، وَفِي هَذَا الْإِنْفَاقِ هُوَ الضِّعْفُ وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْمَالَ الَّذِي يَأْخُذُهُ الْمُسْتَقْرِضُ لا يكون ملكا له وهاهنا هَذَا الْمَالُ الْمَأْخُوذُ مِلْكٌ لِلَّه … ثُمَّ مَعَ حُصُولِ هَذِهِ الْفُرُوقِ سَمَّاهُ اللَّهُ قَرْضًا، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَضِيعُ عِنْدَ اللَّهِ، فَكَمَا أَنَّ الْقَرْضَ يَجِبُ أَدَاؤُهُ لَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِهِ فَكَذَا الثَّوَابُ الْوَاجِبُ عَلَى هَذَا الْإِنْفَاقِ وَاصِلٌ إِلَى الْمُكَلَّفِ لَا مَحَالَة
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٦، ص ٥٠٠
من علم أن القبض والبسط بيد الله سهل عليه الإنفاق
أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا عَلِمَ أَنَّ الْقَبْضَ وَالْبَسْطَ بِاللَّهِ انْقَطَعَ نَظَرُهُ عَنْ مَالِ الدُّنْيَا، وَبَقِيَ اعْتِمَادُهُ عَلَى اللَّهِ، فَحِينَئِذٍ يَسْهُلُ عَلَيْهِ إِنْفَاقُ الْمَالِ فِي سَبِيلِ مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٦، ص ٥٠١
المبهم في الترغيب أقوى من المحدود
أَنَّ هَذَا التَّضْعِيفَ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا هُوَ وَكَمْ هُوَ؟ وَإِنَّمَا أَبْهَمَ تَعَالَى ذَلِكَ لِأَنَّ ذِكْرَ الْمُبْهَمِ فِي بَابِ التَّرْغِيبِ أَقْوَى مِنْ ذِكْرِ الْمَحْدُود
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٦، ص ٥٠١
النفقة من أعظم مقاصد السورة
ولما كانت النفقة التي هي من أعظم مقاصد السورة أوثق دعائم الجهاد وأقوى مصدق للإيمان ومحقق لمبايعة الملك الديان كرر الحث عليها على وجه أبلغ تشويقاً مما مضى
نظم الدرر، البقاعي، جـ٣، ص ٤٠٢
«لا يقرضك إلا محب» — قلب الإطار إلى محبة
وشبه سبحانه وتعالى العمل به لما يرجى عليه من الثواب فهو كالقرض الذي هو بذل المال للرجوع بمثله، وعبر به لدلالته على المحبة لأنه لا يقرضك إلا محب، ولأن أجره أكثر من أجر الصدقة
نظم الدرر، البقاعي، جـ٣، ص ٤٠٢-٤٠٣
مصادر جُمل الموجز: السعدي + ابن عاشور + الرازي + البقاعي — والصفحات كلها في القطوف أعلاه.
المحطة الثانية

من قبل أن يأتي يوم

ماذا لو أُغلق السوق للأبد؟
الخيط: نداء الوقت: أبواب التحصيل الثلاثة — الشراء والصداقة والواسطة — تُغلق كلها يومئذ… وبعد النداء مباشرةً تجيء آيةُ الكرسي
۞
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ۗ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ
البقرة ٢٥٤
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
أصعبُ شيئين على الإنسان: بذل النفس وبذل المال — فلما قدّم أمر القتال أعقبه أمرُ الإنفاق. وليس في الآية وعيدٌ بل فرصة: حصِّلوا زادَ يومٍ تنسدّ فيه طرقُ التحصيل الثلاث كلها: لا شراءٌ ولا صداقةٌ تُسعف ولا واسطة. وهذا من لطف الله: أمَرَنا بتقديم ما يكون ذخراً لنا في يومٍ يحتاج فيه العاملون إلى مثقال ذرة من الخير. ثم يقع في النفس سؤال: فمن الملِكُ في ذلك اليوم؟ — فتجيء آيةُ الكرسي بعدها جواباً، ويعود الكلام بعدها إلى النفقة: فهي من ذخائر ذلك اليوم.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على البقرة ٢٥٤

أمر الإنفاق نفسه لطف وادخار
وهذا من لطف الله بعباده أن أمرهم بتقديم شيء مما رزقهم الله، من صدقة واجبة ومستحبة، ليكون لهم ذخرًا وأجرًا موفرًا في يوم يحتاج فيه العاملون إلى مثقال ذرة من الخير، فلا بيع فيه ولو افتدى الإنسان نفسه بملء الأرض ذهبا ليفتدي به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منه، ولم ينفعه خليل ولا صديق لا بوجاهة ولا بشفاعة
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٣٨
نداء الوقت: نفي البيع والخلة والشفاعة كناية عن تعذر تدارك الفائت، إذ تنسدّ يومئذ طرق التحصيل الثلاث كلها: الشراء والصداقة والواسطة
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ حَثٌّ آخَرُ لِأَنَّهُ يُذَكِّرُ بِأَنَّ هُنَالِكَ وَقْتًا تَنْتَهِي الْأَعْمَالُ إِلَيْهِ وَيَتَعَذَّرُ الِاسْتِدْرَاكُ فِيهِ، وَالْيَوْمُ هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَانْتِفَاءُ الْبَيْعِ وَالْخُلَّةِ وَالشَّفَاعَةِ كِنَايَةٌ عَنْ تَعَذُّرِ التَّدَارُكِ لِلْفَائِتِ، لِأَنَّ الْمَرْءَ يُحَصِّلُ مَا يَعُوزُهُ بِطُرُقٍ هِيَ الْمُعَاوَضَةُ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْبَيْعِ، وَالِارْتِفَاقِ مِنَ الْغَيْرِ وَذَلِكَ بِسَبَبِ الْخُلَّةِ، أَوْ بِسَبَبِ تَوَسُّطِ الْوَاسِطَةِ إِلَى مَنْ لَيْسَ بِخَلِيلٍ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ١٤
يجعل ترك الإنفاق والكفر متلازمين تنزيهاً للمؤمنين عن تركه — تغليظ بلاغي يوقظ السامع على خطورة الإمساك
وَذِكْرُ الْكَافِرِينَ فِي مَقَامِ التَّسْجِيلِ فِيهِ تَنْزِيهٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ أَنْ يَتْرُكُوا الْإِنْفَاقَ إِذْ لَا يُظَنُّ بِهِمْ ذَلِكَ، فَتَرْكُهُ وَالْكُفْرُ مُتَلَازِمَانِ، فَالْكَافِرُونَ يَظْلِمُونَ أَنْفُسَهُمْ، وَالْمُؤْمِنُونَ لَا يَظْلِمُونَهَا
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ١٦
بذل المال أصعب الأشياء على الإنسان
اعْلَمْ أَنَّ أَصْعَبَ الْأَشْيَاءِ عَلَى الْإِنْسَانِ بَذْلُ النَّفْسِ فِي الْقِتَالِ، وَبَذْلُ الْمَالِ فِي الْإِنْفَاقِ فَلَمَّا قَدَّمَ الْأَمْرَ بِالْقِتَالِ أَعْقَبَهُ بِالْأَمْرِ بِالْإِنْفَاق
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٦، ص ٥٣٠
يحول يوم لا بيع فيه من تهديد إلى فرصة
وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ وَعِيدٌ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: حَصِّلُوا مَنَافِعَ الْآخِرَةِ حِينَ تَكُونُونَ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّكُمْ إِذَا خَرَجْتُمْ مِنَ الدُّنْيَا لَا يُمْكِنُكُمْ تَحْصِيلُهَا وَاكْتِسَابُهَا فِي الْآخِرَة
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٦، ص ٥٣١
مناسبة نداء ٢٥٤ بصيغة الأمر
ولما كان الاختلاف على الأنبياء سبباً للجهاد الذي هو حظيرة الدين وكان عماد الجهاد النفقة أتبع ذلك قوله رجوعاً إلى أول السورة من هنا إلى آخرها وإلى التأكيد بلفظ الأمر لما تقدم الحث عليه من أمر النفقة: {يا أيها الذين آمنوا}
نظم الدرر، البقاعي، جـ٤، ص ٢١

