عَلى الطَّريق جلسة · رحلة تدبر تغيّر نظرتك لموضوع واحد
جـلـسـة

ترجو هدايته وتجتهد في نصحه… ولا يستجيب؟

حتى صرتَ تحمل هدايته على كتفيك، وتحاسب نفسك على قلبٍ لا تملكه. القرآن حدّد المهمة بكلمتين: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾… ووضع عن كتفيك ما ليس منها
وَعْدُ الرِّحْلَةوضعنا بين يديك من كلام الله ما يرسم الحدَّ الرحيم لمهمتك مع من تحبُّ هدايته: ١٩ آية من ١٦ سورة و١٧٣ نقلاً موثقاً من أربعة تفاسير — لتحمل ما كُلِّفتَ به، ويسقطَ عن كتفيك ما لم تُكلَّف.
١٩ آية ٦ محطات وجسر ٦ دقائق بالموجز — أو نصف ساعة بالقطوف
مشعل يضيء أول درب ليلي والدرب يمضي بعده نحو نجوم بعيدة
الصور هنا رسمها الذكاء الاصطناعي لتؤنس الطريق — أما المعاني فمن مصادرها الموثقة وحدها.
خريطة الجلسة
مهمةٌ محددة…
وحملٌ يوضَع
١ الجرح النبوي باخعٌ نفسك — حين يثقل الحمل ٢ التكليف بشيرٌ ونذير… ولا تُسأل ٣ مهمتك ما على الرسول إلا البلاغ ٤ ما ليست مهمتك القلوب ليست بيدك ٥ السؤال الكاشف أفأنت تُكره الناس؟ ٦ الذروة إنك لا تهدي من أحببت… ثم لحظة صمت ٧ الجسر ضَعِ الحمل… ويبقى الحرص
اضغط أي محطة للانتقال إليها — أو امضِ في الرحلة بترتيبها
حقيبة مثقلة بالحجارة على درب جبلي صاعد تحت غيم ثقيل
المحطة الأولى

الجرح النبوي: باخعٌ نفسك

حين يثقل حملُ من تدعوهم حتى يكاد يقتلك
۞
فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَـٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا
الكهف ٦
لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
الشعراء ٣
أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ۖ فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۖ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ
فاطر ٨
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
قبل أن يضع القرآنُ حدود المهمة، واسى حاملَها: النبي ﷺ نفسه كاد يُهلك نفسه حزناً على من أعرضوا — و«باخِعٌ نفسك» أي قاتلُها. فالحملُ الذي تحمله ليس عيباً، فيه عِرقُ الرحمة النبوية — لكن الله يضع له حداً قبل أن يقتل صاحبه: فلا تذهب نفسُك عليهم حسرات.
وحين يثقل الحمل، للاستعانة رحلتها: حين تثقل الحياة… بمَ تستعين؟
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على الكهف ٦

يصور الجرح النبوي بدقة: فرح بالمهتدين وحزن على المكذبين، ثم التحرير الإلهي منه
ولما كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حريصا على هداية الخلق، ساعيا في ذلك أعظم السعي، فكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يفرح ويسر بهداية المهتدين، ويحزن ويأسف على المكذبين الضالين، شفقة منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ عليهم، ورحمة بهم، أرشده الله أن لا يشغل نفسه بالأسف على هؤلاء، الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، كما قال في الآية الأخرى: {لعلك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين} وقال {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} وهنا قال {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ} أي: مهلكها، غما وأسفا عليهم، وذلك أن أجرك قد وجب على الله، وهؤلاء لو علم الله فيهم خيرا لهداهم، ولكنه علم أنهم لا يصلحون إلا للنار، فلذلك خذلهم، فلم يهتدوا، فإشغالك نفسك غما وأسفا عليهم، ليس فيه فائدة لك.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٨٢٩
قاعدة عملية لكل داعية: حد المهمة التبليغ، والحزن على النتائج هدم للقوى
وفي هذه الآية ونحوها عبرة، فإن المأمور بدعاء الخلق إلى الله، عليه التبليغ والسعي بكل سبب يوصل إلى الهداية، وسد طرق الضلال والغواية بغاية ما يمكنه، مع التوكل على الله في ذلك، فإن اهتدوا فيها ونعمت، وإلا فلا يحزن ولا يأسف، فإن ذلك مضعف للنفس، هادم للقوى، ليس فيه فائدة، بل يمضي على فعله الذي كلف به وتوجه إليه، وما عدا ذلك، فهو خارج عن قدرته.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٨٢٩
قياس أولوي محرر: إذا قيل هذا لخير الخلق فمن دونه أولى بالتحرر من حمل النتائج
وإذا كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول الله له: {إنك لا تهدي من أحببت} وموسى عليه السلام يقول: {رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي} الآية، فمن عداهم من باب أولى وأحرى، قال تعالى: {فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر}
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٨٢٩
حقيقة «لعلك»: تحذير للنبي ﷺ من الاغتمام والحزن على من لم يؤمن — التسلية قبل التكليف
وَهِيَ هُنَا مُسْتَعْمَلَةٌ فِي تَحْذِيرِ الرَّسُولِ- عليه الصلاة والسلام مِنَ الِاغْتِمَامِ وَالْحُزْنِ عَلَى عَدَمِ إِيمَانِ مَنْ لَمْ يُؤْمِنُوا مِنْ قَوْمِهِ. وَذَلِكَ فِي مَعْنَى التَّسْلِيَةِ لِقِلَّةِ الِاكْتِرَاثِ بِهِمْ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٥، ص ٢٥٤
معنى «باخع»: أعمق الذبح حتى يبلغ القفا — صورة قرآنية لحزن يكاد يقتل صاحبه
فَالْبَخْعُ: أَصْلُهُ أَنْ يَبْلُغَ الذَّابِحُ بِالذَّبْحِ إِلَى الْقَفَا ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الْقَتْلِ الْمَشُوبِ بِغَيْظٍ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٥، ص ٢٥٤
تمثيل حزن النبي ﷺ بحال من فارقه أهله وأحبته فيرى آثار ديارهم — مرآة لكل أب وداعية
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى تَمْثِيلَ حَال الرَّسُول صلى الله عليه وآله وسلم فِي شِدَّةِ حِرْصِهِ عَلَى اتِّبَاعِ قَوْمِهِ لَهُ وَفِي غَمِّهِ مِنْ إِعْرَاضِهِمْ. وَتَمْثِيلَ حَالِهِمْ فِي النُّفُورِ وَالْإِعْرَاضِ بِحَالِ مَنْ فَارَقَهُ أَهْلُهُ وَأَحِبَّتُهُ فَهُوَ يَرَى آثَارَ دِيَارِهِمْ وَيَحْزَنُ لِفِرَاقِهِمْ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٥، ص ٢٥٥
غاية الآية عند الرازي: تسلية الداعي، فتحصيل الإيمان في القلوب ليس في قدرته
الْمَقْصُودُ مِنْهُ أَنْ يُقَالَ لِلرَّسُولِ: لَا يَعْظُمُ حُزْنُكَ وَأَسَفُكَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ فَإِنَّا بَعَثْنَاكَ مُنْذِرًا وَمُبَشِّرًا فَأَمَّا تَحْصِيلُ الْإِيمَانِ فِي قُلُوبِهِمْ فَلَا قُدْرَةَ لَكَ عَلَيْهِ. وَالْغَرَضُ تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم عَنْهُ.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢١، ص ٤٢٦
معنى البخع لغة: حزن يقتل صاحبه من شدة الوجد — تصوير جرح الداعي
قَالَ اللَّيْثُ: بَخَعَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ إِذَا قَتَلَهَا غَيْظًا مِنْ شَدَّةِ وَجْدِهِ بِالشَّيْءِ.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢١، ص ٤٢٦
يصور الجرح النبوي: شفقة تكاد تقتل النفس غماً على من أعرض
ولما كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم شديد الحرص على إيمانهم شفقة عليهم وغيرة على المقام الإلهي الذي ملأ قلبه تعظيماً له، خفض عليه سبحانه بقوله تعالى: {فلعلك باخع} أي فتسبب عن قولهم هذا، المباين جداً لما تريد لهم، الموجب لإعراضهم عنك أنك تشفق أنت ومن يراك على تلك الحالة من أتباعك من أن تكون قاتلاً {نفسك} من شدة الغم والوجد
نظم الدرر، البقاعي، جـ ١٢، ص ١٢
يحصر المقدور النبوي في التبليغ ويرد خلق الإيمان إلى الله وحده
ثم بين علة إرشاده إلى الإعراض عنهم بغير ما يقدر عليه من التبليغ للبشارة والنذارة بأنهم لم يخرجوا عن مراده سبحانه، وأن الإيمان لا يقدر على إدخاله قلوبهم غيره
نظم الدرر، البقاعي، جـ ١٢، ص ١٣

على الشعراء ٣

خطاب مباشر حاسم: النهي الصريح عن إهلاك النفس على من لم يستجب
لعلك ـ أيها الرسول ـ من شدة حرصك على هدايتهم مُهْلِك نفسك؛ لأنهم لم يصدِّقوا بك ولم يعملوا بهديك، فلا تفعل ذلك.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٠٤٥
لو أراد الله الإلجاء لفعل؛ فالإيمان المطلوب اختياري لا قسري (كذا في المطبوعة: «من الماء»)
إن نشأ ننزل على المكذبين من قومك من الماء معجزة مخوِّفة لهم تلجئهم إلى الإيمان، فتصير أعناقهم خاضعة ذليلة، ولكننا لم نشأ ذلك؛ فإن الإيمان النافع هو الإيمان بالغيب اختيارًا.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٠٤٦
الآية حثّ على الإقلاع عن الأسف: الغم المستمر يقرّب هلاك صاحبه
وَالتَّرَجِّي مُسْتَعْمَلٌ فِي الطَّلَبِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ حَثٌّ عَلَى تَرْكِ الْأَسَفِ مِنْ ضَلَالِهِمْ عَلَى طَرِيقَةِ تَمْثِيلِ شَأْنِ الْمُتَكَلِّمِ الْحَاثِّ عَلَى الْإِقْلَاعِ بِحَالِ مَنْ يَسْتَقْرِبُ حُصُولَ هَلَاكِ الْمُخَاطَبِ إِذَا اسْتَمَرَّ عَلَى مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْغَمِّ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٩، ص ٩٣
تشخيص دقيق: تكرار الغم على من لم يستجب يوشك أن يوقع صاحبه في الهلاك
وَالْمَعْنَى: أَنَّ غَمَّكَ مِنْ عَدَمِ إِيمَانِهِمْ فِيمَا مَضَى يُوشِكُ أَنْ يُوقِعَكَ فِي الْهَلَاكِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِتَكَرُّرِ الْغَمِّ وَالْحُزْنِ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٩، ص ٩٣
الحزن المفرط كقتل النفس بلا نفع؛ فصبّره الله وعزّاه وعرّفه أن غمّه لا يقدّم شيئا
مُنَبِّهًا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْكِتَابَ وَإِنْ بَلَغَ فِي الْبَيَانِ كُلَّ غَايَةٍ فَغَيْرُ مُدْخِلٍ لَهُمْ فِي الْإِيمَانِ لَمَّا أَنَّهُ سَبَقَ حُكْمُ اللَّه بِخِلَافِهِ، فَلَا تُبَالِغْ فِي الْحُزْنِ وَالْأَسَفِ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّكَ إِنْ بَالَغْتَ فِيهِ كُنْتَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَقْتُلُ نَفْسَهُ ثُمَّ لَا يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ أَصْلًا فَصَبَّرَهُ وَعَزَّاهُ وَعَرَّفَهُ أَنَّ غَمَّهُ وَحُزْنَهُ لَا نَفْعَ فِيهِ كَمَا أَنَّ وُجُودَ الْكِتَابِ عَلَى بَيَانِهِ وَوُضُوحِهِ لَا نَفْعَ لَهُمْ فِيهِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٤، ص ٤٩٠
مناسبة افتتاح الشعراء: وعيد الفرقان أثار إشفاق النبي فجاءت التسلية
لما عرفت سورة الفرقان بشنيع مرتكب الكفرة المعاندين، وختمت بما ذكر من الوعيد، كان ذلك مظنة لإشفاقه عليه الصلاة والسلام وتأسفه على فوات إيمانهم، لما جبل عليه من الرحمة والإشفاق، فافتتحت السورة الأخرى بتسليته عليه الصلاة والسلام
نظم الدرر، البقاعي، جـ ١٤، ص ٣
لا نقص في الإنذار ولا في الكتاب؛ سبب التخلف محض إرادة الله
ولما كان قد قدم في تلك أنه عم برسالته جميع الخلائق، وختم بالإنذار على تكذيبهم في تخلفهم، مع إزاحة جميع العلل، نفي كل خلل، وكان ذلك مما يقتضي شدة أسفه صلى الله عليه وسلم على المتخلفين كما هو من مضمون {إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً} على ما تقدم. وذلك لما عنده صلى الله عليه سلم من مزيد الشفقة، وعظيم الرحمة، قال تعالى يسليه، ويزيل من أسفه ويعزيه، على سبيل الاستئناف، مشيراً إلى أنه لا نقص في إنذاره ولا في كتابه الذي ينذر به يكون سبباً لوقوفهم عن الإيمان. وإنما السبب في ذلك محض إرادة الله تعالى: {لعلك باخع نفسك} أي مهلكها غمّاً. وقاتلها أسفاً
نظم الدرر، البقاعي، جـ ١٤، ص ٦
يذكّر بقاعدة «ليس عليك إلا البلاغ» في وجه الأسف على عدم إيمانهم
فكان كأنه قيل: هذا الكتاب في غاية البيان في نفسه والإبانة للغير، وقد تقدم في غير موضع أنه ليس عليك إلا البلاغ، أتخاف وتشفق على نفسك من الهلاك عمّاً تأسفاً على عدم إيمانهم والحال أنا لو شئنا لهديناهم طوعاً أو كرهاً
نظم الدرر، البقاعي، جـ ١٤، ص ٧

