عَلى الطَّريق جلسة · رحلة تدبر تغيّر نظرتك لموضوع واحد
جـلـسـة

حربٌ من الله… ونَظِرةٌ إلى ميسرة

ذنبٌ واحد في القرآن كلِّه أُعلنت عليه الحرب… وبجواره أرحمُ آيات المال.
٩ آيات وإحالتان ٧ محطات وجسر ٦ دقائق بالموجز — أو نصف ساعة بالقطوف
ميزان نحاسي: كفة رماد وكفة سنابل خضراء ترجح
الصور هنا رسمها الذكاء الاصطناعي لتؤنس الطريق — أما المعاني فمن مصادرها الموثقة وحدها.
خريطة الجلسة
رحلة المال والرحمة…
من الحرب إلى النَّظِرة
١البوابةكيف يقوم من يأكل الربا… وممّ يتخبط؟ ٢اقتصادانكيف تنقص الزيادة وتزيد النقصان؟ ٣الحرب المعلَنةما الذنب الوحيد الذي أُعلنت عليه الحرب؟ ٤البديلماذا يقتل الربا أولَ ما يقتل؟ ٥يوم الرجوعبمَ خُتم القرآن كلُّه؟ ٦أطول آيةلماذا أطولُ آيةٍ في القرآن آيةُ دَين؟ ٧نظرة إلى ميسرةلماذا نُنظِر المعسر… ونحن أصحاب الحق؟ جسرجسر الختامأي المجتمعين تريد أن تعيش فيه؟
اضغط أي محطة للانتقال إليها — أو امضِ في الرحلة بترتيبها
المحطة الأولى

الذي يتخبطه المسّ

كيف يقوم من يأكل الربا… وممّ يتخبط؟
الخيط: صورةُ البوابة: يُخالُ قوياً وافرَ المال… وهو لا يملك لنفسه شيئاً
۞
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
البقرة ٢٧٥
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
صورةُ آكل الربا: يقوم كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس — والتخبطُ يبدأ في الدنيا: تُعجبك استقامةُ حاله ووفرةُ ماله وهو كالممسوس لا يملك لنفسه شيئاً، يُقبل في محل الإدبار ويُدبر في محل الإقبال. وحجتُهم ﴿إنما البيع مثل الربا﴾ هي منطقُ إبليس نفسه: معارضةُ النص بالقياس. والفرقُ حاسم: البيعُ إعانةٌ لطالب الحاجات، والربا استغلالٌ لحاجة الفقير — والتداينُ همٌّ وكربٌ استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف يُستغلّ صاحبُه؟ وهذه الآيةُ أغلقت بابَ المعذرة في أكل الربا — والموعظةُ نفسُها رحمةٌ من الله بالموعوظ.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على البقرة ٢٧٥

صورة افتتاحية لمآل آكل الربا
يخبر تعالى عن أكلة الربا وسوء مآلهم وشدة منقلبهم، أنهم لا يقومون من قبورهم ليوم نشورهم {إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} أي: يصرعه الشيطان بالجنون، فيقومون من قبورهم حيارى سكارى مضطربين، متوقعين لعظيم النكال وعسر الوبال
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٥٠
التخبط دنيوي: الجشع يسلخ العقل الأدبي
ويحتمل أن يكون قوله: {لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} أنه لما انسلبت عقولهم في طلب المكاسب الربوية خفت أحلامهم وضعفت آراؤهم، وصاروا في هيئتهم وحركاتهم يشبهون المجانين في عدم انتظامها وانسلاخ العقل الأدبي عنهم
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٥٠
مدار الحل المصلحة ومدار التحريم الظلم
{وأحل الله البيع} أي: لما فيه من عموم المصلحة وشدة الحاجة وحصول الضرر بتحريمه، وهذا أصل في حل جميع أنواع التصرفات الكسبية حتى يرد ما يدل على المنع {وحرم الربا} لما فيه من الظلم وسوء العاقبة
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٥٠
الموعظة رحمة من الله بالموعوظ
بل الربا من كبائر الذنوب وموبقاتها {فمن جاءه موعظة من ربه} أي: وعظ وتذكير وترهيب عن تعاطي الربا على يد من قيضه الله لموعظته رحمة من الله بالموعوظ، وإقامة للحجة عليه
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٥١
افتتاحية تضع آيات الربا في نسق واحد لحفظ مال الأمة
نَظَمَ الْقُرْآنُ أَهَمَّ أَصُولِ حِفْظِ مَالِ الْأُمَّةِ فِي سِلْكِ هَاتِهِ الْآيَاتِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٧٨
موقع الآية في مسار التحريم: إغلاق باب المعذرة
فَكَانَتْ آيَةُ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ مَبْدَأَ التَّحْرِيمِ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إِغْلَاقَ بَابِ الْمَعْذِرَةِ فِي أَكْلِ الرِّبَا وَبَيَانًا لِكَيْفِيَّةِ تَدَارُكِ مَا سَلَفَ مِنْهُ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٨١
آكل الربا يُخال قوياً وهو كالممسوس لا يملك شيئاً
وَيَجُوزُ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى تَشْبِيهُ مَا يُعْجِبُ النَّاسَ مِنِ اسْتِقَامَةِ حَالِهِمْ، وَوَفْرَةِ مَالِهِمْ، وَقُوَّةِ تِجَارَتِهِمْ، بِمَا يَظْهَرُ مِنْ حَالِ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ حَتَّى تَخَالَهُ قَوِيًّا سَرِيعَ الْحَرَكَةِ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ شَيْئًا.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٨١
الربا استغلال لحاجة الفقير والبيع إعانة
فَالتِّجَارَةُ مُعَامَلَةٌ بَيْنَ غَنِيَّيْنِ:أَلَا تَرَى أَنَّ كِلَيْهِمَا بَاذِلٌ لِمَا لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَآخِذٌ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَالْمُتَسَلِّفُ مَظِنَّةُ الْفَقْرِ، وَالْمُشْتَرِي مَظِنَّةُ الْغِنَى، فَلِذَلِكَ حَرَّمَ الرِّبَا لِأَنَّهُ اسْتِغْلَالٌ لِحَاجَةِ الْفَقِيرِ وَأَحَلَّ الْبَيْعَ لِأَنَّهُ إِعَانَةٌ لِطَالِبِ الْحَاجَاتِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٨٥
التداين هم وكرب استعاذ منه النبي
فَقَدْ كَانَ الِاقْتِرَاضُ لِدَفْعِ حَاجَةِ الْمُقْتَرِضِ لِلْإِنْفَاقِ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعُدُّونَ التَّدَايُنَ هَمًّا وَكَرْبًا، وَقَدِ اسْتَعَاذَ مِنْهُ النَّبِيءُ صلى الله عليه وسلم، وَحَالُ التَّاجِرِ حَالُ التَّفَضُّلِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٨٥
خبط الدنيا بحب المال يورث خبط الآخرة
وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَدْعُو إِلَى طَلَبِ اللَّذَّاتِ وَالشَّهَوَاتِ وَالِاشْتِغَالِ بِغَيْرِ اللَّهِ، فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا مُتَخَبِّطًا، فَتَارَةً الشَّيْطَانُ يَجُرُّهُ إِلَى النَّفْسِ وَالْهَوَى، وَتَارَةً الْمَلَكُ يَجُرُّهُ إِلَى الدِّينِ وَالتَّقْوَى، فَحَدَثَتْ هُنَاكَ حَرَكَاتٌ مُضْطَرِبَةٌ، وَأَفْعَالٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَهَذَا هُوَ الْخَبْطُ الْحَاصِلُ بِفِعْلِ الشَّيْطَانِ وَآكِلُ الرِّبَا لَا شَكَّ أَنَّهُ يَكُونُ مُفْرِطًا فِي حُبِّ الدُّنْيَا مُتَهَالِكًا فِيهَا، فَإِذَا مَاتَ عَلَى ذَلِكَ الْحُبِّ صَارَ ذَلِكَ الْحُبُّ حِجَابًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَالْخَبْطُ الَّذِي كَانَ حَاصِلًا فِي الدُّنْيَا بِسَبَبِ حُبِّ الْمَالِ أَوْرَثَهُ الْخَبْطَ فِي الآخرة، وأوقعه في ذلك الْحِجَابِ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ أَقْرَبُ عِنْدِي مِنَ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ نَقَلْنَاهُمَا عَمَّنْ نَقَلْنَا.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٧، ص ٧٦
حجة إنما البيع مثل الربا هي منطق إبليس
فَهَذَا هُوَ شُبْهَةُ الْقَوْمِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَجَابَ عَنْهُ بِحَرْفٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا وَوَجْهُ الْجَوَابِ أَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ مُعَارَضَةٌ لِلنَّصِّ بِالْقِيَاسِ، وَهُوَ مِنْ عَمَلِ إِبْلِيسَ، فَإِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَهُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ صلى الله عليه وسلم عَارَضَ النَّصَّ بِالْقِيَاسِ، فَقَالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِين
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٧، ص ٧٧
تحريم الربا برحمة الرحيم بالفقير الضعيف
وَرَابِعُهَا: هُوَ أَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمُقْرِضَ يَكُونُ غَنِيًّا، وَالْمُسْتَقْرِضَ يَكُونُ فَقِيرًا، فَالْقَوْلُ/ بِتَجْوِيزِ عَقْدِ الرِّبَا تَمْكِينٌ لِلْغَنِيِّ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الفقير الضعيف ما لا زَائِدًا، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ بِرَحْمَةِ الرَّحِيم
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٧، ص ٧٤
مناسبة تجاور مقطع الإنفاق ومقطع الربا — عمود الجلستين
ولما كان سبحانه وتعالى قد ذكر النفقة مما أفاض عليهم من الرزق من أول السورة إلى هنا في غير آية، ورغب فيها بأنواع من الترغيب في فنون من الأساليب، وكان الرزق يشمل الحلال والحرام، وكان مما يسترزقون به قبل الإسلام الربا، وهو أخذ مجاناً، وهو في الصورة زيادة وفي الحقيقة نقص وعيب، ضد ما تقدم الحث عليه من الإعطاء مجاناً، وهو في الظاهر نقص وفي الباطن زيادة وخير؛ نهاهم عن تعاطيه ونفرهم منه
نظم الدرر، البقاعي، جـ٤، ص ١٠٨-١٠٩
نظم أفضل الأحوال بأدناها — قطبا الاقتصادين — نقله البقاعي عن الحرالي
ولما كان حال المنفق لا سيما المبتغي وجه الله سبحانه وتعالى أفضل الأحوال، وهو الحال الذي دعوا إليه؛ نظم به أدنى الأحوال، وهو الذي يتوسل به إلى الأموال بالربا، فأفضل الناس المنفق، وشر الناس المربي؛ فنظم به خطاب الربا
نظم الدرر، البقاعي، جـ٤، ص ١٠٩
التخبط دنيوي أيضاً: يقبل في محل الإدبار ويدبر في محل الإقبال — نقله البقاعي عن الحرالي
في إطلاقه إشعار بحالهم في الدنيا والبرزخ والآخرة، ففي إعلامه إيذان بأن آكله يسلب عقله ويكون بقاؤه في الدنيا بخرق لا بعقل، يقبل في محل الإدبار ويدبر في محل الإقبال
نظم الدرر، البقاعي، جـ٤، ص ١١٠
مناسبة التجاور: «وهو في الصورة زيادة وفي الحقيقة نقص وعيب، ضد ما تقدم الحث عليه من الإعطاء مجاناً» — البقاعي (القطوف أعلاه): لهذا جاور القرآنُ مقطعَ الربا مقطعَ الإنفاق
مصادر جُمل الموجز: السعدي + ابن عاشور + الرازي + البقاعي — والصفحات كلها في القطوف أعلاه.
المحطة الثانية