على البقرة ٢٥٥

مناسبة آية الكرسي بعد نداء ٢٥٤
فلما تمت الأوامر وهالت تلك الزواجر وتشوقت الأنفس وتشوفت الخواطر إلى معرفة سبب انقطاع الوصل بانبتار الأسباب وانتفاء الشفاعة في ذلك اليوم … ولأجل هذه الأغراض ساق الكلام مساق جواب السؤال فكأنه قيل: هذا ما لا يعرف من أحوال الملوك فمن الملك في ذلك اليوم؟ فذكر آية الكرسي سيدة آي القرآن التي ما اشتمل كتاب على مثلها
نظم الدرر، البقاعي، جـ٤، ص ٢٦-٢٧

على البقرة ٢٦١

عودة الكلام بعد آية الكرسي إلى الإنفاق — النفقة ذخيرة ذلك اليوم
ولما انقضى جواب السؤال عن الملك الذي لا تنفع عنده شفاعة بغير إذنه ولا خلة ولا غيرهما وما تبع ذلك إلى أن ختم بقصة الأطيار التي صغت إلى الخليل بالإنفاق عليها والإحسان إليها ثنى الكلام إلى الأمر بالنفقة قبل ذلك اليوم الذي لا تنفع فيه الوسائل إلا بالوجه الذي شرعه … فصرح بأن النفقة المأمور بها من ذخائر ذلك اليوم الذي لا ينفع فيه إلا ما شرعه
نظم الدرر، البقاعي، جـ٤، ص ٧٣
مصادر جُمل الموجز: السعدي + ابن عاشور + الرازي + البقاعي — والصفحات كلها في القطوف أعلاه.
المحطة الثالثة

سألوا «ماذا» فأجاب «لمن»

لماذا أجاب القرآن سؤالاً غير الذي سُئل؟
الخيط: نقطة التحقق: الجوابُ ببيان المصرف مطابقٌ لمقصود السؤال لا عدولٌ عنه — ثم سألوا «كم» فقال: العفو
۞
يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ۖ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
البقرة ٢١٥
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ
البقرة ٢١٩
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
سألوا عن الشيء المنفَق فجاء الجواب ببيان المصرف — لأن النفقة لا يُعتدّ بها إلا أن تقع موقعها، فسؤال العقلاء عن الإنفاق إنما هو عن مواقعه، وكان الجواب مطابقاً للسؤال لا عدولاً عنه. وقُدّم الوالدان لأنهما كالمُخرِج له من العدم إلى الوجود في عالم الأسباب. ولما سألوا عن المقدار قال: العفو — ما سمحت به النفس من غير كلفة، وما زاد عن حاجتك بلا مشقة: أمرٌ لا يشق فيدوم ويعمّ — حكمة بالغة وأصل اقتصادي عمراني — وبابه مفتوح لكل أحدٍ بحسبه ولو بشقّ تمرة.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على البقرة ٢١٥

أقرب ما في صفحات المصدر لآية ٢١٥: سؤال «ماذا ينفقون» وُزّع جوابه على الموضعين «ليقع الجواب في كل مكان بما يناسبه»
وَقِيلَ هُوَ رُجُوعٌ إِلَى الْجَوَابِ عَنْ سُؤَالِ عَمْرِو بْنِ الْجُمُوحِ الَّذِي قِيلَ إِنَّهُ الْمُجَابُ عَنْهُ بقوله تَعَالَى:يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْن … وَعَلَيْهِ فَالْجَوَابُ عَنْ سُؤَالِهِ مُوَزَّعٌ عَلَى الْمَوْضِعَيْنِ لِيَقَعَ الْجَوَابُ فِي كُلِّ مَكَانٍ بِمَا يُنَاسِبُهُ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ٣٥١
السؤال بـ«ماذا» كان في حقيقته سؤالاً عن الإنفاق المقبول عند الله، فجاء الجواب ببيان المصرف مطابقاً للسؤال لا عدولاً عنه
وَمَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ عَنِ الْمُنْفِقِ السُّؤَالُ عَنْ أَحْوَالِهِ الَّتِي يَقَعُ بِهَا مَوْقِعَ الْقَبُولِ عِنْدَ اللَّهِ، فَإِنَّ الْإِنْفَاقَ حَقِيقَةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي الْبَشَرِ وَقَدْ عَرَفَهَا السَّائِلُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. … فَسَأَلُوا فِي الْإِسْلَامِ عَنِ الْمُعْتَدِّ بِهِ مِنْ ذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ، فَلِذَلِكَ طَابَقَ الْجَوَابُ السُّؤَالَ إِذْ أُجِيبَ: قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِين
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ٣١٧
مقصد الإنفاق إيصال النفع، فسؤال «ماذا» يتعين أن يكون عن مواقع الإنفاق أي «لمن»
فَلَيْسَ فِي هَذَا الْجَوَابِ ارْتِكَابُ الْأُسْلُوبِ الْحَكِيمِ كَمَا قِيلَ، إِذْ لَا يُعْقَلُ أَنْ يَسْأَلُوا عَنِ الْمَالِ الْمُنْفَقِ بِمَعْنَى السُّؤَالِ عَنِ النَّوْعِ الَّذِي يُنْفَقُ مِنْ ذَهَبٍ أَمْ مِنْ وَرِقٍ أَمْ مِنْ طَعَامٍ، لِأَنَّ هَذَا لَا تَتَعَلَّقُ بِالسُّؤَالِ عَنْهُ أَغْرَاضُ الْعُقَلَاءِ، إِذْ هُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ الْمَقْصِدَ مِنِ الْإِنْفَاقِ إِيصَالُ النَّفْعِ لِلْمُنْفَقِ عَلَيْهِ، فَيَتَعَيَّنُ أَنَّ السُّؤَالَ عَنْ كَيْفِيَّاتِ الْإِنْفَاقِ وَمَوَاقِعِه
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ٣١٧-٣١٨
لام «فللوالدين» لام استحقاق — المصرف الأول هو الأحق
وَاللَّام فِي فَلِلْوالِدَيْنِ لِلْمِلْكِ، بِمَعْنَى الِاسْتِحْقَاقِ أَيْ فالحقيق بِهِ الْوَالِدين أَيْ إِنْ تُنْفِقُوا فَأَنْفِقُوا لِلْوَالِدَيْنِ أَوْ أَعْطُوا لِلْوَالِدَيْن
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ٣١٨
سألوا ماذا فأجيبوا بلمن: تكميل للبيان
حَصَلَ فِي الْآيَةِ مَا يَكُونُ جَوَابًا عَنِ السُّؤَالِ وَضَمَّ إِلَيْهِ زِيَادَةً بِهَا يَكْمُلُ ذَلِكَ الْمَقْصُودُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ: مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ جَوَابٌ عَنِ السُّؤَالِ، ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ الْإِنْفَاقَ لَا يَكْمُلُ إِلَّا إِذَا كَانَ مَصْرُوفًا إِلَى جِهَةِ الِاسْتِحْقَاقِ، فَلِهَذَا لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْجَوَابَ أَرْدَفَهُ بِذِكْرِ الْمَصْرِفِ تَكْمِيلًا لِلْبَيَان
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٦، ص ٣٨٢
تعليل تقديم الوالدين في المصارف
فَقَدَّمَ الْوَالِدَيْنِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا كَالْمُخْرِجِ لَهُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ فِي عَالَمِ الْأَسْبَابِ، ثُمَّ رَبَّيَاهُ فِي الْحَالِ الَّذِي كَانَ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ، فَكَانَ إِنْعَامُهُمَا عَلَى الِابْنِ أَعْظَمَ مِنْ إِنْعَامِ غَيْرِهِمَا عَلَيْه
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٦، ص ٣٨٢
عمّم «ماذا» وخصّص «لمن»: النفقة لا يُعتد بها إلا أن تقع موقعها
وعدل عن بيان المنفق ما هو إلى بيان المصرف لأنه أنفع على وجه عرف منه سؤالهم وهو كل مال عدّوه خيرا … فعمم المنفق منه وهو كل ماله تعدونه خيراً وخص المصرف مبيناً أهمه لأن النفقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها
نظم الدرر، البقاعي، جـ٣، ص ٢١٤-٢١٥
نقل الحرالي: المنفَق هو الفضل كله — يمهد لجواب ﴿قل العفو﴾ ويلمس خوف النقص — نقله البقاعي عن الحرالي
وكان حق ذلك أن لا يسأل عماذا ينفق، لأن المنفق هو الفضل كله، قال صلى الله عليه وسلم: «يا ابن آدم! إن تبذل الفضل خير لك وإن تمسكه شر لك»
نظم الدرر، البقاعي، جـ٣، ص ٢١٣
⚖️ التخريج: بنحوه عند مسلم (١٠٣٦) من حديث أبي أمامة: «يا ابنَ آدم، إنك أن تبذُل الفضل خيرٌ لك، وأن تمسكه شرٌّ لك…».

