عَلى الطَّريق جلسة · رحلة تدبر تغيّر نظرتك لموضوع واحد
جـلـسـة

لماذا لا نفرح بما في أيدينا؟

وعدٌ إلهي مؤكَّد: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾… وفي ذروة الرحلة اسمٌ لله يقلب معنى الشكر كله
٣٥ آية ٧ محطات وجسر ٦ دقائق بالموجز — أو نصف ساعة بالقطوف
ضوء فجر يدخل من نافذة قديمة على كوب ماء صافٍ وخبز
الصور هنا رسمها الذكاء الاصطناعي لتؤنس الطريق — أما المعاني فمن مصادرها الموثقة وحدها.
خريطة الجلسة
رحلة الشكر…
من الجرح إلى الوعد
١ البوابة أين أنت من قسمةٍ لا ثالث لها؟ ٢ نعمٌ لا تُرى متى آخر مرة رأيتَ نعمةً تلبسها كل يوم؟ ٣ شكر العاصفة لماذا نتذكره في الموج وننساه على الشاطئ؟ ٤ المعركة والندرة من الذي يريدك ألا تشكر — وقالها بالاسم؟ ٥ الشكر عمل ماذا لو كان الشكر شيئاً تفعله لا شيئاً تقوله؟ ٦ الله الشَّكور هل تعلم أن الله… يشكر؟ ٧ الوعد أي وعدٍ هذا الذي عُلِّق على ما في يدك الآن؟ جسر جسر الختام لماذا لا يكتمل الشكر بلا صبر؟
اضغط أي محطة للانتقال إليها — أو امضِ في الرحلة بترتيبها
دربان يفترقان عند بوابة حجرية قديمة تحت ضوء الفجر
المحطة الأولى

طريقان لا ثالث لهما

أين أنت من قسمةٍ لا ثالث لها؟
الخيط: الشكر ليس مجاملة — هو أحد طريقين، وضدُّه المسمى بالنص: الكفر، والنعمة نفسها اختبار
۞
إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا
الإنسان ٣
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ
البقرة ١٥٢
قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ۚ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ
النمل ٤٠
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
ليس الشكر في القرآن مجاملةً تُقال، بل هو أحد طريقين لا ثالث لهما: فمن برّأ نفسه من الضلال فهو الشاكر، وغيره الكفور. والأمر به جاء مقروناً بالذكر، مفرَّعاً على النعم: إذ قد أنعمتُ عليكم فأنا آمركم بذكري — اذكروني لأجل إنعامي، واشكروا لي وحدي أزدْكم، ولا تكفرونِ أي أسلبْكم. وكل عاقل يعلم أن ذكر المنعم والمواظبة على شكره مستحسنٌ في العقول. ثم تكشف قصة سليمان أن النعمة نفسها اختبار معلن: هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر — ونفع الشكر كله عائد إلى الشاكر: يخرج به عن العهدة ويستمد به المزيد، والله غني عن شكر الشاكرين، كريم لا يقطع نعمه بسبب إعراض المعرضين.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على الإنسان ٣

البقاعي يعلّل البدء بالشاكر بأنه الأصل، ويستشهد برواية أحمد التي تجعل لفظ الآية نفسه وصفاً لأول ما يُعرب عنه لسان المولود: إما شكر وإما كفر
ورواه الإمام أحمد عن جابر رضي الله عنه ولفظه: «كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه إما شاكراً وإما كفوراً»
نظم الدرر، البقاعي، جـ٢١، ص ١٣٤
لطيفة بلاغية: فاء «فاذكروني» تفرّع الأمر بالذكر والشكر على تعداد النعم قبلها — فالشكر جواب مباشر مستحق للنعمة لا مجاملة
الْفَاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَاطِفَةُ جُمْلَةِ الْأَمْرِ بِذِكْرِ اللَّهِ وَشُكْرِهِ عَلَى جُمَلِ النِّعَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَيْ إِذْ قَدْ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ بِهَاتِهِ النِّعَمِ فَأَنَا آمُرُكُمْ بِذِكْرِي.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ٥٠
يخدم المحطة: شكر المنعم أول أقسام التكليف التي يحكم العقل بحسنها ابتداءً — فالشكر مقتضى الفطرة والعقل قبل ورود الشرع، وضده شذوذ عنهما
أَحَدُهَا: مَا يَحْكُمُ الْعَقْلُ بِحُسْنِهِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ فَذَكَرَ هَذَا الْقِسْمَ أَوَّلًا وَهُوَ قَوْلُهُ: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ [الْبَقَرَةِ: 152] فَإِنَّ كان عَاقِلٍ يَعْلَمُ أَنَّ ذِكْرَ الْمُنْعِمِ بِالْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ وَالْمُوَاظَبَةِ عَلَى شُكْرِهِ أَمْرٌ مُسْتَحْسَنٌ فِي الْعُقُولِ.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٤، ص ١٣٥

على البقرة ١٥٢

المنطلق: الذكر لأجل الإنعام، والشكر لله وحده وجزاؤه الزيادة
{فاذكروني} أي لأجل إنعامي عليكم بهذا وبغيره {أذكركم} فأفتح لكم من المعارف وأدفع عنكم من المخاوف ما لا يدخل تحت حد {واشكروا لي} وحدي من غير شريك تشركون معي أزدكم
نظم الدرر، البقاعي، جـ٢، ص ٢٤٤
يؤسس فكرة المحطة: الهداية عامة للجميع، والناس بعدها فريقان فقط — من برّأ نفسه فهو الشاكر (والقطف التالي يكمل: وغيره الكفور)
وَفِي هَذَا نِدَاء عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَرْشَدَ الْإِنْسَانَ إِلَى الْحَقِّ وَأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ أَدْخَلُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ضَلَالَ الِاعْتِقَادِ وَمَفَاسِدَ الْأَعْمَالِ، فَمَنْ بَرَّأَ نَفْسَهُ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ الشَّاكِر
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٩، ص ٣٧٥
تكملة متصلة للقطف السابق قطعها فاصل صفحة (ص376): يسمّي الطريق الثاني «الكفور» ويصرّح بأن الآية «تقسيم» — طريقان لا ثالث لهما
وَغَيْرُهُ الْكَفُورُ، وَذَلِكَ تَقْسِيمٌ بِحَسَبِ حَالِ النَّاسِ فِي أَوَّلِ الْبَعْثَةِ، ثُمَّ ظَهَرَ مَنْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَأَخَرَ سَيِّئًا.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٩، ص ٣٧٦
لفتة لغوية تخدم المحطة مباشرة: «السبيل» بالإفراد اسم لطريق الهدى وحده، وسبيل الضلالة سبيل بالإضافة فقط — فاللفظ نفسه دليل على الطريقين
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالسَّبِيلِ هُوَ سَبِيلَ الْهُدَى لِأَنَّهَا هِيَ الطَّرِيقَةُ الْمَعْرُوفَةُ الْمُسْتَحِقَّةُ لِهَذَا الِاسْمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَأَمَّا سَبِيلُ الضَّلَالَةِ فَإِنَّمَا هِيَ سَبِيلٌ بِالْإِضَافَةِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا [الْأَحْزَابِ: 67] وَإِنَّمَا أَضَلُّوهُمْ سَبِيلَ الْهُدَى، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا جَعَلَ مَعْنَى قَوْلِهِ: هَدَيْناهُ أَيْ أَرْشَدْنَاهُ، وَإِذَا أُرْشِدَ لِسَبِيلِ الْحَقِّ، فَقَدْ نُبِّهَ عَلَى تَجَنُّبِ مَا سِوَاهَا، فَكَانَ اللَّفْظُ دَلِيلًا عَلَى الطَّرِيقَيْن
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣٠، ص ٧٤١

على النمل ٤٠

صيغة المبالغة «شكور» = كثير الشكر — تفسير اللقب مباشرة
ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى أَثْنَى عَلَى نُوحٍ فَقَالَ: إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً [الإسراء: 3] أَيْ كَانَ كَثِيرَ الشُّكْرِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٠، ص ٢٩٨
المطلوب نصاً: معنى «أوزعني» — أصلها إزالة الكفّ والإغراء بالعمل، فالشكر في دعاء سليمان عملٌ يُغرى به
وَأَوْزَعَ: مَزِيدٌ (وَزَعَ) الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى كَفَّ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا، وَالْهَمْزَةُ لِلْإِزَالَةِ، أَيْ أَزَالَ الْوَزْعَ، أَيِ الْكَفِّ. وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ غَيْرَهُ كَافًّا عَنْ عَمَلٍ وَأَرَادُوا بِذَلِكَ الْكِنَايَةَ عَنْ ضِدِّ مَعْنَاهُ، أَيْ كِنَايَةً عَنِ الْحَثِّ عَلَى الْعَمَلِ. وَشَاعَ هَذَا الْإِطْلَاقُ فَصَارَ مَعْنَى أَوْزَعَ أَغْرَى بِالْعَمَلِ. فَالْمَعْنَى: وَفِّقْنِي لِلشُّكْرِ، وَلِذَلِكَ كَانَ حَقُّهُ أَنْ يَتَعَدَّى بِالْبَاءِ.فَمَعْنَى قَوْلِهِ: أَوْزِعْنِي أَلْهِمْنِي وَأَغْرِنِي.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٩، ص ٢٤٣
لماذا لُقّب نوح بالشكور: الشكور هو الموحّد الذي لا يرى النعم إلا من فضل الله — تحليل رازيّ بلا رواية
فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً مَا وَجْهُ ملاءمته لِمَا قَبْلَهُ؟قُلْنَا: التَّقْدِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: لَا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا وَلَا تُشْرِكُوا بِي، لِأَنَّ نُوحًا عليه الصلاة والسلام كَانَ عَبْدًا شَكُورًا، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْعَبْدُ شَكُورًا لَوْ كَانَ مُوَحِّدًا لَا يَرَى حُصُولَ شَيْءٍ مِنَ النِّعَمِ إِلَّا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٠، ص ٢٩٨
دعاء سليمان طلبُ ملازمة ودوام على الشكر لا شكرة عابرة — عين فكرة «الشكر عمل» (يقع فعلياً في ص244)
وَالْمَعْنَى: اجْعَلْنِي مُلَازِمًا شُكْرَ نِعْمَتَكَ. وَإِنَّمَا سَأَلَ اللَّهَ الدَّوَامَ عَلَى شُكْرِ النِّعْمَةِ لِمَا فِي الشُّكْرِ مِنَ الثَّوَابِ وَمِنَ ازْدِيَادِ النِّعَمِ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٩، ص ٢٤٤
هديناه السبيل: أرشدناه إلى سبيل الحق، فكان اللفظ دليلاً على الطريقين — الرازي
كفور: من كفر فضل الله عليه بأن عبد غير الله — ابن عاشور
مصادر جُمل الموجز: البقاعي + ابن عاشور + الرازي — والصفحات كلها في القطوف أعلاه.
كوب ماء عذب يخترقه شعاع شمس في بيت طيني بسيط
المحطة الثانية

النعم التي لم تعد تُرى

متى آخر مرة رأيتَ نعمةً تلبسها كل يوم؟
الخيط: أقرب النعم أخفاها — وأدوات إدراكك نفسها أولُ العطايا
۞
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
النحل ٧٨
قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۖ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ
الملك ٢٣
وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ
الأعراف ١٠
لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ
الواقعة ٧٠
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا
الفرقان ٦٢
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
أقربُ النعم أخفاها. خرجتَ من بطن أمك لا تعلم شيئاً ولا تقدر على شيء، فأُعطيتَ السمع والأبصار والأفئدة — وخُصَّت هذه الثلاثة لأنها مفاتيح كل علم: فلا يصل للعبد علمٌ إلا من أحد هذه الأبواب. والغاية معلنة في ذيل الآية: لأجل أن تشكروا الله باستعمال ما أعطاك في طاعته، فمن استعملها في غير ذلك كانت حجةً عليه. ومكّنكم في الأرض وجعل لكم فيها وجوه المنافع كلها، والماء العذب الذي تشربونه محضُ نعمة لا عمل لكم فيه أصلاً — ولهذا خُصَّ بقوله: فلولا تشكرون. ومع هذا الإفضال كله يتكرر الذيل الآخر: قليلاً ما تشكرون — قلةً تكاد تكون نفياً؛ لأن شكر النعمة أن تُصرَف إلى وجه رضا مُعطيها.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على النحل ٧٨

