على النساء ١٤٧
معنى {وكان الله شاكرا عليما}: كيف يشكر الله عبده وماذا يعطيه — ذروة «الله الشكور»
ثم أخبر تعالى عن كمال غناه وسعة حلمه ورحمته وإحسانه فقال: {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم} والحال أن الله شاكر عليم. يعطي المتحملين لأجله الأثقال، الدائبين في الأعمال، جزيل الثواب وواسع الإحسان. ومن ترك شيئا لله أعطاه الله خيرا منه.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٣٢٧
معنى أن الله لا ينتفع بعذاب أحد — غنى الله وحلمه
وهو يريد منكم التوبة والإنابة والرجوع إليه، فإذا أنبتم إليه، فأي شيء يفعل بعذابكم؟ فإنه لا يتشفى بعذابكم، ولا ينتفع بعقابكم، بل العاصي لا يضر إلا نفسه، كما أن عمل المطيع لنفسه.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٣٢٧
الذروة: الغني المطلق لا ينتفع بعذاب أحد
{ما يفعل الله} أي وهو المتصف بصفات الكمال التي منها الغنى المطلق {بعذابكم} أي أيها الناس، فإنه لا يجلب له نفعاً ولا يدفع عنه ضراً
نظم الدرر، البقاعي، جـ٥، ص ٤٤٦
الذروة: سر تقديم ﴿شكرتم﴾ على ﴿آمنتم﴾ في الآية
ولما كان الشكر هو الحامل على الإيمان قدمه عليه
نظم الدرر، البقاعي، جـ٥، ص ٤٤٦
لماذا قُدّم الشكر على الإيمان: النظر في نعمة الخِلقة يثمر شكراً مجملاً يقود إلى المنعِم (الجزء الأول من جملة قطعها فاصل الصفحة).
الثَّالِثُ: أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا نَظَرَ فِي نَفْسِهِ رَأَى النِّعْمَةَ الْعَظِيمَةَ حَاصِلَةً فِي تَخْلِيقِهَا وَتَرْتِيبِهَا فَيَشْكُرُ شُكْرًا مُجْمَلًا، ثُم
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١١، ص ٢٥٢
تتمة الجملة السابقة (ص253): معرفة المنعِم تثمر إيماناً ثم شكراً مفصلاً — فالشكر المجمل سابق للإيمان.
إِذَا تَمَّمَ النَّظَرَ فِي مَعْرِفَةِ الْمُنْعِمِ آمَنَ بِهِ ثُمَّ شَكَرَ شُكْرًا مُفَصَّلًا، فَكَانَ ذَلِكَ الشُّكْرُ الْمُجْمَلُ مُقَدَّمًا عَلَى الْإِيمَانِ، فَلِهَذَا قَدَّمَهُ عَلَيْهِ فِي الذِّكْرِ.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١١، ص ٢٥٣
السعي شعيرة أصلها تذكيرٌ بنعمة الله على هاجر وإسماعيل — العبادة نفسها ذاكرةُ شكرٍ للنعمة.
فَقَدْ كَانَ السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ مِنْ زَمَنِ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام تَذْكِيرًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى هَاجَرَ وَابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنَ الْعَطَش
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ٥٩
إبراهيم سعى «تذكّراً لشكر النعمة» — الشعيرة المتوارثة شكرٌ مجسَّد يليق بآية «فإن الله شاكر عليم».
فَيُحْتَمَلُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تَذَكُّرًا لِشُكْرِ النِّعْمَةِ وَأَمَرَ بِهِ إِسْمَاعِيل
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ٥٩
تعريف السعدي الجامع للشكر: قلب ولسان وجوارح
والشكر هو خضوع القلب واعترافه بنعمة الله، وثناء اللسان على المشكور، وعمل الجوارح بطاعته وأن لا يستعين بنعمه على معاصيه.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٣٢٧
على البقرة ١٥٨
الله لا يعذّب لكراهةٍ أو تشفٍّ؛ العذاب جزاء سببٍ يزول بزواله — يفتح معنى «ما يفعل الله بعذابكم».