يمحقُ اللهُ الربا ويُربي الصدقات

كيف تنقص الزيادة وتزيد النقصان؟
الخيط: تصحيحُ الحساب الحسي: الربا زيادةٌ في الصورة نقصٌ في الحقيقة — والصدقةُ عكسُه تماماً
۞
يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ
البقرة ٢٧٦
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
البقرة ٢٧٧
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
تصحيحُ الحساب الحسيّ الخادع: الربا وإن كان زيادةً في الحال إلا أنه نقصانٌ في الحقيقة، والصدقةُ وإن كانت نقصاناً في الصورة إلا أنها زيادةٌ في المعنى. والمحقُ كمُحاق القمر: ذهابُ النور مع بقاء الجِرم — بركةٌ تُنزع وإن كثُر العدد، والجزاءُ من جنس العمل. والمقابلةُ على طريقة الاحتباك: يمحقُ ويعاقب، ويُربي ويبارك. ونظيرُ المحق مثلُ الصفوان ونظيرُ الإرباء مثلُ السنابل — في جلسة الإنفاق المجاورة. ثم قطع اللهُ آياتِ الربا بصورة المؤمنين المُزكّين: أجرُهم عندَ ربهم كالنقد الحاضر لا كالدَّين المؤجل.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على البقرة ٢٧٦