على البقرة ٢١٩

باب الإنفاق مفتوح لكل أحد ولو بشق تمرة
وهذا سؤال عن مقدار ما ينفقونه من أموالهم، فيسر الله لهم الأمر, وأمرهم أن ينفقوا العفو, وهو المتيسر من أموالهم, الذي لا تتعلق به حاجتهم وضرورتهم، وهذا يرجع إلى كل أحد بحسبه, من غني وفقير ومتوسط, كل له قدرة على إنفاق ما عفا من ماله, ولو شق تمرة.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١١٦-١١٧
الأمر بالإنفاق سعادة المنفق لا تكليف شاق
ذلك بأن الله تعالى لم يأمرنا بما أمرنا به حاجة منه لنا, أو تكليفا لنا بما يشق بل أمرنا بما فيه سعادتنا, وما يسهل علينا, وما به النفع لنا ولإخواننا فيستحق على ذلك أتم الحمد.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١١٧
مناسبة ذكر سؤال الإنفاق عقب الخمر والميسر: تحريمهما يُتوقّع منه تعطل إنفاق عظيم ينتفع به المحاويج، فبيّنت الآية وجه الإنفاق الحق
وَمُنَاسَبَةُ التَّرْكِيبِ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ يُتَوَقَّعُ مِنْهُ تَعَطُّلُ إِنْفَاقٍ عَظِيمٍ كَانَ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمَحَاوِيجُ، فَبَيَّنَتْ لَهُمُ الْآيَةُ وَجْهَ الْإِنْفَاقِ الْحَقَّ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ٣٥١
توجيه «قل العفو»: أمرٌ بإنفاق لا يشق فيضمن التعميم والدوام — «حكمة بالغة وأصل اقتصادي عمراني» يلمس خوف «أن ينقص ما معي» مباشرة
فَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَرْءَ لَيْسَ مُطَالَبًا بِارْتِكَابِ الْمَآثِمِ لِيُنْفِقَ عَلَى الْمَحَاوِيجِ، وَإِنَّمَا يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ مِمَّا اسْتَفْضَلَهُ مِنْ مَالِهِ وَهَذَا أَمْرٌ بِإِنْفَاقٍ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ وَهَذَا أَفْضَلُ الْإِنْفَاقِ، لِأَنَّ مَقْصِدَ الشَّرِيعَةِ مِنَ الْإِنْفَاقِ إِقَامَةُ مَصَالِحِ ضُعَفَاءِ الْمُسْلِمِين … وَإِنَّمَا يَحْصُلُ التَّعْمِيمُ وَالدَّوَامُ بِالْإِنْفَاقِ مِنَ الْفَاضِلِ عَنْ حَاجَاتِ الْمُنْفِقِينَ فَحِينَئِذٍ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ فَلَا يَتْرُكُهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَلَا يُخِلُّونَ بِهِ فِي وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِهِمْ، وَهَذِهِ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ وَأَصْلٌ اقْتِصَادِيٌّ عُمْرَانِي
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ٣٥١
حديث يستشهد به عند تفسير العفو: خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى — يطمئن المنفق أن البداءة بمن يعول ليست تقصيراً
وَفِي الْحَدِيثِ: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ»
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ٣٥١
⚖️ التخريج: البخاري (١٤٢٦) من حديث أبي هريرة — بلفظه.
الرابط بين السؤالين: المصرف ثم الكمية
اعْلَمْ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فأجيب عنه بذكر المصرف وأعيد هاهنا فَأُجِيبُ عَنْهُ بِذِكْرِ الْكَمِّيَّة … كَانَ النَّاسُ لَمَّا رَأَوُا اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَحُضَّانِ عَلَى الْإِنْفَاقِ وَيَدُلَّانِ عَلَى عَظِيمِ ثَوَابِهِ، سَأَلُوا عَنْ مِقْدَارِ مَا كُلِّفُوا بِهِ، هَلْ هُوَ كُلُّ الْمَالِ أَوْ بَعْضُهُ، فَأَعْلَمَهُمُ اللَّهُ أَنَّ الْعَفْوَ مَقْبُول
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٦، ص ٤٠٢
العفو ميزان الفضيلة بين التبذير والتقتير
وَقَالَ الْحُكَمَاءُ: الْفَضِيلَةُ بَيْنَ طَرَفَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ، فَالْإِنْفَاقُ الْكَثِيرُ هُوَ التَّبْذِيرُ، وَالتَّقْلِيلُ جِدًّا هُوَ التَّقْتِيرُ، وَالْعَدْلُ هُوَ الْفَضِيلَةُ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: قُلِ الْعَفْو
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٦، ص ٤٠٣
من نفقة مذمومة إلى نفقة ممدوحة
ولما ذكر ما يذهب ضياء الروح وقوام البدن وذم النفقة فيهما اقتضى الحال السؤال عما يمدح الإنفاق فيه فقال عاطفاً على السؤال عن المقتضي لتبذير المال {ويسئلونك ماذا ينفقون}
نظم الدرر، البقاعي، جـ٣، ص ٢٥٩-٢٦٠
تعريف العفو وتقسيم المنفق ثلاث رتب — نقله البقاعي عن الحرالي
{قل العفو} وهو ما سمحت به النفس من غير كلفة … فصار المنفق على ثلاث رتب: رتبة حق مفروض لا بد منه وهي الصدقة المفروضة التي إمساكها هلكة في الدنيا والآخرة، وفي مقابلته عفو لا ينبغي الاستمساك به لسماح النفس بفساده فمن أمسكه تكلف إمساكه، وفيما بينهما ما تنازع النفس إمساكه فيقع لها المجاهدة في إنفاقه وهو متجرها الذي تشتري به الآخرة من دنياها
نظم الدرر، البقاعي، جـ٣، ص ٢٦١
العفو: «ما سمحت به النفس من غير كلفة» — الحرالي عند البقاعي (القطوف أعلاه)
مصادر جُمل الموجز: السعدي + ابن عاشور + الرازي + البقاعي — والصفحات كلها في القطوف أعلاه.
المحطة الرابعة

حبةٌ أنبتت سبع سنابل

أي تاجرٍ يرفض ربحاً بسبعمائة ضعف؟
الخيط: منطق التاجر نفسه: من علم أن البذرة تُخرج سبعمائة… لا يمسكها
۞
مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
البقرة ٢٦١
وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
البقرة ٢٦٥
أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ
البقرة ٢٦٦
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
صورةٌ تُري البصيرةَ ما يراه البصرُ في الحقل: حبةٌ تصير سبعمائة — وهي أدنى الحساب لا أقصاه، ثم فتح الله بابَ التضعيف إلى ما لا يصل إليه عدّ. واختيرت الحبةُ أصلاً للتمثيل لأن تضعيفها من ذاتها. ومنطق التاجر نفسه يقضي: من علم أن البذرة الواحدة تُخرج سبعمائة ما كان ينبغي له تركُ ذلك ولا التقصيرُ فيه. ومَثَلُ الجنة بربوة: وابلٌ أو طلّ — والثواب متفاوتٌ بتفاوت الإخلاص «ولكنها لا تخيب صاحبها»، والمنمّي لنفقتك أرحمُ بك من نفسك. أما مثل الجنة التي احترقت: فالعبد أحوجُ ما يكون لعمله حين لا يقدر على العمل.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على البقرة ٢٦١

