على البقرة ١١٩
يكشف طبيعة المعترضين: تعنت لا استرشاد، فليست المشكلة في البلاغ
فهذا دأبهم مع رسلهم، يطلبون آيات التعنت، لا آيات الاسترشاد، ولم يكن قصدهم تبين الحق، فإن الرسل، قد جاءوا من الآيات، بما يؤمن بمثله البشر، ولهذا قال تعالى: {قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} فكل موقن، فقد عرف من آيات الله الباهرة، وبراهينه الظاهرة، ما حصل له به اليقين، واندفع عنه كل شك وريب.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٥٢
يضع الإرسال في سياق الحكمة والرحمة الإلهية: الرسالة نفسها آية
وقد علم أن الله تعالى لم يخلق خلقه سدى، ولم يتركهم هملا، لأنه حكيم عليم، قدير رحيم، فمن حكمته ورحمته بعباده، أن أرسل إليهم هذا الرسول العظيم، يأمرهم بعبادة الرحمن وحده لا شريك له، فبمجرد رسالته يعرف العاقل صدقه، وهو آية كبيرة على أنه رسول الله.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٥٢
تحديد جامع لمضمون التكليف النبوي في ثلاثة أمور
ثم ذكر تعالى بعض آية موجزة مختصرة جامعة للآيات الدالة على صدقه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصحة ما جاء به فقال: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} فهذا مشتمل على الآيات التي جاء بها، وهي ترجع إلى ثلاثة أمور: الأول: في نفس إرساله، والثاني: في سيرته وهديه ودله، والثالث: في معرفة ما جاء به من القرآن والسنة.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٥٢
تعريف موجز قلبي لركني المهمة: البشارة والنذارة
قوله: {بَشِيرًا} أي لمن أطاعك بالسعادة الدنيوية والأخروية، {نَذِيرًا} لمن عصاك بالشقاوة والهلاك الدنيوي والأخروي.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٥٣
جوهر الجلسة في جملة: لست مسئولا عنهم؛ عليك البلاغ وعلينا الحساب
{وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} أي: لست مسئولا عنهم، إنما عليك البلاغ، وعلينا الحساب.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٥٣
سياق الآية: تأنيس للرسول ﷺ من أسفه على من رجا إيمانهم فخذلوه — جرحٌ يعرفه كل داعٍ
جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ حِكَايَاتِ أَحْوَالِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ، الْقَصْدُ مِنْهَا تَأْنِيسُ الرَّسُولِ عليه الصلاة والسلام مِنْ أَسَفِهِ عَلَى مَا لَقِيَهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِمَّا يُمَاثِلُ مَا لَقِيَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ كَانَ يَوَدُّ أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ أَهْلُ الْكِتَابِ فَيَتَأَيَّدُ بِهِمُ الْإِسْلَامُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَإِذَا هُوَ يَلْقَى مِنْهُمْ مَا لَقِيَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَوْ أَشَدَّ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١، ص ٦٩١
شاهد ودّ النبي ﷺ وأمله في إيمانهم — بلفظه كما أورده ابن عاشور
وَقَدْقَالَ «لَوْ آمَنَ بِي عَشَرَةٌ مِنَ الْيَهُودِ لَآمَنَ بِي الْيَهُودُ كُلُّهُمْ»
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١، ص ٦٩١
التخريج: صحيح البخاري (٣٩٤١) واللفظ له؛ ومسلم (٢٧٩٣) بلفظ «لو تابعني»