خروج الإنسان صفرا بلا علم ولا قدرة، وسر تخصيص الأعضاء الثلاثة: مفاتيح كل علم
هو المنفرد بهذه النعم حيث {أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا} ولا تقدرون على شيء ثم إنه {جعل لكم السمع والأبصار والأفئدة} خص هذه الأعضاء الثلاثة، لشرفها وفضلها ولأنها مفتاح لكل علم، فلا وصل للعبد علم إلا من أحد هذه الأبواب الثلاثة
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٧٨٢
غاية العطية الشكر العملي باستعمال الجوارح في الطاعة، وإلا انقلبت النعمة حجة
وإلا فسائر الأعضاء والقوى الظاهرة والباطنة هو الذي أعطاهم إياها، وجعل ينميها فيهم شيئا فشيئا إلى أن يصل كل أحد إلى الحالة اللائقة به، وذلك لأجل أن يشكروا الله، باستعمال ما أعطاهم من هذه الجوارح في طاعة الله، فمن استعملها في غير ذلك كانت حجة عليه وقابل النعمة بأقبح المقابلة
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٧٨٢
لفتة بلاغية في ذيل الآية: «قليلاً ما تشكرون» كناية تمليحية عن انعدام الشكر — تخدم تناوب الذيول في المحطة
وَقَدِ اسْتُعْمِلَ قَلِيلًا فِي مَعْنَى النَّفْيِ وَالْعَدَمِ، وَهَذَا الْإِطْلَاقٌ مِنْ ضُرُوبِ الْكِنَايَةِ وَالْاقْتِصَادِ فِي الْحُكْمِ عَلَى طَرِيقَةِ التَّمْلِيحِ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٩، ص ٤٧
أقوى قطف للمحطة: شكر السمع والبصر والفؤاد هو استعمالها فيما خُلقت له، وتضييعها هو عين قلة الشكر
وَاعْلَمْ أَنَّ في ذكرها هاهنا تَنْبِيهًا عَلَى دَقِيقَةٍ لَطِيفَةٍ، كَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: أَعْطَيْتُكُمْ هَذِهِ الْإِعْطَاءَاتِ الثَّلَاثَةَ مَعَ مَا فِيهَا مِنَ الْقُوَى الشَّرِيفَةِ، لَكِنَّكُمْ ضَيَّعْتُمُوهَا فَلَمْ تَقْبَلُوا مَا سَمِعْتُمُوهُ وَلَا اعْتَبَرْتُمْ بِمَا أَبْصَرْتُمُوهُ، وَلَا تَأَمَّلْتُمْ فِي عَاقِبَةِ مَا عَقَلْتُمُوهُ، فَكَأَنَّكُمْ ضَيَّعْتُمْ هَذِهِ النِّعَمَ وَأَفْسَدْتُمْ هَذِهِ الْمَوَاهِبَ، فَلِهَذَا قَالَ: قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ وَذَلِكَ لِأَنَّ شُكْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ أَنْ يَصْرِفَ تِلْكَ النِّعْمَةَ إِلَى وَجْهِ رِضَاهُ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣٠، ص ٥٩٥
يبين وظيفة الذيل «قليلاً ما تشكرون»: تذكيرٌ بنعمة التمكين والمعايش لنفوسٍ قد تنفعها الذكرى حيث لا يزجرها التهديد
فَهَذَا تَذْكِيرٌ لَهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ وَلِيُّ الْخَلْقِ، لِأَنَّهُ خَالِقُهُمْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَخَالِقُ مَا بِهِ عَيْشُهُمُ الَّذِي بِهِ بَقَاءُ وَجُودِهِمْ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، وَتَوْبِيخٌ عَلَى قِلَّةِ شُكْرِهَا، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ تَذْيِيلُ الْجُمْلَةِ بِقَوْلِهِ: قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ فَإِنَّ النُّفُوسَ الَّتِي لَا يَزْجُرُهَا التَّهْدِيدُ قَدْ تَنْفَعُهَا الذِّكْرَيَاتُ الصَّالِحَةُ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٨، ص ٣٣
معنى التمكين: إقدار الإنسان على التصرف في الأرض — نعمة يعيش الناس داخلها فلا يرونها (القطف عن لفظ «مكناكم»)
وَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ هُنَا فِي مَعْنَاهُ الْكِنَائِيِّ لَا الصَّرِيحِ، أَيْ جَعَلْنَا لَكُمْ قُدْرَةً، أَيْ أَقْدَرْنَاكُمْ عَلَى أُمُورِ الْأَرْضِ وَخَوَّلْنَاكُمُ التَّصَرُّفَ فِي مَخْلُوقَاتِهَا
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٨، ص ٣٣

على الملك ٢٣

معنى «خِلفة» عن ابن عباس: الليل والنهار نعمةُ تعويضٍ متبادل — من فرّط في أحدهما قضى في الآخر
جَعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَخْلُفُ صَاحِبَهُ فِيمَا يَحْتَاجُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ فَمَنْ فَرَّطَ فِي عَمَلٍ فِي أَحَدِهِمَا قَضَاهُ فِي الْآخَرِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٤، ص ٤٨٠
تعريف جامع يخدم الجلسة كلها: الشكر «عرفان إحسان المحسن»، والعبادة نفسها شكر
وَالشُّكُورُ: بِضَمِّ الشِّينِ مَصْدَرٌ مُرَادِفُ الشُّكْرِ، وَالشُّكْرُ: عِرْفَانُ إِحْسَانِ الْمُحْسِنِ.وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْعِبَادَةُ لِأَنَّهَا شُكْرٌ لِلَّهِ تَعَالَى
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٩، ص ٦٥

على الأعراف ١٠

يلخص منطق الآية: الإخراج من العدم وهبة الإدراك نعمةٌ تبعث العاقل على الشكر — جوهر فكرة المحطة
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ كَمَا أَخْرَجَكُمْ مِنْ عَدَمٍ وَجَعَلَ فِيكُمُ الْإِدْرَاكَ وَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْإِدْرَاكُ مِنَ الْحَيَاةِ فَكَذَلِكَ يُنْشِئُكُمْ يَوْمَ الْبَعْثِ بَعْدَ الْعَدَمِ.وَإِذْ كَانَ هَذَا الصُّنْعُ دَلِيلًا عَلَى إِمْكَانِ الْبَعْثِ فَهُوَ أَيْضًا بَاعِثٌ عَلَى شُكْرِ اللَّهِ بِتَوْحِيدِهِ وَنَبْذِ الْإِشْرَاكِ فَإِنَّ الْإِنْعَامَ يَبْعَثُ الْعَاقِلَ عَلَى الشُّكْرِ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٤، ص ٢٣١
صورة مدهشة: الحواس «آلات لإزالة الجهل» فُتقت وسُوّيت في بطونٍ لا تصل إليها يد — النعمة الخفية في أدق تفاصيلها
وعطف على {أخرجكم} قوله: {وجعل لكم} بذلك أيضاً {السمع والأبصار والأفئدة} آلات لإزالة الجهل الذي وقعت الولادة عليه، وفتق مواضعها وسواها وعدلها وأنتم في البطون حيث لا تصل إليه يده، ولا يتمكن من شق شيء منه بآلة، فالذي قدر على ذلك في البطون إبداعاً قادر على إعادته في بطن الأرض، بل بطريق الأولى
نظم الدرر، البقاعي، جـ١١، ص ٢٢٢
يرصد حركة السورة من السماوات والأرض إلى مدارك الإنسان نفسه — الالتفات من الآفاق البعيدة إلى أقرب النعم وأخفاها
وَالْانْتِقَالُ هُنَا إِلَى الْاسْتِدْلَالِ بِفُرُوعِ الْمَخْلُوقَاتِ بَعْدَ الْاسْتِدْلَالِ بِأُصُولِهَا، وَمِنَ الْاسْتِدْلَالِ بِفُرُوعِ أَعْرَاضِ الْإِنْسَانِ بَعْدَ أَصْلِهَا، فَمِنَ الْاسْتِدْلَالِ بِخَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ، إِلَى الْاسْتِدْلَالِ بِخَلْقِ الْإِنْسَانِ وَمَدَارِكِهِ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٩، ص ٤٧

على الواقعة ٧٠

لماذا طُلب الشكر عند الماء دون الطعام: الماء «محض النعمة» لا سعي لك فيه أصلاً — أخفى النعم أقربها
لَمْ يَقُلْ عِنْدَ ذِكْرِ الطَّعَامِ الشُّكْرَ وَذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْمَأْكُولِ أَكْلَهُمْ، فَلَمَّا لَمْ يَقُلْ: تَأْكُلُونَ لَمْ يَقُلْ: تَشْكُرُونَ وَقَالَ فِي الْمَاءِ: تَشْرَبُونَ فَقَالَ: تَشْكُرُونَ والثاني: أن في المأكول قال: تَحْرُثُونَ [الواقعة: 63] فَأَثْبَتَ لَهُمْ سَعْيًا فَلَمْ يَقُلْ: تَشْكُرُونَ وَقَالَ في الماء: أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ لَا عَمَلَ لَكُمْ فِيهِ أَصْلًا فَهُوَ مَحْضُ النِّعْمَةِ فَقَالَ: فَلَوْلا تَشْكُرُونَ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٩، ص ٤٢٢
لفتة «إدماج المنة في الاستدلال»: الماء العذب اليومي من أعظم النعم وإن غاب عن العين لكثرة الإلف
وَوَصْفُ الْماءَ بِ الَّذِي تَشْرَبُونَ إِدْمَاجٌ لِلْمِنَّةِ فِي الِاسْتِدْلَالِ، أَيِ الْمَاءُ الْعَذْبُ الَّذِي تَشْرَبُونَهُ، فَإِنَّ شُرْبَ الْمَاءِ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ عَلَى الْإِنْسَانِ لِيُقَابَلَ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ [الْوَاقِعَة:
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٧، ص ٣٢٣
صورة الاحتباك توسع الخيال: كان يمكن أن يُمسَك الماء في سحبه أو ينزل على البحار — فعذوبته ووصوله إليك نعمتان مطويتان
فَحَصَلَ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ احْتِبَاكٌ كَأَنَّهُ قِيلَ: أَأَنْتُمْ خَلَقْتُمُوهُ عَذْبًا صَالِحًا لِلشُّرْبِ وَأَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا ولأمسكناه فِي سحاباته أَوْ أَنْزَلْنَاهُ عَلَى الْبِحَارِ أَوِ الْخَلَاءِ فَلَمْ تنتفعوا بِهِ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٧، ص ٣٢٤

على الفرقان ٦٢

لفتة مضيئة في «قليلاً ما تشكرون»: ما من إنسان إلا ويشكر أحياناً، والتفاوت الحقيقي بين مكثرٍ من الشكر ومقلّ
ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُ مَعَ هَذَا الْإِفْضَالِ وَالْإِنْعَامِ عَالِمٌ بِأَنَّهُمْ لَا يَقُومُونَ بِشُكْرِهِ كَمَا يَنْبَغِي فَقَالَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ قَدْ يَشْكُرُونَ وَالْأَمْرُ كَذَلِكَ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِوُجُودِ الصَّانِعِ كَالْأَمْرِ الضَّرُورِيِّ اللَّازِمِ لِجِبِلَّةِ عَقْلِ كُلِّ عَاقِلٍ وَنِعَمُ اللَّهِ عَلَى الْإِنْسَانِ كَثِيرَةٌ فَلَا إِنْسَانَ إِلَّا وَيَشْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ عَلَى نِعَمِهِ إِنَّمَا التَّفَاوُتُ فِي أَنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ يَكُونُ كَثِيرَ الشُّكْرِ وَبَعْضَهُمْ يَكُونُ قليل الشُّكْرِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٤، ص ٢٠٥
عبارة نافذة موجزة: «فأكلوا خيره وعبدوا غيره» تختصر مفارقة النعم غير المرئية مع قلة الشكر
ولما كان حاصل ما مضى أنه سبحانه أوجدهم وقوّاهم وخلق لهم ما يديم قواهم، فأكلوا خيره وعبدوا غيره، أنتج قوله على وجه التاكيد: {قليلاً ما تشكرون*}
نظم الدرر، البقاعي، جـ٧، ص ٣٦١
مكّناكم: أقدرناكم على التصرف في الأرض وخوّلناكم مخلوقاتها — ابن عاشور والرازي
معايش: وجوه المنافع: ما خُلق ابتداءً وما يحصل بالاكتساب — الرازي
الأفئدة: القلوب التي هيأها الله للفهم، القابلة للمعاني الدقيقة — البقاعي
خِلفة: يخلُف كلٌّ من الليل والنهار صاحبه، فمن فرّط في عمل في أحدهما قضاه في الآخر — الرازي
قليلاً ما تشكرون: قلة مستعملة في معنى النفي على طريقة التمليح — ابن عاشور
مصادر جُمل الموجز: السعدي + ابن عاشور + الرازي + البقاعي — والصفحات كلها في القطوف أعلاه.
قارب خشبي صغير وسط موج عاصف تحت سماء داكنة
المحطة الثالثة