البصيرة ترى المضاعفة كما يرى البصر الزرع
وهذا إحضار لصورة المضاعفة بهذا المثل، الذي كان العبد يشاهده ببصره فيشاهد هذه المضاعفة ببصيرته، فيقوى شاهد الإيمان مع شاهد العيان، فتنقاد النفس مذعنة للإنفاق سامحة بها مؤملة لهذه المضاعفة الجزيلة والمنة الجليلة
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٤٣
خزائن الواسع لا ينقصها العطاء
فيعطيهم أجرهم بغير حساب {والله واسع} الفضل، واسع العطاء، لا ينقصه نائل ولا يحفيه سائل، فلا يتوهم المنفق أن تلك المضاعفة فيها نوع مبالغة، لأن الله تعالى لا يتعاظمه شيء ولا ينقصه العطاء على كثرته
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٤٣
مثل الحبة والسنابل — وجه اختيار الحبة أصلاً للتمثيل أن تضعيفها من ذاتها لا بشيء يزاد عليها
وَقَدْ شُبِّهَ حَالُ إِعْطَاءِ النَّفَقَةِ وَمُصَادَفَتُهَا مَوْقِعَهَا وَمَا أُعْطِيَ مِنَ الثَّوَابِ لَهُمْ بِحَالِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ إِلَخ، أَيْ زُرِعَتْ فِي أَرْضٍ نَقِيَّةٍ وَتُرَابٍ طَيِّبٍ وَأَصَابَهَا الْغَيْثُ فَأَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ. … وَجُعِلَ أَصْلُ التَّمْثِيلِ فِي التَّضْعِيف حبّة لِأَنَّ تَضْعِيفَهَا مِنْ ذَاتِهَا لَا بِشَيْءٍ يُزَادُ عَلَيْهَا، وَقَدْ شَاعَ تَشْبِيهُ الْمَعْرُوفِ بِالزَّرْعِ وَتَشْبِيهُ السَّاعِي بِالزَّارِع
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٤١
منطق التاجر: من علم أن الحبة تخرج سبعمائة لا يترك البذر
أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْآيَةِ أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ إِنْسَانٌ يَطْلُبُ الزِّيَادَةَ وَالرِّبْحَ أَنَّهُ إِذَا بَذَرَ حَبَّةً وَاحِدَةً أَخْرَجَتْ لَهُ سَبْعَمِائَةِ حَبَّةٍ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ تَرْكُ ذَلِكَ وَلَا التَّقْصِيرُ فِيهِ فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِمَنْ طَلَبَ الْأَجْرَ فِي الْآخِرَةِ عِنْدَ اللَّهِ أَنْ لَا يَتْرُكَهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ عَلَى الْوَاحِدَةِ عَشْرَةٌ وَمِائَةٌ، وَسَبْعُمِائَة
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٧، ص ٤٠
السبعمائة أدنى الحساب لا أقصاه — نقله البقاعي عن الحرالي
فجعل أدنى النفقة في سبيل الله سبعمائة ضعف، ثم فتح تعالى باب التضعيف إلى ما لا يصل إليه عد
نظم الدرر، البقاعي، جـ٤، ص ٧٥

على البقرة ٢٦٥

آفتا النفقة: الرياء والتردد
وذلك أن النفقة يعرض لها آفتان إما أن يقصد الإنسان بها محمدة الناس ومدحهم وهو الرياء، أو يخرجها على خور وضعف عزيمة وتردد، فهؤلاء سلموا من هاتين الآفتين فأنفقوا ابتغاء مرضات الله لا لغير ذلك من المقاصد، وتثبيتا من أنفسهم
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٤٥
المنمي لنفقتك «أرحم بك من نفسك»
فهذه حالة المنفقين أهل النفقات الكثيرة والقليلة كل على حسب حاله، وكل ينمى له ما أنفق أتم تنمية وأكملها والمنمي لها هو الذي أرحم بك من نفسك، الذي يريد مصلحتك حيث لا تريدها
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٤٥-١٤٦
«تثبيتاً من أنفسهم»: كبح النفس عن التردد وسدّ مجال خواطر الشح
وَالتَّثْبِيتُ تَحْقِيقُ الشَّيْءِ وَتَرْسِيخُهُ، وَهُوَ تَمْثِيلٌ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِكَبْحِ النَّفْسِ عَنِ التَّشَكُّكِ وَالتَّرَدُّدِ، أَيْ أَنَّهُمْ يَمْنَعُونَ أَنْفُسَهُمْ مِنَ التَّرَدُّدِ فِي الْإِنْفَاقِ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ وَلَا يَتْرُكُونَ مَجَالًا لِخَوَاطِرِ الشُّحِّ، وَهَذَا مِنْ قَوْلِهِمْ ثَبَتَ قَدَمُهُ أَيْ لَمْ يَتَرَدَّدْ وَلَمْ يَنْكِصْ، فَإِنَّ إِرَاضَةَ النَّفْسِ عَلَى فِعْلِ مَا يَشُقُّ عَلَيْهَا لَهَا أَثَرٌ فِي رُسُوخِ الْأَعْمَالِ حَتَّى تَعْتَادَ الْفَضَائِلَ وَتَصِيرَ لَهَا دَيْدَنًا.وَإِنْفَاقُ الْمَالِ مِنْ أَعْظَمِ مَا تَرَسُخُ بِهِ الطَّاعَةُ فِي النَّفْسِ لِأَنَّ الْمَالَ لَيْسَ أَمْرًا هَيِّنًا عَلَى النَّفْس
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٥١
الثواب متفاوت بتفاوت الإخلاص «ولكنها لا تخيب صاحبها»
وَالْمَعْنَى أَنَّ الْإِنْفَاقَ لِابْتِغَاءِ مَرْضَاةِ اللَّهِ لَهُ ثَوَابٌ عَظِيمٌ، وَهُوَ- مَعَ ذَلِكَ- مُتَفَاوِتٌ عَلَى تَفَاوُتِ مِقْدَارِ الْإِخْلَاصِ فِي الِابْتِغَاءِ وَالتَّثْبِيتِ كَمَا تَتَفَاوَتُ أَحْوَالُ الْجَنَّاتِ الزَّكِيَّةِ فِي مِقْدَارِ زَكَائِهَا وَلَكِنَّهَا لَا تخيب صَاحبهَا.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٥٣
معشوق النفس الحياة والمال فمن بذل ماله ثبت بعض نفسه
أَنَّ النَّفْسَ لَا ثَبَاتَ لَهَا فِي مَوْقِفِ الْعُبُودِيَّةِ، إِلَّا إِذَا صَارَتْ مَقْهُورَةً بِالْمُجَاهَدَةِ، وَمَعْشُوقُهَا أَمْرَانِ: الْحَيَاةُ الْعَاجِلَةُ وَالْمَالُ، فَإِذَا كُلِّفَتْ بِإِنْفَاقِ الْمَالِ فَقَدْ صَارَتْ مقهورة من بعض الوجوه … وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ بَذَلَ مَالَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ فَقَدْ ثَبَّتَ بَعْضَ نَفْسِهِ، وَمَنْ بَذَلَ مَالَهُ وَرُوحَهُ مَعًا فَهُوَ الَّذِي ثَبَّتَهَا كُلَّهَا
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٧، ص ٤٨