على فاطر ٨

يجمع الجرح ودواءه في سطر: فليس عليك إلا البلاغ وليس عليك من هداهم شيء
والثاني: عمل الحسن، ورأى الحق حقا، والباطل باطلا، ولكن الهداية والإضلال بيد اللّه تعالى، {فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ} أي: على الضالين الذين زين لهم سوء أعمالهم، وصدهم الشيطان عن الحق {حَسَرَاتٍ} فليس عليك إلا البلاغ، وليس عليك من هداهم شيء، والله هو الذي يجازيهم بأعمالهم.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٢٢٥
يفسر سبب الحسرات: تزيين الشيطان لسوء العمل حتى يُرى حسنا
يقول تعالى: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ} عمله السيئ، القبيح، زينه له الشيطان، وحسنه في عينه. {فَرَآهُ حَسَنًا} أي: كمن هداه اللّه إلى الصراط المستقيم والدين القويم، فهل يستوي هذا وهذا؟
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٢٢٥
سؤال ابن عاشور الكاشف: هم أوقعوا أنفسهم بأنفسهم — «فلماذا تتحسر عليهم؟»
وَفُرِّعَ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ أَيْ فَلَا تَفْعَلْ ذَلِكَ، أَيْ لَا يَنْبَغِي لَكَ ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ أَوْقَعُوا أَنْفُسَهُمْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ بِتَزْيِينِ الشَّيْطَانِ لَهُمْ وَرُؤْيَتِهِمْ ذَلِكَ حَسَنًا وَهُوَ مِنْ فعل أنفسهم فَلَمَّا ذَا تَتَحَسَّرُ عَلَيْهِمْ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ٢٦٤
الحسرة الحقيقية على أنفسهم هم لا عليك أنت — نقل عبء الندم إلى صاحبه
فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ وَإِنَّمَا حَسْرَتُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ إِذْ رَضُوا لَهَا بِاتِّبَاعِ الشَّيْطَانِ وَنَبَذُوا اتِّبَاعَ إِرْشَادِ اللَّهِ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ٢٦٥
تسلية بعد استفراغ الوسع: إن كان حزنك لضلالهم فالأمر لله، وإن كان للإيذاء فالله يجازيهم
ثُمَّ سلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حَيْثُ حَزِنَ مِنْ إِصْرَارِهِمْ بَعْدَ إِتْيَانِهِ بِكُلِّ آيَةٍ ظَاهِرَةٍ وَحُجَّةٍ بَاهِرَةٍ فَقَالَ: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ [الْكَهْفِ: 6] .ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ حُزْنَهُ إِنْ كَانَ لِمَا بِهِمْ مِنَ الضَّلَالِ فَاللَّهُ عَالِمٌ بِهِمْ وَبِمَا يَصْنَعُونَ لَوْ أَرَادَ إِيمَانَهُمْ وَإِحْسَانَهُمْ لَصَدَّهُمْ عَنِ الضَّلَالِ وَرَدَّهُمْ عَنِ الْإِضْلَالِ، وَإِنْ كَانَ لِمَا بِهِ منهم من الإيذاء فالله عالم بفعلهم يجازيهم على ما يصنعون.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٦، ص ٢٢٤
بيان سبب الضلال فيه تسلية للنبي والمحسنين لا حملاً للنتائج
فأنكره مبيناً السبب في ضلالهم بما فيه تسلية للمحسنين وندب إلى الشكر وحث على ملازمة الافتقار والذل وسؤال العافية من الزلل والزيغ فقال: {أفمن}
نظم الدرر، البقاعي، جـ ١٦، ص ١٤
مناسبة النهي عن الحسرات: المحب يرضى بفعل حبيبه ومشيئته
ولما كان المحب من يرضى بفعل حبيبه، سبب عن ذلك النهي لأكمل خلقه عن الغم بسبب ضلالهم في قوله: {فلا}
نظم الدرر، البقاعي، جـ ١٦، ص ١٥
تفسير الحسرات: حزن متتابع يكاد يذهب النفس فنُهي عنه
{تذهب} أي بالموت أو ما يقرب منه {نفسك عليهم} أي بسبب ما هو فيه من العمى عن الجليات {حسرات} أي لأجل حسراتك المترادفة لأجل إعراضهم، جمع حسرة وهي شدة الحزن على ما فات من الأمر
نظم الدرر، البقاعي، جـ ١٦، ص ١٥
فانوس دافئ الضوء وجرس إنذار نحاسي على عتبة حجرية
المحطة الثانية

التكليف: بشيرٌ ونذير

كلمتان تحددان المهمة — والتحرير في الآية نفسها
۞
إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۖ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ
البقرة ١١٩
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا
الأحزاب ٤٥
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
سبأ ٢٨
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
التكليف محدَّد بلفظه: بشيرٌ لمن استجاب، نذيرٌ لمن أعرض — شاهداً ومبشراً ونذيراً، للناس كافة. وفي آية التكليف نفسها يجيء التحرير موصولاً به: ولا تُسأل عن أصحاب الجحيم — بلّغتَ فلستَ مؤاخذاً بإعراض من أعرض.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على البقرة ١١٩

يكشف طبيعة المعترضين: تعنت لا استرشاد، فليست المشكلة في البلاغ
فهذا دأبهم مع رسلهم، يطلبون آيات التعنت، لا آيات الاسترشاد، ولم يكن قصدهم تبين الحق، فإن الرسل، قد جاءوا من الآيات، بما يؤمن بمثله البشر، ولهذا قال تعالى: {قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} فكل موقن، فقد عرف من آيات الله الباهرة، وبراهينه الظاهرة، ما حصل له به اليقين، واندفع عنه كل شك وريب.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٥٢
يضع الإرسال في سياق الحكمة والرحمة الإلهية: الرسالة نفسها آية
وقد علم أن الله تعالى لم يخلق خلقه سدى، ولم يتركهم هملا، لأنه حكيم عليم، قدير رحيم، فمن حكمته ورحمته بعباده، أن أرسل إليهم هذا الرسول العظيم، يأمرهم بعبادة الرحمن وحده لا شريك له، فبمجرد رسالته يعرف العاقل صدقه، وهو آية كبيرة على أنه رسول الله.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٥٢
تحديد جامع لمضمون التكليف النبوي في ثلاثة أمور
ثم ذكر تعالى بعض آية موجزة مختصرة جامعة للآيات الدالة على صدقه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصحة ما جاء به فقال: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} فهذا مشتمل على الآيات التي جاء بها، وهي ترجع إلى ثلاثة أمور: الأول: في نفس إرساله، والثاني: في سيرته وهديه ودله، والثالث: في معرفة ما جاء به من القرآن والسنة.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٥٢
تعريف موجز قلبي لركني المهمة: البشارة والنذارة
قوله: {بَشِيرًا} أي لمن أطاعك بالسعادة الدنيوية والأخروية، {نَذِيرًا} لمن عصاك بالشقاوة والهلاك الدنيوي والأخروي.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٥٣
جوهر الجلسة في جملة: لست مسئولا عنهم؛ عليك البلاغ وعلينا الحساب
{وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} أي: لست مسئولا عنهم، إنما عليك البلاغ، وعلينا الحساب.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٥٣
سياق الآية: تأنيس للرسول ﷺ من أسفه على من رجا إيمانهم فخذلوه — جرحٌ يعرفه كل داعٍ
جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ حِكَايَاتِ أَحْوَالِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ، الْقَصْدُ مِنْهَا تَأْنِيسُ الرَّسُولِ عليه الصلاة والسلام مِنْ أَسَفِهِ عَلَى مَا لَقِيَهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِمَّا يُمَاثِلُ مَا لَقِيَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ كَانَ يَوَدُّ أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ أَهْلُ الْكِتَابِ فَيَتَأَيَّدُ بِهِمُ الْإِسْلَامُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَإِذَا هُوَ يَلْقَى مِنْهُمْ مَا لَقِيَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَوْ أَشَدَّ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١، ص ٦٩١
شاهد ودّ النبي ﷺ وأمله في إيمانهم — بلفظه كما أورده ابن عاشور
وَقَدْقَالَ «لَوْ آمَنَ بِي عَشَرَةٌ مِنَ الْيَهُودِ لَآمَنَ بِي الْيَهُودُ كُلُّهُمْ»
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١، ص ٦٩١
التخريج: صحيح البخاري (٣٩٤١) واللفظ له؛ ومسلم (٢٧٩٣) بلفظ «لو تابعني»
جوهر المحطة: تهدئة وعذر وتطمين — غير مسؤول عن قوم رضوا لأنفسهم بالجحيم
فَكَانَ لِتَذْكِيرِ اللَّهِ إِيَّاهُ بِأَنَّهُ أَرْسَلَهُ تَهْدِئَةً لِخَاطِرِهِ الشَّرِيفِ وَعَذَرَ لَهُ إِذْ أَبْلَغَ الرِّسَالَةَ وَتَطْمِينٌ لِنَفْسِهِ بِأَنَّهُ غير مسؤول عَنْ قَوْمٍ رَضُوا لِأَنْفُسِهِمْ بِالْجَحِيمِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١، ص ٦٩١
معنى «بالحق»: مضمون الرسالة الذي كُلّف بتبليغه — هذا حدّ المهمة
وَالْحَقُّ هُوَ الْهُدَى وَالْإِسْلَامُ وَالْقُرْآنُ وَغَيْرُ ذَلِكَ من وُجُوه الْحق المعجزات وَهِيَ كُلُّهَا مُلَابَسَةٌ لِلنَّبِيءِ صلى الله عليه وسلم فِي رِسَالَتِهِ بَعْضُهَا بِمُلَابَسَةِ التَّبْلِيغِ وَبَعْضُهَا بِمُلَابَسَةِ التَّأْيِيدِ. فَالْمَعْنَى أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَّ الْقُرْآنَ حَقٌّ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١، ص ٦٩١
دلالة «ولا تُسأل»: لستَ مؤاخذاً ببقائهم على كفرهم بعد أن بلّغت — تحرير صريح من حمل النتائج
وَقَرَأَهُ جُمْهُورُ الْعَشَرَةِ بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَرَفْعِ اللَّامِ عَلَى أَنَّ (لَا) نَافِيَةٌ أَيْ لَا يَسْأَلُكَ اللَّهُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ وَهُوَ تَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِ إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ وَالسُّؤَالُ كِنَايَةٌ عَنِ الْمُؤَاخَذَةِ وَاللَّوْمِ مِثْلُقَوْله صلى الله عليه وسلم: «وكلكم مسؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ»أَيْ لَسْتَ مُؤَاخَذًا بِبَقَاءِ الْكَافِرِينَ عَلَى كُفْرِهِمْ بَعْدَ أَنْ بَلَّغْتَ لَهُمُ الدَّعْوَةَ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١، ص ٦٩٢
التخريج: متفق عليه: البخاري (٨٩٣) ومسلم (١٨٢٩)
حكمة قصر المهمة: لا مزيد على ما فعله الرسول في البلاغ، كي لا يكثر غمه بإصرارهم
اعْلَمْ أَنَّ الْقَوْمَ لَمَّا أَصَرُّوا عَلَى الْعِنَادِ وَاللَّجَاجِ الْبَاطِلِ وَاقْتَرَحُوا الْمُعْجِزَاتِ عَلَى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ لَا مَزِيدَ عَلَى مَا فَعَلَهُ فِي مَصَالِحِ دِينِهِمْ مِنْ إِظْهَارِ الْأَدِلَّةِ وَكَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ بَيَّنَ أَنَّهُ لَا مَزِيدَ عَلَى مَا فَعَلَهُ الرَّسُولُ فِي بَابِ الْإِبْلَاغِ وَالتَّنْبِيهِ لِكَيْ لَا يَكْثُرَ غَمُّهُ بِسَبَبِ إِصْرَارِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٤، ص ٢٨
أنت هادٍ وليس لك من الأمر شيء: معصيتهم لا تضرك ولست بمسؤول عنهم
أَحَدُهَا: أَنَّ مَصِيرَهُمْ إلى الجحيم فمعصيتهم لا تضرك ولست بمسؤول عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ كَقَوْلِهِ: فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ [الرَّعْدِ: 40] ، وَقَوْلِهِ: عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ [النُّورِ: 54] . وَالثَّانِي: أَنَّكَ هَادٍ وَلَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، فَلَا تَأْسَفْ وَلَا تَغْتَمَّ لِكُفْرِهِمْ وَمَصِيرِهِمْ إِلَى الْعَذَابِ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ [فَاطِرٍ: 8] .
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٤، ص ٢٨
لا تحكم على أحد بحاله الآن فالحال قد يتغير — رجاء لكل أب يدعو ابنه
الثَّالِثُ: لَا تَنْظُرْ إِلَى الْمُطِيعِ وَالْعَاصِي فِي الْوَقْتِ، فَإِنَّ الْحَالَ قَدْ يَتَغَيَّرُ فَهُوَ غَيْبٌ فَلَا تَسْأَلْ عَنْهُ، وَفِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ أَحَدًا لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِ غَيْرِهِ وَلَا يُؤَاخَذُ بِمَا اجْتَرَمَهُ سِوَاهُ سَوَاءٌ كَانَ قَرِيبًا أَوْ كَانَ بَعِيدًا.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٤، ص ٢٨
مناسبة «إنا أرسلناك» لسياق «قد بينا الآيات»: ليس عليه إلا البيان
ولما تضمن هذا السياق الشهادة بصحة رسالته صلى الله عليه وسلم وأنه ليس عليه إلا البيان صرح بالأمرين في قوله مؤكداً لكثرة المنكرين {إنا أرسلناك}
نظم الدرر، البقاعي، جـ ٢، ص ١٣٦
تحديد مضمون الرسالة: استظهار خبايا القلوب بالبشارة والنذارة لا تغيير الجبلات
فأنبأه تعالى أنه ليس مضمون رسالته أن يدعو الخلق إلى غير ما جبلوا عليه، وأن مضمون رسالته أن يستظهر خبايا الأفئدة والقلوب على الألسنة والأعمال، فيبشر المهتدي والثابت على هدى سابق، وينذر الأبيّ والمنكر لما سبق إقراره به قبل، فعم بذلك الأولين والآخرين من المبشرين والمنذرين
نظم الدرر، البقاعي، جـ ٢، ص ١٣٨
مناسبة «ولا تسأل» بعد «بشيراً ونذيراً»: البلاغ عليك وخلق الهداية ليس عليك
أي فليس عليك إلا ذلك فبشر وأنذر فإنما عليك البلاغ وليس عليك خلق الهداية في قلوب أهل النعيم {ولا تسأل} ويجوز أن يكون حالاً من {أرسلناك} أو من {بشيراً} {عن أصحاب الجحيم} والمراد بهم من ذكر في الآية السابقة من الجهلة ومن قبلهم، أي عن أعمالهم لتذهب نفسك عليهم حسرات لعدم إيمانهم
نظم الدرر، البقاعي، جـ ٢، ص ١٣٨
التحرير الصريح: لا يحاسَب المبلغ بأعمال المبلَّغين
أي فحالك مستو بالنسبة إلينا وإليهم. لأنك إن بلغتهم جميع ما أرسلت به إليهم لم نحاسبك بأعمالهم، وإن تركت بعض ذلك محاسنة لهم لم يحبّوك ما دمت على دينك فأقبل على أمرك ولا تبال بهم، وهو معنى قراءة نافع {ولا تسأل} على النهي
نظم الدرر، البقاعي، جـ ٢، ص ١٣٨
مناسبة ذكر «أصحاب الجحيم» لدعاوى أهل الكتاب السابقة في السورة
وفي الحكم بكونهم أصحابها إثبات لما نفوه عن أنفسهم بقوله: {لن تمسنا النار} [البقرة: 80] ونفى لما خصصوا به أنفسهم في قولهم: {لن يدخل الجنة} [البقرة: 111] الآية
نظم الدرر، البقاعي، جـ ٢، ص ١٣٩
مناسبة «ولن ترضى عنك» بعدها: من كان في قسم المنذرين لن يرضيه بشير
ولما جرت العادة بأن المبشر يسرّ بالبشير أخبر تعالى أن أهل الكتاب في قسم المنذرين
نظم الدرر، البقاعي، جـ ٢، ص ١٣٩