شكرُ العاصفة

لماذا نتذكره في الموج… وننساه على الشاطئ؟
الخيط: وعد الشدة يموت بعد النجاة — وعلاجه المنصوص: استحضار الحال الأول
۞
وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا ۚ قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ
يونس ٢١ — آية سياق
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ
يونس ٢٢
فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُم ۖ مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
يونس ٢٣ — آية سياق
قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ
الأنعام ٦٣
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ۖ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ ۖ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ
الأعراف ١٨٩
وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
الأنفال ٢٦
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
للشكر عندنا عادة غريبة: يستيقظ في الخطر وينام بعد النجاة. في البحر، حين تجيء الريح العاصف والموج من كل مكان، ينقطع تعلق القلب بالمخلوقين كلهم، ويصير الإنسان بقلبه وروحه متضرعاً إلى الله وحده، ويولد الوعد: لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين. ثم تأتي النجاة، فتُفصِح فاء التعقيب عن الإسراع في النقض: إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق — نسوا تلك الشدة وذلك الدعاء وما ألزموه أنفسهم. فهلّا أخلصوا لله العبادة في الرخاء كما أخلصوها في الشدة؟ وللعلاج طريق منصوص في آية بدر: استحضار الحال الأول — اذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون؛ فإنما نُقلتم من الشدة إلى الرخاء لتشتغلوا بالشكر.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على يونس ٢١ (آية السياق)

الآية السابقة مباشرة (يونس ٢١): القاعدة العامة — النسيان بعد الرحمة
كالصحة بعد المرض، والغنى بعد الفقر، والأمن بعد الخوف، نسوا ما أصابهم من الضراء، ولم يشكروا الله على الرخاء والرحمة، بل استمروا في طغيانهم ومكرهم
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٦١٩

على يونس ٢٢

تفسير «لعلكم تشكرون»: غاية النقل من الشدة إلى الرخاء أن يشتغلوا بالشكر لا بالمنازعة — عكس نمط ناسي النجاة
ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أَيْ نَقَلْنَاكُمْ مِنَ الشِّدَّةِ إِلَى الرَّخَاءِ، وَمِنَ الْبَلَاءِ إِلَى النَّعْمَاءِ وَالْآلَاءِ، حَتَّى تَشْتَغِلُوا بِالشُّكْرِ وَالطَّاعَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكُمْ أَنْ تَشْتَغِلُوا بالمنازعة والمخاصمة بسبب الأنفال؟
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٥، ص ٤٧٤
يفصّل النعم الثلاث بعد الضعف ويجعل ثمرة تذكّرها أن يصير المرء «حال من يرجى شكره»
وذلك معنى قوله تعالى مسبباً عما قبله: {فآواكم} أي في دار الهجرة رحمة لكم {وأيدكم بنصره} أي بأهلها مع الملائكة {ورزقكم من الطيبات} أي الغنائم الكاملة الطيبة بالإحلال وعدم المنازع التي لم تحل لأحد قبلكم وغيرها {لعلكم تشكرون*} أي ليكون حالكم حال من يرجى شكره، فيكون بعيداً عن المنازعه في الأنفال
نظم الدرر، البقاعي، جـ٨، ص ٢٦٠
لحظة العاصفة: انقطاع التعلق بالمخلوقين وميلاد وعد الشكر
عرفوا أنه الهلاك، فانقطع حينئذ تعلقهم بالمخلوقين، وعرفوا أنه لا ينجيهم من هذه الشدة إلا الله وحده، فدعَوه مخلصين له الدين، ووعدوا من أنفسهم على وجه الإلزام
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٦١٩
لفتة لغوية: «واذكروا» تذكّرٌ بالقلب لا ذكر لسان، والجملة الاسمية تثبّت صورة حال الضعف الأول في الذاكرة
وَفَعْلُ وَاذْكُرُوا مُشْتَقٌّ مِنَ الذّكر- بِضَم الدَّال- وَهُوَ التَّذَكُّرُ لَا ذِكْرَ اللِّسَانِ، أَيْ تَذَكَّرُوا.وإِذْ اسْمُ زَمَانٍ مُجَرَّدٍ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ، فَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ، أَيِ اذْكُرُوا زَمَنَ كُنْتُمْ قَلِيلًا.وَجُمْلَةُ: أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُضَافٌ إِلَيْهَا إِذْ لِيَحْصُلَ تَعْرِيفُ الْمُضَافِ، وَجِيءَ بِالْجُمْلَةِ اسْمِيَّةً لِلدَّلَالَةِ عَلَى ثَبَاتِ وَصْفِ الْقِلَّةِ وَالِاسْتِضْعَافِ فِيهِمْ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٩، ص ٣١٩
هذا هو العلاج المنصوص للمحطة: استحضار حال الضعف الأول ليثمر شكراً واستجابة بعد العز
تَذْكِيرُهُمْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالْعِزَّةِ وَالنَّصْرِ، بَعْدَ الضَّعْفِ وَالْقِلَّةِ وَالْخَوْفِ، لِيَذْكُرُوا كَيْفَ يَسَّرَ اللَّهُ لَهُمْ أَسْبَابَ النَّصْرِ مِنْ غَيْرِ مَظَانِّهَا، حَتَّى أَوْصَلَهُمْ إِلَى مُكَافَحَةِ عَدُوِّهِمْ وَأَنْ يَتَّقِيَ أَعْدَاؤُهُمْ بَأْسَهُمْ، فَكَيْفَ لَا يَسْتَجِيبُونَ لِلَّهِ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَهُمْ قَدْ كَثُرُوا وَعَزُّوا وَانْتَصَرُوا
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٩، ص ٣١٩

على يونس ٢٣ (آية السياق)

يجعل المقارنة بين الحالين (غاية القلة والذلة ثم غاية العزة) هي نفسها موجب الشكر والطاعة
اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَهُمْ بِطَاعَةِ اللَّه وَطَاعَةِ الرَّسُولِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِاتِّقَاءِ الْمَعْصِيَةِ، أَكَّدَ ذَلِكَ التَّكْلِيفَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ظُهُورِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم فِي غَايَةِ الْقِلَّةِ وَالذِّلَّةِ، وَبَعْدَ ظُهُورِهِ صَارُوا فِي غَايَةِ الْعِزَّةِ وَالرِّفْعَةِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ عَلَيْهِمُ الطَّاعَةَ وَتَرْكَ الْمُخَالَفَةِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٥، ص ٤٧٤
جوهرة المحطة: فهلا أخلصوا في الرخاء كما أخلصوا في الشدة
نسوا تلك الشدة وذلك الدعاء، وما ألزموه أنفسهم، فأشركوا بالله، من اعترفوا بأنه لا ينجيهم من الشدائد، ولا يدفع عنهم المضايق، فهلا أخلصوا لله العبادة في الرخاء، كما أخلصوها في الشدة؟!!
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٦١٩

على الأنعام ٦٣

لفتة بلاغية: افتتاح الآية نفسه امتنان وتعريضٌ بإخلالهم بواجب الشكر قبل ذكر العاصفة
وَإِسْنَادُ التَّسْيِيرِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ سَبَبُهُ لِأَنَّهُ خَالِقُ إِلْهَامِ التَّفْكِيرِ وَقُوَى الْحَرَكَةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْجَسَدِيَّةِ، فَالْإِسْنَادُ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ، فَالْقَصْرُ الْمُفَادُ مِنْ جُمْلَةِ: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ قَصْرٌ ادِّعَائِيٌّ. وَالْكَلَامُ مُسْتَعْمَلٌ فِي الِامْتِنَانِ وَالتَّعْرِيضِ بِإِخْلَالِهِمْ بِوَاجِبِ الشُّكْرِ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١١، ص ١٣٥

على الأعراف ١٨٩

يبيّن أن مشهد السفينة مثالٌ قرآني مقصود يكشف القاعدة الكلية: نسيان الإنسان بعد النقل من الضرّ إلى الرحمة
اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَالَ: وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا [يونس: 21] كَانَ هَذَا الْكَلَامُ كَلَامًا كُلِّيًّا لَا يَنْكَشِفُ مَعْنَاهُ تَمَامَ الِانْكِشَافِ إِلَّا بِذِكْرِ مِثَالٍ كَامِلٍ، فَذَكَرَ اللَّه تَعَالَى لِنَقْلِ الْإِنْسَانِ مِنَ الضُّرِّ الشَّدِيدِ إِلَى الرَّحْمَةِ مِثَالًا، وَلِمَكْرِ الْإِنْسَانِ مِثَالًا، حَتَّى تَكُونَ هَذِهِ الْآيَةُ كَالْمُفَسِّرَةِ لِلْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٧، ص ٢٣٢

على الأنفال ٢٦

يسمّي النمط باسمه: الفزع إلى الله بديهة عقل، ووعد الشكر يعقبه الكذب فيه — عين فكرة المحطة
وقد تضمنت الآية البيان عما يوجبه بديهة العقل من الفزع عند الشدة إلى واهب السلامة ومسبغ النعمة في كشف تلك البلية؛ ثم أتبع سبحانه ذلك حكاية حالهم في وعدهم الشكر على النجاة ثم كذبهم في ذلك مع ادعائهم أنهم أطهر الناس ذيولاً عن الكذب وأشدهم استقباحاً له وأبعد الناس من كفران الإحسان
نظم الدرر، البقاعي، جـ٩، ص ٩٩
يبيّن أن الآية حجة تشمل جميع البشر صُدّرت بالتذكير بأول النعم — فالنمط إنساني عام لا قصة فرد
وَضَمِيرُ الْخِطَابِ فِي خَلَقَكُمْ لِلْمُشْرِكِينَ مِنَ الْعَرَبِ، لِأَنَّهُمُ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْحُجَجِ وَالتَّذْكِيرِ، وَإِنْ كَانَ حُكْمُ هَذَا الْكَلَامِ يَشْمَلُ جَمِيعَ الْبَشَرِ، وَقَدْ صَدَّرَ ذَلِكَ بِالتَّذْكِيرِ بِنِعْمَةِ خَلْقِ النَّوْعِ الْمُبْتَدَأِ بِخَلْقِ أَصله وَهُوَ ءادم وَزَوْجُهُ حَوَّاءُ تَمْهِيدًا لِلْمَقْصُودِ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٩، ص ٢١٠
لفتة لغوية: «الظلمات» مجاز عن كل مخاوف البر والبحر — فساعة الضيق التي يولد فيها الدعاء أوسع من مشهد البحر
وَظُلُمَاتُ الْبَحْرِ يُخْشَى فِيهَا الْغَرَقُ وَالضَّلَالَ وَالْعَدُوُّ. وَقِيلَ: أُطْلِقَتِ الظُّلُمَاتُ مَجَازًا عَلَى الْمَخَاوِفِ الْحَاصِلَةِ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، كَمَا يُقَالُ: يَوْمٌ مُظْلِمٌ إِذَا حَصَلَتْ فِيهِ شَدَائِدُ. وَمِنْ أَمْثَالِ الْعَرَبِ (رَأَى الْكَوَاكِبَ مُظْهِرًا) ، أَيْ أَظْلَمَ عَلَيْهِ يَوْمه إضلاما فِي عَيْنَيْهِ لِمَا لَاقَاهُ مِنَ الشَّدَائِدِ حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ لَيْلٌ يُرَى فِيهِ الْكَوَاكِبُ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٧، ص ٢٨١
ظلمات البر والبحر: مجاز عن مخاوفهما وأهوالهما؛ يقال لليوم الشديد: يوم مظلم — الرازي
واذكروا: تذكَّروا — من الذُّكر بضم الذال، لا ذِكر اللسان — ابن عاشور
يبغون: يتجاوزون الحدود — البقاعي
مخلصين له الدين: انقطع تعلقهم بالمخلوقين وعرفوا أنه لا ينجيهم إلا الله وحده — السعدي
مصادر جُمل الموجز: السعدي + الرازي + البقاعي + ابن عاشور — والصفحات كلها في القطوف أعلاه.
بستان ذابل تزحف عليه الرمال وبقايا سد متصدع في الأفق
المحطة الرابعة