على البقرة ٢٦٦

مأساة من تحترق صدقته ساعة الحاجة
والعبد أحوج ما يكون لعمله إذا مات وكان بحالة لا يقدر معها على العمل، فيجد عمله الذي يؤمل نفعه هباءً منثورًا، ووجد الله عنده فوفاه حسابه.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٤٦
مصادر جُمل الموجز: السعدي + ابن عاشور + الرازي + البقاعي — والصفحات كلها في القطوف أعلاه.
المحطة الخامسة

لا منٌّ ولا أذى ولا خبيث

كيف تحترق الصدقة بعد خروجها؟
الخيط: آدابٌ تحفظ الزرع: الصدقة قد تخرج من اليد سليمةً… ثم يبطلها لسانُ صاحبها أو قصدُه
۞
الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ۙ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
البقرة ٢٦٢
قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ
البقرة ٢٦٣
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ
البقرة ٢٦٤
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ
البقرة ٢٦٧
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
المنُّ قطعٌ لما وصلتَه — من أصل معناه اللغوي — وهو يزيد قلبَ الفقير المنكسر انكساراً فيصير العطاءُ إساءةً بعد إحسان. والمنّةُ أصلاً لله وحده: فالعبد لا يمنّ بنعمة الله وفضله وهو ليس منه. ورُفع تركُ المنّ والأذى فوق رتبة الصدقة نفسها، وأقلُّ قولٍ معروف خيرٌ من صدقة يتبعها أذى. وصدقةُ الرياء ترابٌ رقيق على صفوان: أول وابلٍ يكشف الحجر — عكسُ مثل الحبة عمداً. ولا تعطِ اللهَ ما لا تقبله أنت إلا مُغمِضاً — فكونوا أغنياءَ القلوب عن الشح.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على البقرة ٢٦٢

المال الذي تمن به ليس منك أصلاً
وإنما كان المنّ بالصدقة مفسدا لها محرمًا, لأن المنّة لله تعالى وحده, والإحسان كله لله, فالعبد لا يمنّ بنعمة الله وإحسانه وفضله وهو ليس منه
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٤٤
سرّ العطف بـ«ثم لا يتبعون»: ترتيبٌ رتبي يرفع ترك المنّ والأذى فوق الصدقة نفسها
يَعْنِي أَنَّ ثمَّ للتَّرْتِيب الرتبي لَا لِلْمُهْلَةِ الزَّمَنِيَّةِ تَرْفِيعًا لِرُتْبَةِ تَرْكِ الْمَنِّ وَالْأَذَى عَلَى رُتْبَةِ الصَّدَقَةِ لِأَنَّ الْعَطَاءَ قَدْ يَصْدُرُ عَنْ كَرَمِ النَّفْسِ وَحُبِّ الْمَحْمَدَةِ فَلِلنُّفُوسِ حَظٌّ فِيهِ مَعَ حَظِّ الْمُعْطَى، بِخِلَافِ تَرْكِ الْمَنِّ وَالْأَذَى فَلَا حَظَّ فِيهِ لنَفس الْمُعْطِي فإنّ الْأَكْثَر يميلون إِلَى التبجّح والتطاول على الْمُعْطى
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٤٢
المن يزيد انكسار قلب الفقير
أَنَّ الْفَقِيرَ الْآخِذَ لِلصَّدَقَةِ مُنْكَسِرُ الْقَلْبِ لِأَجْلِ حَاجَتِهِ إِلَى صَدَقَةٍ غَيْرُ مُعْتَرِفٍ بِالْيَدِ الْعُلْيَا لِلْمُعْطِي، فَإِذَا أَضَافَ الْمُعْطِي إِلَى ذَلِكَ إِظْهَارَ ذَلِكَ الْإِنْعَامِ، زَادَ ذَلِكَ فِي انْكِسَارِ قَلْبِهِ، فَيَكُونُ فِي حُكْمِ الْمَضَرَّةِ بَعْدَ الْمَنْفَعَةِ، وَفِي حُكْمِ الْمُسِيءِ إِلَيْهِ بَعْدَ أَنْ أَحْسَنَ إِلَيْه
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٧، ص ٤١
المنّ من القطع — الممتنّ يقطع ما وصله — نقله البقاعي عن الحرالي
وهو ذكره لمن أنفق عليه فيكون قطعاً لوصله بالإغضاء عنه لأن أصل معنى المنّ القطع {ولا أذى} وهو ذكره لغيره فيؤذيه بذلك لما يتعالى عليه بإنفاقه
نظم الدرر، البقاعي، جـ٤، ص ٧٧

على البقرة ٢٦٣

من لا يجد مالاً يملك كلمة كريمة
{قول معروف} أي: تعرفه القلوب ولا تنكره، ويدخل في ذلك كل قول كريم فيه إدخال السرور على قلب المسلم، ويدخل فيه رد السائل بالقول الجميل والدعاء له
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٤٤
تنكير «قول معروف» للتقليل — أقلُّ قولٍ معروف خير من صدقة يتبعها أذى
وَتَنْكِيرُ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ لِلتَّقْلِيلِ، أَيْ أَقَلُّ قَوْلٍ مَعْرُوفٍ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى. … وَفِي هَذَا تَعْرِيضٌ بِأَنَّ الْأَذَى يُوشِكُ أَنْ يُبْطِلَ ثَوَابَ الصَّدَقَةِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٤٧
الكلمة الطيبة إنفاع محض بلا إضرار
وَسَبَبُ هَذَا التَّرْجِيحِ أَنَّهُ إِذَا أَعْطَى، ثُمَّ أَتْبَعَ الْإِعْطَاءَ بِالْإِيذَاءِ، فَهُنَاكَ جَمْعٌ بَيْنَ الْإِنْفَاعِ وَالْإِضْرَارِ، وَرُبَّمَا لَمْ يَفِ ثَوَابُ الْإِنْفَاعِ بِعِقَابِ الْإِضْرَارِ، وَأَمَّا الْقَوْلُ الْمَعْرُوفُ فَفِيهِ إِنْفَاعٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَتَضَمَّنُ إِيصَالَ السُّرُورِ إِلَى قَلْبِ الْمُسْلِمِ وَلَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ الْإِضْرَارُ، فَكَانَ هَذَا خَيْرًا مِنَ الْأَوَّل
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٧، ص ٤٣

على البقرة ٢٦٤

صدقة الرياء تراب رقيق على حجر قاس
فكذلك حال هذا المرائي، قلبه غليظ قاس بمنزلة الصفوان، وصدقته ونحوها من أعماله بمنزلة التراب الذي على الصفوان، إذا رآه الجاهل بحاله ظن أنه أرض زكية قابلة للنبات، فإذا انكشفت حقيقة حاله زال ذلك التراب وتبين أن عمله بمنزلة السراب
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٤٥
مَثَل الصفوان عكسُ مثل الحبة عمداً، ووجه الشبه خيبة الأمل ساعة الحصاد
وَقَدْ رُوعِيَ فِي هَذَا التَّمْثِيلِ عَكْسُ التَّمْثِيلِ لِمَنْ يُنْفِقُ مَالَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِحَبَّةٍ أَغَلَّتْ سَبْعَمِائَةِ حَبَّةٍ.فَالتَّشْبِيهُ تَشْبِيهُ مُرَكَّبٍ مَعْقُولٍ بِمُرَكَّبٍ مَحْسُوسٍ. وَوَجْهُ الشَّبَهِ الْأَمَلُ فِي حَالَةٍ تَغُرُّ بِالنَّفْعِ ثُمَّ لَا تَلْبَثُ أَلَّا تَأْتِيَ لِآمِلِهَا بِمَا أَمَّلَهُ فَخَابَ أَمَلُهُ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٤٩
من قصد غير وجه الله أتى بالعمل باطلاً من الابتداء
لَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لَا تُبْطِلُوا النَّهْيَ عَنْ إِزَالَةِ هَذَا الثَّوَابِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ بَلِ الْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَذَا الْعَمَلِ بَاطِلًا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا قَصَدَ بِهِ غَيْرَ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ أَتَى بِهِ مِنَ الِابْتِدَاءِ عَلَى نَعْتِ الْبُطْلَان
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٧، ص ٤٤
الأعمال ذخائر وبذور والصفوان أرض المرائي
أَنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ ذَخَائِرُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ عَمِلَ بِإِخْلَاصٍ فَكَأَنَّهُ طَرَحَ بَذْرًا فِي أَرْضٍ فَهُوَ يُضَاعَفُ لَهُ وَيَنْمُو حَتَّى يَحْصُدَهُ فِي وَقْتِهِ، وَيَجِدَهُ وَقْتَ حَاجَتِهِ، وَالصَّفْوَانُ محَلُّ بَذْرِ الْمُنَافِقِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَنْمُو فِيهِ شَيْءٌ وَلَا يَكُونُ فِيهِ قَبُولٌ لِلْبَذْر
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٧، ص ٤٧