على الأحزاب ٤٥

يحصر زبدة الرسالة في خمسة أوصاف محددة تؤطر المهمة
هذه الأشياء، التي وصف الله بها رسوله محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ هي المقصود من رسالته، وزبدتها وأصولها، التي اختص بها، وهي خمسة أشياء: أحدها: كونه {شَاهِدًا} أي: شاهدًا على أمته بما عملوه، من خير وشر.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١١٩١
يبين من هو المبشَّر وما البشارة، تفصيلا لركن التبشير
فالمبشَّر هم: المؤمنون المتقون، الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، وترك المعاصي، لهم البشرى في الحياة الدنيا، بكل ثواب دنيوي وديني، رتب على الإيمان والتقوى، وفي الأخرى بالنعيم المقيم.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١١٩١
صورة السراج المنير: مهمة الإضاءة لا الإجبار على السير
الخامس: كونه {سِرَاجًا مُنِيرًا} وذلك يقتضي أن الخلق في ظلمة عظيمة، لا نور، يهتدى به في ظلماتها، ولا علم، يستدل به في جهالاتها حتى جاء اللّه بهذا النبي الكريم، فأضاء اللّه به تلك الظلمات، وعلم به من الجهالات، وهدى به ضُلَّالًا إلى الصراط المستقيم.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١١٩٢
لماذا قُدّم التبشير: لأنه ﷺ غلب عليه التبشير إذ هو رحمة للعالمين
وَقُدِّمَتِ الْبِشَارَةُ عَلَى النذارة لِأَن النبيء صلى الله عليه وسلم غَلَبَ عَلَيْهِ التَّبْشِيرُ لِأَنَّهُ رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ، وَلِكَثْرَةِ عَدَدِ الْمُؤْمِنِينَ فِي أُمَّتِهِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ٥٣
صورة «النذير العريان»: صدقُ من ينزع قميصه ليراه من لا يسمع نداءه — هذا هو الإنذار
فَإِنَّ النَّذِيرَ فِي كَلَامِهِمُ اسْمٌ لِلْمُخْبِرِ بِحُلُولِ الْعَدُوِّ بِدِيَارِ الْقَوْمِ. وَمِنَ الْأَمْثَالِ: أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ، أَيِ الْآتِي بِخَبَرِ حُلُولِ العدوّ بديار قوم. وَالْمُرَادُ بِالْعُرْيَانِ أَنَّهُ يَنْزِعُ عَنْهُ قَمِيصَهُ لِيُشِيرَ بِهِ مِنْ مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ فَيَرَاهُ مَنْ لَا يَسْمَعُ نِدَاءَهُ، فَالْوَصْفُ بِنَذِيرٍ تَمْثِيلٌ بِحَالِ نَذِيرِ الْقَوْمِ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ٥٣
خريطة المهمة النبوية مرتبة: شهادة فبشارة فإنذار فدعوة — هذا هو التكليف كله
وَقَوْلُهُ: وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَداعِياً فِيهِ تَرْتِيبٌ حَسَنٌ وَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ إِنَّ النَّبِيَّ عليه السلام أُرْسِلَ شَاهِدًا بِقَوْلِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيُرَغِّبُ فِي ذَلِكَ بِالْبِشَارَةِ فَإِنْ لَمْ يَكْفِ/ ذلك يرهب بالإندار ثُمَّ لَا يَكْتَفِي بِقَوْلِهِمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ بَلْ يَدْعُوهُمْ إِلَى سَبِيلِ اللَّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ [النَّحْلِ: 125]
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٥، ص ١٧٣
لطيفة السراج: الداعي يوقد سُرُجا تبقى بعده، فمهمته إشعال النور لا إجبار العيون على الإبصار
قال في حق النبي عليه السلام سراجا وَلَمْ يَقُلْ إِنَّهُ شَمْسٌ مَعَ أَنَّهُ أَشَدُّ إِضَاءَةً مِنَ السِّرَاجِ لِفَوَائِدَ مِنْهَا، أَنَّ الشَّمْسَ نُورُهَا لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ وَالسِّرَاجُ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنْوَارٌ كَثِيرَةٌ فَإِذَا انْطَفَأَ الْأَوَّلُ يَبْقَى الَّذِي أُخِذَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ إِنْ غَابَ وَالنَّبِيُّ عليه السلام كَانَ كَذَلِكَ إِذْ كَلُّ صَحَابِيٍّ أَخَذَ مِنْهُ نُورَ الْهِدَايَةِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٥، ص ١٧٤
مهمة الشاهد: إبلاغ الرسالة كلها سواء سرّتهم أو ساءتهم
{إنا أرسلناك} أي بعظمتنا بما ننبئك به إلى سائر خلقنا {شاهداً} أي عليهم ولهم مطلق شهادة، لأنه لا يعلم بالبواطن إلا الله، وأنت مقبول الشهادة، فأبلغهم جميع الرسالة سرهم ذلك أو ساءهم سرك فعلهم أو ساءك
نظم الدرر، البقاعي، جـ ١٥، ص ٣٧٢
تناسب ترتيب البشارة والنذارة وربطهما بمقصود السورة
{ومبشراً} أي لمن شهدت لهم بخير بما يسرهم، وأشار إلى المبالغة في البشارة بالتضعيف لما لها من حسن الأثر في إقبال المدعو وللتضعيف من الدلالة على كثرة الفعل والمفعول بشارة بكثرة التابع وهو السبب لمقصود السورة، وكانت المبالغة في النذارة أزيد لأنها أبلغ في رد المخالف وهي المقصود بالذات من الرسالة لصعوبة الاجتراء عليها فقال: {ونذيراً} أي لمن شهدت عليهم بشر بما يسوءهم
نظم الدرر، البقاعي، جـ ١٥، ص ٣٧٢
حتى الدعوة نفسها لا تكون إلا بإذن الله وتمكينه؛ فكيف بنتائجها
ولما كان ذلك في غاية الصعوبة، لا يقوم به أحد إلا بمعونة من الله عظيمة، أشار إلى ذلك بقوله: {بإذنه} أي بتمكينه لك من الدعاء بتيسير أسبابه، وتحمل أعبائه، وللمدعو من الإقبال والإتباع إن أراد له الخير
نظم الدرر، البقاعي، جـ ١٥، ص ٣٧٣

على سبأ ٢٨

يرسم حدود الوظيفة بلفظ صريح: ليس لك من الأمر شيء وما اقترحوه ليس من وظيفتك
يخبر تعالى أنه ما أرسل رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا ليبشر جميع الناس بثواب اللّه، ويخبرهم بالأعمال الموجبة لذلك، وينذرهم عقاب اللّه، ويخبرهم بالأعمال الموجبة له، فليس لك من الأمر شيء، وكل ما اقترح عليك أهل التكذيب والعناد، فليس من وظيفتك، إنما ذلك بيد اللّه تعالى.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٢١٥
يفسر الإعراض بحال المعرضين لا بتقصير المبلغ
{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} أي: ليس لهم علم صحيح، بل إما جهال، أو معاندون لم يعملوا بعلمهم، فكأنهم لا علم لهم.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٢١٥
معنى «كافة»: جامعٌ للناس في الإنذار والإبلاغ — سعة الرسالة لا تُغيّر طبيعتها: بشير ونذير
وَجَعَلَ الزَّجَّاجُ كَافَّةً هُنَا حَالًا مِنَ الْكَافِ فِي أَرْسَلْناكَ وَفَسَّرَهُ بِمَعْنَى جَامِعٍ لِلنَّاسِ فِي الْإِنْذَارِ وَالْإِبْلَاغِ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ١٩٨
كثرة المعرضين لا تغرّ المتأمل ولا تنقض صدق البشارة والنذارة — عزاء لمن يرى القلة تستجيب
وَمَوْقِعُ الِاسْتِدْرَاكِ بِقَوْلِهِ: وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ رَفْعُ مَا يُتَوَهَّمُ مِنِ اغْتِرَارِ الْمُغْتَرِّينَ بِكَثْرَةِ عَدَدِ الْمُنْكِرِينَ رِسَالَتَهُ بِأَنَّ كَثْرَتَهُمْ تَغُرُّ الْمُتَأَمِّلَ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ١٩٩
بشيرا يحثهم بالوعد ونذيرا يزجرهم بالوعيد — هذان جناحا المهمة لا غير
لَمَّا بَيَّنَ مَسْأَلَةَ التَّوْحِيدِ شَرَعَ فِي الرِّسَالَةِ فَقَالَ تَعَالَى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً وَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهَا: كَافَّةً أَيْ إِرْسَالُهُ كَافَّةً أَيْ عَامَّةً لِجَمِيعِ النَّاسِ تَمْنَعُهُمْ مِنَ الْخُرُوجِ عَنِ الِانْقِيَادِ لَهَا وَالثَّانِي: كَافَّةً أَيْ أَرْسَلْنَاكَ كَافَّةً تَكُفُّ النَّاسَ أَنْتَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بَشِيراً أَيْ تَحُثُّهُمْ بِالْوَعْدِ وَنَذِيراً تَزْجُرُهُمْ بِالْوَعِيدِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ لا لخفائه ولكن لغفلتهم.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٥، ص ٢٠٦
عموم الرسالة يستلزم التدرع بالصبر على مكاره الخلق في أدائها
فنسق به قوله معلياً لشأنه بالخطاب في مظهر العظمة، إشارة إلى أنه ينبغي أن يتدرع جلابيب الصبر على جميع المكارة الصادرة من أنواع الخلق في أداء الرسالة بقوله عاطفاً على {ولقد آتينا داود منا فضلاً} مؤكداً تكذيباً لمن يدعي الخصوص: {وما أرسلناك} أي بعظمتنا {إلا كآفة} أي إرسالاً عاماً شاملاً لكل ما شمله إيجادنا
نظم الدرر، البقاعي، جـ ١٥، ص ٥٠٤
حصر الوظيفة في بشارة أهل البشارة ونذارة أهل النذارة
ولما كانت البشارة هي الخبر الأول الصدق السار، وكان في ذكرها رد قولهم في الكذب والجنون، قال: {بشيراً ونذيراً} أي لمن أهل للبشارة أو النذارة
نظم الدرر، البقاعي، جـ ١٥، ص ٥٠٥
منارة ترسل شعاعها فوق بحر فيه أضواء سفن بعيدة
المحطة الثالثة