معركةٌ معلنة… ونعمةٌ ضاعت

من الذي يريدك ألا تشكر — وقالها بالاسم؟
الخيط: إبليس أعلن الهدف، والقرآن وثَّق الندرة، وسبأ شاهدُ المصير
۞
ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ
الأعراف ١٧
يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ۚ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ
سبأ ١٣
وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ
يوسف ٣٨
لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ۖ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ۚ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ
سبأ ١٥
فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
سبأ ١٩
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
الشكر قليل لأنه معركة معلنة: إبليس لما عزم على الإغواء حدَّد هدف حملته بالاسم — ولا تجد أكثرهم شاكرين: يشككهم في البعث، ويفتّرهم عن الرغبة في الآخرة، ويقوي رغبتهم في لذات الدنيا ويحسّنها في أعينهم. والقرآن يوثق الندرة: وقليل من عبادي الشكور — فأكثر الناس لم يشكروا الله على ما أولاهم. ثم يعرض المشهدين متجاورين في سورة واحدة: داود وسليمان مثلاً في إسباغ النعمة على الشاكرين — اعملوا آل داود شكراً: فالشكر عملٌ يقابَل به الإنعام، لا كلمة — وسبأ مثلاً لسلب النعمة عن الكافرين بها: بلدة طيبة ورب غفور، نعمة كاملة لا غائلة فيها، والمطلوب واحد: كلوا واشكروا. فلما تمت النعمة بطروها، فحلّت بهم أسباب سلبها؛ ومن أكبر أسباب زوال النعمة كفرانُها: من لم يشكر النعم فقد تعرَّض لزوالها، ومن شكرها فقد قيَّدها بعقالها.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على الأعراف ١٧

يفسر لماذا سمى إبليس هدفه «الشكر» بالاسم: رأى الشهوات والحظوظ فظن أنه يظفر بالأكثر — فالشكر هو الغنيمة المستهدفة في المعركة
ولما عزم اللعين على هذا عزماً صادقاً ورأى أسبابه ميسرة من الإنظار ونحوه، ظن أنه بما راى لهم من الشهوات والحظوظ يظفر بأكثر حاجته، فقال عاطفاً على تقديره: فلأغوينهم وليتبعنني: {ولا تجد أكثرهم} كما هي عادة الأكثر في الخبث {شاكرين*} فأريد به الشقاء فأغرق في الحسد، ولو أريد بالشقي الخير لاستبدل بالحسد الغبطة
نظم الدرر، البقاعي، جـ٧، ص ٣٦٩
يجسد خطة المعركة المعلنة: الإتيان من كل الجهات معناه تفتير عن الآخرة وتزيين للدنيا — وهذا عين ما يقتل الشكر
أَحَدُهَا: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ يَعْنِي أُشَكِّكُهُمْ فِي صِحَّةِ الْبَعْثِ وَالْقِيَامَةِ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أُلْقِي إِلَيْهِمْ أَنَّ الدُّنْيَا قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ. وَثَانِيهَا: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَالْمَعْنَى أُفَتِّرُهُمْ عَنِ الرَّغْبَةِ فِي سَعَادَاتِ الْآخِرَةِ وَمِنْ خَلْفِهِمْ يَعْنِي أُقَوِّي رَغْبَتَهُمْ فِي لَذَّاتِ الدُّنْيَا وَطَيِّبَاتِهَا وَأُحَسِّنُهَا فِي أَعْيُنِهِمْ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٤، ص ٢١٣

على سبأ ١٣

الشكر عمل يؤمر به مقابلة للنعم، وبيان ندرة الشاكرين
فلما ذكر منته عليهم, أمرهم بشكرها فقال: {اعملوا آل داود} وهم داود, وأولاده, وأهله, لأن المنة على الجميع, وكثير من هذه المصالح عائد لكلهم. {شكرا} لله على ما أعطاهم, ومقابلة لما أولاهم. {وقليل من عبادي الشكور} فأكثرهم, لم يشكروا الله تعالى على ما أولاهم من نعمه, ودفع عنهم من النقم.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٢٠٩
تعريف السعدي لحقيقة الشكر: اعتراف وتلق وصرف في الطاعة
والشكر: اعتراف القلب بمنة الله تعالى, وتلقيها افتقارا إليها, وصرفها في طاعة الله تعالى, وصونها عن صرفها في المعصية.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٢٠٩
شق «اعملوا آل داود شكراً»: الجن يعملون لكم فاعملوا أنتم شكراً — الشكر عملٌ مقابل عمل، لا كلمة تقال
ويجوز أن تنتصب باعملوا مفعولاً بهم معناه أنا سخرنا لكم الجن يعملون لكم ما شئتم فاعملوا أنتم شكراً - على طريق المشاكلة
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٥، ص ٤٦٨
شق الندرة: «الشكور» صيغة مبالغة — من يشكر بقلبه ولسانه وبدنه ويصرف كل النعم في الرضا، ولهذا هم قليل بينما مطلق الشكر كثير
ولما لم يقتض الحال العظمة لأنها مبالغة في الشكر أليق، اسقط مظهرها فقال: {من عبادي الشكور *} أي المتوفر الدواعي بظاهره وباطنه من قلبه ولسانه وبدنه على الشكر بأن يصرف جميع ما أنعم الله عليه فيما يرضيه، وعبر بصيغة فعول إشارة إلى أن من يقع منه يطلق الشكر كثير، وأقل ذلك حال الاضطرار.
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٥، ص ٤٦٩

على يوسف ٣٨

تكملة القطف السابق مباشرة (تقع فعلياً في ص274): الإعراض عن النظر كفر بنعمة العقل — تعليل ندرة الشاكرين
الِانْحِطَاطِ فِي الدُّنْيَا وَالْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ، وَلِأَنَّ الْإِعْرَاضَ عَنِ النَّظَرِ فِي أَدِلَّةِ صِدْقِ الرُّسُلِ كُفْرٌ بِنِعْمَةِ الْعقل وَالنَّظَر.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٢، ص ٢٧٤
لمحطة «الندرة»: أعظم النعم (الإيمان وترك الإشراك) هي أقلها شكراً — تحديد دقيق لموضع الندرة في الآية
فَقَوْلُهُ: ذلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ عَدَمِ الْإِشْرَاكِ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَدَمَ الْإِشْرَاكِ وَحُصُولَ الْإِيمَانِ مِنَ اللَّه. ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ فِي حَقِّهِ بِعَيْنِهِ، وَفِي حَقِّ النَّاسِ. ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ لَا يَشْكُرُونَ اللَّه عَلَى نِعْمَةِ الْإِيمَانِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٨، ص ٤٥٧
لمحطة «الوعد»: «وسنجزي الشاكرين» تذييل يعم كل شاكر وكل جزاء — سعة الوعد بقدر سعة الشكر
وَجُمْلَةُ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ تَذْيِيلٌ يَعُمُّ الشَّاكِرِينَ مِمَّنْ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَمَنْ يُرِيدُ ثَوَابَ الْآخِرَةِ. وَيَعُمُّ الْجَزَاءَ كُلٌّ بِحَسْبِهِ، أَيْ يَجْزِي الشَّاكِرِينَ جَزَاءَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَوْ جَزَاءَ الدُّنْيَا فَقَط.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٤، ص ١١٥

على سبأ ١٥

مفصل المحطة: سبب الانتقال من آل داود إلى سبأ — مثلان متضادان: إسباغ النعمة على الشاكرين وسلبها عن الكافرين
جَرَّ خَبَرُ سُلَيْمَانَ عليه السلام إِلَى ذِكْرِ سَبَأٍ لِمَا بَيْنَ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَبَيْنَ مَمْلَكَةِ سَبَأٍ مِنَ الِاتِّصَالِ بِسَبَبِ قِصَّةِ «بِلْقِيسٍ» ، وَلِأَنَّ فِي حَالِ أَهْلِ سَبَأٍ مُضَادَّةً لِأَحْوَالِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ، إِذْ كَانَ هَذَانِ مَثَلًا فِي إِسْبَاغِ النِّعْمَةِ عَلَى الشَّاكِرِينَ، وَكَانَ أُولَئِكَ مَثَلًا لِسَلْبِ النِّعْمَةِ عَنِ الْكَافِرِينَ، وَفِيهِمْ مَوْعِظَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ إِذْ كَانُوا فِي بُحْبُوحَةٍ مِنَ النِّعْمَةِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنَ الْمُنْعِمِ عَلَيْهِمْ يُذَكِّرُهُمْ بِرَبِّهِمْ وَيُوقِظُهُمْ بِأَنَّهُمْ خَاطِئُونَ إِذْ عَبَدُوا غَيْرَهُ، كَذَّبُوهُ وَأَعْرَضُوا عَنِ النَّظَرِ فِي دَلَالَةِ تِلْكَ النِّعْمَةِ عَلَى الْمُنْعِمِ الْمُتَفَرِّدِ بِالْإِلَهِيَّةِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ١٦٥
النعمة الكاملة المشروطة: كلوا واشكروا بالعمل «ليديم لكم النعمة» — الشكر عقد إدامة للنعمة، وهو ما نقضه سبأ
وأشار الى كرم تلك الجنان وسعة ما بها من الخير بقوله: {كلوا} أي لا تحتاج بلادهم إلى غير أن يقال لهم: كلوا {من رزق ربكم} أي المحسن إليكم الذي أخرج لكم منها كل ما تشتهون {واشكروا له} أي خصوه بالشكر بالعمل بما أنعم به في ما يرضيه ليديم لكم النعمة
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٥، ص ٤٧٧
سطر يصنع هيكل المحطة كله: من حال الشاكرين (آل داود) إلى حال الكافرين بالأنعم (سبأ)
لَمَّا بَيَّنَ اللَّهُ حَالَ الشَّاكِرِينَ لِنِعَمِهِ بِذِكْرِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ بَيَّنَ حَالَ الْكَافِرِينَ بِأَنْعُمِهِ، بِحِكَايَةِ أَهْلِ سَبَأٍ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٥، ص ٢٠٠
يلخص انكسار القصة في كلمة: الإنعام أورث بطراً، والبطر أورث إعراضاً عن الشكر
ولما تسبب عن هذا الإنعام بطرهم الموجب لإعراضهم عن الشكر، دل على ذلك بقوله: {فأعرضوا}
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٥، ص ٤٧٨

على سبأ ١٩

ذروة المحطة: فاء التعقيب — لما تمت النعمة بطروها، ومن أكبر أسباب زوال النعمة كفرانها، مع حكمة ابن عطاء الله: الشكر قيد النعمة
الْفَاءُ مِنْ قَوْلِهِ: فَقالُوا رَبَّنا لِتَعْقِيبِ قَوْلِهِمْ هَذَا إِثْرَ إِتْمَامِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ بِاقْتِرَابِ الْمُدُنِ وَتَيْسِيرِ الْأَسْفَارِ، وَالتَّعْقِيبُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، فَلَمَّا تَمَّتِ النِّعْمَةُ بَطَرُوهَا فَحَلَّتْ بِهِمْ أَسْبَابُ سَلْبِهَا عَنْهُمْ.وَمِنْ أَكْبَرِ أَسْبَابِ زَوَالِ النِّعْمَةِ كُفْرَانُهَا. قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ الْإِسْكَنْدَرِيُّ «مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النِّعَمَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوَالِهَا وَمَنْ شَكَرَهَا فَقَدْ قَيَّدَهَا بِعِقَالِهَا»
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ١٧٦
تحليل نفسية ضياع النعمة: طلبوا مباعدة الأسفار بطراً كطلب اليهود الثوم والبصل — سأم النعمة الكاملة بدل شكرها
فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا قِيلَ بِأَنَّهُمْ طَلَبُوا ذَلِكَ وَهُوَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَسْأَلُوا بَطَرًا كَمَا طَلَبَتِ الْيَهُودُ الثُّومَ وَالْبَصَلَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِفَسَادِ اعْتِقَادِهِمْ وَشِدَّةِ اعْتِمَادِهِمْ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يُقْدَرُ كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ لِغَيْرِهِ اضْرِبْنِي إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٥، ص ٢٠٢
شهادة نظمية صريحة: قصة سبأ سيقت في السورة بوصفها «حال من لم يشكر» عقب «اعملوا آل داود شكراً» — وهو عين انتقال المحطة
ثم قال {ولسليمان الريح} إلى قوله: {اعملوا آل داود شكراً} ثم أتبع ذلك بذكر حال من لم يشكر فذكر قصة سبأ إلى آخرها
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٥، ص ٤٤٢
يربط «وظلموا أنفسهم» بمحور الجلسة: الشرك نفسه أعظم كفران لنعمة الخالق — فالتوحيد والشكر وجهان
فَإِنَّ ظُلْمَ النَّفْسِ أُطْلِقَ كَثِيرًا عَلَى الْإِشْرَاكِ فِي الْقُرْآنِ وَمَا الْإِشْرَاكُ إِلَّا أَعْظَمُ كُفْرَانِ نِعْمَةِ الْخَالِقِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ١٧٦
اعملوا آل داود شكراً: قابِلوا تسخير الجن يعملون لكم بعملكم أنتم شكراً — على طريق المشاكلة — البقاعي
الشَّكور (بصيغة فَعول): المتوفر الدواعي بظاهره وباطنه، من قلبه ولسانه وبدنه، على الشكر: بأن يصرف جميع ما أنعم الله عليه فيما يرضيه — البقاعي
حقيقة الشكر: اعتراف القلب بمنّة الله، وتلقّيها افتقاراً إليها، وصرفها في طاعته وصونها عن معصيته — السعدي
مصادر جُمل الموجز: البقاعي + الرازي + السعدي + ابن عاشور — والصفحات كلها في القطوف أعلاه.
غرسة خضراء صغيرة تُروى بماء من إناء فخاري عند الفجر
المحطة الخامسة