وَالْمَعْنَى أَنَّ الْوَعِيدَ الَّذِي تُوُعِّدَ بِهِ الْمُنَافِقُونَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ، فَإِذَا تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ غَفَرَ لَهُمُ الْعَذَابَ، فَلَا يَحْسَبُوا أَنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُهُمْ لِكَرَاهَةٍ فِي ذَاتِهِمْ أَوْ تَشَفٍّ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُ جَزَاءُ السُّوءِ، لِأَنَّ الْحَكِيمَ يَضَعُ الْأَشْيَاءَ مَوَاضِعَهَا، فَيُجَازِي عَلَى الْإِحْسَانِ بِالْإِحْسَانِ، وَعَلَى الْإِسَاءَةِ بِالْإِسَاءَةِ، فَإِذَا أَقْلَعَ الْمُسِيءُ عَنِ الْإِسَاءَةِ أَبْطَلَ اللَّهُ جَزَاءَهُ بِالسُّوءِ، إِذْ لَا يَنْتَفِعُ بِعَذَابٍ وَلَا بِثَوَابٍ، وَلَكِنَّهَا الْمُسَبِّبَاتُ تَجْرِي عَلَى الْأَسْبَابِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٥، ص ٢٤٥
نص صريح في دلالة «شاكراً عليماً»: الله لا يعطّل الجزاء الحسن عن الشاكرين، والإيمان أول درجات شكر العبد ربَّه.
وَجُمْلَةُ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً اعْتِرَاضٌ فِي آخِرِ الْكَلَامِ، وَهُوَ إِعْلَامٌ بِأَنَّ اللَّهَ لَا يُعَطِّلُ الْجَزَاءَ الْحَسَنَ عَنِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَشْكُرُونَ نِعَمَهُ الْجَمَّةَ، وَالْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَصِفَاتِهِ أَوَّلُ دَرَجَاتِ شُكْرِ العَبْد ربّه.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٥، ص ٢٤٥
على فاطر ٣٤
أهل الجنة يثنون عليه بأنه شكور لأنهم رأوا عطاءه أكثر من صالحات أعمالهم — الشكور يعطي فوق الاستحقاق.
وَأَثْنَوْا عَلَى اللَّهِ بِأَنَّهُ شَكُورٌ لِمَا رَأَوْا مِنْ إِفَاضَتِهِ الْخَيْرَاتِ عَلَيْهِمْ وَمُضَاعَفَةِ الْحَسَنَاتِ مِمَّا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ صَالِحَاتِ أَعْمَالِهِمْ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ٣١٦
تفريق لطيف بين الاسمين: الغفور لما مضى، والشكور لما يعطيهم ويزيدهم — عطاءٌ يتجدد بالحمد.
وَالْغَفُورُ إِشَارَةٌ إِلَى مَا غَفَرَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ بِمَا وَجَدَ لَهُمْ مِنَ الْحَمْدِ فِي الدُّنْيَا، وَالشَّكُورُ إِشَارَةٌ إِلَى مَا يُعْطِيهِمْ وَيَزِيدُ لَهُمْ بِسَبَبِ مَا وَجَدَ لهم في الآخرة من الحمد.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٦، ص ٢٤١
على التغابن ١٧
«شكور» أي بليغ الشكر: يثيب على القليل ثواباً جزيلاً خارجاً عن الحصر — تفسير مباشر لاقتران الشكر بالمضاعفة.
ولما كان التقدير: فالله غفور رحيم، عطف عليه قوله: {والله} أي الذي لا يقاس عظمته بشيء {شكور} أي بليغ الشكر لمن يعطي لأجله ولو كان قليلاً فيثيبه ثواباً جزيلاً خارجاً عن الحصر وهو ناظر إلى المضاعفة {حليم *} لا يعاجل بالعقوبة على ذنب من الذنوب وإن عظم بل يمهل كثيراً طويلاً ليتذكر العبد الإحسان مع العصيان فيتوب، ولا يهمل ولا يغتر بحلمه، فإن غضب الحليم لا يطاق
نظم الدرر، البقاعي، جـ٢٠، ص ١٣٦
وجها «نجزي من شكر»: نجاةُ الشاكرين في الدنيا، والأصح وعدُهم بالثواب يوم الحساب — الجزاء ممتد.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: ظَاهِرٌ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ وَهُوَ أَنَّهُ مَنْ آمَنَ كَذَلِكَ نُنَجِّيهِ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا وَلَا نُهْلِكُهُ وَعْدًا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّهُ يَصُونُهُمْ عَنِ الْإِهْلَاكَاتِ الْعَامَّةِ وَالسَّيِّئَاتِ الْمُطْبِقَةِ الشَّامِلَةِ وَثَانِيهِمَا: وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّ ذَلِكَ وَعْدٌ لَهُمْ وَجَزَاؤُهُمْ بِالثَّوَابِ فِي دَارِ الْآخِرَةِ كَأَنَّهُ قَالَ: كَمَا نَجَّيْنَاهُمْ فِي الدُّنْيَا، أَيْ كَمَا أَنْعَمْنَا عَلَيْهِمْ نُنْعِمُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْحِسَاب
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٩، ص ٣١٥
لفتة القشيري: الشكر على نِعم الدفع (ما صُرف عنك) أتم من الشكر على نعم النفع — تخدم «نجيناهم... نعمة من عندنا».