مهمتك: البلاغ

ما على الرسول إلا البلاغ — حصرٌ بأداة الحصر
۞
مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ
المائدة ٩٩
فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ
النحل ٨٢
فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ ۗ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ
الشورى ٤٨
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
حصرٌ بأداة الحصر: ما على الرسول إلا البلاغ. فإن تولَّوا بعد البلاغ المبين فليس تولّيهم دليلَ تقصيرٍ في البلاغ — بل إثباتُ إعراضهم بعد البيان دليلٌ على تمامه.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على المائدة ٩٩

شهادة أن النبي قام بوظيفته كاملة وما سواها ليس له من الأمر شيء
ثم قال تعالى: {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ} وقد بلّغ كما أُمر، وقام بوظيفته، وما سوى ذلك فليس له من الأمر شيء. {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} فيجازيكم بما يعلمه تعالى منكم.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٣٩٣
«ما على الرسول إلا البلاغ»: إعذارٌ للناس — بعد البلاغ لا عذر لهم ولا عبء عليه
وَمَضْمُونُهَا إِعْذَارُ النَّاسِ لِأَنَّ الرَّسُولَ قَدْ بَلَّغَ إِلَيْهِمْ مَا أَرَادَ اللَّهُ مِنْهُمْ فَلَا عُذْرَ لَهُمْ فِي التَّقْصِيرِ، وَالْمِنَّةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فِيمَا أَرْشَدَهُمْ إِلَيْهِ مِنْ خَيْرٍ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٧، ص ٦١
حدّ القصر: عليه البلاغ دون إلجاء الناس إلى الإيمان
فَتَعَيَّنَ أَنَّ مَعْنَى الْقَصْرِ:مَا عَلَيْهِ إِلَّا الْبَلَاغُ، أَيْ دُونَ إِلْجَائِكُمْ إِلَى الْإِيمَانِ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٧، ص ٦١
فلما بلّغ خرج عن العهدة وبقي الأمر من جانبكم — حد المسؤولية بدقة
أَتْبَعَهُ بِالتَّكْلِيفِ بِقَوْلِهِ مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ مُكَلَّفًا بِالتَّبْلِيغِ فَلَمَّا بَلَّغَ خَرَجَ عَنِ الْعُهْدَةِ وَبَقِيَ الْأَمْرُ مِنْ جَانِبِكُمْ وَأَنَا عَالِمٌ بِمَا تُبْدُونَ وَبِمَا تَكْتُمُونَ، فَإِنْ خَالَفْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه شَدِيدُ الْعِقَابِ، وَإِنْ أَطَعْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٢، ص ٤٤٢
مناسبة حصر البلاغ لسياقه: الله وحده المجازي فليس إلى الرسول إلا ما كُلّف به
ولما رغب سبحانه ووهب، علم أنه المجازى وحده، فأنتج ذلك أنه ليس إلى غيره إلاّ ما كلفه به، فأنتج ذلك ولا بد قوله: {ما على الرسول} أي الذي من شأنه الإبلاغ {إلا البلاغ} أي بأنه يحل لكم الطعام وغيره ويحرم عليكم الخمر وغيرها، وليس عليه أن يعلم ما تضمرون وما تظهرون ليحاسبكم عليه
نظم الدرر، البقاعي، جـ ٦، ص ٣١٠
الرسول يحكم بالظاهر والسرائر إلى الله؛ حد فاصل بين المهمتين
وأما الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يحكم إلاّ بما يعلمه مما تبدونه ما لم أكشف له الباطن وآمره فيه بأمري
نظم الدرر، البقاعي، جـ ٦، ص ٣١٠

على النحل ٨٢

يفصل المطلوب من الداعية عن غير المطلوب: الوعظ عليك والحساب على الله
ولهذا قال الله عنهم: {فَإِنْ تَوَلَّوْا} عن الله وعن طاعته بعد ما ذُكِّروا بنعمه وآياته، {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} أي: ليس عليك من هدايتهم وتوفيقهم شيء بل أنت مطالب بالوعظ والتذكير والإنذار والتحذير، فإذا أديت ما عليك، فحسابهم على الله.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٧٨٣
إن أعرضوا: «فلا تقصير منك ولا غضاضة عليك» — براءة الذمة بتمام البلاغ
وَالتَّوَلِّي: الْإِعْرَاضُ. وَفِعْلُ تَوَلَّوْا هُنَا بِصِيغَة الْمَاضِي، أَيْ فَإِنْ أَعْرَضُوا عَنِ الدَّعْوَةِ فَلَا تَقْصِيرَ مِنْكَ وَلَا غَضَاضَةَ عَلَيْكَ فَإِنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ الْبَلَاغَ الْمُبِينَ لِلْمَحَجَّةِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٤، ص ٢٤١
الفصل الحاسم: عليك البلاغ، لا تقليبُ القلوب ولا تولّي الجزاء — كلاهما لله
وَالْقَصْرُ إِضَافِيٌّ، أَيْ مَا عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ لَا تَقْلِيبُ قُلُوبِهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، أَوْ لَا تَوَلِّي جَزَاءَهُمْ عَلَى الْإِعْرَاضِ، بَلْ عَلَيْنَا جَزَاؤُهُمْ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٤، ص ٢٤١
إن أعرضوا فعلى أنفسهم جنوا، وليس عليك إلا التبليغ التام
ثم قال تَعَالَى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ أَيْ فَإِنْ تَوَلَّوْا يَا مُحَمَّدُ وَأَعْرَضُوا وَآثَرُوا لَذَّاتِ الدُّنْيَا وَمُتَابَعَةَ الْآبَاءِ وَالْمُعَادَاةَ فِي الْكُفْرِ فَعَلَى أَنْفُسِهِمْ جَنَوْا ذَلِكَ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ إِلَّا مَا فَعَلْتَ مِنَ التَّبْلِيغِ التَّامِّ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٠، ص ٢٥٤
مناسبة الآية: نفي توهم أن الداعي يلحقه حرج بإعراض المدعوين
فلما صار هذا البيان، إلى أجلى من العيان، كان ربما وقع في الوهم أنهم إن لم يجيبوا لِحقَ الداعي بسبب إعراضهم حرج، فقال تعالى نافياً لذلك معرضاً عنهم بإعراض المغضب
نظم الدرر، البقاعي، جـ ١١، ص ٢٢٧
لا تقصير على المبلغ بتولي المدعوين وليس عليه ردهم عن العناد
{فإن تولوا} أي كلفوا أنفسهم الإعراض ومتابعة الأهواء فلا تقصير عليك بسبب توليهم ولا حرج {فإنما} أي بسبب أنه إنما {عليك البلاغ المبين *} وليس عليك أن تردهم عن العناد
نظم الدرر، البقاعي، جـ ١١، ص ٢٢٨
ثمرة حصر البلاغ عنده: استمرار في التبليغ بلا يأس لا اعتزال
قال تعالى: عاطفاً على ثمرة {فإنما عليك البلاغ المبين} وهي: فبلغهم وبين لهم ولا تيأس من رجوعهم
نظم الدرر، البقاعي، جـ ١١، ص ٢٢٩

على الشورى ٤٨

تعليق الأجر بالأداء لا بالاستجابة: وجب أجرك سواء استجابوا أم أعرضوا
{فَإِنْ أَعْرَضُوا} عما جئتهم به بعد البيان التام {فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} تحفظ أعمالهم وتسأل عنها، {إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ} فإذا أديت ما عليك، فقد وجب أجرك على اللّه، سواء استجابوا أم أعرضوا، وحسابهم على اللّه الذي يحفظ عليهم صغير أعمالهم وكبيرها، وظاهرها وباطنها.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٣٧٥
بعد كل أوامر الدعوة في السورة: إن أعرضوا فما أنت حفيظ ولا متكفل بهم
ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ إِعْلَام الرَّسُول صلى الله عليه وسلم بِمَقَامِهِ وَعَمَلِهِ إِنْ أَعْرَضَ مُعْرِضُونَ مِنَ الَّذِينَ يَدْعُوهُمْ وَبِمَعْذِرَتِهِ فِيمَا قَامَ بِهِ وَأَنَّهُ غَيْرُ مُقَصِّرٍ، وَهُوَ تَعْرِيضٌ بِتَسْلِيَتِهِ عَلَى مَا لَاقَاهُ مِنْهُمْ، وَالْمَعْنَى: فَإِنْ أَعْرَضُوا بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ حَفِيظًا عَلَيْهِمْ وَمُتَكَفِّلًا بِهِمْ إِذْ مَا عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٥، ص ١٣٢
لطيفة: إثبات إعراضهم نفسه شهادة بأنه بلّغ — فإعراض الناس لا يعني تقصير الداعي
وَقَدْ فُهِمَ مِنَ الْكَلَامِ أَنَّهُ قَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ مِنَ الْبَلَاغِ لِأَنَّ قَوْلَهُ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً دَلَّ عَلَى نَفْيِ التَّبِعَةِ عَن النبيء صلى الله عليه وسلم مِنْ إِعْرَاضِهِمْ، وَأَنَّ الْإِعْرَاضَ هُوَ الْإِعْرَاضُ عَنْ دَعْوَتِهِ، فَاسْتُفِيدَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ الدَّعْوَةَ وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا أَثْبَتَ لَهُمُ الْإِعْرَاضَ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٥، ص ١٣٣
ما أُرسلت حفيظا تحفظ أعمالهم وتحصيها — قصر المهمة نفسه تسلية من الله
فَإِنْ أَعْرَضُوا أَيْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَمَرْتُهُمْ بِالِاسْتِجَابَةِ أَيْ لَمْ يَقْبَلُوا هَذَا الْأَمْرَ فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً بِأَنْ تَحْفَظَ أَعْمَالَهُمْ وَتُحْصِيَهَا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ وَذَلِكَ تَسْلِيَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٧، ص ٦٠٩
مناسبة الآية لسياق «شرع لكم»: بعد تمام البيان يأتي تحرير الرسول من نتائج الإعراض
ولما أنهى ما قدمه في قوله {شرع لكم من الدين} نهايته، ودل عليه وعلى كل ما قادته الحكمة في حيزه حتى لم يبق لأحد شبهة في شيء من الأشياء، كان ذلك سبباً لتهديدهم على الإعراض عنه وتسلية رسولهم صلى الله عليه وسلم فقال معرضاً عن خطابهم إيذاناً بشديد الغضب: {فإن أعرضوا}
نظم الدرر، البقاعي، جـ ١٧، ص ٣٤٨
التقسيم الحاسم: عليك البلاغ وأما الهداية والإضلال فإلى الله
{فما أرسلناك} مع ما لنا من العظمة {عليهم حفيظاً} أي نقهرهم على امتثال ما أرسلناك به. ولما كان التقدير. فأعرض عن غير إبلاغهم لأنا إنما أرسلناك مبلغاً، وضع موضعه: {إن} أي ما {عليك إلا البلاغ} لما أرسلناك به، وأما الهداية والإضلال فإلينا
نظم الدرر، البقاعي، جـ ١٧، ص ٣٤٨
قاعدة جامعة: عليه الإسماع لا السماع ولا حكم له على الطباع
ولما ضمن لهذه الآية ما أرسله له، أتبعه ما جبل عليه الإنسان بياناً لأنه صلى الله عليه وسلم لا حكم له على الطباع وأن الذي عليه إنما هو الإسماع لا السماع
نظم الدرر، البقاعي، جـ ١٧، ص ٣٤٩
باب خشبي مغلق يتوقف الضوء عند عتبته
المحطة الرابعة

ما ليست مهمتك

لا وكيلَ ولا حفيظَ ولا جبارَ ولا مصيطر
۞
لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ
البقرة ٢٧٢
فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ
الغاشية ٢١
لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ
الغاشية ٢٢
نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ ۖ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ
ق ٤٥
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ
الشورى ٦
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
أربعة قيود ينفيها القرآن عن الداعي بصريح اللفظ: لستَ وكيلاً عليهم، ولا حفيظاً، ولا جباراً، ولا مصيطراً — وقبلها كلها: ليس عليك هداهم. التذكيرُ لك… والقلوب ليست بيدك.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على البقرة ٢٧٢