جوهر المحطة: تهدئة وعذر وتطمين — غير مسؤول عن قوم رضوا لأنفسهم بالجحيم
فَكَانَ لِتَذْكِيرِ اللَّهِ إِيَّاهُ بِأَنَّهُ أَرْسَلَهُ تَهْدِئَةً لِخَاطِرِهِ الشَّرِيفِ وَعَذَرَ لَهُ إِذْ أَبْلَغَ الرِّسَالَةَ وَتَطْمِينٌ لِنَفْسِهِ بِأَنَّهُ غير مسؤول عَنْ قَوْمٍ رَضُوا لِأَنْفُسِهِمْ بِالْجَحِيمِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١، ص ٦٩١
معنى «بالحق»: مضمون الرسالة الذي كُلّف بتبليغه — هذا حدّ المهمة
وَالْحَقُّ هُوَ الْهُدَى وَالْإِسْلَامُ وَالْقُرْآنُ وَغَيْرُ ذَلِكَ من وُجُوه الْحق المعجزات وَهِيَ كُلُّهَا مُلَابَسَةٌ لِلنَّبِيءِ صلى الله عليه وسلم فِي رِسَالَتِهِ بَعْضُهَا بِمُلَابَسَةِ التَّبْلِيغِ وَبَعْضُهَا بِمُلَابَسَةِ التَّأْيِيدِ. فَالْمَعْنَى أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَّ الْقُرْآنَ حَقٌّ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١، ص ٦٩١
دلالة «ولا تُسأل»: لستَ مؤاخذاً ببقائهم على كفرهم بعد أن بلّغت — تحرير صريح من حمل النتائج
وَقَرَأَهُ جُمْهُورُ الْعَشَرَةِ بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَرَفْعِ اللَّامِ عَلَى أَنَّ (لَا) نَافِيَةٌ أَيْ لَا يَسْأَلُكَ اللَّهُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ وَهُوَ تَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِ إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ وَالسُّؤَالُ كِنَايَةٌ عَنِ الْمُؤَاخَذَةِ وَاللَّوْمِ مِثْلُقَوْله صلى الله عليه وسلم: «وكلكم مسؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ»أَيْ لَسْتَ مُؤَاخَذًا بِبَقَاءِ الْكَافِرِينَ عَلَى كُفْرِهِمْ بَعْدَ أَنْ بَلَّغْتَ لَهُمُ الدَّعْوَةَ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١، ص ٦٩٢
التخريج: متفق عليه: البخاري (٨٩٣) ومسلم (١٨٢٩)
حكمة قصر المهمة: لا مزيد على ما فعله الرسول في البلاغ، كي لا يكثر غمه بإصرارهم
اعْلَمْ أَنَّ الْقَوْمَ لَمَّا أَصَرُّوا عَلَى الْعِنَادِ وَاللَّجَاجِ الْبَاطِلِ وَاقْتَرَحُوا الْمُعْجِزَاتِ عَلَى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ لَا مَزِيدَ عَلَى مَا فَعَلَهُ فِي مَصَالِحِ دِينِهِمْ مِنْ إِظْهَارِ الْأَدِلَّةِ وَكَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ بَيَّنَ أَنَّهُ لَا مَزِيدَ عَلَى مَا فَعَلَهُ الرَّسُولُ فِي بَابِ الْإِبْلَاغِ وَالتَّنْبِيهِ لِكَيْ لَا يَكْثُرَ غَمُّهُ بِسَبَبِ إِصْرَارِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٤، ص ٢٨
أنت هادٍ وليس لك من الأمر شيء: معصيتهم لا تضرك ولست بمسؤول عنهم
أَحَدُهَا: أَنَّ مَصِيرَهُمْ إلى الجحيم فمعصيتهم لا تضرك ولست بمسؤول عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ كَقَوْلِهِ: فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ [الرَّعْدِ: 40] ، وَقَوْلِهِ: عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ [النُّورِ: 54] . وَالثَّانِي: أَنَّكَ هَادٍ وَلَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، فَلَا تَأْسَفْ وَلَا تَغْتَمَّ لِكُفْرِهِمْ وَمَصِيرِهِمْ إِلَى الْعَذَابِ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ [فَاطِرٍ: 8] .