محق البركة مقابل الإرباء والجزاء من جنس العمل
{يمحق الله الربا} أي: يذهبه ويذهب بركته ذاتا ووصفا، فيكون سببا لوقوع الآفات فيه ونزع البركة عنه، وإن أنفق منه لم يؤجر عليه بل يكون زادا له إلى النار {ويربي الصدقات} أي: ينميها وينزل البركة في المال الذي أخرجت منه وينمي أجر صاحبها وهذا لأن الجزاء من جنس العمل، فإن المرابي قد ظلم الناس وأخذ أموالهم على وجه غير شرعي، فجوزي بذهاب ماله
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٥١
معنى المحق بتصوير محاق القمر
وَالْمَحْقُ هُوَ كَالْمَحْوِ: بِمَعْنَى إِزَالَةِ الشَّيْءِ، وَمِنْهُ مُحَاقٌ الْقَمَرِ ذَهَابُ نُورِهِ لَيْلَةَ السِّرَارِ.وَمَعْنَى يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا أَنَّهُ يُتْلِفُ مَا حَصَلَ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا، وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ أَيْ يُضَاعِفُ ثَوَابَهَا لِأَنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَقْبَلُ الزِّيَادَةَ إِلَّا بِمَعْنَى زِيَادَةِ ثَوَابِهَا
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٩١
حديث شاهد على إرباء الله للصدقات
«مَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا طيبا تلقاها الرحمان بِيَمِينِهِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ فَيُرْبِيهَا لَهُ كَمَا يُرْبِي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ»
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٩١
⚖️ التخريج: متفق عليه بنحوه — البخاري (١٤١٠) ومسلم (١٠١٤) من حديث أبي هريرة.
الربا من شعار أهل الكفر
وَلَمَّا كَانَ شَأْنُ الِاعْتِرَاضِ أَلَّا يَخْلُوَ مِنْ مُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سِيَاقِ الْكَلَامِ، كَانَ الْإِخْبَارُ بِأَنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ جَمِيعَ الْكَافِرِينَ مُؤْذِنًا بِأَنَّ الرِّبَا مِنْ شِعَارِ أَهْلِ الْكُفْرِ، وَأَنَّهُمُ الَّذِينَ اسْتَبَاحُوهُ فَقَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا، فَكَانَ هَذَا تَعْرِيضًا بِأَنَّ الْمُرَابِيَ مُتَّسِمٌ بِخِلَالِ أَهْلِ الشِّرْكِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٩١
الزيادة الحرام نقصان في الحقيقة والنقصان الحلال زيادة في المعنى
وَذَلِكَ لِأَنَّ الدَّاعِيَ إِلَى فِعْلِ الرِّبَا تَحْصِيلُ الْمَزِيدِ فِي الْخَيْرَاتِ، وَالصَّارِفَ عَنِ الصَّدَقَاتِ الِاحْتِرَازُ عَنْ نُقْصَانِ الْخَيْرِ فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ الرِّبَا وَإِنْ كَانَ زِيَادَةٍ فِي الْحَالِ، إِلَّا أَنَّهُ نُقْصَانٌ فِي الْحَقِيقَةِ، وَأَنَّ الصَّدَقَةَ وَإِنْ كَانَتْ نُقْصَانًا فِي الصُّورَةِ، إِلَّا أَنَّهَا زِيَادَةٌ فِي الْمَعْنَى، وَلَمَّا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ كَانَ اللَّائِقُ بِالْعَاقِلِ أَنْ لَا يَلْتَفِتَ إِلَى مَا يَقْضِي بِهِ الطَّبْعُ وَالْحِسُّ مِنَ الدَّوَاعِي وَالصَّوَارِفِ، بَلْ يُعَوِّلُ عَلَى مَا نَدَبَهُ الشَّرْعُ إِلَيْهِ مِنَ الدَّوَاعِي وَالصَّوَارِف
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٧، ص ٨٠
مناسبة تربط آية المحق بمثلي الصفوان والسنابل — جسر إلى ث-9
قَالَ الْقَفَّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: / وَنَظِيرُ قَوْلِهِ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا الْمَثَلُ الَّذِي ضَرَبَهُ فِيمَا تَقَدَّمَ بِصَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا، وَنَظِيرُ قَوْلِهِ وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ الْمَثَلُ الَّذِي ضَرَبَهُ اللَّهُ بِحَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٧، ص ٨١
تصحيح الحساب الحسي الخادع — أساس فكرة اقتصادين
ولما كان المرغب في الربا ما فيه من الربح الناجز المشاهد، والمفتر عن الصدقة كونها نقصاً محققاً بالحس بيّن أن الربا وإن كان بصورة الزيادة فهو نقص وأن الصدقة وإن كانت بصورة النقص فهي زيادة
نظم الدرر، البقاعي، جـ٤، ص ١٣٣

على البقرة ٢٧٧

مناسبة آية المؤمنين المزكين بين آيات الربا
جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ لِمُقَابَلَةِ الذَّمِّ بِالْمَدْحِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرَتِهَا قَرِيبًا. وَالْمَقْصُودُ التَّعْرِيضُ بِأَنَّ الصِّفَاتِ الْمُقَابِلَةَ لهاته الصِّفَات صفت غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ. وَالْمُنَاسَبَةُ تَزْدَادُ ظُهُورًا لِقَوْلِهِ: وَآتُوا الزَّكاةَ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٩٣
أجر المتصدق عند ربه كالنقد الحاضر
لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ أَقْوَى مِنْ قَوْلِهِ: عَلَى رَبِّهِمْ أَجْرُهُمْ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يَجْرِي مَجْرَى ما … إِذَا بَاعَ بِالنَّقْدِ، فَذَاكَ النَّقْدُ هُنَاكَ حَاضِرٌ مَتَى شَاءَ الْبَائِعُ أَخَذَهُ، وَقَوْلُهُ: أَجْرُهُمْ عَلَى رَبِّهِمْ. يَجْرِي مَجْرَى مَا إِذَا بَاعَ بِالنَّسِيئَةِ فِي الذِّمَّةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَوَّلَ أَفْضَلُ.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٧، ص ٨١-٨٢
المحق: «كالمحو: بمعنى إزالة الشيء، ومنه محاق القمر ذهاب نوره ليلة السرار» — ابن عاشور (القطوف أعلاه)
مصادر جُمل الموجز: السعدي + ابن عاشور + الرازي + البقاعي — والصفحات كلها في القطوف أعلاه.
المحطة الثالثة

فأذنوا بحربٍ من الله ورسوله

ما الذنب الوحيد الذي أُعلنت عليه الحرب؟
الخيط: تفرُّدُ هذا الذنب: تنكيرُ «حرب» لتعظيم أمرها — ومع الشدة عدلٌ كامل: لا تَظلمون ولا تُظلمون
۞
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
البقرة ٢٧٨
فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ
البقرة ٢٧٩
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
أُمروا بتقوى الله قبل الأمر بترك الربا لأن التقوى أصلُ الامتثال كله. ثم جاء ما لم يجئ في ذنبٍ سواه: ﴿فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ — ونُكّرت «حربٌ» لقصد تعظيم أمرها. والمصرُّ مشاقٌّ لربه محاربٌ له وهو عاجزٌ ضعيف ليس له يدان في محاربة العزيز الحكيم. وإنما شُدّد الخطاب لأن النفس تعدُّ الربحَ المنتظَر ملكاً لها. ومع الشدة عدلٌ كامل: ﴿فلكم رءوس أموالكم﴾ — لا تَظلمون بأخذ الزيادة ولا تُظلمون بنقص رأس المال.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على البقرة ٢٧٨

التقوى أصل الامتثال كله
وَأُمِرُوا بِتَقْوَى اللَّهِ قَبْلَ الْأَمْرِ بِتَرْكِ الرِّبَا لِأَنَّ تَقْوَى اللَّهِ هِيَ أَصْلُ الِامْتِثَالِ وَالِاجْتِنَابِ وَلِأَنَّ تَرْكَ الرِّبَا مِنْ جُمْلَتِهَا. فَهُوَ كَالْأَمْرِ بِطَرِيقٍ بُرْهَانِيٍّ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٩٣
النفس تعد الربح المنتظر ملكاً لها
وَإِنَّمَا شَدَّدَ تَعَالَى فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ مَنِ انْتَظَرَ مُدَّةً طَوِيلَةً فِي حُلُولِ الْأَجَلِ، ثُمَّ حَضَرَ الْوَقْتُ وَظَنَّ نَفْسَهُ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الزِّيَادَةَ قَدْ حَصَلَتْ لَهُ، فَيَحْتَاجُ فِي مَنْعِهِ عَنْهُ إِلَى تَشْدِيدٍ عَظِيم
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٧، ص ٨٣
بلايا الأمم من الربا — نقله البقاعي عن الحرالي
فبين أن الربا والإيمان لا يجتمعان وأكثر بلايا هذه الأمة حتى أصابها ما أصاب بني إسرائيل من البأس الشنيع والانتقام بالسنين إنما هو من عمل من عمل بالربا
نظم الدرر، البقاعي، جـ٤، ص ١٣٩