الفصل الصريح بين مهمة البلاغ وملك الهداية
يقول تعالى لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليس عليك هدي الخلق، وإنما عليك البلاغ المبين، والهداية بيد الله تعالى.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٤٩
ثمرة عملية: الإحسان لا يتوقف على اهتداء المحسَن إليه
ففيها دلالة على أن النفقة كما تكون على المسلم تكون على الكافر ولو لم يهتد، فلهذا قال: {وما تنفقوا من خير} أي: قليل أو كثير على أي شخص كان من مسلم وكافر {فلأنفسكم} أي: نفعه راجع إليكم.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٤٩
تفريق ابن عاشور: هدى الإلجاء ليس عليك، وهدى التبليغ والإرشاد هو الذي عليك
وَكَانَ وُجُودُ هَذِهِ الْفِرَقِ مِمَّا يَثْقُلُ عَلَى النَّبِيءِ صلى الله عليه وسلم، فَعَقَّبَ اللَّهُ ذَلِكَ بِتَسْكِينِ نَفْسِ رَسُولِهِ وَالتَّهْوِينِ عَلَيْهِ بِأَنْ لَيْسَ عَلَيْهِ هُدَاهُمْ وَلَكِنْ عَلَيْهِ الْبَلَاغُ. فَالْهُدَى هُنَا بِمَعْنَى الْإِلْجَاءِ لِحُصُولِ الْهُدَى فِي قُلُوبِهِمْ، وَأَمَّا الْهُدَى بِمَعْنَى التَّبْلِيغِ وَالْإِرْشَادِ فَهُوَ عَلَى النَّبِيءِ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٦٩
ليس عليك أكثر من الدعوة والإرشاد — هداية الفعل ليست في يد بشر
وَالْمَعْنَى أَنْ لَيْسَ عَلَيْكَ أَنْ تَهْدِيَهُمْ بِأَكْثَرَ مِنَ الدَّعْوَةِ وَالْإِرْشَادِ، دُونَ هُدَاهُمْ بِالْفِعْلِ أَوِ الْإِلْجَاءِ إِذْ لَا هَادِيَ لِمَنْ يُضْلِلُ اللَّهُ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٧٠
الثمرة النفسية: «فلا يحزن على عدم حصول هداهم لأنه أدى واجب التبليغ»
وَالْمَعْنَى لَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ عَلَى الرَّسُولِ، فَلَا يَحْزَنُ عَلَى عَدَمِ حُصُولِ هُدَاهُمْ لِأَنَّهُ أَدَّى وَاجِبَ التَّبْلِيغِ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٧٠
فأما كونهم مهتدين فليس ذلك منك ولا بك — ومع ذلك لا تقطع برّك عمن لم يهتد
أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ شَدِيدَ الْحِرْصِ عَلَى إِيمَانِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [الْكَهْفِ: 6] لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشُّعَرَاءِ: 3] وَقَالَ: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يُونُسَ: 99] وَقَالَ: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ [التَّوْبَةِ: 128] فَأَعْلَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ بَعَثَهُ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا وَمُبَيِّنًا لِلدَّلَائِلِ، فَأَمَّا كَوْنُهُمْ مُهْتَدِينَ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْكَ وَلَا بِكَ، فالهدى هاهنا بِمَعْنَى الِاهْتِدَاءِ، فَسَوَاءٌ اهْتَدَوْا أَوْ لَمْ يَهْتَدُوا فَلَا تَقْطَعْ مَعُونَتَكَ وَبِرَّكَ وَصَدَقَتَكَ عَنْهُمْ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٧، ص ٦٥
مناسبة الآية لسياق الإنفاق: إعراض الأكثر عما يهدم مألوف جبلاتهم
ولما حث سبحانه وتعالى على وجوه الخير ورغب في لزوم الهدى وكان أكثرهم معرضين، لأن ما دعا إليه هادم لما جبلوا عليه
نظم الدرر، البقاعي، جـ ٤، ص ١٠٠
تخفيف إلهي عن قلب مثقل: ليس عليك هداهم فما عليك إلا البلاغ
وكان صلى الله عليه وسلم شديد الأسف عليهم دائم القلق من أجلهم لعظيم رحمته لهم وشفقته عليهم، فكان يجد من تقاعدهم عما يدعوهم إليه من هذه الحالة العلية التي هي حكمة الله التي رأسها الإيمان بالله واشتراء الآخرة بكلية الدنيا وجداً شديداً، خفض سبحانه وتعالى عليه الأمر وخفف عليه الحال فقال: {ليس عليك} أي عندك {هداهم} حتى تكون قادراً عليه، فما عليك إلا البلاغ، وأما خلق الهداية لهم فليس عليك ولا تقدر عليه {ولكن الله} الذي لا كفوء له هو القادر على ذلك وحده فهو {يهدي من يشاء}
نظم الدرر، البقاعي، جـ ٤، ص ١٠١
تقرير العجز البشري عن إيجاد الاهتداء ولو كان نبياً
لست تقدر على إيجاد الاهتداء فيهم أصلاً وإنما ذلك إلى الله سبحانه وتعالى فهو يهدي من يشاء فيفعل ما يقدره سبحانه له من وجوه الهدى من نفقة وغيرها
نظم الدرر، البقاعي، جـ ٤، ص ١٠٢

على الغاشية ٢١–٢٢

نفي السيطرة والوكالة على الأعمال: إذا قمت بما عليك فلا لوم بعده
{فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ} أي: ذكر الناس وعظهم، وأنذرهم وبشرهم، فإنك مبعوث لدعوة الخلق إلى الله وتذكيرهم، ولم تبعث مسيطرًا عليهم، مسلطًا موكلًا بأعمالهم، فإذا قمت بما عليك، فلا عليك بعد ذلك لوم، كقوله تعالى: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ}.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٦٦٩
الإياب والحساب على الله وحده؛ إغلاق ملف النتائج عن المبلغ
وقوله: {إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ} أي: لكن من تولى عن الطاعة وكفر بالله {فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ} أي: الشديد الدائم، {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ} أي: رجوع الخليقة وجمعهم في يوم القيامة. {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} فنحاسبهم على ما عملوا من خير وشر.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٦٧٠
أمرٌ بالدوام على التذكير مع تثبيت: لا تبعة عليك من عدم إصغائهم — استمرارٌ بلا احتراق
رَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم بِالدَّوَامِ عَلَىتَذْكِيرِهِمْ وَأَنَّهُ لَا يُؤَيِّسُهُ إِصْرَارُهُمْ عَلَى الْإِعْرَاضِ وَعَدَمُ ادِّكَارِهِمْ بِمَا أَلْقَى إِلَيْهِمْ مِنَ الْمَوَاعِظِ، وَتَثْبِيتُهُ بِأَنَّهُ لَا تَبِعَةَ عَلَيْهِ مِنْ عَدَمِ إِصْغَائِهِمْ إِذْ لَمْ يُبْعَثْ مُلْجِئًا لَهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣٠، ص ٣٠٦
«فلا تتحرج من عدم تذكّرهم فأنت غير مقصر» — تطمين للنفس التي تحاسب نفسها على نتائج غيرها
فَلَا تَتَحَرَّجْ مِنْ عَدَمِ تَذَكُّرِهِمْ فَأَنْتَ غَيْرُ مُقَصِّرٍ فِي تَذْكِيرِهِمْ وَهَذَا تَطْمِينٌ لِنَفْسِهِ الزَّكِيَّةِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣٠، ص ٣٠٧
«لست عليهم بمصيطر» كناية عن التطمين برفع التبعة — لا خبرٌ يجهله النبي ﷺ
وَنَفْيُ كَوْنِهِ مُصَيْطِرًا عَلَيْهِمْ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي غَيْرِ الْإِخْبَارِ لِأَنَّ النَّبِيءَ صلى الله عليه وسلم يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُكَلَّفْ بِإِكْرَاهِهِمْ عَلَى الْإِيمَانِ، فَالْخَبَرُ بِهَذَا النَّفْيِ مُسْتَعْمَلٌ كِنَايَةً عَنِ التَّطْمِينِ بِرَفْعِ التَّبِعَةِ عَنْهُ مِنْ جَرَّاءَ اسْتِمْرَارِ أَكْثَرِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣٠، ص ٣٠٧

على الغاشية ٢١

الأمر بالتذكير مقروناً بعدم الاهتمام بمن لا ينظر
قال سبحانه مسبباً عنه: {فذكر} كل من يرجى تذكره وانتفاعه بالتذكير يا أشرف خلقنا بما في غرائزهم وفطرهم من العلم الأولى بما في هذه الأشياء وأمثالها مما يدل على صحة ما نزلنا عليك ليدلهم على كمال قدرة الذي بعثك فينقادوا لك أتم انقياد لا سيما في اعتقاد حقية البعث، ولا يهمنك كونهم لا ينظرون ولا يتطرفون
نظم الدرر، البقاعي، جـ ٢٢، ص ١٨
مناسبة الحصر لمكية السورة وزمن الأمر بالصفح
ولما كانت هذه السورة مكية من أوائل ما أنزل، وكان مأموراً إذ ذاك بالصفح قال: {إنما أنت مذكر *} أي لا مقاتل قاهر
نظم الدرر، البقاعي، جـ ٢٢، ص ١٨
نفي السيطرة: لا عليك إن لم يتذكروا لأنه ما عليك إلا البلاغ
لهم على التذكر والرجوع، فلا عليك إن لم ينظروا ولم يتذكروا لأنه ما عليك إلا البلاغ، ولذلك قال {لست} وأشار إلى القهر بأداة الاستعلاء فقال: {عليهم} أي خاصة {بمصيطر *} أي بمتسلط
نظم الدرر، البقاعي، جـ ٢٢، ص ١٩

على الغاشية ٢٢

لست بمصيطر: ما أُمرت إلا بالتذكير، وأما التسلط والإكراه فلا
وَالْمَعْنَى أَنَّكَ مَا أُمِرْتَ إِلَّا بِالتَّذْكِيرِ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مُسَلَّطًا عَلَيْهِمْ حَتَّى تَقْتُلَهُمْ، أَوْ تُكْرِهَهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ فَلَا
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣١، ص ١٤٦

على ق ٤٥

مواساة وجدانية نادرة: أننا أرحم بك وأرأف من نفسك، فليفرح قلبك
{نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ} لك، مما يحزنك، من الأذى، وإذا كنا أعلم بذلك، فقد علمت كيف اعتناؤنا بك، وتيسيرنا لأمورك، ونصرنا لك على أعدائك، فليفرح قلبك، ولتطمئن نفسك، ولتعلم أننا أرحم بك وأرأف، من نفسك، فلم يبق لك إلا انتظار وعد الله، والتأسي بأولي العزم، من رسل الله.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٤٦٤
حتى مع من لا ينتفع، للتذكير فائدة: إقامة الحجة، فلا يضيع البلاغ أبدا
{وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ} أي: مسلط عليهم {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} ولهذا قال: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} والتذكير، هو تذكير ما تقرر في العقول والفطر، من محبة الخير وإيثاره، وفعله، ومن بغض الشر ومجانبته، وإنما يتذكر بالتذكير، من يخاف وعيد الله، وأما من لم يخف الوعيد، ولم يؤمن به، فهذا فائدة تذكيره، إقامة الحجة عليه، لئلا يقول: {ما جاءنا من بشير ولا نذير}.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٤٦٤
«ما أنت عليهم بجبار»: بُعثت داعياً وهادياً لا مُرغِماً — غير مسؤول عن عدم اهتدائهم
وَقَوْلُهُ: وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ تطمين للرسول صلى الله عليه وسلم بِأَنَّهُ غير مسؤول عَنْ عَدَمِ اهْتِدَائِهِمْ لِأَنَّهُ إِنَّمَا بُعِثَ دَاعِيًا وَهَادِيًا، وَلَيْسَ مَبْعُوثًا لِإِرْغَامِهِمْ عَلَى الْإِيمَانِ، وَالْجَبَّارُ مُشْتَقٌّ مِنْ جَبَرَهُ عَلَى الْأَمْرِ بِمَعْنَى أَكْرَهَهُ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٦، ص ٣٣٣
توجيه عملي: وجّه تذكيرك حيث ينفع — «التذكير الذي ينفع المذكَّر»
وَلَكِنْ خُصَّ التَّذْكِيرُ هُنَا بِالْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّهُ أَرَادَ التَّذْكِيرَ الَّذِي يَنْفَعُ الْمُذَكَّرَ. فَالْمَعْنَى:فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ فَيَتَذَكَّرُ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٦، ص ٣٣٣
تصحيح فهم المهمة: ما بُعثت مسلطا على دواعيهم وقدرهم، وقد بلّغت فاصبر وسبّح
أَيْ لَا تَقُلْ بِأَنِّي أُرْسِلْتُ إِلَيْهِمْ لِأَهْدِيَهُمْ، فَكَيْفَ أَشْتَغِلُ بِمَا يَشْغَلُنِي عَنِ الْهِدَايَةِ وَهُوَ الصَّلَاةُ وَالتَّسْبِيحُ، فَإِنَّكَ مَا بُعِثْتَ مُسَلَّطًا عَلَى دَوَاعِيهِمْ وَقُدَرِهِمْ، وَإِنَّمَا أُمِرْتَ بِالتَّبْلِيغِ، وَقَدْ بَلَغْتَ فَاصْبِرْ وَسَبِّحْ وَانْتَظِرِ الْيَوْمَ الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَكُمْ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٨، ص ١٥٧
مناسبة خاتمة ق: بعد أدلة القدرة تأتي تسلية النبي وتهديد المكذبين
ولما أقام سبحانه الأدلة على تمام قدرته وشمول علمه وختم بسهولته عليه واختصاصه به، وصل تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بتهديدهم على تكذيبهم بالعلم الذي هو أعظم التهديد فقال: {نحن}
نظم الدرر، البقاعي، جـ ١٨، ص ٤٤٢
الله القادر على ردهم وأنت منذر فحسب؛ توزيع صريح للأدوار
ولما كان التقدير: فنحن قادرون على ردهم عنه بما لنا من العلم المحيط وأنت لهم منذير تنذرهم وبال ذلك، عطف عليه قوله: {وما أنت عليهم}
نظم الدرر، البقاعي، جـ ١٨، ص ٤٤٢
نفي الجبروت وإثبات النذارة: لا ترد أحداً قهراً عما تكره
ولما أفاد حرف الاستعلاء القهر والغلبة صرح به مؤكداً في النفي فقال: {بجبار} أي متكبر قهار عات تردهم قهراً عما تكره منهم من الأقوال والأفعال، إنما أنت منذر
نظم الدرر، البقاعي، جـ ١٨، ص ٤٤٣
المكذب تُقام عليه الحجة ولا يؤسف عليه؛ تحرير القلب من التعلق بالنتيجة
ولكنه ساقه هكذا إعلاماً بأن الذي يخاف بالفعل فيكشف الحال عن إسلامه هو المقصود بالذات، وغيره إنما يقصد لإقامة الحجة عليه لا لدده ولا يؤسف عليه ولا يتأثر بتكذيبه
نظم الدرر، البقاعي، جـ ١٨، ص ٤٤٣