على البقرة ٢٦٧

لا تعط الله ما لا تقبله أنت إلا مغمضاً
واقصدوا في تلك النفقة الطيب الذي تحبونه لأنفسكم، ولا تيمموا الرديء الذي لا ترغبونه ولا تأخذونه إلا على وجه الإغماض والمسامحة
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٤٧
ثمرة «ولا تيمموا الخبيث»: «فكونوا أغنياء القلوب عن الشح»
أَيْ فَتَخَلَّقُوا بِذَلِكَ لِأَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَالَاتٌ، فَكُونُوا أَغْنِيَاءَ الْقُلُوبِ عَنِ الشُّحِّ مَحْمُودِينَ عَلَى صَدَقَاتِكُمْ، وَلَا تُعْطُوا صَدَقَاتٍ تُؤْذِنُ بِالشُّحِّ وَلَا تشكرون عَلَيْهَا.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٥٨
مصادر جُمل الموجز: السعدي + ابن عاشور + الرازي + البقاعي — والصفحات كلها في القطوف أعلاه.
المحطة السادسة — الذروة

الوعدان

من الذي يخوّفك حين تهمّ بالعطاء؟
الخيط: هنا قلبُ الجرح: خوفُك ساعةَ العطاء ليس صوتَك — إنه وعدُ عدوّك… وقابلَه وعدُ ربك
۞
الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
البقرة ٢٦٨
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
خوفُك من الفقر ساعةَ العطاء ليس صوتك — إنه وعدُ عدوّك، والبخلُ مذمومٌ عند كل أحد فلا يمكن للشيطان تحسينُه في عينك إلا بتقديم تلك المقدمة: التخويف من الفقر — وليس هذا نصحاً لك بل هو غايةُ الغش. وقابلَه وعدُ ربك: مغفرةٌ منه وفضل. وفقرُ غدِ الدنيا مشكوكٌ فيه، ووعدُ غدِ العقبى متيقَّنٌ مقطوعٌ به. وكل حريص فقيرٌ ولو ملك الدنيا — وفي خوف الفقر إباقُ العبد عن ربه. فأيُّ الوعدين يسكنك الآن؟
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على البقرة ٢٦٨

وسوسة الخوف من الفقر «غاية الغش»
وإياكم أن تتبعوا عدوكم الشيطان الذي يأمركم بالإمساك، ويخوفكم بالفقر والحاجة إذا أنفقتم، وليس هذا نصحًا لكم، بل هذا غاية الغش {إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} بل أطيعوا ربكم الذي يأمركم بالنفقة على وجه يسهل عليكم ولا يضركم
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٤٧
تشريح وعد الشيطان بالفقر: تخويفٌ يصدّ عن إعطاء خيار المال
لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَصُدُّ النَّاسَ عَنْ إِعْطَاءِ خِيَارِ أَمْوَالِهِمْ، وَيُغْرِيهِمْ بِالشُّحِّ أَوْ بِإِعْطَاءِ الرَّدِيءِ وَالْخَبِيثِ، وَيُخَوِّفُهُمْ مِنَ الْفَقْرِ إِنْ أَعْطَوْا بَعْضَ مَالِهِمْ. … فَشَبَّهَ إِلْقَاءَ الشَّيْطَانِ فِي نُفُوسِهِمْ تَوَقُّعَ الْفَقْرِ بِوَعْدٍ مِنْهُ بِحُصُولِهِ لَا مَحَالَةَ، وَوَجْهُ الشَّبَهِ مَا فِي الْوَعْدِ مِنْ مَعْنَى التَّحَقُّق
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٥٩
لا يمكنه تحسين البخل إلا بمقدمة التخويف من الفقر
أَنَّ الشَّيْطَانَ يُخَوِّفُهُ أَوَّلًا بِالْفَقْرِ ثُمَّ يَتَوَصَّلُ بِهَذَا التَّخْوِيفِ إِلَى أَنْ يَأْمُرَهُ بِالْفَحْشَاءِ وَيُغْرِيَهُ بِالْبُخْلِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبُخْلَ صِفَةٌ مَذْمُومَةٌ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ فَالشَّيْطَانُ لَا يُمْكِنُهُ تَحْسِينُ الْبُخْلِ فِي عَيْنِهِ إِلَّا بِتَقْدِيمِ تِلْكَ الْمُقَدِّمَةِ، وَهِيَ التَّخْوِيفُ مِنَ الْفَقْر
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٧، ص ٥٦
فقر غد الدنيا مشكوك ومغفرة غد العقبى متيقنة
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ لَطِيفَةٌ وَهِيَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَعِدُكَ الْفَقْرَ فِي غَدِ دُنْيَاكَ، وَالرَّحْمَنُ يَعِدُكَ الْمَغْفِرَةَ فِي غَدِ عُقْبَاكَ، وَوَعْدُ الرَّحْمَنِ فِي غَدِ الْعُقْبَى أَوْلَى بِالْقَبُولِ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا: أَنَّ وِجْدَانَ غَدِ الدُّنْيَا مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَوِجْدَانَ غَدِ الْعُقْبَى مُتَيَقِّنٌ مَقْطُوعٌ بِه
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٧، ص ٥٦
«خوف الفقر إباق العبد عن ربه» — يضرب الجرح في الصميم — نقله البقاعي عن الحرالي
الذي لخوفه تقاطع أهل الدنيا وتدابروا وحرصوا وادخروا. وكل ذلك لا يزيل الفقر، كل حريص فقير ولو ملك الدنيا، وكل مقتنع غني، ومن حق من كان عبداً لغني أن يتحقق أنه غني يغني سيده، ففي خوف الفقر إباق العبد عن ربه
نظم الدرر، البقاعي، جـ٤، ص ٩١
مصادر جُمل الموجز: السعدي + ابن عاشور + الرازي + البقاعي — والصفحات كلها في القطوف أعلاه.
المحطة السابعة

بالليل والنهار سراً وعلانية

أين تذهب نفقةٌ لا يراها أحد؟
الخيط: ما أنفقتَ من نفقة فإن الله يعلمه — والإبداءُ حَسَنٌ والإخفاءُ خير، والميزانُ المصلحة
۞
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ
البقرة ٢٦٩
وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ۗ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ
البقرة ٢٧٠
إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
البقرة ٢٧١
لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ
البقرة ٢٧٢
الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
البقرة ٢٧٤
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
ما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه — والعلمُ هنا كنايةٌ عن الجزاء: لا يصدّ القادرَ عن الجزاء إلا عدمُ العلم، وعلمُه محيطٌ حتى بباعثك الخفي. وجوازُ الإبداء يدفع توهماً يعطّل الصدقات: أن يمسك المرءُ خشيةَ الرياء، والإبداءُ أفضل إن قُصد به الاقتداء. وفضلُ الإخفاء أن فيه إبقاءً على ماء وجه الفقير، والميزان المصلحة. وآدابُ الإنفاق هذه كلها من الحكمة التي آتاكم الله — وأعلى الحكمة الجودُ بالموجود. وخاتمة المقطع تجمع الأزمنة والأحوال كلها: بالليل والنهار سراً وعلانية — فأفضلُهم المنفق ليلاً سراً، ولهم أجرهم عند ربهم ولا خوفٌ عليهم إذا خاف المقصّرون.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على البقرة ٢٦٩