على البقرة ٢٧٩

عبد ضعيف ليس له يدان يحارب العزيز الحكيم
وأما من لم ينزجر بموعظة الله ولم يقبل نصيحته فإنه مشاق لربه محارب له، وهو عاجز ضعيف ليس له يدان في محاربة العزيز الحكيم الذي يمهل للظالم ولا يهمله حتى إذا أخذه، أخذه أخذ عزيز مقتدر
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٥١
عدل التوبة: لا ظالم ولا مظلوم
{وإن تبتم} عن الربا {فلكم رءوس أموالكم} أي: أنزلوا عليها {لا تظلمون} من عاملتموه بأخذ الزيادة التي هي الربا {ولا تظلمون} بنقص رءوس أموالكم
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٥١-١٥٢
تنكير حرب لتعظيم أمرها
وَتَنْكِيرُ حَرْبٍ لِقَصْدِ تَعْظِيمِ أَمْرِهَا وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَقْصِدِ عَدَلَ عَنْ إِضَافَةِ الْحَرْبِ إِلَى اللَّهِ وَجِيءَ عِوَضًا عَنْهَا بِمَنْ وَنُسِبَتْ إِلَى اللَّهِ لِأَنَّهَا بِإِذْنِهِ عَلَى سَبِيلِ مَجَازِ الْإِسْنَادِ، وَإِلَى رَسُولِهِ لِأَنَّهُ الْمُبَلِّغُ وَالْمُبَاشِرُ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٩٤
الحرب حقيقية يخوضها الإمام
الْإِصْرَارُ عَلَى عَمَلِ الرِّبَا إِنْ كَانَ مِنْ شَخْصٍ وَقَدَرَ الْإِمَامُ عَلَيْهِ قَبَضَ عَلَيْهِ وَأَجْرَى فيه حكم الله من التعزيز وَالْحَبْسِ إِلَى أَنْ تَظْهَرَ مِنْهُ التَّوْبَةُ، وَإِنْ وَقَعَ مِمَّنْ يَكُونُ لَهُ عَسْكَرٌ وَشَوْكَةٌ، حَارَبَهُ الْإِمَامُ كَمَا يُحَارِبُ الْفِئَةَ الْبَاغِيَةَ وَكَمَا حَارَبَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه مَانِعِي الزَّكَاة.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٧، ص ٨٤
ميزان العدل المالي في كلمتين
فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ أَيْ لَا تَظْلِمُونَ الْغَرِيمَ بِطَلَبِ الزِّيَادَةِ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ، وَلَا تُظْلَمُونَ أَيْ بِنُقْصَانِ رَأْسِ الْمَالِ.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٧، ص ٨٤
نبي الرحمة نفسه يحاربه — نقله البقاعي عن الحرالي
الذي هيأه للرحمة، فكان نبي الرحمة محارباً له، فانقطعت وصلته من الرحيم والشفيع
نظم الدرر، البقاعي، جـ٤، ص ١٤٠
مصادر جُمل الموجز: السعدي + ابن عاشور + الرازي + البقاعي — والصفحات كلها في القطوف أعلاه.
المحطة الرابعة

البديل: القرضُ الحسن

ماذا يقتل الربا أولَ ما يقتل؟
الخيط: محطةُ إحالة: الربا لو حلّ لقتل القرضَ الحسن — والبديلُ معروضٌ كاملاً في الجلسة المجاورة
۞
مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
البقرة ٢٤٥ — بوابة جلسة الإنفاق المجاورة
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
لماذا حُرّم الربا؟ لأن الربا لو حلّ لانقطع المعروفُ بين الناس من القرض: لَحَملت حاجةُ المحتاج على أخذ الدرهم بدرهمين، فينقطع المواساةُ والمعروفُ والإحسان. والحدُّ الفاصل في جملة واحدة: القرضُ مساواةٌ والربا ازدياد. والإقراضُ من نوع المواساة والمعروف — فلا يحل للمقرض أن يأخذ أجراً على عمل المعروف. وما حرّم اللهُ منفعةً توصَّل إليها بطريق حرام إلا وضع لتحصيل مثلها طريقاً حلالاً وسبيلاً مشروعاً — والبديلُ معروضٌ كاملاً في جلسة الإنفاق: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً﴾.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على البقرة ٢٤٥

القرض مساواة والربا ازدياد — الحد الفاصل بين الاقتصادين — نقله البقاعي عن الحرالي
القرض الجزّ من الشيء والقطع منه، كأنه يقطع له من ماله قطعة ليقطع له من ثوابه أقطاعاً مضاعفة، والقرض بين الناس قرضاً بقرض مثلاً بمثل فمن ازداد فقد أربى ومن زاد من غير عقد ولا عهد فقد وفى، فالقرض مساواة والربا ازدياد، ووصف سبحانه وتعالى القرض الذي حرض عليه بالحسن لتكون المعاملة بذلة على وجه الإحسان الذي هو روح الدين وهو أن يعامل الله به كأنه يراه
نظم الدرر، البقاعي، جـ٣، ص ٤٠٣

على البقرة ٢٧٥

القرض مواساة ومعروف لا يحل أخذ أجر عليه
فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْإِقْرَاضَ مِنْ نَوْعِ الْمُوَاسَاةِ وَالْمَعْرُوفِ، وَأَنَّهَا مُؤَكَّدَةُ التَّعَيُّنِ عَلَى الْمُوَاسِي وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا، وَأَيًّا مَا كَانَ فَلَا يَحِلُّ لِلْمُقْرِضِ أَنْ يَأْخُذَ أَجْرًا عَلَى عَمَلِ الْمَعْرُوفِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٨٥
الربا يقتل القرض الحسن: انقطاع المواساة والمعروف
وَثَالِثُهَا: قِيلَ: السَّبَبُ فِي تَحْرِيمِ عَقْدِ الرِّبَا، أَنَّهُ يُفْضِي إِلَى انْقِطَاعِ الْمَعْرُوفِ بَيْنَ النَّاسِ مِنَ الْقَرْضِ، لِأَنَّ الرِّبَا إِذَا طَابَتِ النُّفُوسُ بِقَرْضِ الدِّرْهَمِ وَاسْتِرْجَاعِ مِثْلِهِ، وَلَوْ حَلَّ الرِّبَا لَكَانَتْ حَاجَةُ الْمُحْتَاجِ تَحْمِلُهُ عَلَى أَخْذِ الدِّرْهَمِ بِدِرْهَمَيْنِ، فَيُفْضِي ذَلِكَ إِلَى انْقِطَاعِ الْمُوَاسَاةِ وَالْمَعْرُوفِ وَالْإِحْسَان
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٧، ص ٧٤

على البقرة ٢٨٢

قاعدة البديل الإلهي
أَنَّ قَوْمًا مِنَ الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا: الْمُرَادُ بِالْمُدَايَنَةِ السَّلَمُ، فَاللَّهُ سبحانه وتعالى لَمَّا مَنَعَ الرِّبَا فِي الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَذِنَ فِي السَّلَمِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْآيَةِ مَعَ أَنَّ جَمِيعَ الْمَنَافِعِ الْمَطْلُوبَةِ مِنَ الرِّبَا حَاصِلَةٌ فِي السَّلَمِ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَا لَذَّةَ وَلَا مَنْفَعَةَ يُوصَلُ إِلَيْهَا بِالطَّرِيقِ الْحَرَامِ إِلَّا وَضَعَهُ اللَّهُ سبحانه وتعالى لِتَحْصِيلِ مِثْلِ ذَلِكَ اللَّذَّةِ طَرِيقًا حَلَالًا وَسَبِيلًا مَشْرُوعًا
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٧، ص ٩٠
القرض: «الجزّ من الشيء والقطع منه، كأنه يقطع له من ماله قطعة ليقطع له من ثوابه أقطاعاً مضاعفة» — الحرالي عند البقاعي (القطوف أعلاه)
مصادر جُمل الموجز: ابن عاشور + الرازي + البقاعي — والصفحات كلها في القطوف أعلاه.
المحطة الخامسة — الذروة

واتقوا يوماً تُرجعون فيه إلى الله

بمَ خُتم القرآن كلُّه؟
الخيط: من آخر ما نزل من القرآن — موعظةٌ جامعة تقف بها حساباتُ المال كلُّها أمام يوم الرجوع
۞
وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
البقرة ٢٨١
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
بعد أحكام المال كلها — إنفاقاً وربا وديناً — تجيء الآيةُ التي هي من آخر ما نزل من القرآن، موعظةً جامعةً تُذيّل الأحكام: صالحةٌ للترهيب من المنهيّ والترغيب في المأمور، وكان أولُ الأمر نذارةً وآخرُه موعظة. وهي في العظماء أصحاب الثروة والنفوذ الذين لا يردعهم إلا أعظمُ تخويف. ومن علم أنه راجعٌ إلى الله وأنه يُجازى على الصغير والكبير ولا يُظلم مثقالَ ذرة، استقامت يدُه في المال رغبةً ورهبة — ولا سبيل إلى ذلك بدون حلول هذا العلم في القلب. فلو رجعتَ اليومَ إليه… ماذا في يدك من مالِك؟
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على البقرة ٢٨١