على الشورى ٦

يضع الانحراف في نصابه: تولّيهم الباطل هو المشكلة لا تقصير المبلغ
{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} يتولونهم بالعبادة والطاعة، كما يعبدون الله ويطيعونه، فإنما اتخذوا الباطل، وليسوا بأولياء على الحقيقة.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٣٥٨
نفي الوكالة بلفظ حاسم: إنما أنت مبلغ أديت وظيفتك
{اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ} يحفظ عليهم أعمالهم، فيجازيهم بخيرها وشرها. {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ} فتسأل عن أعمالهم، وإنما أنت مبلغ أديت وظيفتك.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٣٥٨
«فلا تهتم بشأنهم فإن الله حسبهم» — تسكين لحزن الرسول ﷺ قبل أمره بالدعوة
وَأَمَّا الَّذِينَ لَمْ يُبْصِرُوا تِلْكَ الْحُجَّةَ وَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَدِلَّةُ فَلَا تَهْتَمَّ بِشَأْنِهِمْ فَإِنَّ اللَّهَ حَسْبُهُمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ. فَهَذَا تَسْكِينٌ لحزن الرّسول صلى الله عليه وسلم مِنْ أَجْلِ عَدَمِ إِيمَانِهِمْ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٥، ص ٣١
«الله رقيب عليهم لا أنت» — لم يوكَّل أحدٌ من الله على جبر القلوب
لِأَنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّفْهُ بِأَكْثَرِ مِنَ التَّبْلِيغِ، وَالْمَعْنَى: اللَّهُ رَقِيبٌ عَلَيْهِمْ لَا أَنْتَ وَمَا أَنْتَ بِمُوَكَّلٍ مِنَ اللَّهِ عَلَى جَبْرِهِمْ عَلَى الْإِيمَانِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٥، ص ٣٢
ما أنت بمفوَّض إليك أمرهم ولا قسرهم على الإيمان — الرقابة لله وحده
اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ أَيْ رَقِيبٌ عَلَى أَحْوَالِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ، لَا يَفُوتُهُ مِنْهَا شَيْءٌ وَهُوَ مُحَاسِبُهُمْ عَلَيْهَا لَا رَقِيبَ عَلَيْهِمْ إِلَّا هُوَ وَحْدَهُ وَمَا أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ بِمُفَوَّضٍ إِلَيْكَ أَمْرُهُمْ وَلَا قَسْرُهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ، إنما أنت منذر فحسب.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٧، ص ٥٧٩
مقصود الشورى: سلسلة آيات الأزلية وحصر البلاغ عمود السورة
اتبعت السورتان بما اشتملت عليه سورة الشورى من أن ذلك كله إنما جرى على ما سبق في علمه تعالى بحكم الأزلية {فريق في الجنة وفريق في السعير} {وما أنت عليهم بوكيل} {ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة} {ولولا كلمة الفصل لقضى بينهم} {وهو على جمعهم إذا يشاء قدير} {وما أنتم بمعجزين في الأرض} {ومن يضلل الله فما له من سبيل} {إن عليك إلا البلاغ} {نهدي به من نشاء من عبادنا}
نظم الدرر، البقاعي، جـ ١٧، ص ٢٤٠
الله وحده الحفيظ على المتخذين أولياء دونه وليس الرسول عليهم بوكيل
{حفيظ عليهم} أي رقيب وراع وشهيد على اعمالهم، لا يغيب عنه شيء من أحوالهم، فهو إن شاء أبقاهم على كفرهم وجازاهم عليه بما أعده للكافرين، وإن شاء تاب عليهم ومحا ذلك عيناً وأثراً، فلم يعاقبهم ولم يعاتبهم، وإن شاء محاه عيناً وأبقى الأثر حتى يعاتبهم {وما أنت عليهم بوكيل *}
نظم الدرر، البقاعي، جـ ١٧، ص ٢٤٧
تفسير نفي الوكالة: لا يلزمه مراقبة أحوالهم ولا قسرهم على الترك
يلزمك أن تراعي جميع أحوالهم من أقوالهم وأفعالهم، فتحفظها وتقسرهم على تركها ونحو ذلك مما يتولاه الوكيل مما يقوم فيه مقام الموكل
نظم الدرر، البقاعي، جـ ١٧، ص ٢٤٨
مطر واحد على سهل مقسوم بين تربة أنبتت وصخر لا ينبت
المحطة الخامسة

السؤال الكاشف

أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؟
۞
وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
يونس ٩٩
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
سؤالٌ يضع اليد على الجرح: أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؟ — لو شاء ربك لآمن مَن في الأرض كلهم جميعاً، لكنه لم يشأ الإيمان المُكرَه؛ فكيف تطلب أنت ما لم يُرِده الله أصلاً؟
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على يونس ٩٩

لو شاء الله لآمنوا جميعا؛ فوجود المعرضين قدر حكيم لا فشل دعوي
يقول تعالى لنبيه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا} بأن يلهمهم الإيمان، ويوزع قلوبهم للتقوى، فقدرته صالحة لذلك، ولكنه اقتضت حكمته أن كان بعضهم مؤمنين، وبعضهم كافرين.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٦٤٥
جواب السؤال الكاشف: الإكراه على الإيمان خارج قدرة البشر أصلا
{أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} أي: لا تقدر على ذلك، وليس في إمكانك، ولا قدرة لغير الله على شيء من ذلك.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٦٤٥
الإيمان لا يقع إلا بإذن الله؛ رفع لعبء التوفيق عن كاهل الداعية
{وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} أي: بإرادته ومشيئته، وإذنه القدري الشرعي، فمن كان من الخلق قابلًا لذلك، يزكو عنده الإيمان، وفقه وهداه.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٦٤٥
لو شاء الله لتساوت المدارك وانساقت إلى الخير — لكن حكمته اقتضت التفاوت
وَالْمَعْنَى: لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَ مَدَارِكَ النَّاسِ مُتَسَاوِيَةً مُنْسَاقَةً إِلَى الْخَيْرِ، فَكَانُوا سَوَاءً فِي قَبُولِ الْهُدَى وَالنَّظَر الصَّحِيح.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١١، ص ٢٩٢
بلغ حرص النبي ﷺ حتى نُزّل منزلة من يحاول الإكراه — فجاء الإنكار الرحيم: «أفأنت تكره الناس؟»
وَالِاسْتِفْهَامُ فِي أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ إِنْكَارِيٌّ، فَنَزَّلَ النَّبِيءَ صلى الله عليه وسلم لِحِرْصِهِ عَلَى إِيمَانِ أَهْلِ مَكَّةَ وَحَثِيثِ سَعْيِهِ لِذَلِكَ بِكُلِّ وَسِيلَةٍ صَالِحَةٍ مَنْزِلَةَ مَنْ يُحَاوِلُ إِكْرَاهَهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ حَتَّى تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ التَّنْزِيلِ إِنْكَارَهُ عَلَيْهِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١١، ص ٢٩٣
قاعدة ذهبية لكل أب وداعية: «ومن بلغ المجهود حقّ له العذر»
وَهَذَا تَعْرِيضٌ بِالثَّنَاءِ عَلَى النَّبِيءِ وَمَعْذِرَةٌ لَهُ عَلَى عَدَمِ اسْتِجَابَتِهِمْ إِيَّاهُ، وَمَنْ بَلَغَ الْمَجْهُودَ حَقَّ لَهُ الْعُذْرُ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١١، ص ٢٩٣
جدّ الداعي ومبالغته في الدلائل لا تصنع الإيمان؛ فهو لا يحصل إلا بتخليق الله وهدايته
ثُمَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بَيَّنَ أَنَّ جِدَّ الرَّسُولِ فِي دُخُولِهِمْ فِي الْإِيمَانِ لَا يَنْفَعُ وَمُبَالَغَتَهُ فِي تَقْرِيرِ الدَّلَائِلِ، وَفِي الْجَوَابِ عَنِ الشُّبُهَاتِ لَا تُفِيدُ، لِأَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِتَخْلِيقِ اللَّه تَعَالَى وَمَشِيئَتِهِ وَإِرْشَادِهِ وَهِدَايَتِهِ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ هَذَا الْمَعْنَى لَمْ يَحْصُلِ الْإِيمَانُ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٧، ص ٣٠٤
لماذا لا ينفع الإكراه؟ لأن المطلوب إيمان نافع مختار، والإلجاء يفسد جوهره
لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَا كَانَ يَطْلُبُ أَنْ يَحْصُلَ لَهُمْ إِيمَانٌ لَا يُفِيدُهُمْ فِي الْآخِرَةِ، فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُ لَا قُدْرَةَ لِلرَّسُولِ عَلَى تَحْصِيلِ هَذَا الْإِيمَانِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْإِيمَانِ الْمَذْكُورِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُوَ هَذَا الْإِيمَانُ النَّافِعُ حَتَّى يَكُونَ الْكَلَامُ مُنْتَظِمًا
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٧، ص ٣٠٤
السؤال الكاشف: لا قدرة لك على التصرف في أحد، فالمشيئة النافذة لله وحده
وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ هَذَا الْكَلَامَ قَالَ: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا قُدْرَةَ لَكَ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي أَحَدٍ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ بَيَانُ أَنَّ الْقُدْرَةَ الْقَاهِرَةَ وَالْمَشِيئَةَ النَّافِذَةَ لَيْسَتْ إِلَّا لِلْحَقِّ سبحانه وتعالى.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٧، ص ٣٠٥
مناسبة الآية: حرص الرسول وتقريره الدلائل لا يفيد إلا بمشيئة الله
ولما كان ما مضى ربما أوجب اعتقاد أن إيمان مثل أولئك محال جاءت هذه الآية في مقام الاحتراس منه مع البيان لأن حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على إيمانهم لا ينفع ومبالغته في إزالة الشبهات وتقرير الدلائل لا تفيد إلاّ بمشيئة الله تعالى لتوفيقهم وهدايتهم
نظم الدرر، البقاعي، جـ ٩، ص ٢٠٩
السؤال الكاشف: أفأنت تكره الناس؟ الإكراه على تحويل الطباع لله وحده
ولكن لم يشأ ذلك وأنت لحرصك على امتثال أوامري ووصيتي لك باللطف بخلقي الموافق لما جبلتك عليه من الخير تريد ذلك {أفأنت تكره الناس} أي الذين لم يرد الله إيمانهم مع ما طبعهم عليه من الاضطراب {حتى يكونوا} أي كوناً جبلياً {مؤمنين} أي راسخين في الإيمان
نظم الدرر، البقاعي، جـ ٩، ص ٢١٠
غاية الآية عند البقاعي: تخفيف التحسر النبوي؛ فلا إيمان إلا بإذن الله
والمراد بالآية تخفيف ما يلحق النبي صلى الله عليه وسلم من التحسر للحرص على إيمانهم {وما كان} أي وما ينبغي ولا يتأتى {لنفس} أي واحدة فما فوقها {أن تؤمن} أي يقع منها إيمان في وقت ما {إلاّ بإذن الله}
نظم الدرر، البقاعي، جـ ٩، ص ٢١٠
باب عتيق موارب يتسرب منه ضوء فجر خافت ولم يفتح
المحطة السادسة — الذروة

إنك لا تهدي من أحببت

النبيُّ نفسه لم يُعطَ مفاتيح القلوب
۞
إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
القصص ٥٦
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
أحبُّ الناس إليه ﷺ ممن لم يؤمن: عمُّه الذي حماه أربعين عاماً. وعند فراش موته قال له: «يا عم قل لا إله إلا الله كلمةً أحاجُّ لك بها عند الله»… فلم يقلها. فنزلت: إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء. النبيُّ نفسه لم يُعطَ مفاتيح القلوب — هدايةُ الدلالة له، وهدايةُ التوفيق لله وحده. فمن نحن لنحمل ما لم يُحمَّله؟
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على القصص ٥٦