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٤، ص ٢٨
لا تحكم على أحد بحاله الآن فالحال قد يتغير — رجاء لكل أب يدعو ابنه
الثَّالِثُ: لَا تَنْظُرْ إِلَى الْمُطِيعِ وَالْعَاصِي فِي الْوَقْتِ، فَإِنَّ الْحَالَ قَدْ يَتَغَيَّرُ فَهُوَ غَيْبٌ فَلَا تَسْأَلْ عَنْهُ، وَفِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ أَحَدًا لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِ غَيْرِهِ وَلَا يُؤَاخَذُ بِمَا اجْتَرَمَهُ سِوَاهُ سَوَاءٌ كَانَ قَرِيبًا أَوْ كَانَ بَعِيدًا.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٤، ص ٢٨
مناسبة «إنا أرسلناك» لسياق «قد بينا الآيات»: ليس عليه إلا البيان
ولما تضمن هذا السياق الشهادة بصحة رسالته صلى الله عليه وسلم وأنه ليس عليه إلا البيان صرح بالأمرين في قوله مؤكداً لكثرة المنكرين {إنا أرسلناك}
نظم الدرر، البقاعي، جـ ٢، ص ١٣٦
تحديد مضمون الرسالة: استظهار خبايا القلوب بالبشارة والنذارة لا تغيير الجبلات
فأنبأه تعالى أنه ليس مضمون رسالته أن يدعو الخلق إلى غير ما جبلوا عليه، وأن مضمون رسالته أن يستظهر خبايا الأفئدة والقلوب على الألسنة والأعمال، فيبشر المهتدي والثابت على هدى سابق، وينذر الأبيّ والمنكر لما سبق إقراره به قبل، فعم بذلك الأولين والآخرين من المبشرين والمنذرين
نظم الدرر، البقاعي، جـ ٢، ص ١٣٨
مناسبة «ولا تسأل» بعد «بشيراً ونذيراً»: البلاغ عليك وخلق الهداية ليس عليك
أي فليس عليك إلا ذلك فبشر وأنذر فإنما عليك البلاغ وليس عليك خلق الهداية في قلوب أهل النعيم {ولا تسأل} ويجوز أن يكون حالاً من {أرسلناك} أو من {بشيراً} {عن أصحاب الجحيم} والمراد بهم من ذكر في الآية السابقة من الجهلة ومن قبلهم، أي عن أعمالهم لتذهب نفسك عليهم حسرات لعدم إيمانهم
نظم الدرر، البقاعي، جـ ٢، ص ١٣٨
التحرير الصريح: لا يحاسَب المبلغ بأعمال المبلَّغين
أي فحالك مستو بالنسبة إلينا وإليهم. لأنك إن بلغتهم جميع ما أرسلت به إليهم لم نحاسبك بأعمالهم، وإن تركت بعض ذلك محاسنة لهم لم يحبّوك ما دمت على دينك فأقبل على أمرك ولا تبال بهم، وهو معنى قراءة نافع {ولا تسأل} على النهي
نظم الدرر، البقاعي، جـ ٢، ص ١٣٨
مناسبة ذكر «أصحاب الجحيم» لدعاوى أهل الكتاب السابقة في السورة
وفي الحكم بكونهم أصحابها إثبات لما نفوه عن أنفسهم بقوله: {لن تمسنا النار} [البقرة: 80] ونفى لما خصصوا به أنفسهم في قولهم: {لن يدخل الجنة} [البقرة: 111] الآية
نظم الدرر، البقاعي، جـ ٢، ص ١٣٩
مناسبة «ولن ترضى عنك» بعدها: من كان في قسم المنذرين لن يرضيه بشير
ولما جرت العادة بأن المبشر يسرّ بالبشير أخبر تعالى أن أهل الكتاب في قسم المنذرين
نظم الدرر، البقاعي، جـ ٢، ص ١٣٩
على الأحزاب ٤٥
يحصر زبدة الرسالة في خمسة أوصاف محددة تؤطر المهمة
هذه الأشياء، التي وصف الله بها رسوله محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ هي المقصود من رسالته، وزبدتها وأصولها، التي اختص بها، وهي خمسة أشياء: أحدها: كونه {شَاهِدًا} أي: شاهدًا على أمته بما عملوه، من خير وشر.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١١٩١
يبين من هو المبشَّر وما البشارة، تفصيلا لركن التبشير
فالمبشَّر هم: المؤمنون المتقون، الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، وترك المعاصي، لهم البشرى في الحياة الدنيا، بكل ثواب دنيوي وديني، رتب على الإيمان والتقوى، وفي الأخرى بالنعيم المقيم.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١١٩١
صورة السراج المنير: مهمة الإضاءة لا الإجبار على السير