الشكرُ عمل

ماذا لو كان الشكر شيئاً تفعله… لا شيئاً تقوله؟
الخيط: اعملوا آل داود شكراً — وسيرة نوح وموسى وسليمان، والوالدان شريكا الشكر الوحيدان
۞
ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا
الإسراء ٣
شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ ۚ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
النحل ١٢١
قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ
الأعراف ١٤٤
فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ
النمل ١٩
وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ
لقمان ١٤
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
الشكر في القرآن سيرة حياة لا لحظة وجدان. نوح لقبه الخالد: إنه كان عبداً شكوراً — ولا يكون العبد شكوراً إلا وهو موحّد لا يرى حصول شيء من النعم إلا من فضل الله. وموسى ساعة العطاء الأعظم يؤمر: فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين — من العريقين في صفة الشكر المجبولين عليها؛ بل حين مُنع الرؤيةَ عدَّد الله عليه وجوه نعمه وأمره أن يشتغل بشكرها فلا يضيق صدره بما مُنع. وسليمان الذي أوتي ما لم يُؤتَ غيرُه يسأل شيئاً واحداً: أوزعني أن أشكر نعمتك — سأل الدوامَ على الشكر لما فيه من الثواب وازدياد النعم. ولم يقرن الله شكره بشكر أحد إلا الوالدين: أنِ اشكر لي ولوالديك — فالوجود في الحقيقة من الله، وفي الصورة يظهر من الوالدين، ثم بيَّن الفرق بكلمتين: إليَّ المصير.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على الإسراء ٣

الآيات تسرد صفات إبراهيم العملية التي منها الشكر لأنعمه، وأولها أنه بكماله كان وحده أمة
وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام بِصِفَاتٍ:الصِّفَةُ الْأُولَى: أَنَّهُ كَانَ أُمَّةً، وَفِي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ كَانَ وَحْدَهُ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ لِكَمَالِهِ فِي صِفَاتِ الْخَيْرِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٠، ص ٢٨٣
ربط بالسياق: العطاء والأمر بالشكر جاء تسلية لموسى عما مُنع — الشكر يوجَّه إليه العبد لحظة العطاء والمنع معاً
ولما منعه الرؤية بعد طلبه إياها، وقابل ذلك بمحاسن الأفعال والأقوال، تشوف السامع إلى ما قوبل به من الإكرام، فاستأنف سبحانه الإخبار بما منحه به تسلية له عما منعه وأمراً بشكره بقوله: {قال يا موسى}
نظم الدرر، البقاعي، جـ٨، ص ٧٩
المطابقة على ١٤٥ لا ١٤٤: الجزاء الموعود منوط بالمقصود والدواعي — فالشاكر موعود لأن قصده المنعِم لا مجرد العطاء
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ وَإِنْ وَرَدَتْ فِي الْجِهَادِ خَاصَّةً، لَكِنَّهَا عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الْأَعْمَالِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُؤَثِّرَ فِي جَلْبِ الثَّوَابِ، وَالْعِقَابِ الْمَقْصُودُ وَالدَّوَاعِي لَا ظَوَاهِرُ الْأَعْمَالِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٩، ص ٣٧٩
«كن من الشاكرين» أي العريقين المجبولين على صفة الشكر — الشكر طبع وسلوك حياة لا فعل عابر
ولما كان ذلك مقتضياً لغاية الإقبال والنشاط، سبب عنه قوله: {فخذ ما آتيتك} آي مخصصاً لك به {وكن من الشاكرين*} أي العريقين في صفة الشكر المجبولين عليها.
نظم الدرر، البقاعي، جـ٨، ص ٨٠

على النحل ١٢١

يرسم مقام إبراهيم الذي اجتُبي وهو الشاكر لأنعمه: رجل واحد بمنزلة أمة كاملة — سيرة الشاكر تتضخم حتى تعدل أمة
وَقَدْ وُصِفَ إِبْرَاهِيمُ- عليه السلام بِأَنَّهُ كَانَ أُمَّةً. وَالْأُمَّةُ: الطَّائِفَةُ الْعَظِيمَةُ مِنَ النَّاسِ الَّتِي تَجْمَعُهَا جِهَةٌ جَامِعَةٌ. وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [213] . وَوَصْفَ إِبْرَاهِيمَ- عليه السلام بِذَلِكَ وصف بديع جَامع لِمَعْنَيَيْنِ:أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَانَ فِي الْفَضْلِ وَالْفُتُوَّةِ وَالْكَمَالِ بِمَنْزِلَةِ أُمَّةٍ كَامِلَةٍ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٤، ص ٣١٥

على الأعراف ١٤٤

تعريف البقاعي للشكر: صرف جميع النعم فيما خُلقت له — عين فكرة المحطة أن الشكر سلوك عملي
ثم نبه على تقواه وإحسانه حثاً على الاقتداء به بقوله: {إنه كان} أي كوناً جبلياً {عبداً شكوراً *} أي مبالغاً في الشكر الذي هو صرف جميع ما أنعم الله به فيما خلقه له
نظم الدرر، البقاعي، جـ١١، ص ٣٠٢
لفتة بلاغية: النجاة من الطوفان كانت بسبب الشكر — الشكر عمل تترتب عليه النجاة
وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ ذُرِّيَّةَ نُوحٍ مَعَ أَنَّهُمْ كَذَلِكَ قَصْدًا لِإِدْمَاجِ التَّذْكِيرِ بِنِعْمَةِ إِنْجَاءِ أُصُولِهِمْ مِنَ الْغَرَقِ.وَفِيهِ تَذْكِيرٌ بِأَنَّ اللَّهَ أَنْجَى نُوحًا وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْهَلَاكِ بِسَبَبِ شُكْرِهِ وَشُكْرِهِمْ تَحْرِيضًا عَلَى الِائْتِسَاءِ بِأُولَئِكَ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٥، ص ٢٦
يبين أن وصف نوح بالشكر جاء تعليلاً للنهي عن الشرك ودعوةً للاقتداء به — الشكر سيرة يُقتدى بها لا كلمة
وَجُمْلَةُ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً مُفِيدَةٌ تَعْلِيلَ النَّهْيِ عَنْ أَنْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَكِيلًا، لِأَنَّ أَجْدَادَهُمْ حُمِلُوا مَعَ نُوحٍ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لِنَجَاتِهِمْ مِنَ الْغَرَقِ وَكَانَ نُوحٌ عَبْدًا شَكُورًا وَالَّذِينَ حُمِلُوا مَعَهُ كَانُوا شَاكِرِينَ مِثْلَهُ، أَيْ فَاقْتَدُوا بِهِمْ وَلَا تَكْفُرُوا نِعَمَ اللَّهِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٥، ص ٢٦
لمحطة «الندرة»: سر الاستدراك — أكثر الناس لا يرون نعمة الهداية أصلاً فلا يشكرونها (قطف أول من قطفين متتاليين يقطعهما فاصل صفحة)
وأتى بالاستدراك بِقَوْلِهِ: وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ لِلتَّصْرِيحِ بِأَنَّ حَالَالْمُخَاطَبِينَ فِي إِشْرَاكِهِمْ حَالُ مَنْ يَكْفُرُ نِعْمَةَ اللَّهِ، لِأَنَّ إِرْسَالَ الْهُدَاةِ نِعْمَةٌ يَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ النَّاسُ فِيهَا فَيَعْلَمُوا أَنَّ مَا يَدْعُونَهُمْ إِلَيْهِ خَيْرٌ وَإِنْقَاذٌ لَهُمْ مِنَ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٢، ص ٢٧٣

على النمل ١٩

لطيفة بلاغية: «كن من الشاكرين» أبلغ من «كن شاكراً» — الانخراط في زمرة أهل الشكر لا مجرد فعل عابر
وَالْإِخْبَارُ عَنْ كُنْ بِقَوْلِهِ: مِنَ الشَّاكِرِينَ أَبْلَغُ مِنْ أَنْ يُقَالَ كُنْ شَاكِرًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [56]
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٩، ص ٩٥
قاعدة المحطة صريحة عند الرازي: شكر اللسان يجب أن يسبقه عمل القلب والجوارح — الشكر عمل قبل أن يكون كلمة
وَلَمَّا كَانَ الشُّكْرُ بِاللِّسَانِ يَجِبُ كَوْنُهُ مَسْبُوقًا بِهِمَا فَلَا جَرَمَ صَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: وَلَقَدْ آتَيْنَاهُمَا عِلْمًا، فَعَمِلَا بِهِ قَلْبًا وَقَالِبًا، وَقَالَا بِاللِّسَانِ الْحَمْدُ للَّه الَّذِي فَعَلَ كَذَا وَكَذَا.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٤، ص ٥٤٧
داود وسليمان شكرا على العلم أعظم من شكرهما على الملك — ترتيب النعم في سيرة الشاكرين
وَثَانِيهَا: فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى عُلُوِّ مَرْتَبَةِ الْعِلْمِ لِأَنَّهُمَا أُوتِيَا مِنَ الْمُلْكِ مَا لَمْ يُؤْتَ غَيْرُهُمَا فَلَمْ يَكُنْ شُكْرُهُمَا عَلَى الْمُلْكِ كَشُكْرِهِمَا عَلَى الْعِلْمِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٤، ص ٥٤٧

على لقمان ١٤

يبرز اقتران شكر الله وشكر الوالدين في أمر واحد — الوالدان شريكا الشكر الوحيدان في القرآن
وَأَحْسَنُ مِنْ هَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ أَنْ تَجْعَلَ مُنَاسَبَةَ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ لَمَّا حَكَى وِصَايَةَ لُقْمَانَ لِابْنِهِ بِمَا هُوَ شُكْرُ اللَّهِ بِتَنْزِيهِهِ عَنِ الشِّرْكِ فِي الْإِلَهِيَّةِ بَيَّنَ اللَّهُ أَنَّهُ تَعَالَى أَسْبَقُ مِنَّةً عَلَى عِبَادِهِ إِذْ أَوْصَى الْأَبْنَاءَ بِبَرِّ الْآبَاءِ فَدَخَلَ فِي الْعُمُومِ الْمِنَّةُ عَلَى لُقْمَانَ جَزَاءً عَلَى رَعْيِهِ لِحَقِّ اللَّهِ فِي ابْتِدَاءِ مَوْعِظَةِ ابْنِهِ فَاللَّهُ أَسْبَقُ بِالْإِحْسَانِ إِلَى الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِرَعْيِ حَقِّهِ. وَيُقَوِّي هَذَا التَّفْسِيرَ اقْتِرَانُ شُكْرِ اللَّهِ وَشُكْرِ الْوَالِدَيْنِ فِي الْأَمْرِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢١، ص ١٥٦
لماذا شارك الوالدان اللهَ في الشكر: الوجود حقيقةً من الله وصورةً من الوالدين، ثم الفرق في «إلي المصير»
وَقَوْلُهُ: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ لَمَّا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى بِفَضْلِهِ جَعَلَ مِنَ الْوَالِدَيْنِ صُورَةَ مَا مَنَّ اللَّهُ، فَإِنَّ الْوُجُودَ فِي الْحَقِيقَةِ مِنَ اللَّهِ وَفِي الصُّورَةِ يَظْهَرُ مِنَ الْوَالِدَيْنِ جَعَلَ الشُّكْرَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ ثُمَّ بَيَّنَ الْفَرْقَ وَقَالَ:إِلَيَّ الْمَصِيرُ يَعْنِي نِعْمَتُهُمَا مُخْتَصَّةٌ بِالدُّنْيَا وَنِعْمَتِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٥، ص ١٢٠
أوزعني: ألهمني وأغرِني به؛ ومعناه: وفقني للشكر واجعلني ملازماً له — ابن عاشور
شكوراً: كثير الشكر — صيغة مبالغة — الرازي
مصادر جُمل الموجز: الرازي + البقاعي + ابن عاشور — والصفحات كلها في القطوف أعلاه.
شعاع نور يشق الغيم وينسكب على وادٍ عطشان
المحطة السادسة — الذروة