نص الذروة: هداية التوفيق وخلق الإيمان في القلب بيد الله وحده
يخبر تعالى أنك يا محمد ـ وغيرك من باب أولى ـ لا تقدر على هداية أحد، ولو كان من أحب الناس إليك، فإن هذا أمر غير مقدور للخلق هداية للتوفيق، وخلق الإيمان في القلب، وإنما ذلك بيد اللّه سبحانه وتعالى، يهدي من يشاء، وهو أعلم بمن يصلح للهداية فيهديه، ممن لا يصلح لها فيبقيه على ضلاله.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١١٠١
التفريق المنهجي الذهبي بين هداية البيان المكلف بها وهداية التوفيق الممتنعة
وأما إثبات الهداية للرسول في قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} فتلك هداية البيان والإرشاد، فالرسول يبين الصراط المستقيم، ويرغب فيه، ويبذل جهده في سلوك الخلق له، وأما كونه يخلق في قلوبهم الإيمان، ويوفقهم بالفعل، فحاشا وكلا.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١١٠٢
ما ذكره السعدي في سبب النزول: قصة عمه أبي طالب برهانا على أن الهداية بيد الله
ولهذا، لو كان قادرا عليها، لهدى من وصل إليه إحسانه، ونصره ومنعه من قومه، عمه أبا طالب، ولكنه أوصل إليه من الإحسان بالدعوة للدين والنصح التام، ما هو أعظم مما فعله معه عمه، ولكن الهداية بيد اللّه تعالى.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١١٠٢
التخريج: القصة ثابتة: البخاري (٤٧٧٢) ومسلم (٢٤)
سياق الذروة: حزن النبي ﷺ من إعراض أخصّ الناس به — فأقبل الله عليه بما يسلي نفسه ويزيل كمده
وَكَانَ ذَلِك يحزن النبيء صلى الله عليه وسلم أَنْ يُعْرِضَ قُرَيْشٌ وَهُمْ أَخَصُّ النَّاسِ بِهِ عَنْ دَعْوَتِهِ أَقْبَلَ اللَّهُ على خطاب نبيئه صلى الله عليه وسلم بِمَا يُسَلِّي نَفْسَهُ وَيُزِيلُ كَمَدَهُ بِأَنْ ذَكَرَّهُ بِأَنَّ الْهُدَى بِيَدِ اللَّهِ. وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْأَمْرِ بِالتَّفْوِيضِ فِي ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٠، ص ١٤٧
«من أحببت»: كل من دعاه النبي ﷺ فهو يحب اهتداءه — المحبة لا تصنع الهداية
وَالتَّقْدِيرُ: مَنْ أَحْبَبْتَ هَدْيَهُ أَو اهتداءه. وَمَا صدق مَنْ الْمَوْصُولَةِ كُلُّ مَنْ دَعَاهُ النَّبِيءُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اهْتِدَاءَهُ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٠، ص ١٤٧
سبب النزول بلفظ ابن عاشور: أبو طالب — اغتمام النبي ﷺ لموت عمه على غير الإسلام
وَقَدْ تَضَافَرَتِ الرِّوَايَاتُ عَلَى أَنَّ مِنْ أَوَّلِ الْمُرَادِ بِذَلِكَ أَبَا طَالب عَم النبيء صلى الله عليه وسلم إِذْ كَانَ النبيء صلى الله عليه وسلم قَدِ اغْتَمَّ لِمَوْتِهِ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ كَمَا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ مِنْ أَجْلِ امْتِنَاعِ أَبِي طَالِبٍ عَمِّهِ مِنْ إِجَابَتِهِ إِذْ دَعَاهُ إِلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَهُوَ نَصُّ حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي بَرَاءَةٌ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٠، ص ١٤٧
التخريج: سبب النزول ثابت: البخاري (٤٧٧٢) ومسلم (٢٤)؛ ونقل الزجاج قول مفسر بنسبته
كيف يهدي الله من يشاء: خلق القابلية وانشراح الصدر «بعد دعوات محدودة» — فلا تيأس من تكرار الدعوة
وَمَعْنَى وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ أَنَّهُ يَخْلُقُ مَنْ يَشَاءُ قَابِلًا لِلِاهْتِدَاءِ فِي مَدًى مُعَيَّنٍ وَبَعْدَ دَعَوَاتٍ مَحْدُودَةٍ حَتَّى يَنْشَرِحَ صَدْرُهُ لِلْإِيمَانِ فَإِذَا تَدَبَّرَ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَحَدَّدَهُ كَثُرَ فِي عِلْمِهِ وَإِرَادَتِهِ جَعَلَ مِنْهُ الِاهْتِدَاءَ، فَالْمُرَادُ الْهِدَايَةُ بِالْفِعْلِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٠، ص ١٤٧
الجمع الحاسم بين الآيتين: هدايةُ الدعوة والإرشاد لك، وهدايةُ الفعل لله — «فاختلف الإطلاقان»
قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: 52] فَهِيَ الْهِدَايَةُ بِالدَّعْوَةِ وَالْإِرْشَادِ فَاخْتَلَفَ الْإِطْلَاقَانِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٠، ص ١٤٨
رواية سبب النزول: النبي عند رأس عمه المحتضر يطلب كلمة واحدة فلا يملك قلبه
هَذِهِ الْآيَةُ لَا دَلَالَةَ فِي ظَاهِرِهَا عَلَى كُفْرِ أَبِي طَالِبٍ ثُمَّ قَالَ الزَّجَّاجُ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٥، ص ٥
التخريج: نقل الزجاج قول مفسر بنسبته؛ وحُذفت رواية ضعيفة كان الرازي ساقها بعده (أصلها عند مقاتل بلا إسناد وتخالف الصحيح)
التفريق الذهبي: الذي للنبي الدعوة والبيان، والمنفي عنه هداية التوفيق — نور يُقذف في القلب فيحيا به
أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشُّورَى: 52] وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا فَإِنَّ الَّذِي أَثْبَتَهُ وَأَضَافَهُ إِلَيْهِ الدَّعْوَةُ وَالْبَيَانُ وَالَّذِي نَفَى عَنْهُ هِدَايَةُ التَّوْفِيقِ، وَشَرْحُ الصَّدْرِ وَهُوَ نُورٌ يُقْذَفُ فِي الْقَلْبِ فَيَحْيَا بِهِ الْقَلْبُ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً [الْأَنْعَامِ: 122] الْآيَةَ.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٥، ص ٥
النبي هدى الكل فعلا بمعنى البيان؛ فالمنفي عنه شيء آخر لا يملكه بشر
لَا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بَيَانَ الْأَدِلَّةِ لِأَنَّهُ عليه السلام هَدَى الْكُلَّ بِهَذَا الْمَعْنَى فَهِيَ غَيْرُ الْهِدَايَةِ الَّتِي نَفَى اللَّهُ عُمُومَهَا
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٥، ص ٥
خلاصة النظر الكلامي: خلق الهداية في القلب اختصاص إلهي محض لا يُسأل عنه
وَلَمَّا بَطَلَتِ الْأَقْسَامُ لَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ تَعَالَى يَخُصُّ الْبَعْضَ بِخَلْقِ الْهِدَايَةِ وَالْمَعْرِفَةِ وَيَمْنَعُ الْبَعْضَ مِنْهَا، وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٥، ص ٦
هو وحده يعلم من يهتدي بعدُ؛ ووضوح الدلائل لا يكفي ما لم تنضم إليه هداية الله
أَمَّا قَوْلُهُ: وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ فَالْمَعْنَى أَنَّهُ الْمُخْتَصُّ بِعِلْمِ الْغَيْبِ فَيَعْلَمُ مَنْ يَهْتَدِي بَعْدُ وَمَنْ لَا يَهْتَدِي، ثُمَّ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ شُبَهَهُمْ وَأَجَابَ عَنْهَا بِالْأَجْوِبَةِ الْوَاضِحَةِ، وَبَيَّنَ أَنَّ وُضُوحَ الدَّلَائِلِ لَا يَكْفِي مَا لَمْ يَنْضَمَّ إِلَيْهِ هِدَايَةُ اللَّهِ تَعَالَى
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٥، ص ٦
مناسبة الذروة: رد توهم أن عدم هدايتهم لتقصير في دعائه؛ بيده الإرشاد لا خلق الإيمان
ولما كان من المعلوم أن نفس النبي صلى الله عليه وسلم لما جبلت عليه من الخير والمحبة لنفع جميع العباد، لا سيما العرب، لقربهم منه صلى الله عليه وسلم، لاسيما أقربهم منه صلة للرحم تتأثر بسبق أهل الكتاب لقومه، وكان ربما ظن ظان أن عدم هدايتهم لتقصير في دعائه أو إرادته لذلك، وأنه لو أراد هدايتهم وأحبها، وعلق همته العلية بها لاهتدوا، أجيب عن هذا بقوله تعالى في سياق التأكيد إظهاراً لصفة القدرة والكبرياء والعظمة: {إنك لا تهدي من أحببت} أي نفسه أو هدايته بخلق الإيمان في قلبه، وإنما في يدك الهداية التي هي الإرشاد والبيان
نظم الدرر، البقاعي، جـ ١٤، ص ٣١٧
الاستدراك «ولكن الله يهدي من يشاء»: الأمر كله لله لا يخرج عنه فعل
ولما كان ربما ظن من أجل الإخبار بتوصيل القول وتعليله ونحو ذلك من أشباهه أن شيئاً من أفعالهم يخرج عن القدرة، قال نافياً لهذا الظن مشيراً إلى الغلط في اعتقاده بقوله: {ولكن الله} المتردي برداء الجلال والكبرياء والكمال وله الأمر كله {يهدي من يشاء}
نظم الدرر، البقاعي، جـ ١٤، ص ٣١٧
علم الله السابق بالمهتدين يستوي فيه القريب والبعيد؛ فلا معنى لحمل قرابة أبي طالب
{وهو} أي وحده {أعلم بالمهتدين*} أي الذين هيأهم لتطلب الهدى عند خلقه لهم، فيكونوا عريقين فيه سواء كانوا من أهل الكتاب أو العرب، أقارب كانوا أو أباعد
نظم الدرر، البقاعي، جـ ١٤، ص ٣١٨
رواية سبب النزول في أبي طالب بلفظ البقاعي ناقلاً عن البخاري
روى البخاري في التفسير عن سعيد بن المسيب عن أبيه رضي الله عنه: «قال لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيره، فقال: أي عم! قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعيدانه بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فأنزل الله عز وجل {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى}
نظم الدرر، البقاعي، جـ ١٤، ص ٣١٨
التخريج: صحيح البخاري (٤٧٧٢ — تفسير سورة القصص)
روايتا البخاري في التوحيد ومسلم عن أبي هريرة في نزول الآية في أبي طالب
وقال في كتاب التوحيد: {إنك لا تهدي من أحببت} قال سعيد بن المسيب عن أبيه رضي الله عنه: نزلت في أبي طالب، وفي مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالتوحيد فقال: لولا أن تعيرني نساء قريش لأقررت بها عينك فأنزل الله الآية
نظم الدرر، البقاعي، جـ ١٤، ص ٣١٩
التخريج: تعليق البخاري في كتاب التوحيد؛ ومسلم (٢٥)، ولفظ مسلم «تعيرني قريش» بلا «نساء» — والترمذي (٣١٨٨)
ثمرة الذروة: الإعراض عن الأسف والإقبال على عموم الدعاء بلا تفرقة
وختم بأنه أعلم بأهل الخير وأهل الشر، إشارة إلى الإعراض عن الأسف على أحد، والإقبال على عموم الدعاء للقريب والبعيد على حد سواء
نظم الدرر، البقاعي، جـ ١٤، ص ٣١٩

على التوبة ١١٣

نص القصة كاملاً بلفظ ابن عاشور في براءة — وهو الموضع الذي أحال عليه عند القصص ٥٦
فَفِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» أَنَّ أَبَا طَالِبٍ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيءُ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «يَا عَمُّ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ» فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ «يَا أَبَا طَالِبٍ أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ» . فَكَانَ آخِرَ قَوْلِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّهُ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ النَّبِيءُ: «لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنه عَنْكَ». وَتُوُفِّيَ أَبُو طَالِبٍ فَنَزَلَتْ مَا كَانَ لِلنَّبِيءِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [التَّوْبَة: 113]
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٠، ص ٩٧
التخريج: صحيح البخاري (٤٧٧٢)؛ وهو عند مسلم (٢٤) بلفظ «كلمة أشهد لك بها»
حقيبة موضوعة عند حافة الدرب وبجوارها فانوس مضيء والدرب يصعد نحو الضوء
الجسر الختامي

ضَعِ الحمل… ويبقى الحرص

عليك البلاغ وعلينا الحساب
۞
وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ
الرعد ٤٠
لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ
التوبة ١٢٨
إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ
الليل ١٢
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
القسمة الختامية صريحة: فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب — وإنَّ علينا للهدى. والتحرير لا يعني برودة القلب: هو ﷺ «حريصٌ عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم» — فابقَ حريصاً… وضَعِ الحمل.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على الرعد ٤٠