لا استقامة مالية بلا استحضار الرجوع إلى الله
وهذه الآية من آخر ما نزل من القرآن، وجعلت خاتمة لهذه الأحكام والأوامر والنواهي، لأن فيها الوعد على الخير، والوعيد على فعل الشر، وأن من علم أنه راجع إلى الله فمجازيه على الصغير والكبير والجلي والخفي، وأن الله لا يظلمه مثقال ذرة، أوجب له الرغبة والرهبة، وبدون حلول العلم في ذلك في القلب لا سبيل إلى ذلك
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٥٢
موعظة جامعة تذيل أحكام المال كلها
وَاتَّقُوا يَوْماً تَذْيِيلًا لِهَاتِهِ الْأَحْكَامِ لِأَنَّهُ صَالِحٌ لِلتَّرْهِيبِ مِنِ ارْتِكَابِ مَا نُهِيَ عَنْهُ وَالتَّرْغِيبِ فِي فِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ أَوْ نُدِبَ إِلَيْهِ، لِأَنَّ فِي تَرْكِ الْمَنْهِيَّاتِ سَلَامَةً مِنْ آثَامِهَا، وَفِي فِعْلِ الْمَطْلُوبَاتِ اسْتِكْثَارًا مِنْ ثَوَابِهَا، وَالْكُلُّ يَرْجِعُ إِلَى اتِّقَاءِ ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي تُطْلَبُ فِيهِ السَّلَامَةُ وَكَثْرَةُ أَسْبَابِ النَّجَاحِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٩٧
خبر كونها من آخر ما نزل بلفظ ابن عاشور
وَفِي «الْبُخَارِيِّ» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ هَذِهِ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٩٧
⚖️ الثابت في البخاري (٤٥٤٤) عن ابن عباس: «آخر آية نزلت آية الربا» — وقد أورده البخاري في باب ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾، وروى النسائي عن ابن عباس كونها هذه الآية — ولذا التزمنا صيغة «من آخر ما نزل». ورواية «ضعها على رأس ثمانين ومائتين» ضعيفة الإسناد فلم تدخل المتن.
أصحاب الثروة لا يردعهم إلا أعظم تخويف
اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي الْعُظَمَاءِ الَّذِينَ كَانُوا يُعَامِلُونَ بِالرِّبَا وَكَانُوا أَصْحَابَ ثَرْوَةٍ وَجَلَالٍ وَأَنْصَارٍ وَأَعْوَانٍ وَكَانَ قَدْ يَجْرِي مِنْهُمُ التَّغَلُّبُ عَلَى النَّاسِ بِسَبَبِ ثَرْوَتِهِمْ، فَاحْتَاجُوا إِلَى مَزِيدِ زَجْرٍ وَوَعِيدٍ وَتَهْدِيدٍ، حَتَّى يَمْتَنِعُوا عَنِ الرِّبَا، وَعَنْ أَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، فَلَا جَرَمَ تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَخَوَّفَهُمْ عَلَى أَعْظَمِ الْوُجُوه
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٧، ص ٨٧
مناسبة ختم مقطع الربا بآية ٢٨١ — نقله البقاعي عن الحرالي
لما أنهي الخطاب بأمر الدين وعلنه وأمر الآخرة على وجوهها وإظهار حكمتها المرتبطة بأمر الدنيا وبين أمر الإنفاق والربا الذي هو غاية أمر الدين والدنيا في صلاحهما وأنهى ذلك إلى الموعظة بموعود جزائه في الدنيا والآخرة أجمل الموعظة بتقوى يوم الرجعة إلى إحاطة أمره ليقع الختم بأجمل موعظة وأشملها … فكان أول الأمر نذارة وآخره موعظة تبعث النفس على الخوف وتبعث القلب على الشوق
نظم الدرر، البقاعي، جـ٤، ص ١٤٣-١٤٤
مصادر جُمل الموجز: السعدي + ابن عاشور + الرازي + البقاعي — والصفحات كلها في القطوف أعلاه.
المحطة السادسة

أطولُ آيةٍ في القرآن

لماذا أطولُ آيةٍ في القرآن آيةُ دَين؟
الخيط: حفظُ حق المُقرض: بسطٌ مقصود في كتابٍ مبنيٍّ على الإيجاز — والتوثيقُ يجعل المسامحةَ اختياراً كريماً
۞
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ۚ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ۚ وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا ۖ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
البقرة ٢٨٢
وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ ۖ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
البقرة ٢٨٣
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
أطولُ آيةٍ في كتابٍ ألفاظُه جاريةٌ على الاختصار — بسطٌ مقصود: بعد أمرين يُنقصان المال (الإنفاق وترك الربا) بالغ اللهُ في الوصية بحفظ المال الحلال لأنه عُدةُ الطاعة. فالكتابةُ تسدّ بابَ الغلط والنسيان والمنازعة، وبدونها ربما تُوُهّمت الزيادةُ فطُلبت وهو ظلم، أو تُوُهّم النقصانُ فتُرك الحقُّ من غير حمدٍ ولا أجر. والتوثيقُ يرفع الحرج: توثُّقُ الدائن أمرٌ من الله لا سوءُ ظن، والمدينُ أولى الناس بطلب الكتابة ليجعل دائنَه مطمئنَّ البال. والتداينُ المشروع باقٍ: من أعظم أسباب رواج المعاملات. ومن ترك التوثيقَ إحساناً وحسنَ ظن فقد سمّى اللهُ حقَّه أمانة — فليتق اللهَ مدينُه وليجازِ حسنَ الظن بإحسان الأداء.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على البقرة ٢٨٢