الخامس: كونه {سِرَاجًا مُنِيرًا} وذلك يقتضي أن الخلق في ظلمة عظيمة، لا نور، يهتدى به في ظلماتها، ولا علم، يستدل به في جهالاتها حتى جاء اللّه بهذا النبي الكريم، فأضاء اللّه به تلك الظلمات، وعلم به من الجهالات، وهدى به ضُلَّالًا إلى الصراط المستقيم.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١١٩٢
لماذا قُدّم التبشير: لأنه ﷺ غلب عليه التبشير إذ هو رحمة للعالمين
وَقُدِّمَتِ الْبِشَارَةُ عَلَى النذارة لِأَن النبيء صلى الله عليه وسلم غَلَبَ عَلَيْهِ التَّبْشِيرُ لِأَنَّهُ رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ، وَلِكَثْرَةِ عَدَدِ الْمُؤْمِنِينَ فِي أُمَّتِهِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ٥٣
صورة «النذير العريان»: صدقُ من ينزع قميصه ليراه من لا يسمع نداءه — هذا هو الإنذار
فَإِنَّ النَّذِيرَ فِي كَلَامِهِمُ اسْمٌ لِلْمُخْبِرِ بِحُلُولِ الْعَدُوِّ بِدِيَارِ الْقَوْمِ. وَمِنَ الْأَمْثَالِ: أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ، أَيِ الْآتِي بِخَبَرِ حُلُولِ العدوّ بديار قوم. وَالْمُرَادُ بِالْعُرْيَانِ أَنَّهُ يَنْزِعُ عَنْهُ قَمِيصَهُ لِيُشِيرَ بِهِ مِنْ مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ فَيَرَاهُ مَنْ لَا يَسْمَعُ نِدَاءَهُ، فَالْوَصْفُ بِنَذِيرٍ تَمْثِيلٌ بِحَالِ نَذِيرِ الْقَوْمِ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ٥٣
خريطة المهمة النبوية مرتبة: شهادة فبشارة فإنذار فدعوة — هذا هو التكليف كله
وَقَوْلُهُ: وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَداعِياً فِيهِ تَرْتِيبٌ حَسَنٌ وَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ إِنَّ النَّبِيَّ عليه السلام أُرْسِلَ شَاهِدًا بِقَوْلِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيُرَغِّبُ فِي ذَلِكَ بِالْبِشَارَةِ فَإِنْ لَمْ يَكْفِ/ ذلك يرهب بالإندار ثُمَّ لَا يَكْتَفِي بِقَوْلِهِمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ بَلْ يَدْعُوهُمْ إِلَى سَبِيلِ اللَّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ [النَّحْلِ: 125]
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٥، ص ١٧٣
لطيفة السراج: الداعي يوقد سُرُجا تبقى بعده، فمهمته إشعال النور لا إجبار العيون على الإبصار
قال في حق النبي عليه السلام سراجا وَلَمْ يَقُلْ إِنَّهُ شَمْسٌ مَعَ أَنَّهُ أَشَدُّ إِضَاءَةً مِنَ السِّرَاجِ لِفَوَائِدَ مِنْهَا، أَنَّ الشَّمْسَ نُورُهَا لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ وَالسِّرَاجُ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنْوَارٌ كَثِيرَةٌ فَإِذَا انْطَفَأَ الْأَوَّلُ يَبْقَى الَّذِي أُخِذَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ إِنْ غَابَ وَالنَّبِيُّ عليه السلام كَانَ كَذَلِكَ إِذْ كَلُّ صَحَابِيٍّ أَخَذَ مِنْهُ نُورَ الْهِدَايَةِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٥، ص ١٧٤
مهمة الشاهد: إبلاغ الرسالة كلها سواء سرّتهم أو ساءتهم
{إنا أرسلناك} أي بعظمتنا بما ننبئك به إلى سائر خلقنا {شاهداً} أي عليهم ولهم مطلق شهادة، لأنه لا يعلم بالبواطن إلا الله، وأنت مقبول الشهادة، فأبلغهم جميع الرسالة سرهم ذلك أو ساءهم سرك فعلهم أو ساءك
نظم الدرر، البقاعي، جـ ١٥، ص ٣٧٢
تناسب ترتيب البشارة والنذارة وربطهما بمقصود السورة
{ومبشراً} أي لمن شهدت لهم بخير بما يسرهم، وأشار إلى المبالغة في البشارة بالتضعيف لما لها من حسن الأثر في إقبال المدعو وللتضعيف من الدلالة على كثرة الفعل والمفعول بشارة بكثرة التابع وهو السبب لمقصود السورة، وكانت المبالغة في النذارة أزيد لأنها أبلغ في رد المخالف وهي المقصود بالذات من الرسالة لصعوبة الاجتراء عليها فقال: {ونذيراً} أي لمن شهدت عليهم بشر بما يسوءهم