آداب الإنفاق نفسها من الحكمة التي آتاهم الله
فَالْمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ إِلَى نَفَاسَةِ مَا وَعَظَهُمُ اللَّهُ بِهِ، وَتَنْبِيهُهُمْ إِلَى أَنَّهُمْ قَدْ أَصْبَحُوا بِهِ حُكَمَاءَ بَعْدَ أَنْ كَانُوا فِي جَاهِلِيَّة جُهَلَاءَ. فَالْمَعْنَى: هَذَا مِنَ الْحِكْمَةِ الَّتِي آتَاكُمُ اللَّهُ، فَهُوَ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاء
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٦١
أعلى الحكمة الجود بالموجود — نقله البقاعي عن الحرالي
فكان أعلى الحكمة الجود بالموجود فبذلك - والله سبحانه وتعالى أعلم - اتصل ذكر آية الحكمة بالإنفاق نظماً وبآية الكرسي مناظرة
نظم الدرر، البقاعي، جـ٤، ص ٩٧

على البقرة ٢٧٠

لا تضيع نفقة والله يعلم الباعث الخفي
وهذا فيه المجازاة على النفقات، واجبها ومستحبها، قليلها وكثيرها، التي أمر الله بها، والنذور التي ألزمها المكلف نفسه، وإن الله تعالى يعلمها فلا يخفى عليه منها شيء، ويعلم ما صدرت عنه، هل هو الإخلاص أو غيره، فإن صدرت عن إخلاص وطلب لمرضاة الله جازى عليها بالفضل العظيم والثواب الجسيم
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٤٨
«فإن الله يعلمه» كناية عن الجزاء — كل نفقة محفوظة الأجر
فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ كِنَايَةٌ عَنِ الْجَزَاءِ عَلَيْهِ لِأَنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِالْكَائِنَاتِ لَا يَشُكُّ فِيهِ السَّامِعُونَ، فَأُرِيدَ لَازِمُ مَعْنَاهُ، وَإِنَّمَا كَانَ لَازِمًا لَهُ لِأَنَّ الْقَادِرَ لَا يَصُدُّهُ عَنِ الْجَزَاءِ إِلَّا عَدَمُ الْعِلْمِ بِمَا يَفْعَلُهُ الْمُحْسِنُ أَوِ الْمُسِيءُ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٦٦
من بخل بنصر الفقير بماله أعدمه الله النصير في المضائق
وَنَفْيُ الْأَنْصَارِ كِنَايَةٌ عَنْ نَفْيِ النَّصْرِ وَالْغَوْثِ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَفِي الدُّنْيَا لِأَنَّهُمْ لَمَّا بَخِلُوا بِنَصْرِهِمُ الْفَقِيرَ بِأَمْوَالِهِمْ فَإِنَّ اللَّهَ يُعْدِمُهُمُ النَّصِيرَ فِي الْمَضَائِقِ، وَيُقَسِّي عَلَيْهِمْ قُلُوبَ عِبَادِهِ، وَيُلْقِي عَلَيْهِمُ الْكَرَاهِيَةَ من النَّاس.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٦٦
يعلمه: وعد عظيم لأنه يعلم ما في قلب المتصدق
فِي قَوْلِهِ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ عَلَى اخْتِصَارِهِ، يُفِيدُ الْوَعْدَ الْعَظِيمَ لِلْمُطِيعِينَ، وَالْوَعِيدَ الشَّدِيدَ لِلْمُتَمَرِّدِينَ، وَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِمَا فِي قَلْبِ الْمُتَصَدِّقِ مِنْ نِيَّةِ الْإِخْلَاصِ وَالْعُبُودِيَّةِ أَوْ مِنْ نِيَّةِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَة
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٧، ص ٦٠
لا تضيع نفقة ولا نذر ولو دقّ
فما جمعتم من شيء فإن الله مطالبكم في وضعه وجمعه بوجه الحكمة ومحاسبكم على ذلك، فعطف عليه حثّاً على الإسرار بالنفقة في الخير والوفاء بالنذر وتحذيراً من الإنفاق في المعصية ولو على أدق الوجوه بأنه يعلم ذلك كله ويجازي عليه
نظم الدرر، البقاعي، جـ٤، ص ٩٧

على البقرة ٢٧١

فقه السر والعلانية بميزان المصلحة
ففي هذا أن صدقة السر على الفقير أفضل من صدقة العلانية، وأما إذا لم تؤت الصدقات الفقراء فمفهوم الآية أن السر ليس خيرا من العلانية، فيرجع في ذلك إلى المصلحة، فإن كان في إظهارها إظهار شعائر الدين وحصول الاقتداء ونحوه، فهو أفضل من الإسرار
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٤٨-١٤٩
سرّ جواز الإبداء — دفعُ توهّمٍ يعطل الصدقات
فَهَذَا الِاسْتِئْنَافُ يَدْفَعُ تَوَهُّمًا مِنْ شَأْنِهِ تَعْطِيلُ الصَّدَقَاتِ وَالنَّفَقَاتِ، وَهُوَ أَنْ يُمْسِكَ الْمَرْءُ عَنْهَا إِذَا لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ ظُهُورِهَا فَيَخْشَى أَنْ يُصِيبَهُ الرِّيَاءُ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٦٧
علة فضل الإخفاء: «إبقاء على ماء وجه الفقير»
وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ تَفْضِيلٌ لِصَدَقَةِ السِّرِّ لِأَنَّ فِيهَا إِبْقَاءً عَلَى مَاءِ وَجْهِ الْفَقِيرِ، حَيْثُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ غَيْرُ الْمُعْطِي.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٦٧
الإظهار هتك لستر الفقير
أَنَّ فِي الْإِظْهَارِ هَتْكَ عِرْضِ الْفَقِيرِ وَإِظْهَارَ فَقْرِهِ، وَرُبَّمَا لَا يَرْضَى الْفَقِيرُ بِذَلِكَ وَالثَّانِي: أَنَّ فِي الْإِظْهَارِ إِخْرَاجَ الْفَقِيرِ مِنْ هَيْئَةِ التَّعَفُّفِ وَعَدَمِ السُّؤَال
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٧، ص ٦٢
الإظهار أفضل إذا قصد به الاقتداء
وَأَمَّا الْوَجْهُ فِي جَوَازِ إِظْهَارِ الصَّدَقَةِ، فَهُوَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ إِذَا أَظْهَرَهَا، صَارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِاقْتِدَاءِ الْخَلْقِ بِهِ فِي إِعْطَاءِ الصَّدَقَاتِ، فَيَنْتَفِعُ الْفُقَرَاءُ بِهَا فَلَا يَمْتَنِعُ، وَالْحَالُ هَذِهِ أَنْ يَكُونَ الْإِظْهَارُ أَفْضَلَ.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٧، ص ٦٣
قاعدة الموازنة بين الإبداء والإخفاء
أَنَّهُ إِذَا كَانَتِ الْحَالُ وَاحِدَةً فِي الْإِبْدَاءِ وَالْإِخْفَاءِ، فَالْأَفْضَلُ هُوَ الْإِخْفَاءُ، فَأَمَّا إِذَا حَصَلَ فِي الْإِبْدَاءِ أَمْرٌ آخَرُ لَمْ يَبْعُدْ تَرْجِيحُ الْإِبْدَاءِ عَلَى الْإِخْفَاء
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٧، ص ٦٣