قال القشيري: والشكر على نعم الدفع أتم من الشكر على نعم النفع، ولا يعرف ذلك إلا كل موفق كيس
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٩، ص ١٢٥
نجاة آل لوط سُمّيت «نعمةً» وعُلّلت بأنه شكر — الشكر سبب صريح لجزاء الله.
وَجُمْلَةُ كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ مُعْتَرِضَةٌ، وَهِيَ اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ عَنْ جُمْلَةِ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ بِاعْتِبَارِ مَا مَعَهَا مِنَ الْحَالِ، أَيْ إِنْعَامًا لِأَجْلِ أَنَّهُ شَكَر
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٧، ص ٢٠٥
على القمر ٣٥
أنفَس ما في المحطة: معنى اسم «الشكور» — شبّه جزاءه بشكر المنعَم عليه «ولا نعمة على الله فيما يفعله عباده» بل نفعها لأنفسهم.
وَالشَّكُورُ: فَعُولُ بِمَعْنَى فَاعِلٍ مُبَالَغَةً، أَيْ كَثِيرِ الشُّكْرِ وَأُطْلِقَ الشُّكْرُ فِيهِ عَلَى الْجَزَاءِبِالْخَيْرِ عَلَى فِعْلِ الصَّالِحَاتِ تَشْبِيهًا لِفِعْلِ الْمُتَفَضِّلِ بِالْجَزَاءِ بِشُكْرِ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ عَلَى نِعْمَةٍ وَلَا نِعْمَةَ عَلَى اللَّهِ فِيمَا يَفْعَلُهُ عِبَادُهُ مِنَ الصَّالِحَاتِ. فَإِنَّمَا نَفْعُهَا لِأَنْفُسِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ تَفَضَّلَ بِذَلِكَ حَثًّا عَلَى صَلَاحِهِم
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٨، ص ٢٩٠
تلطُّف الاستدعاء بلفظ القرض: جُعل المنفق كأنه يُعطي اللهَ مالاً — المنعِم الغني يستقرض من عطائه هو.
وَعُرِّفَ بِأَنَّهُ قَرْضٌ مِنَ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ وَكَفَى بِهَذَا تَرْغِيبًا وَتَلَطُّفًا فِي الطَّلَبِ إِذْ جُعِلَ الْمُنْفِقُ كَأَنَّهُ يُعْطِي اللَّهَ تَعَالَى مَالًا وَذَلِكَ مِنْ مَعْنَى الْإِحْسَانِ فِي مُعَامَلَةِ الْعَبْدِ رَبَّه
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٨، ص ٢٩٠
معنى «شكور حليم»: يفعل بكم ما يفعل المبالغ في الشكر من عظيم الثواب، ويحلم عن المسيء فلا يعاجل بالعقوبة.
شَكُورٌ مُجَازٍ أَيْ يَفْعَلُ بِكُمْ مَا يَفْعَلُ الْمُبَالِغُ فِي الشُّكْرِ مِنْ عَظِيمِ الثَّوَابِ وَكَذَلِكَ حَلِيمٌ يَفْعَلُ بِكُمْ مَا يَفْعَلُ مَنْ يَحْلُمُ عَنِ الْمُسِيءِ فَلَا يعاجلكم بالعذاب مع كثرة ذنوبكم
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣٠، ص ٥٥٧
شاكراً عليماً: لا يعطّل الجزاء الحسن عمن آمن وشكر — والإيمان بالله أول درجات شكر العبد ربَّه — ابن عاشور
الشَّكور (اسماً لله): أُطلق الشكر على الجزاء بالخير تشبيهاً لفعل المتفضِّل بشكر المنعَم عليه — ولا نعمة لأحد على الله فيما يعمله، ولكن الله تفضَّل — ابن عاشور
حقيقة الشكر: خضوع القلب واعترافه بالنعمة، وثناء اللسان على المشكور، وعمل الجوارح بطاعته، وألا يُستعان بنعمه على معاصيه — السعدي
مصادر جُمل الموجز: السعدي + البقاعي + الرازي + ابن عاشور — والصفحات كلها في القطوف أعلاه.