نظم الدرر، البقاعي، جـ ١٥، ص ٣٧٢
حتى الدعوة نفسها لا تكون إلا بإذن الله وتمكينه؛ فكيف بنتائجها
ولما كان ذلك في غاية الصعوبة، لا يقوم به أحد إلا بمعونة من الله عظيمة، أشار إلى ذلك بقوله: {بإذنه} أي بتمكينه لك من الدعاء بتيسير أسبابه، وتحمل أعبائه، وللمدعو من الإقبال والإتباع إن أراد له الخير
نظم الدرر، البقاعي، جـ ١٥، ص ٣٧٣
على سبأ ٢٨
يرسم حدود الوظيفة بلفظ صريح: ليس لك من الأمر شيء وما اقترحوه ليس من وظيفتك
يخبر تعالى أنه ما أرسل رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا ليبشر جميع الناس بثواب اللّه، ويخبرهم بالأعمال الموجبة لذلك، وينذرهم عقاب اللّه، ويخبرهم بالأعمال الموجبة له، فليس لك من الأمر شيء، وكل ما اقترح عليك أهل التكذيب والعناد، فليس من وظيفتك، إنما ذلك بيد اللّه تعالى.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٢١٥
يفسر الإعراض بحال المعرضين لا بتقصير المبلغ
{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} أي: ليس لهم علم صحيح، بل إما جهال، أو معاندون لم يعملوا بعلمهم، فكأنهم لا علم لهم.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٢١٥
معنى «كافة»: جامعٌ للناس في الإنذار والإبلاغ — سعة الرسالة لا تُغيّر طبيعتها: بشير ونذير
وَجَعَلَ الزَّجَّاجُ كَافَّةً هُنَا حَالًا مِنَ الْكَافِ فِي أَرْسَلْناكَ وَفَسَّرَهُ بِمَعْنَى جَامِعٍ لِلنَّاسِ فِي الْإِنْذَارِ وَالْإِبْلَاغِ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ١٩٨
كثرة المعرضين لا تغرّ المتأمل ولا تنقض صدق البشارة والنذارة — عزاء لمن يرى القلة تستجيب
وَمَوْقِعُ الِاسْتِدْرَاكِ بِقَوْلِهِ: وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ رَفْعُ مَا يُتَوَهَّمُ مِنِ اغْتِرَارِ الْمُغْتَرِّينَ بِكَثْرَةِ عَدَدِ الْمُنْكِرِينَ رِسَالَتَهُ بِأَنَّ كَثْرَتَهُمْ تَغُرُّ الْمُتَأَمِّلَ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ١٩٩
بشيرا يحثهم بالوعد ونذيرا يزجرهم بالوعيد — هذان جناحا المهمة لا غير
لَمَّا بَيَّنَ مَسْأَلَةَ التَّوْحِيدِ شَرَعَ فِي الرِّسَالَةِ فَقَالَ تَعَالَى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً وَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهَا: كَافَّةً أَيْ إِرْسَالُهُ كَافَّةً أَيْ عَامَّةً لِجَمِيعِ النَّاسِ تَمْنَعُهُمْ مِنَ الْخُرُوجِ عَنِ الِانْقِيَادِ لَهَا وَالثَّانِي: كَافَّةً أَيْ أَرْسَلْنَاكَ كَافَّةً تَكُفُّ النَّاسَ أَنْتَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بَشِيراً أَيْ تَحُثُّهُمْ بِالْوَعْدِ وَنَذِيراً تَزْجُرُهُمْ بِالْوَعِيدِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ لا لخفائه ولكن لغفلتهم.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٥، ص ٢٠٦
عموم الرسالة يستلزم التدرع بالصبر على مكاره الخلق في أدائها
فنسق به قوله معلياً لشأنه بالخطاب في مظهر العظمة، إشارة إلى أنه ينبغي أن يتدرع جلابيب الصبر على جميع المكارة الصادرة من أنواع الخلق في أداء الرسالة بقوله عاطفاً على {ولقد آتينا داود منا فضلاً} مؤكداً تكذيباً لمن يدعي الخصوص: {وما أرسلناك} أي بعظمتنا {إلا كآفة} أي إرسالاً عاماً شاملاً لكل ما شمله إيجادنا
نظم الدرر، البقاعي، جـ ١٥، ص ٥٠٤
حصر الوظيفة في بشارة أهل البشارة ونذارة أهل النذارة
ولما كانت البشارة هي الخبر الأول الصدق السار، وكان في ذكرها رد قولهم في الكذب والجنون، قال: {بشيراً ونذيراً} أي لمن أهل للبشارة أو النذارة
نظم الدرر، البقاعي، جـ ١٥، ص ٥٠٥