على البقرة ٢٧٢

لا ينقص من أجر المنفق مثقال ذرة
{وما تنفقوا من خير يوف إليكم} يوم القيامة تستوفون أجوركم {وأنتم لا تظلمون} أي: تنقصون من أعمالكم شيئًا ولا مثقال ذرة، كما لا يزاد في سيئاتكم.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٤٩
مقصودكم مرضاته وقد حصل في السر فما معنى الإبداء
أَنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِالسِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ وَأَنْتُمْ إِنَّمَا تُرِيدُونَ بِالصَّدَقَةِ طَلَبَ مَرْضَاتِهِ، فَقَدْ حَصَلَ مَقْصُودُكُمْ فِي السِّرِّ، فَمَا مَعْنَى الْإِبْدَاءِ، فَكَأَنَّهُمْ نُدِبُوا بِهَذَا الْكَلَامِ إِلَى الْإِخْفَاءِ ليكون أبعد من الرياء
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٧، ص ٦٥

على البقرة ٢٧٤

من جعل الإنفاق حالة دائمة أمن يوم يخاف المقصرون
ثم ذكر حالة المتصدقين في جميع الأوقات على جميع الأحوال فقال: {الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله} أي: طاعته وطريق مرضاته، لا في المحرمات والمكروهات وشهوات أنفسهم {بالليل والنهار سرًا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم} أي: أجر عظيم من خير عند الرب الرحيم {ولا خوف عليهم} إذا خاف المقصرون {ولا هم يحزنون} إذا حزن المفرطون، ففازوا بحصول المقصود المطلوب، ونجوا من الشرور والمرهوب
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٥٠
بشارة دنيوية: الله يُكسب المنفقين محبة الناس
وَهَذَا بِشَارَةٌ لِلْمُنْفِقِينَ بِطِيبِ الْعَيْشِ فِي الدُّنْيَا فَلَا يَخَافُونَ اعْتِدَاءَ الْمُعْتَدِينَ لِأَنَّ اللَّهَ أَكْسَبَهُمْ مَحَبَّةَ النَّاسِ إِيَّاهُمْ، وَلَا تَحِلُّ بِهِمُ الْمَصَائِبُ الْمُحْزِنَةُ إِلَّا مَا لَا يَسْلَمُ مِنْهُ أَحَدٌ مِمَّا هُوَ مُعْتَادٌ فِي إِبَّانِهِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٧٨
أكمل الإنفاق أن يعم الأوقات والأحوال
أَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ فِي الَّذِينَ يَعُمُّونَ الْأَوْقَاتِ وَالْأَحْوَالَ بِالصَّدَقَةِ تُحَرِّضُهُمْ عَلَى الْخَيْرِ، فَكُلَّمَا نَزَلَتْ بِهِمْ حَاجَةُ مُحْتَاجٍ عَجَّلُوا قَضَاءَهَا وَلَمْ يُؤَخِّرُوهَا وَلَمْ يُعَلِّقُوهَا بِوَقْتٍ وَلَا حَال
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٧، ص ٧١
سلّم الأصناف الأربعة ورأسه الإسرار — نقله البقاعي عن الحرالي
فأفضلهم المنفق ليلاً سراً. وأنزلهم المنفق نهاراً علانية؛ فهم بذلك أربعة أصناف
نظم الدرر، البقاعي، جـ٤، ص ١٠٨
مصادر جُمل الموجز: السعدي + ابن عاشور + الرازي + البقاعي — والصفحات كلها في القطوف أعلاه.
الجسر الختامي

يحسبهم الجاهلُ أغنياء

كيف تصل صدقتك إلى من لا يمدّ يده؟
الخيط: أولى الناس بصدقتك من لا يسألك — ثم يفتح القرآنُ الصفحةَ المقابلة: شرُّ الناس مَن يأكلهم
۞
لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
البقرة ٢٧٣
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
أولى الناس بصدقتك من لا يسألك: المتعففون الذين أُحصروا في سبيل الله، يحسبهم الجاهلُ أغنياء — والتعفف نفسه مبدأ هذا الحسبان، ولهم هيبةٌ في قلوب الخلق: إدراكاتٌ روحانية لا علّاتٌ جسمانية، يجعلون فقرهم بحيث لا يطّلع عليه إلا الخالق. فابحث عنهم ولا تنتظر سؤالهم — فلم يغادر القرآنُ شيئاً من الحث على إبلاغ الصدقات إلى أيدي الفقراء إلا جاء به. ثم يفتح القرآن الصفحة المقابلة مباشرة: فأفضلُ الناس المنفق، وشر الناس المُربي — وذلك بابُ الجلسة المجاورة: مَن يأكل الناس.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على البقرة ٢٧٣

ثناء القرآن على من يخفي فقره
قوله: {يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف} وهذا بيان لصدق صبرهم وحسن تعففهم.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٤٩
المتعفف أولى الناس بصدقتك
قوله: {لا يسألون الناس إلحافا} أي: لا يسألونهم سؤال إلحاف، أي: إلحاح، بل إن صدر منهم سؤال إذا احتاجوا لذلك لم يلحوا على من سألوا، فهؤلاء أولى الناس وأحقهم بالصدقات لما وصفهم به من جميل الصفات
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٤٩
التعفف هو مبدأ هذا الحسبان
يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ حَالٌ مِنَ الْفُقَرَاءِ، أَيِ الْجَاهِلُ بِحَالِهِمْ مِنَ الْفَقْرِ يَظُنُّهُمْ أَغْنِيَاءَ، وَمن لِلِابْتِدَاءِ لِأَنَّ التَّعَفُّفَ مبدأ هَذَا الحسبان.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٧٥
تعقيب جامع على آية المصارف والمتعففين
فَأَنْتَ تَرَى كَيْفَ لَمْ يُغَادِرِ الْقُرْآنُ شَيْئًا مِنَ الْحَثِّ عَلَى إِبْلَاغِ الصَّدَقَاتِ إِلَى أَيْدِي الْفُقَرَاءِ إِلَّا وَقَدْ جَاءَ بِهِ، وَأَظْهَرَ بِهِ مَزِيدَ الِاعْتِنَاءِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٧٦
تعرفهم بسيماهم: هيبة روحانية
أَنَّ لِعِبَادِ اللَّهِ الْمُخْلِصِينَ هَيْبَةً وَوَقْعًا فِي قُلُوبِ الْخَلْقِ، كُلُّ مَنْ رَآهُمْ تَأَثَّرَ مِنْهُمْ وَتَوَاضَعَ لَهُمْ وَذَلِكَ إِدْرَاكَاتٌ رُوحَانِيَّةٌ، لَا عِلَّاتٌ جُسْمَانِيَّة
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٧، ص ٦٩
يجعلون فقرهم بحيث لا يطلع عليه إلا الخالق
أَنَّهُمْ سَكَتُوا عَنِ السُّؤَالِ لَكِنَّهُمْ لَا يَضُمُّونَ إِلَى ذَلِكَ السُّكُوتِ مِنْ رَثَاثَةِ الْحَالِ وَإِظْهَارِ الِانْكِسَارِ مَا يَقُومُ مَقَامَ السُّؤَالِ عَلَى سَبِيلِ الْإِلْحَافِ بَلْ يُزَيِّنُونَ أَنْفُسَهُمْ عِنْدَ النَّاسِ وَيَتَجَمَّلُونَ بِهَذَا الْخُلُقِ وَيَجْعَلُونَ فَقْرَهُمْ وَحَاجَتَهُمْ بِحَيْثُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إِلَّا الْخَالِق
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٧، ص ٧٠
كرامة الفقير الراضي الذي لا يشكو
وأشار إلى شدة رضاهم عن الله سبحانه وتعالى بعدم شكايتهم فقال: {يحسبهم الجاهل} أي الذي ليس عنده فطنة الخلص {أغنياء من} أجل {التعفف} عن المسألة والتلويح بها قناعة بما أعطاهم الله سبحانه وتعالى مولاهم
نظم الدرر، البقاعي، جـ٤، ص ١٠٤
مصادر جُمل الموجز: السعدي + ابن عاشور + الرازي + البقاعي — والصفحات كلها في القطوف أعلاه. ﴿يحسبهم الجاهل أغنياء﴾ سبق فتحُها في جلسة «أم حسبتم» — فالإحالة هنا بلا تكرار.
id="qishraBtn" aria-label="إعدادات العرض"