اللهُ «الشَّكُور»

هل تعلم أن الله… يشكر؟
الخيط: المُنعِم سبحانه يشكر المُنعَم عليه — وهنا قلبُ الجلسة ولحظة الصمت
۞
مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا
النساء ١٤٧
إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ
البقرة ١٥٨
وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ
فاطر ٣٤
إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ
التغابن ١٧
نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ
القمر ٣٥
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
هنا تنقلب الآية التي ظنناها عن واجبنا لتصير عن كرمه. ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم — فهو الغني المطلق: لا يتشفى بعذاب، ولا ينتفع بعقاب، والعاصي لا يضر إلا نفسه؛ وإنما قُدِّم الشكر على الإيمان لأن الشكر هو الحامل على الإيمان. ثم الخبر الأعجب في الذيل: وكان الله شاكراً عليماً — اللهُ نفسه يوصف بالشاكر ويسمي نفسه الشكور: يعطي المتحملين لأجله الأثقالَ جزيل الثواب، ومن ترك شيئاً لله أعطاه الله خيراً منه، ويشكر تطوعَ عبده بالخير، ويثيب على القليل ثواباً جزيلاً خارجاً عن الحصر. وليس لأحد على الله نعمة فيما يعمله من الصالحات — إنما نفعها لأنفسهم، ولكن الله تفضَّل فسمّى الجزاء شكراً. وأهل الجنة أنفسهم يعللون نعيمهم بهذا الاسم: إن ربنا لغفور شكور — أفاض عليهم من الخيرات أكثر من صالحات أعمالهم. والشكر على نعم الدفع أتم من الشكر على نعم النفع — ونجاة آل لوط سماها الله بالاسم: كذلك نجزي من شكر.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على النساء ١٤٧

معنى {وكان الله شاكرا عليما}: كيف يشكر الله عبده وماذا يعطيه — ذروة «الله الشكور»
ثم أخبر تعالى عن كمال غناه وسعة حلمه ورحمته وإحسانه فقال: {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم} والحال أن الله شاكر عليم. يعطي المتحملين لأجله الأثقال، الدائبين في الأعمال، جزيل الثواب وواسع الإحسان. ومن ترك شيئا لله أعطاه الله خيرا منه.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٣٢٧
معنى أن الله لا ينتفع بعذاب أحد — غنى الله وحلمه
وهو يريد منكم التوبة والإنابة والرجوع إليه، فإذا أنبتم إليه، فأي شيء يفعل بعذابكم؟ فإنه لا يتشفى بعذابكم، ولا ينتفع بعقابكم، بل العاصي لا يضر إلا نفسه، كما أن عمل المطيع لنفسه.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٣٢٧
الذروة: الغني المطلق لا ينتفع بعذاب أحد
{ما يفعل الله} أي وهو المتصف بصفات الكمال التي منها الغنى المطلق {بعذابكم} أي أيها الناس، فإنه لا يجلب له نفعاً ولا يدفع عنه ضراً
نظم الدرر، البقاعي، جـ٥، ص ٤٤٦
الذروة: سر تقديم ﴿شكرتم﴾ على ﴿آمنتم﴾ في الآية
ولما كان الشكر هو الحامل على الإيمان قدمه عليه
نظم الدرر، البقاعي، جـ٥، ص ٤٤٦
لماذا قُدّم الشكر على الإيمان: النظر في نعمة الخِلقة يثمر شكراً مجملاً يقود إلى المنعِم (الجزء الأول من جملة قطعها فاصل الصفحة).
الثَّالِثُ: أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا نَظَرَ فِي نَفْسِهِ رَأَى النِّعْمَةَ الْعَظِيمَةَ حَاصِلَةً فِي تَخْلِيقِهَا وَتَرْتِيبِهَا فَيَشْكُرُ شُكْرًا مُجْمَلًا، ثُم
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١١، ص ٢٥٢
تتمة الجملة السابقة (ص253): معرفة المنعِم تثمر إيماناً ثم شكراً مفصلاً — فالشكر المجمل سابق للإيمان.
إِذَا تَمَّمَ النَّظَرَ فِي مَعْرِفَةِ الْمُنْعِمِ آمَنَ بِهِ ثُمَّ شَكَرَ شُكْرًا مُفَصَّلًا، فَكَانَ ذَلِكَ الشُّكْرُ الْمُجْمَلُ مُقَدَّمًا عَلَى الْإِيمَانِ، فَلِهَذَا قَدَّمَهُ عَلَيْهِ فِي الذِّكْرِ.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١١، ص ٢٥٣
السعي شعيرة أصلها تذكيرٌ بنعمة الله على هاجر وإسماعيل — العبادة نفسها ذاكرةُ شكرٍ للنعمة.
فَقَدْ كَانَ السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ مِنْ زَمَنِ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام تَذْكِيرًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى هَاجَرَ وَابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنَ الْعَطَش
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ٥٩
إبراهيم سعى «تذكّراً لشكر النعمة» — الشعيرة المتوارثة شكرٌ مجسَّد يليق بآية «فإن الله شاكر عليم».
فَيُحْتَمَلُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تَذَكُّرًا لِشُكْرِ النِّعْمَةِ وَأَمَرَ بِهِ إِسْمَاعِيل
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ٥٩
تعريف السعدي الجامع للشكر: قلب ولسان وجوارح
والشكر هو خضوع القلب واعترافه بنعمة الله، وثناء اللسان على المشكور، وعمل الجوارح بطاعته وأن لا يستعين بنعمه على معاصيه.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٣٢٧

على البقرة ١٥٨

الله لا يعذّب لكراهةٍ أو تشفٍّ؛ العذاب جزاء سببٍ يزول بزواله — يفتح معنى «ما يفعل الله بعذابكم».
وَالْمَعْنَى أَنَّ الْوَعِيدَ الَّذِي تُوُعِّدَ بِهِ الْمُنَافِقُونَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ، فَإِذَا تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ غَفَرَ لَهُمُ الْعَذَابَ، فَلَا يَحْسَبُوا أَنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُهُمْ لِكَرَاهَةٍ فِي ذَاتِهِمْ أَوْ تَشَفٍّ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُ جَزَاءُ السُّوءِ، لِأَنَّ الْحَكِيمَ يَضَعُ الْأَشْيَاءَ مَوَاضِعَهَا، فَيُجَازِي عَلَى الْإِحْسَانِ بِالْإِحْسَانِ، وَعَلَى الْإِسَاءَةِ بِالْإِسَاءَةِ، فَإِذَا أَقْلَعَ الْمُسِيءُ عَنِ الْإِسَاءَةِ أَبْطَلَ اللَّهُ جَزَاءَهُ بِالسُّوءِ، إِذْ لَا يَنْتَفِعُ بِعَذَابٍ وَلَا بِثَوَابٍ، وَلَكِنَّهَا الْمُسَبِّبَاتُ تَجْرِي عَلَى الْأَسْبَابِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٥، ص ٢٤٥
نص صريح في دلالة «شاكراً عليماً»: الله لا يعطّل الجزاء الحسن عن الشاكرين، والإيمان أول درجات شكر العبد ربَّه.
وَجُمْلَةُ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً اعْتِرَاضٌ فِي آخِرِ الْكَلَامِ، وَهُوَ إِعْلَامٌ بِأَنَّ اللَّهَ لَا يُعَطِّلُ الْجَزَاءَ الْحَسَنَ عَنِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَشْكُرُونَ نِعَمَهُ الْجَمَّةَ، وَالْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَصِفَاتِهِ أَوَّلُ دَرَجَاتِ شُكْرِ العَبْد ربّه.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٥، ص ٢٤٥

على فاطر ٣٤

أهل الجنة يثنون عليه بأنه شكور لأنهم رأوا عطاءه أكثر من صالحات أعمالهم — الشكور يعطي فوق الاستحقاق.
وَأَثْنَوْا عَلَى اللَّهِ بِأَنَّهُ شَكُورٌ لِمَا رَأَوْا مِنْ إِفَاضَتِهِ الْخَيْرَاتِ عَلَيْهِمْ وَمُضَاعَفَةِ الْحَسَنَاتِ مِمَّا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ صَالِحَاتِ أَعْمَالِهِمْ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ٣١٦
تفريق لطيف بين الاسمين: الغفور لما مضى، والشكور لما يعطيهم ويزيدهم — عطاءٌ يتجدد بالحمد.
وَالْغَفُورُ إِشَارَةٌ إِلَى مَا غَفَرَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ بِمَا وَجَدَ لَهُمْ مِنَ الْحَمْدِ فِي الدُّنْيَا، وَالشَّكُورُ إِشَارَةٌ إِلَى مَا يُعْطِيهِمْ وَيَزِيدُ لَهُمْ بِسَبَبِ مَا وَجَدَ لهم في الآخرة من الحمد.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٦، ص ٢٤١

على التغابن ١٧

«شكور» أي بليغ الشكر: يثيب على القليل ثواباً جزيلاً خارجاً عن الحصر — تفسير مباشر لاقتران الشكر بالمضاعفة.
ولما كان التقدير: فالله غفور رحيم، عطف عليه قوله: {والله} أي الذي لا يقاس عظمته بشيء {شكور} أي بليغ الشكر لمن يعطي لأجله ولو كان قليلاً فيثيبه ثواباً جزيلاً خارجاً عن الحصر وهو ناظر إلى المضاعفة {حليم *} لا يعاجل بالعقوبة على ذنب من الذنوب وإن عظم بل يمهل كثيراً طويلاً ليتذكر العبد الإحسان مع العصيان فيتوب، ولا يهمل ولا يغتر بحلمه، فإن غضب الحليم لا يطاق
نظم الدرر، البقاعي، جـ٢٠، ص ١٣٦
وجها «نجزي من شكر»: نجاةُ الشاكرين في الدنيا، والأصح وعدُهم بالثواب يوم الحساب — الجزاء ممتد.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: ظَاهِرٌ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ وَهُوَ أَنَّهُ مَنْ آمَنَ كَذَلِكَ نُنَجِّيهِ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا وَلَا نُهْلِكُهُ وَعْدًا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّهُ يَصُونُهُمْ عَنِ الْإِهْلَاكَاتِ الْعَامَّةِ وَالسَّيِّئَاتِ الْمُطْبِقَةِ الشَّامِلَةِ وَثَانِيهِمَا: وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّ ذَلِكَ وَعْدٌ لَهُمْ وَجَزَاؤُهُمْ بِالثَّوَابِ فِي دَارِ الْآخِرَةِ كَأَنَّهُ قَالَ: كَمَا نَجَّيْنَاهُمْ فِي الدُّنْيَا، أَيْ كَمَا أَنْعَمْنَا عَلَيْهِمْ نُنْعِمُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْحِسَاب
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٩، ص ٣١٥
لفتة القشيري: الشكر على نِعم الدفع (ما صُرف عنك) أتم من الشكر على نعم النفع — تخدم «نجيناهم... نعمة من عندنا».
قال القشيري: والشكر على نعم الدفع أتم من الشكر على نعم النفع، ولا يعرف ذلك إلا كل موفق كيس
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٩، ص ١٢٥
نجاة آل لوط سُمّيت «نعمةً» وعُلّلت بأنه شكر — الشكر سبب صريح لجزاء الله.
وَجُمْلَةُ كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ مُعْتَرِضَةٌ، وَهِيَ اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ عَنْ جُمْلَةِ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ بِاعْتِبَارِ مَا مَعَهَا مِنَ الْحَالِ، أَيْ إِنْعَامًا لِأَجْلِ أَنَّهُ شَكَر
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٧، ص ٢٠٥