أطول آية في القرآن نزلت في حفظ الحقوق
هذه آية الدين، وهي أطول آيات القرآن، وقد اشتملت على أحكام عظيمة جليلة المنفعة والمقدار
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٥٢
الكتابة تسد باب الغلط والنسيان والمشاجرة
الرابع: الأمر بكتابة جميع عقود المداينات إما وجوبا وإما استحبابا لشدة الحاجة إلى كتابتها، لأنها بدون الكتابة يدخلها من الغلط والنسيان والمنازعة والمشاجرة شر عظيم
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٥٢
أحكام التوثيق مشبعة بالرحمة
الثاني والعشرون: أن إقرار الصغير والسفيه والمجنون والمعتوه ونحوهم وتصرفهم غير صحيح، لأن الله جعل الإملاء لوليهم، ولم يجعل لهم منه شيئًا لطفا بهم ورحمة، خوفا من تلاف أموالهم
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٥٣
التوثيق خدمة لا تعقيد
السادس والعشرون: أنه مأمور بالإشهاد على العقود، وذلك على وجه الندب، لأن المقصود من ذلك الإرشاد إلى ما يحفظ الحقوق، فهو عائد لمصلحة المكلفين
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٥٣
التوثيق قوام العباد والبلاد
الثامن والثلاثون: بيان الحكمة في مشروعية الكتابة والإشهاد في العقود، وأنه {أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا} فإنها متضمنة للعدل الذي به قوام العباد والبلاد، والشهادة المقترنة بالكتابة تكون أقوم وأكمل وأبعد من الشك والريب والتنازع والتشاجر
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٥٤
التوثيق يبث الثقة ويدير عجلة الاقتصاد
وَإِنَّ تَحْدِيدَ التَّوَثُّقِ فِي الْمُعَامَلَاتِ مِنْ أَعْظَمِ وَسَائِلِ بَثِّ الثِّقَةِ بَيْنَ الْمُتَعَامِلِينَ، وَذَلِكَ مِنْ شَأْنِهِ تَكْثِيرُ عُقُودِ الْمُعَامَلَاتِ وَدَوْرَانِ دُولَابِ التَّمَوُّلِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٩٨
المدين هو الأولى بطلب الكتابة
وَالْخِطَابُ مُوَجَّهٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أَيْ لِمَجْمُوعِهِمْ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ خُصُوصُ الْمُتَدَايِنِينَ، وَالْأَخَصُّ بِالْخِطَابِ هُوَ الْمَدِينُ لِأَنَّ مِنْ حَقٍّ عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَ دَائِنَهُ مُطْمَئِنَّ الْبَالِ عَلَى مَالِهِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٩٨
التوثيق يرفع الحرج وسوء الظن
وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ فِي الْوُجُوبِ نَفْيًا لِلْحَرَجِ عَنِ الدَّائِنِ إِذَا طَلَبَ مِنْ مَدِينِهِ الْكَتْبَ حَتَّى لَا يَعُدَّ الْمَدِينُ ذَلِكَ مِنْ سُوءِ الظَّنِّ بِهِ، فَإِنَّ فِي الْقَوَانِينِ مَعْذِرَةً لِلْمُتَعَامِلَيْنِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ١٠٠
مقاصد الكتابة: حفظ الحقوق وقطع أسباب الخصام
وَمَقْصِدُ الشَّرِيعَةِ تَنْبِيهُ أَصْحَابِ الْحُقُوقِ حَتَّى لَا يَتَسَاهَلُوا ثُمَّ يَنْدَمُوا وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ إِبْطَالَ ائْتِمَانِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، كَمَا أَنَّ مِنْ مَقَاصِدِهَا دَفْعَ مُوجِدَةِ الْغَرِيمِ مِنْ تَوَثُّقِ دَائِنِهِ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ بِأَمْرٍ مِنَ اللَّهِ وَمِنْ مَقَاصِدِهَا قَطْعُ أَسْبَابِ الْخِصَامِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ١٠٠
التقوى سبب إفاضة العلوم
وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةِ الْإِسْلَامِ، الَّذِي أَخْرَجَهُمْ مِنَ الْجَهَالَةِ إِلَى الْعِلْمِ بِالشَّرِيعَةِ، وَنِظَامِ الْعَالَمِ، وَهُوَ أَكْبَرُ الْعُلُومِ وَأَنْفَعُهَا، وَوَعْدٌ بِدَوَامِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ جِيءَ فِيهِ بِالْمُضَارِعِ، وَفِي عَطْفِهِ عَلَى الْأَمْرِ بِالتَّقْوَى إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ التَّقْوَى سَبَبُ إِفَاضَةِ الْعُلُوم
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ١١٨
بعد إنقاص المال إنفاقاً وترك ربا علّم الله حفظ المال الحلال
أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمَّا ذَكَرَ قَبْلَ هَذَا الْحُكْمِ نَوْعَيْنِ مِنَ الْحُكْمِ أَحَدُهُمَا: الْإِنْفَاقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ يُوجِبُ تَنْقِيصَ الْمَالِ وَالثَّانِي: تَرْكُ الرِّبَا، وَهُوَ أَيْضًا سَبَبٌ لِتَنْقِيصِ الْمَالِ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى خَتَمَ ذَيْنِكَ الْحُكْمَيْنِ بِالتَّهْدِيدِ الْعَظِيمِ، فَقَالَ: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ وَالتَّقْوَى تَسُدُّ عَلَى الْإِنْسَانِ أَكْثَرَ أَبْوَابِ الْمَكَاسِبِ وَالْمَنَافِعِ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِأَنْ نَدَبَهُ إِلَى كَيْفِيَّةِ حِفْظِ الْمَالِ الْحَلَالِ وَصَوْنِهِ عَنِ الْفَسَادِ وَالْبَوَارِ فَإِنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَعَلَى تَرْكِ الرِّبَا، وَعَلَى مُلَازَمَةِ التَّقْوَى لَا يَتِمُّ وَلَا يَكْمُلُ إِلَّا عِنْدَ حُصُولِ الْمَال
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٧، ص ٨٩
نكتة طول آية الدين عن القفال
قَالَ الْقَفَّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ أَلْفَاظَ الْقُرْآنِ جَارِيَةٌ فِي الْأَكْثَرِ عَلَى الِاخْتِصَارِ، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ بَسْطٌ شَدِيد … وَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمَّا حَثَّ عَلَى مَا يَجْرِي مَجْرَى سَبَبِ تَنْقِيصِ الْمَالِ فِي الْحُكْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ بَالَغَ فِي هَذَا الْحُكْمِ فِي الْوَصِيَّةِ بِحِفْظِ الْمَالِ الْحَلَالِ، وَصَوْنِهِ/ عَنِ الْهَلَاكِ وَالْبَوَارِ لِيَتَمَكَّنَ الْإِنْسَانُ بِوَاسِطَتِهِ مِنَ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْإِعْرَاضِ عَنْ مَسَاخِطِ اللَّهِ مِنَ الرِّبَا وَغَيْرِه
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٧، ص ٩٠
بلا كتابة يضيع الحق ظلماً أو يترك من غير حمد ولا أجر
وَالْمَعْنَى إِذَا وَقَعَتِ الْمُعَامَلَةُ بِالدَّيْنِ وَلَمْ يُكْتَبْ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تُنْسَى الْكَيْفِيَّةُ، فَرُبَّمَا تَوَهَّمَ الزِّيَادَةَ، فَطَلَبَ الزِّيَادَةَ وَهُوَ ظُلْمٌ، وَرُبَّمَا تَوَهَّمَ النُّقْصَانَ فَتَرَكَ حَقَّهُ مِنْ غَيْرِ حَمْدٍ وَلَا أَجْرٍ، فَأَمَّا إِذَا كَتَبَ كَيْفِيَّةَ الْوَاقِعَةِ أَمِنَ مِنْ هَذِهِ الْمَحْذُورَات
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٧، ص ٩١
مناسبة الانتقال من الربا إلى آية الدَّين
ولما نهى سبحانه وتعالى عن الربا وكان أحد مدايناتهم وكان غيره من الدين مأذوناً فيه وهو من أنواع الإنفاق مع دخوله في المطالبة برؤوس الأموال عقب ذلك بآية الدين … فكان ذلك ربما أطمع المدين في شيء من الدين ولو بدعوى الإعسار اقتضى حال الإنسان لما له من النقصان الإرشاد إلى حفظ المال الحلال وصونه عن الفساد والتنبيه على كيفية التوثق
نظم الدرر، البقاعي، جـ٤، ص ١٤٧-١٤٨