لفتة محررة: نتائج المكذبين ليست شغلك أصلا، فليس ذلك شغلا لك
يقول تعالى لنبيه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ: لا تعجل عليهم بإصابة ما يوعدون به من العذاب، فهم إن استمروا على طغيانهم وكفرهم فلا بد أن يصيبهم ما وعدوا به، {إِمَّا نُرِيَنَّكَ} إياه في الدنيا فتقر بذلك عينك، {أَوْ نتوفينك} قبل إصابتهم فليس ذلك شغلا لك {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ} والتبيين للخلق.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٧٣٤
توزيع المهام الإلهي: عليك البلاغ وعلينا الحساب
{وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} فنحاسب الخلق على ما قاموا به، مما عليهم، وضيعوه، ونثيبهم أو نعاقبهم.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٧٣٤
لست مأموراً بالاشتغال بالنتائج ولا بترقّبها — أنت مبلّغ والله يتولى الحساب
فَبَيَّنَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ أَنَّ النَّبِيءَ صلى الله عليه وسلم لَيْسَ مَأْمُورًا بِالِاشْتِغَالِ بِذَلِكَ وَلَا بِتَرَقُّبِهِ وَإِنَّمَا هُوَ مُبَلِّغٌ عَنِ اللَّهِ لِعِبَادِهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا يُحَاسِبُ بِهِ عِبَادَهُ سَوَاءٌ شَهِدَ النَّبِيءُ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ أَمْ لَمْ يَشْهَدْهُ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٣، ص ١٦٩
قسمة الحصر: عليك البلاغ لا غير، وعلينا الحساب لا غير — حدود مرسومة من فوق سبع سماوات
وَالتَّقْدِيرُ: عَلَيْكَ الْبَلَاغُ لَا غَيْرُهُ مِنْ إِنْزَالِ الْآيَاتِ أَوْ مِنْ تَعْجِيلِ الْعَذَابِ، وَلِهَذَا قَدَّمَ الْخَبَرَ عَلَى الْمُبْتَدَأِ لِتَعْيِينِ الْمَحْصُورِ فِيهِ.وَجُمْلَةُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ عَلَيْكَ الْبَلاغُ فَهِيَ مَدْخُولَةٌ فِي الْمَعْنَى لِحَرْفِ الْحَصْرِ. وَالتَّقْدِيرُ: وَإِنَّمَا عَلَيْنَا الْحِسَابُ، أَيْ مُحَاسَبَتُهُمْ عَلَى التَّكْذِيبِ لَا غَيْرَ الْحِسَابِ مِنْ إِجَابَة مقترحاتهم.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٣، ص ١٧٠
قسمة صريحة: عليك أداء الأمانة، وعلينا الحساب — سواء رأيت الثمرة أو لم ترها
اعْلَمْ أن المعنى: وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ مِنَ الْعَذَابِ: أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَالْمَعْنَى:/ سَوَاءٌ أَرَيْنَاكَ ذَلِكَ أَوْ تَوَفَّيْنَاكَ قَبْلَ ظُهُورِهِ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْكَ تَبْلِيغُ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَدَاءُ أَمَانَتِهِ وَرِسَالَتِهِ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٩، ص ٥٢
لا حرج على المبلغ في ضلالة من ضل بعد إبلاغه؛ رد لظن وجوب الرد الحتمي
قال سبحانه وتعالى: {وإن ما نرينك} أكده لتأكيد الإعلام بأنه لا حرج عليه في ضلالة من ضل بعد إبلاغه، نفياً لما يحمله عليه صلى الله عليه وسلم شدة رحمته لهم وشفقته عليهم من ظن أنه عليه أن يردهم إلى الحق حتماً
نظم الدرر، البقاعي، جـ ١٠، ص ٣٦٣
القسمة الصريحة: عليك البلاغ وعلينا الحساب سواء رأيت الثمرة أو توفيت قبلها
فالذي عليك والذي إلينا مستو بالنسبة إلى كلتا الحالتين {فإنما عليك البلاغ} وهو إمرار الشيء إلى منتهاه، وهو هنا الرسالة؛ وليس عليك أن تحاربهم ولا أن تأتيهم بالمقترحات {وعلينا الحساب *} وهو جزاء كل عامل بما عمل في الدنيا والآخرة، ولنا القوة التامة عليه
نظم الدرر، البقاعي، جـ ١٠، ص ٣٦٣

على التوبة ١٢٨

التحرر من حمل النتائج لا يلغي غاية النصح والسعي في مصالح الخلق
يمتن تعالى على عباده المؤمنين بما بعث فيهم النبي الأمي الذي من أنفسهم، يعرفون حاله، ويتمكنون من الأخذ عنه، ولا يأنفون عن الانقياد له، وهو ـ صلى الله عليه وسلم ـ في غاية النصح لهم، والسعي في مصالحهم.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٦١٠
قلب الرسول معكم: مشقتكم مشقته، فالحرص باق مع التحرر
{عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} أي: يشق عليه الأمر الذي يشق عليكم ويعنتكم.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٦١٠
تفسير الحرص النبوي: بذل الجهد في الإيصال، مع رحمة تفوق رحمة الوالدين
{حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} فيحب لكم الخير، ويسعى جهده في إيصاله إليكم، ويحرص على هدايتكم إلى الإيمان، ويكره لكم الشر، ويسعى جهده في تنفيركم عنه. {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} أي: شديد الرأفة والرحمة بهم، أرحم بهم من والديهم.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٦١٠
التحرير من حمل النتائج لا يعني برودة القلب: من أخص صفاته ﷺ حرصه على هداهم ورغبته في إيمانهم
فَجَاءَتْ خَاتِمَةُ هَذِهِ السُّورَةِ آيَتَيْنِ بِتَذْكِيرِهِمْ بِالْمِنَّةِ بِبِعْثَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَالتَّنْوِيهِ بِصِفَاتِهِ الْجَامِعَةِ لِلْكَمَالِ. وَمِنْ أَخَصِّهَا حِرْصُهُ عَلَى هُدَاهُمْ، وَرَغْبَتُهُ فِي إِيمَانِهِمْ وَدُخُولِهِمْ فِي جَامِعَةِ الْإِسْلَامِ لِيَكُونَ رَؤُوفًا رَحِيمًا بِهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ مَا لَقِيَهُ الْمُعْرِضُونَ عَنِ الْإِسْلَامِ مِنَ الْإِغْلَاظِ عَلَيْهِمْ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ مَا هُوَ إِلَّا اسْتِصْلَاحٌ لِحَالِهِمْ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١١، ص ٧٠
معنى «حريص عليكم»: شدة الرغبة في إيمانكم وهداكم — قلبٌ متعلق بالناس وإن لم يحمل نتائجهم
وَالْحِرْصُ: شِدَّةُ الرَّغْبَةِ فِي الشَّيْءِ وَالْجَشَعِ إِلَيْهِ. وَلَمَّا تَعَدَّى إِلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِينَ الدَّالِّ عَلَى الذَّوَاتِ وَلَيْسَتِ الذَّوَاتُ هِيَ مُتَعَلِّقُ الْحِرْصِ هُنَا تَعَيَّنَ تَقْدِيرُ مُضَافٍ فُهِمَ مِنْ مَقَامِ التَّشْرِيعِ، فَيُقَدَّرُ: عَلَى إِيمَانِكُمْ أَو هديكم
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١١، ص ٧٢
النبي كالطبيب المشفق والأب الرحيم — الحرص المشروع حرص رحمة لا حرص نتائج
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ بِحَالٍ يَشُقُّ عَلَيْهِ ضَرَرُكُمْ وَتَعْظُمُ رَغْبَتُهُ فِي إِيصَالِ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَيْكُمْ، فَهُوَ كَالطَّبِيبِ الْمُشْفِقِ وَالْأَبِ الرَّحِيمِ فِي حَقِّكُمْ، وَالطَّبِيبُ الْمُشْفِقُ رُبَّمَا أَقْدَمَ عَلَى عِلَاجَاتٍ صَعْبَةٍ يَعْسُرُ تَحَمُّلُهَا، وَالْأَبُ الرَّحِيمُ رُبَّمَا أَقْدَمَ عَلَى تَأْدِيبَاتٍ شَاقَّةٍ، إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا عُرِفَ أَنَّ الطَّبِيبَ حَاذِقٌ، وَأَنَّ الْأَبَ مُشْفِقٌ، صَارَتْ تِلْكَ الْمُعَالَجَاتُ الْمُؤْلِمَةُ مُتَحَمَّلَةً، وَصَارَتْ تِلْكَ التَّأْدِيبَاتُ جَارِيَةً مَجْرَى الْإِحْسَانِ.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٦، ص ١٧٧
تحرير معنى الحرص النبوي: حرص على إيصال الخير إليهم لا تعلق بذواتهم ونتائجهم
وَالصِّفَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ: حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ وَالْحِرْصُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِذَوَاتِهِمْ، بَلِ الْمُرَادُ حَرِيصٌ عَلَى إِيصَالِ الْخَيْرَاتِ إِلَيْكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٦، ص ١٧٨
مناسبة ختام براءة: بعد التكاليف الشاقة عُرّفوا بأوصاف الداعي الموجبة لمحبته
ولما أمر صلى الله عليه وسلم أن يبلغ هذه الأشياء الشاقة جداً من أمر هذه السورة، وكان من المعلوم أنه لا يحمل ذلك إلا من وفقه الله تعالى، وأما المنافقون فيكرهون ذلك وكان انصرافهم دالاً على الكراهة، عرفهم أن الأمر كان يقتضي توفر دواعيهم على محبة هذا الداعي لهم المقتضي لملازمته
نظم الدرر، البقاعي، جـ ٩، ص ٥٥
عزيز عليه عنتكم حريص على نفعكم: قلب الرسول محل الرحمة لا محل الحساب
{من أنفسكم} أي ترجعون معه إلى نفس واحدة بأنكم لأب قريب، وذلك أقرب إلى الألفة وأسرع إلى فهم الحجة وأبعد من المحل واللجاجة {عزيز} أي شديد جداً {عليه ما عنتم} والعزة: امتناع الشيء بما يتعذر معه ما يحاول منه بالقدرة أو بالقلة أو بالصعوبة، والعنت: لحاق الأذى الذي يضيق الصدر به ولا يهتدي للمخرج منه {حريص} أي بليغ الحرص {عليكم} أي على نفعكم
نظم الدرر، البقاعي، جـ ٩، ص ٥٦
رحمته تعم حتى من لم يؤمن بعد لإمكان إيمانه؛ رحمة بلا حمل للنتائج
ولما كان المؤمن يطلق مجازاً على من يمكن منه الإيمان فوصلته الآن ليست بالفعل بل الإمكان، قال تعميماً لرحمته صلى الله عليه وسلم كما هو اللائق بشريف منصبه وعظيم خلقه: {رحيم*}
نظم الدرر، البقاعي، جـ ٩، ص ٥٦

على الليل ١٢

الهدى مما تكفل الله ببيانه؛ خاتمة الجسر: الأمر كله بيده سبحانه
{إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى} أي: إن الهدى المستقيم طريقه، يوصل إلى الله، ويدني من رضاه، وأما الضلال، فطرق مسدودة عن الله، لا توصل صاحبها إلا للعذاب الشديد.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٦٧٨
انقطاع الرجاء عن المخلوقين وتعلقه بمالك الدارين: تحرير القلب من النتائج
{وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى} ملكًا وتصرفًا، ليس له فيهما مشارك، فليرغب الراغبون إليه في الطلب، ولينقطع رجاؤهم عن المخلوقين.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٦٧٩
«إن علينا للهدى»: الله ألزم نفسه بهدى الناس فضلاً منه — فالهداية شأنه سبحانه لا شأنك
وَحَرْفُ (عَلَى) إِذَا وَقَعَ بَيْنَ اسْمٍ وَمَا يَدُلُّ عَلَى فِعْلٍ يُفِيدُ مَعْنَى اللُّزُومِ، أَيْ لَازِمٌ لَنَا هُدَى النَّاسِ، وَهَذَا الْتِزَامٌ مِنَ اللَّهِ اقْتَضَاهُ فَضْلُهُ وَحِكْمَتُهُ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣٠، ص ٣٨٨
كيف تكفّل الله بالهدى: خلقُ القابلية ثم إرسال الرسل مبيّنين ومنبّهين — ودورك أنت ضمن خطته لا بديلاً عنها
فَهَدَى اللَّهُ الْإِنْسَانَ بِأَنْ خَلَقَهُ قَابِلًا لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الصَّلَاحِ وَالْفَسَادِ ثُمَّ عَزَّزَ ذَلِكَ بِأَنْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رُسُلًا مُبَيِّنِينَ لِمَا قَدْ يَخْفَى أَمْرُهُ مِنَ الْأَفْعَالِ أَوْ يَشْتَبِهُ عَلَى النَّاسِ فَسَادُهُ بِصَلَاحِهِ وَمُنَبِّهِينَ النَّاسَ لِمَا قَدْ يَغْفُلُونَ عَنْهُ مِنْ سَابق مَا علموه.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣٠، ص ٣٨٨
إن علينا للهدى: الله تكفل بالبيان والإرشاد لأنه خلقهم لينفعهم ويرحمهم — فالهداية شأنه سبحانه
أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ قَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ مِنَ الْبَيَانِ وَالدَّلَالَةِ وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ وَالْإِرْشَادِ وَالْهِدَايَةِ فَقَالَ: إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى أَيْ إِنَّ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْنَا فِي الْحِكْمَةِ إِذَا خَلَقْنَا الْخَلْقَ لِلْعِبَادَةِ أَنْ نُبَيِّنَ لَهُمْ وُجُوهَ التَّعَبُّدِ وَشَرْحَ مَا يَكُونُ الْمُتَعَبِّدُ بِهِ مُطِيعًا مِمَّا يَكُونُ بِهِ عَاصِيًا، إِذْ كُنَّا إِنَّمَا خَلَقْنَاهُمْ لِنَنْفَعَهُمْ وَنَرْحَمَهُمْ وَنُعَرِّضَهُمْ لِلنَّعِيمِ الْمُقِيمِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣١، ص ١٨٥
الهدى الذي ألزم الله به نفسه هو البيان وإقامة الأدلة لا خلق الاهتداء للكل
ولما كان ربما قال المتعنت الجاهل بما له سبحانه وتعالى من العظمة التي لا اعتراض لأحد عليها: ما له لا ييسر الكل للحسنى، استأنف جوابه مبيناً من ألزم به نفسه من المصالح تفضلاً منه بما له من اللطف والكرم وما يفعله مما هو له من غير نظر إلى ذلك بما له من الجبروت والكبر، فقال مؤكداً تنبيهاً على أنه يحب العلم بأنه لا حق لأحد عليه أصلاً: {إن علينا} أي على ما لنا من العظمة {للهدى *} أي البيان للطريق الحق وإقامة الأدلة الواضحة على ذلك
نظم الدرر، البقاعي، جـ ٢٢، ص ٩٢
من ترك الهدى بعد البيان لم يضر إلا نفسه؛ ختام التحرير
فمن ترك ما بينا له من طريق الهداية لم يخرج عن كونه لنا ولم يضر إلا نفسه ولنا التصرف التام
نظم الدرر، البقاعي، جـ ٢٢، ص ٩٣
حجم الخط
الخلفية