على القمر ٣٥

أنفَس ما في المحطة: معنى اسم «الشكور» — شبّه جزاءه بشكر المنعَم عليه «ولا نعمة على الله فيما يفعله عباده» بل نفعها لأنفسهم.
وَالشَّكُورُ: فَعُولُ بِمَعْنَى فَاعِلٍ مُبَالَغَةً، أَيْ كَثِيرِ الشُّكْرِ وَأُطْلِقَ الشُّكْرُ فِيهِ عَلَى الْجَزَاءِبِالْخَيْرِ عَلَى فِعْلِ الصَّالِحَاتِ تَشْبِيهًا لِفِعْلِ الْمُتَفَضِّلِ بِالْجَزَاءِ بِشُكْرِ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ عَلَى نِعْمَةٍ وَلَا نِعْمَةَ عَلَى اللَّهِ فِيمَا يَفْعَلُهُ عِبَادُهُ مِنَ الصَّالِحَاتِ. فَإِنَّمَا نَفْعُهَا لِأَنْفُسِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ تَفَضَّلَ بِذَلِكَ حَثًّا عَلَى صَلَاحِهِم
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٨، ص ٢٩٠
تلطُّف الاستدعاء بلفظ القرض: جُعل المنفق كأنه يُعطي اللهَ مالاً — المنعِم الغني يستقرض من عطائه هو.
وَعُرِّفَ بِأَنَّهُ قَرْضٌ مِنَ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ وَكَفَى بِهَذَا تَرْغِيبًا وَتَلَطُّفًا فِي الطَّلَبِ إِذْ جُعِلَ الْمُنْفِقُ كَأَنَّهُ يُعْطِي اللَّهَ تَعَالَى مَالًا وَذَلِكَ مِنْ مَعْنَى الْإِحْسَانِ فِي مُعَامَلَةِ الْعَبْدِ رَبَّه
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٨، ص ٢٩٠
معنى «شكور حليم»: يفعل بكم ما يفعل المبالغ في الشكر من عظيم الثواب، ويحلم عن المسيء فلا يعاجل بالعقوبة.
شَكُورٌ مُجَازٍ أَيْ يَفْعَلُ بِكُمْ مَا يَفْعَلُ الْمُبَالِغُ فِي الشُّكْرِ مِنْ عَظِيمِ الثَّوَابِ وَكَذَلِكَ حَلِيمٌ يَفْعَلُ بِكُمْ مَا يَفْعَلُ مَنْ يَحْلُمُ عَنِ الْمُسِيءِ فَلَا يعاجلكم بالعذاب مع كثرة ذنوبكم
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣٠، ص ٥٥٧
شاكراً عليماً: لا يعطّل الجزاء الحسن عمن آمن وشكر — والإيمان بالله أول درجات شكر العبد ربَّه — ابن عاشور
الشَّكور (اسماً لله): أُطلق الشكر على الجزاء بالخير تشبيهاً لفعل المتفضِّل بشكر المنعَم عليه — ولا نعمة لأحد على الله فيما يعمله، ولكن الله تفضَّل — ابن عاشور
حقيقة الشكر: خضوع القلب واعترافه بالنعمة، وثناء اللسان على المشكور، وعمل الجوارح بطاعته، وألا يُستعان بنعمه على معاصيه — السعدي
مصادر جُمل الموجز: السعدي + البقاعي + الرازي + ابن عاشور — والصفحات كلها في القطوف أعلاه.
سنابل ممتلئة وبستان مثمر يفيض عند طريق ممتد
المحطة السابعة

لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ

أيُّ وعدٍ هذا الذي عُلِّق على ما في يدك الآن؟
الخيط: الزيادة وعدٌ مؤكد بأقوى أدوات التوكيد — والعائد كله يعود عليك
۞
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ
إبراهيم ٧
إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ۖ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ۗ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
الزمر ٧
وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ۚ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ
لقمان ١٢
وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا ۗ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ
آل عمران ١٤٥
بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ
الزمر ٦٦
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
بعد الذروة يجيء الوعد الذي لا يشبه الوعود: وإذ تأذَّن ربكم — أعلَم ووعَد إعلاماً بليغاً، بلام القسم وأقوى أدوات التوكيد: لئن شكرتم لأزيدنكم. وحُذف مفعول الفعلين ليعمّ: شكرتم أيَّ نعمة، أزِدكم من كل خير — فإن الشكر قيد الموجود وصيد المفقود. والزيادة روحانية قبل أن تكون مادية: الشاكر أبداً في مطالعة أنواع فضل الله، ومن كثُر إحسانه إليك أحببتَه — فشغل النفس بمطالعة الإحسان يوجب تأكُّد محبة العبد لله، ومقام المحبة أعلى مقامات الصدّيقين. والغني عن العالمين لا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم — جاء الاعتراض احتراساً لئلا يُتوهَّم أن الكفر والشكر عنده سواء. والحكمة التي أوتيها لقمان فسَّرها القرآن بكلمتين: أنِ اشكر لله — فشكر المنعم أول ما تقتضيه الحكمة. والجزاء عُلِّق بالوصف ليعم كلَّ شاكر: وسنجزي الشاكرين — جزاء الدارين. والخاتمة خطاب الله لنبيه ﷺ: بل اللهَ فاعبد وكن من الشاكرين.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على إبراهيم ٧

يفسر «تأذن» بالإعلام والوعد المؤكد، ويبين أن الزيادة من نعم الله وأن من العذاب زوال النعمة
وقال لهم حاثا على شكر نعم الله: {وإذ تأذن ربكم} أي: أعلم ووعد، {لئن شكرتم لأزيدنكم} من نعمي {ولئن كفرتم إن عذابي لشديد} ومن ذلك أن يزيل عنهم النعمة التي أنعم بها عليهم.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٧٣٨
تعريف جامع للشكر بأركانه الثلاثة، ومعنى كفر النعمة بأنه ضده
والشكر: هو اعتراف القلب بنعم الله والثناء على الله بها وصرفها في مرضاة الله تعالى. وكفر النعمة ضد ذلك.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٧٣٨
الوعد: لماذا أُكِّد الوعد + جوهرة «الشكر قيد الموجود وصيد المفقود»
{لئن شكرتم} وأكده لما للأنفس من التكذيب بمثل ذلك لأعتقادها أن الزيادة بالسعي في الرزق والنقص بالتهاون فيه {لأزيدنكم} من نعمي، فإن الشكر قيد الموجود وصيد المفقود
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٠، ص ٣٨٤
لفتتان تخدمان فكرة «الوعد المؤكد»: صيغة تأذَّن أبلغ من آذن، واللام موطئة لقسم، وحذف المفعولَين يعمّم الشكر والزيادة
وَالتَّأَذُّنُ مُبَالَغَةٌ فِي الْأَذَانِ يُقَالُ: أَذَّنَ وَتَأَذَّنَ كَمَا يُقَالُ: تَوَعَّدَ وَأَوْعَدَ، وَتَفَضَّلَ وَأَفْضَلَ. فَفِي صِيغَةِ تَفَعَّلَ زِيَادَةُ مَعْنَى عَلَى صِيغَةِ أَفْعَلَ.وَجُمْلَةُ لَئِنْ شَكَرْتُمْ مُوَطِّئَةٌ للقسم وَالْقسم مستعلم فِي التَّأْكِيدِ. وَالشُّكْرُ مُؤْذِنٌ بِالنِّعْمَةِ. فَالْمُرَادُ: شُكْرُ نِعْمَةِ الْإِنْجَاءِ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ وَغَيْرِهَا، وَلِذَلِكَ حُذِفَ مَفْعُولُ شَكَرْتُمْ وَمَفْعُولُ لَأَزِيدَنَّكُمْ لِيُقَدَّرَ عَامًّا فِي الْفِعْلَيْنِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٣، ص ١٩٣
تعريف محكم للشكر والكفر بالمقابلة يوضح طرفي الوعد والوعيد في الآية
وَالْكُفْرُ مُرَادٌ بِهِ كُفْرُ النِّعْمَةِ وَهُوَ مُقَابَلَةُ الْمُنْعِمِ بِالْعِصْيَانِ. وَأَعْظَمُ الْكُفْرِ جَحْدُ الْخَالِقِ أَوْ عِبَادَةُ غَيْرِهِ مَعَهُ وَهُوَ الْإِشْرَاكُ، كَمَا أَنَّ الشُّكْرَ مُقَابَلَةُ النِّعْمَةِ بِإِظْهَارِ الْعُبُودِيَّةِ وَالطَّاعَةِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٣، ص ١٩٤
شرح الرازي لماهية الزيادة الموعودة: أولها زيادة روحانية تُصعّد الشاكر إلى مقام المحبة — عمق يخدم «الوعد والعائد»
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْآيَةِ بَيَانُ أَنَّ مَنِ اشْتَغَلَ بِشُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ زَادَهُ اللَّهُ مِنْ نعمه، ولا بد هاهنا مِنْ مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ الشُّكْرِ وَمِنَ البحث عَنْ تِلْكَ النِّعَمِ الزَّائِدَةِ الْحَاصِلَةِ عَنِ الِاشْتِغَالِ بِالشُّكْرِ، أَمَّا الشُّكْرُ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الِاعْتِرَافِ بِنِعْمَةِ الْمُنْعِمِ مَعَ تَعْظِيمِهِ وَتَوْطِينِ النَّفْسِ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ فِي النِّعَمِ فَهِيَ أَقْسَامٌ: مِنْهَا النِّعَمُ الرُّوحَانِيَّةُ، وَمِنْهَا النِّعَمُ الْجُسْمَانِيَّةُ، أَمَّا النِّعَمُ الرُّوحَانِيَّةُ فَهِيَ أَنَّ الشَّاكِرَ يَكُونُ أَبَدًا فِي مُطَالَعَةِ أَقْسَامِ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنْوَاعِ فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ، وَمَنْ كَثُرَ إِحْسَانُهُ إِلَى الرَّجُلِ أَحَبَّهُ الرَّجُلُ لَا مَحَالَةَ، فَشُغْلُ النَّفْسِ بِمُطَالَعَةِ أَنْوَاعِ فَضْلِ اللَّهِ وَإِحْسَانِهِ يُوجِبُ تَأَكُّدَ مَحَبَّةِ الْعَبْدِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَمَقَامُ الْمَحَبَّةِ أَعْلَى مَقَامَاتِ الصِّدِّيقِينَ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٩، ص ٦٦
الوعد بالزيادة مشهود بالاستقراء في النعم الجسمانية أيضاً — الوعد واقع محسوس لا مجرد ترغيب
فَثَبَتَ أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالشُّكْرِ يُوجِبُ مَزِيدَ النِّعَمِ الرُّوحَانِيَّةِ، وَأَمَّا مَزِيدُ النِّعَمِ الْجُسْمَانِيَّةِ، فَلِأَنَّ الِاسْتِقْرَاءَ دَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ اشْتِغَالُهُ بِشُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ أَكْثَرَ، كَانَ وُصُولُ نِعَمِ اللَّهِ إِلَيْهِ أَكْثَرَ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٩، ص ٦٧

على الزمر ٧

ربط البقاعي الرضا بالاصطفاء والقرب: عدم رضاه بالكفر لعباده مقام عناية — يخدم «وإن تشكروا يرضه لكم»
فبين أن من اصطفاه وقربه واجتباه من العباد لا يرضى له بالكفر
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٦، ص ٤٣٩
افتتاح آية الشكر بأداتَي توكيد يوافق خيط المحطة: كلام الشكر في القرآن محفوف بأقوى أدوات التوكيد
وَافْتِتَاحُ الْقِصَّةِ بِحَرْفَيِ التَّوْكِيدِ: لَامِ الْقَسَمِ وَ (قَدْ) لِلْإِنْبَاءِ بِأَنَّهَا خَبَرٌ عَنْ أَمْرٍ مُهِمٍّ وَاقِعٍ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢١، ص ١٤٨
الله فسّر إيتاء الحكمة نفسها بـ«أن اشكر لله»: الشكر أهم الأشياء وأول ما تقتضيه الحكمة — يمهّد لـ«فإنما يشكر لنفسه»
أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ فَإِنَّ أَنْ فِي مِثْلِ هَذَا تُسَمَّى الْمُفَسِّرَةَ فَفَسَّرَ اللَّهُ إِيتَاءَ الْحِكْمَةِ بِقَوْلِهِ: أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُقَالُ إِنَّ الْعَمَلَ مُوَافِقٌ لِلْعِلْمِ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا عَلِمَ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَهَمُّ مِنَ الْآخَرِ، فَإِنِ اشْتَغَلَ بِالْأَهَمِّ كَانَ عَمَلُهُ مُوَافِقًا لِعِلْمِهِ وَكَانَ حِكْمَةً، وَإِنْ أَهْمَلَ الْأَهَمَّ كَانَ مُخَالِفًا لِلْعِلْمِ وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْحِكْمَةِ فِي شَيْءٍ، لَكِنَّ شُكْرَ اللَّهِ أَهَمُّ الْأَشْيَاءِ فَالْحِكْمَةُ أَوَّلُ مَا تَقْتَضِي
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٥، ص ١١٩