على البقرة ٢٨٣

الثقة تُقابل بالوفاء
فما كان صاحب الحق آمنا من غريمه وأحب أن يعامله من دون رهن فعلى من عليه الحق أن يؤدي إليه كاملًا غير ظالم له ولا باخس حقه {وليتق الله ربه} في أداء الحق ويجازي من أحسن به الظن بالإحسان
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٥٥
كتمان الشهادة يضيع حق المقرض من أصله
{ولا تكتموا الشهادة} لأن الحق مبني عليها لا يثبت بدونها، فكتمها من أعظم الذنوب، لأنه يترك ما وجب عليه من الخبر الصدق ويخبر بضده وهو الكذب، ويترتب على ذلك فوات حق من له الحق
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٥٥
تسمية الدين أمانة تهيب النفوس عن جحده
وَقَدْ أُطْلِقَ هُنَا اسْمُ الْأَمَانَةِ عَلَى الدَّيْنِ فِي الذِّمَّةِ وَعَلَى الرَّهْنِ لِتَعْظِيمِ ذَلِكَ الْحَقِّ لِأَنَّ اسْمَ الْأَمَانَاتِ لَهُ مَهَابَةٌ فِي النُّفُوسِ، فَذَلِكَ تَحْذِيرٌ مِنْ عَدَمِ الْوَفَاءِ بِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا سُمِّيَ أَمَانَةً فَعَدَمُ أَدَائِهِ يَنْعَكِسُ خِيَانَةً لِأَنَّهَا ضِدُّهَا
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ١٢٢
من ائتمنك بلا وثائق فجازِ إحسانه بإحسان الأداء
وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ أَيْ هَذَا الْمَدْيُونُ يَجِبُ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ وَلَا يَجْحَدَ، لِأَنَّ الدَّائِنَ لَمَّا عَامَلَهُ الْمُعَامَلَةَ الْحَسَنَةَ حَيْثُ عَوَّلَ عَلَى أَمَانَتِهِ وَلَمْ يُطَالِبْهُ بِالْوَثَائِقِ مِنَ الْكِتَابَةِ وَالْإِشْهَادِ وَالرَّهْنِ فَيَنْبَغِي لِهَذَا الْمَدْيُونِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ وَيُعَامِلَهُ بِالْمُعَامَلَةِ الْحَسَنَةِ فِي أَنْ لَا يُنْكِرَ ذَلِكَ الْحَقَّ، وَفِي أَنْ يُؤَدِّيَهُ إِلَيْهِ عِنْدَ/ حُلُولِ الْأَجَل
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٧، ص ١٠١
ترك التوثيق إحسان اختياري — فالمسامحة كرم لا تفريط
{أمانته} وهو الدين الذي ترك المؤتمن التوثق به من المدين إحساناً إليه وحسن ظن به
نظم الدرر، البقاعي، جـ٤، ص ١٦١
مصادر جُمل الموجز: السعدي + ابن عاشور + الرازي + البقاعي — والصفحات كلها في القطوف أعلاه.
المحطة السابعة — خاتمة الرحمة

فنَظِرةٌ إلى ميسرة

لماذا نُنظِر المعسر… ونحن أصحاب الحق؟
الخيط: وسطَ أشد آيات الوعيد تقع أرحمُ آيات المال — والجواب عند البقاعي: لأن حالنا يومَ الرجوع الإعسار
۞
وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
البقرة ٢٨٠
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
وسط أشد آيات الوعيد تقع أرحمُ آيات المال: إنظارُ المعسر واجبٌ لا تفضّل — إذا علمتَ أن غريمك معسرٌ حرُم حبسُه ومطالبتُه ووجب الإنظارُ إلى وقت اليسار، وأُبطل حكمُ بيع المعسر واسترقاقِه في الدَّين. ثم فوق الواجب بابُ الإحسان: ﴿وأن تصدقوا خير لكم﴾ — إسقاطُ الدَّين عن المعسر صدقةٌ لأن فيه تفريجَ الكرب وإغاثةَ الملهوف، ومن انتظر إلى أوسع اليسرين كان أفضل. ولماذا نتجاوز؟ لأن حالنا يومَ الرجوع الإعسار — فمن أحبَّ أن يُتجاوز عنه هنالك فليتجاوز عن إخوانه اليوم، وليتصدق ما دام قادراً على الصدقة.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على البقرة ٢٨٠

الإنظار واجب والإسقاط إحسان
{وإن كان} المدين {ذو عسرة} لا يجد وفاء {فنظرة إلى ميسرة} وهذا واجب عليه أن ينظره حتى يجد ما يوفي به {وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون} إما بإسقاطها أو بعضها
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٥٢
وجوب النظرة وإبطال استرقاق المعسر
فَإِن أُرِيد بالعسرة الْعَدَمُ أَيْ نَفَادُ مَالِهِ كُلِّهِ فَالطَّلَبُ لِلْوُجُوبِ، وَالْمَقْصُودُ بِهِ إِبْطَالُ حُكْمِ بَيْعِ الْمُعْسِرِ وَاسْتِرْقَاقِهِ فِي الدَّيْنِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَفَاءٌ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٩٦
إسقاط الدين صدقة لأن فيه تفريج الكرب
وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ أَيْ أَنَّ إِسْقَاطَ الدَّيْنِ عَنِ الْمُعْسِرِ وَالتَّنْفِيسَ عَلَيْهِ بِإِغْنَائِهِ أَفْضَلُ، وَجَعَلَهُ اللَّهُ صَدَقَةً لِأَنَّ فِيهِ تَفْرِيجَ الْكَرْبِ وَإِغَاثَةَ الْمَلْهُوفِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٩٦
قصة تصل إعلان الحرب بآية الرحمة
وَذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَتِ الْإِخْوَةُ الْأَرْبَعَةُ الَّذِينَ كَانُوا يُعَامِلُونَ بِالرِّبَا: بَلْ نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا طَاقَةَ لَنَا بِحَرْبِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَرَضُوا بِرَأْسِ الْمَالِ وَطَلَبُوا بَنِي الْمُغِيرَةِ بِذَلِكَ، فَشَكَا بنو المغيرة العسرة، وَقَالُوا: أَخِّرُونَا إِلَى أَنْ تُدْرِكَ الْغَلَّاتُ، فَأَبَوْا أَنْ يُؤَخِّرُوهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٧، ص ٨٦
فقه الإنظار في أوجز عبارة
إِذَا عَلِمَ الْإِنْسَانُ أَنَّ غَرِيمَهُ مُعْسِرٌ حَرُمَ عَلَيْهِ حَبْسُهُ، وَأَنْ يُطَالِبَهُ بِمَا لَهُ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ الْإِنْظَارُ إِلَى وَقْتِ الْيَسَار
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٧، ص ٨٧
إسقاط الدين صدقة وكل يوم تأخير صدقة
فِي التَّصَدُّقِ قَوْلَانِ الْأَوَّلُ: مَعْنَاهُ: وَأَنْ تَصَدَّقُوا عَلَى الْمُعْسِرِ بِمَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ إِذْ لَا يَصِحُّ التَّصَدُّقُ بِهِ عَلَى غَيْرِه … وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّصَدُّقِ الْإِنْظَارُلِقَوْلِهِ عليه السلام «لَا يَحِلُّ دَيْنُ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فَيُؤَخِّرُهُ إِلَّا كَانَ لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ»
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٧، ص ٨٧
⚖️ لفظ الرازي روايةٌ بالمعنى؛ والمسند من حديث بريدة: «من أنظر معسراً فله بكل يوم مثله صدقة قبل أن يحل الدَّين، فإذا حل الدَّين فأنظره فله بكل يوم مثلاه صدقة» — أحمد (٢٣٠٤٦) وابن ماجه (٢٤١٨)، صححه الألباني (صحيح الجامع ٦١٠٨).
الإمهال إلى أوسع اليسرين أفضل توبة — نقله البقاعي عن الحرالي
فمن انتظر إلى أوسع اليسرين كان أفضل توبة
نظم الدرر، البقاعي، جـ٤، ص ١٤١

على البقرة ٢٨١

كلنا معسرون يوم الرجوع — فمن أحب أن يُتجاوز عنه فليتجاوز
ويكون حالكم في ذلك اليوم الإعسار، لأنه لا يمكن أحد أن يكافىء ما لله سبحانه وتعالى عليه من نعمه، فمن نوقش الحساب عذب؛ فإن كنتم تحبون المجاوزة عنكم هنالك فتجاوزوا أنتم عن إخوانكم اليوم، وتصدقوا ما دمتم قادرين على الصدقة
نظم الدرر، البقاعي، جـ٤، ص ١٤٤-١٤٥
مصادر جُمل الموجز: السعدي + ابن عاشور + الرازي + البقاعي — والصفحات كلها في القطوف أعلاه.
الجسر الختامي