على لقمان ١٢

«فإن الله غني عنكم» كناية عن أن العائد كله للعبد لا لله — صريح في فكرة أن كل عائد الشكر يعود على الشاكر
وَمَعْنَاهُ: غَنِيٌّ عَنْ إِقْرَارِكُمْ لَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، أَيْ غَيْرُ مُفْتَقِرٍ لَهُ. وَهَذَا كِنَايَةٌ عَنْ كَوْنِ طَلَبِ التَّوْحِيدِ مِنْهُمْ لِنَفْعِهِمْ وَدَفْعِ الضُّرِّ عَنْهُمْ لَا لِنَفْعِ اللَّهِ، وَتَذْكِيرِهِمْ بِهَذَا لِيُقْبِلُوا عَلَى النَّظَرِ مِنْ أَدِلَّةِ التَّوْحِيدِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٣، ص ٣٣٧
لطيفة بلاغية: الاعتراض احتراسٌ لئلا يُظن أن الكفر والشكر سيان عنده سبحانه — فرضاه معلق على الشكر
وَقَوْلُهُ: وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ اعْتِرَاضٌ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ لِقَصْدِ الِاحْتِرَاسِ مِنْ أَنْ يَتَوَهَّمَ السَّامِعُونَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَكْتَرِثُ بِكُفْرِهِمْ وَلَا يَعْبَأُ بِهِ فَيَتَوَهَّمُوا أَنَّهُ وَالشُّكْرَ سَوَاءٌ عِنْدَهُ، لِيَتَأَكَّدَ بِذَلِكَ مَعْنَى اسْتِعْمَالِ الْخَبَرِ فِي تَنْبِيهِ الْمُخَاطَبِ عَلَى الْخَطَأِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٣، ص ٣٣٧

على آل عمران ١٤٥

جوهر «فإنما يشكر لنفسه»: نفع الشكر يعود على الشاكر لا على الله — براءة من العهدة واستمداد للمزيد
ثُمَّ إِنَّهُ عليه السلام بَيَّنَ أَنَّ نَفْعَ الشُّكْرِ عَائِدٌ إِلَى الشَّاكِرِ لَا إِلَى اللَّه تَعَالَى، أَمَّا أَنَّهُ عَائِدٌ إِلَى الشَّاكِرِ فَلِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الشُّكْرِ وَثَانِيهَا: أَنَّهُ يَسْتَمِدُّ بِهِ الْمَزِيدَ عَلَى مَا قَالَ: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إِبْرَاهِيمَ: 7]
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٤، ص ٥٥٧
الوعد: الجزاء عُلّق بوصف الشكر تعميماً
ونبه على أن العمل لذات الله من غير نظر إلى ثواب ولا عقاب أعلى فقال: {منها} أي وسنجزيه لشكره، وهو معنى قوله: {وسنجزي الشاكرين *} لكنه أظهر لتعليق الحكم بالوصف وعمم
نظم الدرر، البقاعي، جـ٥، ص ٨٥
لمحطة «البوابة»: طرف الاختبار الآخر — كفران الفضل لا يضر الغني الكريم شيئاً (من ملف 27-19-tail_ashour.txt مطابقة 3 وهي على آية 40)
وَالْمُرَادُ بِ مَنْ كَفَرَ مَنْ كَفَرَ فَضْلَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِأَنْ عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ شُكْرِهِ وَهُوَ كَرِيمٌ فِي إِمْهَالِهِ وَرِزْقِهِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٩، ص ٢٧٢

على الزمر ٦٦

الختام المقصود بعد كل المقدمات: «بل الله فاعبد» حصرٌ، و«كن من الشاكرين» شكرٌ على نعمة الهداية نفسها
وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَدَّمَ هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ ذَكَرَ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ فَقَالَ: بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ مَا أَمَرُوهُ بِهِ مِنَ الْإِسْلَامِ بِبَعْضِ آلِهَتِهِمْ، كَأَنَّهُ قَالَ إِنَّكُمْ تَأْمُرُونَنِي بِأَنْ لَا أَعْبُدَ إِلَّا غَيْرَ اللَّهِ لِأَنَّ قَوْلَهُ قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ يُفِيدُ أَنَّهُمْ عَيَّنُوا عَلَيْهِ عِبَادَةَ غَيْرِ اللَّهِ، فَقَالَ اللَّهُ إِنَّهُمْ بِئْسَمَا قَالُوا وَلَكِنْ أَنْتَ عَلَى الضِّدِّ مِمَّا قَالُوا، فَلَا تَعْبُدْ إِلَّا اللَّهَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ يُفِيدُ الْحَصْرَ. ثُمَّ قَالَ: وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ عَلَى مَا هَدَاكَ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلا عبادة الإله القادر عن الْإِطْلَاقِ الْعَلِيمِ الْحَكِيمِ، وَعَلَى مَا أَرْشَدَكَ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْإِعْرَاضُ عَنْ عِبَادَةِ كُلِّ مَا سوى الله.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٧، ص ٤٧٢
تأذَّن: مبالغة في الإعلام — وفسّرها السعدي: أعلَم ووعَد — ابن عاشور والسعدي
كفر النعمة: مقابلة المنعم بالعصيان — كما أن الشكر مقابلة النعمة بإظهار العبودية والطاعة — ابن عاشور
الشكر (تعريف السعدي هنا): اعتراف القلب بنعم الله، والثناء على الله بها، وصرفها في مرضاته — وكفر النعمة ضد ذلك — السعدي
مصادر جُمل الموجز: السعدي + البقاعي + ابن عاشور + الرازي — والصفحات كلها في القطوف أعلاه.
جسر حجري قديم يصل ضفتين فوق نهر هادئ عند الغروب
الجسر الختامي

لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُور

لماذا لا يكتمل الشكر بلا صبر؟
الخيط: صفةٌ مزدوجة كررها القرآن أربع مرات — وجسرٌ يمدُّه المفسرون أنفسهم إلى جلسةٍ منشورة
۞
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
إبراهيم ٥
أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
لقمان ٣١
إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
الشورى ٣٣
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
ختامٌ يمد الجسر إلى جلسة منشورة: أربع مرات يختم القرآن آيات النعمة والابتلاء بصفة واحدة مزدوجة — لكل صبار شكور. قال الرازي: صبّار في الشدة شكور في الرخاء؛ فالمؤمن يصبر إذا أصابته نقمة ويشكر إذا أتته نعمة. وقال البقاعي: وما يقتصد — أي يستقيم على الطريق — إلا كل صبار شكور، ومن ليس في طبعه الصبر فاته الشكر. بل إن البقاعي لما بلغ آيةَ الاستعانة التي تلي آية الشكر في البقرة مباشرة قال: كونُها عقب الأمر بالذكر والشكر إيماءٌ إلى أن ملاك كل منهما الصبر والصلاة — فالجلستان متجاورتان في المصحف نفسه، وهذا مبنى الإحالة المتبادلة بينهما.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على إبراهيم ٥

أيام الله تجمع البطش والتأييد — البلاء والنعمة معاً — فلا ينتفع بآياتها إلا من جمع الصبر والشكر
وبِأَيَّامِ اللَّهِ أَيَّامَ ظُهُورِ بَطْشِهِ وَغَلْبِهِ مَنْ عَصَوْا أَمْرَهُ، وَتَأْيِيدِهِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى عَدُوِّهِمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَظْهَرٌ مِنْ مَظَاهِرِ عِزَّةِ اللَّهِ تَعَالَى.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٣، ص ١٨٩

على لقمان ٣١

جوهر المحطة: سر اقتران الصفتين — صبّار في الشدة شكور في الرخاء، فالمؤمن مستقيم على الحالين وهذه عدّة الانتقال لجلسة الصبر
صَبَّارٌ فِي الشِّدَّةِ شَكُورٌ فِي الرَّخَاءِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ مُتَذَكِّرٌ عِنْدَ الشِّدَّةِ وَالْبَلَاءِ عِنْدَ النِّعَمِ وَالْآلَاءِ فَيَصْبِرُ إِذَا أَصَابَتْهُ نِقْمَةٌ وَيَشْكُرُ إِذَا أَتَتْهُ نِعْمَةٌ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٥، ص ١٣١
الجسر: لا يستقيم على الطريق إلا صبار شكور
وما يقتصد إلا كل صبار شكور، إما حالاً وإما مالاً
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٥، ص ٢٠٩
لماذا لا يقتصد إلا صبار شكور: المقتصد من بقي بعد النجاة على حال الإخلاص التي كان عليها في الشدة
لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ أَنَّ فِي ذَلِكَ لِآيَاتٍ ذَكَرَ أَنَّ الْكُلَّ مُعْتَرِفُونَ بِهِ غَيْرَ أَنَّ الْبَصِيرَ يُدْرِكُهُ أَوَّلًا وَمَنْ فِي بَصَرِهِ ضَعْفٌ لَا يُدْرِكُهُ أَوَّلًا، فَإِذَا غَشِيَهُ مَوْجٌ وَوَقَعَ فِي شِدَّةٍ اعْتَرَفَ بِأَنَّ الْكُلَّ مِنَ اللَّهِ وَدَعَاهُ مُخْلِصًا أَيْ يَتْرُكُ كُلَّ مَنْ عَدَاهُ وَيَنْسَى جَمِيعَ مَنْ سِوَاهُ، فَإِذَا نَجَّاهُ مِنْ تِلْكَ الشِّدَّةِ قَدْ بَقِيَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٥، ص ١٣٢
عبارة مضيئة موجزة: قومٌ يقلبون موجبات الشكر دواعيَ كفر — ضد الصبار الشكور وتمهيد لـ«ختار كفور»
وَتَخَلَّصَ مِنْهُ إِلَى اتِّخَاذِ فَرِيقٍ مِنَ النَّاسِ مُوجِبَاتِ الشُّكْرِ دَوَاعِيَ كُفْرٍ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢١، ص ١٨٩

على الشورى ٣٣

لفتة لغوية: اختيار «الجوار» بدل «الفلك» يوجه النظر إلى الجري نفسه محلِّ العبرة والآية
وَعَدَلَ عَنِ: الْفُلْكِ إِلَى الْجَوارِ إِيمَاءً إِلَى مَحَلِّ الْعِبْرَةِ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي تَسْخِيرِ الْبَحْرِ لِجَرْيِهَا وَتَفْكِيرِ الْإِنْسَانِ فِي صُنْعِهَا.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٥، ص ١٠٥
الآية مقصودان: استدلال على القدرة (يستدعي تأمل الصبّار) وتعريف بالنعم (يستدعي شكر الشكور) — وجها الصفة المزدوجة
اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ مِنْ آيَاتِهِ أَيْضًا هَذِهِ السُّفُنَ الْعَظِيمَةَ الَّتِي تَجْرِي عَلَى وَجْهِ الْبَحْرِ عِنْدَ هُبُوبِ الرِّيَاحِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ ذِكْرِهِ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى وُجُودِ الْقَادِرِ الْحَكِيمِ وَالثَّانِي: أَنْ يُعَرِّفَ مَا فِيهِ مِنَ النِّعَمِ الْعَظِيمَةِ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٧، ص ٦٠٢

شهادة البقاعي على آية المنطلق (البقرة ١٥٢) — مبنى الجسر

الجسر الختامي: البقاعي نفسه يربط آية الشكر بآية الاستعانة بالصبر والصلاة التالية لها
وكونها عقب الأمر بالذكر والشكر إيماء إلى أن ملاك كل منهما الصبر والصلاة
نظم الدرر، البقاعي، جـ٢، ص ٢٤٦
أيام الله: أيام ظهور بطشه فيمن عصوا أمره، وتأييده المؤمنين على عدوهم — ابن عاشور
صبار شكور: صبار في الشدة، شكور في الرخاء — الرازي
مصادر جُمل الموجز: ابن عاشور + الرازي + البقاعي — والصفحات كلها في القطوف أعلاه.
حجم الخط
الخلفية