اقتصادان ينتجان مجتمعَين

أي المجتمعين تريد أن تعيش فيه؟
الخيط: نظمَ القرآنُ أهمَّ أصول حفظ مال الأمة في سلك هذه الآيات — والمجتمعُ ثمرةُ أحد اقتصادين
۞
وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ
البقرة ١٨٨ — أكل الأموال بالباطل — الأصل الجامع
إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ
التغابن ١٧ — وردت في جلسة الشكر: ﴿والله شكور حليم﴾
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
نظم القرآنُ أهمَّ أصول حفظ مال الأمة في سلك هذه الآيات. اقتصادُ المحق: ربا يعطّل الإنتاجَ الحقيقي — إذ يخفّ على صاحب الدرهم اكتسابُ المعيشة فلا يتحمل مشقةَ الكسب والتجارة والصناعات، ومصالحُ العالم لا تنتظم إلا بها — وتلعن أصحابَه قلوبُ من أُكلت أموالُهم، وأصلُه الجامع: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾. واقتصادُ البركة: نفقةٌ وقرضٌ حسن وتوثيقٌ يبثّ الثقةَ بين المتعاملين ويدير دولابَ التموّل، ورحمةٌ بالمعسر. «لو اهتدى الخلقُ بإرشاد الله لصلحت دنياهم مع صلاح دينهم… وانتظم أمرُ المعاش». وقد وعد اللهُ المُقرضين قرضاً حسناً بالمضاعفة والمغفرة وختم: ﴿والله شكور حليم﴾ — وما أوسعَ ما في اسمه «الشَّكور»… وقد فتحناه في جلسة الشكر.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على البقرة ٢٧٥

الربا يعطل الإنتاج الحقيقي
قَالَ بَعْضُهُمْ: اللَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا حَرَّمَ الرِّبَا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَمْنَعُ النَّاسَ عَنِ الِاشْتِغَالِ بِالْمَكَاسِبِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ صَاحِبَ الدِّرْهَمِ إِذَا تَمَكَّنَ بِوَاسِطَةِ عَقْدِ الرِّبَا مِنْ تَحْصِيلِ الدِّرْهَمِ الزَّائِدِ نَقْدًا كَانَ أَوْ نَسِيئَةً خَفَّ عَلَيْهِ اكْتِسَابُ وَجْهِ الْمَعِيشَةِ، فَلَا يَكَادُ يَتَحَمَّلُ مَشَقَّةَ الْكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ وَالصِّنَاعَاتِ الشَّاقَّةِ، وَذَلِكَ يُفْضِي إِلَى انْقِطَاعِ مَنَافِعِ الْخَلْقِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَصَالِحَ الْعَالَمِ لَا تَنْتَظِمُ إِلَّا بِالتِّجَارَاتِ وَالْحِرَفِ وَالصِّنَاعَاتِ وَالْعِمَارَات
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٧، ص ٧٤

على البقرة ٢٧٦

المفارقة الكاملة بين الاقتصادين على طريقة الاحتباك
وَلَمَّا جُعِلَ الْمَحْقُ بِالرِّبَا وَجُعِلَ الْإِرْبَاءُ بِالصَّدَقَاتِ كَانَتِ الْمُقَابَلَةُ مُؤْذِنَةً بِحَذْفِ مُقَابِلَيْنِ آخَرَيْنِ، وَالْمَعْنَى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُعَاقِبُ عَلَيْهِ، وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَيُبَارِكُ لِصَاحِبِهَا، عَلَى طَرِيقَةِ الِاحْتِبَاكِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٩١
وجوه المحق الدنيوي — صورة اقتصاد المحق
اعْلَمْ أَنَّ مَحْقَ الرِّبَا وَإِرْبَاءَ الصَّدَقَاتِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنْ يَكُونَ فِي الْآخِرَةِ، أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَنَقُولُ: مَحْقُ الرِّبَا فِي الدُّنْيَا مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا: أَنَّ الْغَالِبَ فِي الْمُرَابِي وَإِنْ كَثُرَ مَالُهُ أَنَّهُ تؤل عَاقِبَتُهُ إِلَى الْفَقْرِ، وَتَزُولُ الْبَرَكَةُ عَنْ مَالِهِ،قَالَ صلى الله عليه وسلم: «الرِّبَا وَإِنْ كَثُرَ فَإِلَى قُلٍّ»وَثَانِيهَا: إِنْ لَمْ يَنْقُصْ مَالُهُ فَإِنَّ عَاقِبَتَهُ الذَّمُّ، وَالنَّقْصُ، وَسُقُوطُ الْعَدَالَةِ، وَزَوَالُ الْأَمَانَةِ، وَحُصُولُ اسْمِ الْفِسْقِ وَالْقَسْوَةِ وَالْغِلْظَةِ وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْفُقَرَاءَ الَّذِينَ يُشَاهِدُونَ أَنَّهُ أَخَذَ أَمْوَالَهُمْ بِسَبَبِ الرِّبَا يَلْعَنُونَهُ وَيُبْغِضُونَهُ وَيَدْعُونَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ يَكُونُ سَبَبًا لِزَوَالِ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ عَنْهُ فِي نَفْسِهِ وَمَالِه
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٧، ص ٨٠
⚖️ تخريج «الربا وإن كثر فإلى قُلّ»: أحمد وابن ماجه (٢٢٧٩) من حديث ابن مسعود، ولفظه المسند: «فإن عاقبته تصير إلى قُلّ» — قال ابن حجر: إسناده حسن، وصححه الألباني (صحيح الجامع ٣٥٤٢).

على البقرة ٢٨٢

تحريم الربا لم يبطل التداين المشروع
وَالتَّدَايُنُ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ رَوَاجِ الْمُعَامَلَاتِ لِأَنَّ الْمُقْتَدِرَ عَلَى تَنْمِيَةِ الْمَالِ قَدْ يَعُوزُهُ الْمَالُ فَيَضْطَرُّ إِلَى التَّدَايُنِ لِيُظْهِرَ مَوَاهِبَهُ فِي التِّجَارَةِ أَوِ الصِّنَاعَةِ أَوِ الزِّرَاعَة … فَشَرَعَ اللَّهُ تَعَالَى لِلنَّاسِ بَقَاءَ التَّدَايُنِ الْمُتَعَارَفِ بَيْنَهُمْ كَيْلَا يَظُنُّوا أَنَّ تَحْرِيمَ الرِّبَا وَالرُّجُوعَ بالمتعاملين إِلَى رُؤُوس أَمْوَالِهِمْ إِبْطَالٌ لِلتَّدَايُنِ كُلِّهِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٩٨

على البقرة ٢٨٣

لو اهتدى الناس بهذه الأحكام لانتظم معاشهم — الأثر المجتمعي
وقد اشتملت هذه الأحكام الحسنة التي أرشد الله عباده إليها على حكم عظيمة ومصالح عميمة دلت على أن الخلق لو اهتدوا بإرشاد الله لصلحت دنياهم مع صلاح دينهم، لاشتمالها على العدل والمصلحة، وحفظ الحقوق وقطع المشاجرات والمنازعات، وانتظام أمر المعاش، فلله الحمد كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه لا نحصي ثناء عليه
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٥٥
مصادر جُمل الموجز: السعدي + ابن عاشور + الرازي — والصفحات كلها في القطوف أعلاه. الأصل الجامع ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ إحالةٌ نصية بقرار الحشد.
id="qishraBtn" aria-label="إعدادات العرض"