على إبراهيم ٢١
حوار الضعفاء والقادة: لا يغني أحد أحداً
فيقول {الضُّعَفَاءُ} أي: التابعون والمقلدون {لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا} وهم: المتبوعون الذين هم قادة في الضلال: {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا} أي: في الدنيا، أمرتمونا بالضلال، وزينتموه لنا فأغويتمونا، {فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} أي: ولو مثقال ذرة، {قَالُوا} أي: المتبوعون والرؤساء {أغويناكم كما غوينا} و {لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ} فلا يغني أحد أحدا
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 742 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
ما لنا من محيص: لا ملجأ ولا مهرب
{سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا} من العذاب {أَمْ صَبَرْنَا} عليه، {مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ} أي: من ملجأ نلجأ إليه، ولا مهرب لنا من عذاب الله.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 742 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
الغرض من وصف مجادلة الفرق يوم القيامة: تنبيه الناس لتدارك شأنهم قبل الفوات
وَقَدْ جِيءَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِوَصْفِ حَالِ الْفِرَقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمُجَادَلَةِ أَهْلِ الضَّلَالَةِ مَعَ قَادَتِهِمْ، وَمُجَادَلَةُ الْجَمِيعِ لِلشَّيْطَانِ، وَكَوْنُ الْمُؤْمِنِينَ فِي شُغُلٍ عَنْ ذَلِكَ بِنُزُلِ الْكَرَامَةِ.وَالْغَرَضُ مِنْ ذَلِكَ تَنْبِيهُ النَّاسِ إِلَى تَدَارُكِ شَأْنِهِمْ قَبْلَ الْفَوَاتِ. فَالْمَقْصُودُ: التَّحْذِيرُ مِمَّا يُفْضِي إِلَى سُوءِ الْمَصِيرِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٣، ص ٢١٦
استفهام الضعفاء توبيخ وتبكيت: أظهروا مكانتكم التي كنتم تغروننا بها
فَعَلِمُوا أَنَّهُمْ قَدْ غَرُّوهُمْ فِي الدُّنْيَا، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ مُسْتَعْمَلٌ فِي التورّك والتوبيخ والتبكيت، أَيْ فَأَظْهِرُوا مَكَانَتَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ الَّتِي كُنْتُمْ تَدَّعُونَهَا وَتَغُرُّونَنَا بِهَا فِي الدُّنْيَا.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٣، ص ٢١٦
جواب المستكبرين اعتذار: ما قصدنا توريطكم وقد ورطنا أنفسنا أيضاً
وَجَوَابُ الْمُسْتَكْبِرِينَ اعْتِذَارٌ عَنْ تَغْرِيرِهِمْ بِأَنَّهُمْ مَا قَصَدُوا بِهِ تَوْرِيطَ أَتْبَاعِهِمْ كَيْفَ وَقَدْ وَرَّطُوا أَنْفُسَهُمْ أَيْضًا، أَيْ لَوْ كُنَّا نَافِعِينَ لَنَفَعْنَا أَنْفُسَنَا.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٣، ص ٢١٧
عذاب روحاني: خجالة المتبوعين وافتضاحهم عند أتباعهم
ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ كَيْفِيَّةَ خَجَالَتِهِمْ عِنْدَ تَمَسُّكِ أَتْبَاعِهِمْ وَكَيْفِيَّةَ افْتِضَاحِهِمْ عِنْدَهُمْ. وَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى الْعَذَابِ الرُّوحَانِيِّ الْحَاصِلِ بِسَبَبِ الْفَضِيحَةِ وَالْخَجَالَة
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٩، ص ٨٢
بروز الأشقياء لموقف العظمة ذليلين مهينين
وَإِنْ كَانُوا مِنَ الْأَشْقِيَاءِ بَرَزُوا لِمَوْقِفِ الْعَظَمَةِ، وَمَنَازِلِ الْكِبْرِيَاءِ ذَلِيلِينَ مَهِينِينَ خَاضِعِينَ خَاشِعِينَ وَاقِعِينَ فِي خِزْيِ الْخَجَالَةِ، وَمَذَلَّةِ الْفَضِيحَةِ، وَمَوْقِفِ الْمَهَانَةِ وَالْفَزَعِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْهَا
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٩، ص ٨٣
اعتراف السادة بالعجز خزيٌ كامل تام
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ اعْتِرَافَ الرُّؤَسَاءِ وَالسَّادَةِ وَالْمَتْبُوعِينَ بِمِثْلِ هَذَا الْعَجْزِ وَالْخِزْيِ وَالنَّكَالِ يُوجِبُ الْخَجَالَةَ الْعَظِيمَةَ وَالْخِزْيَ الْكَامِلَ التَّام
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٩، ص ٨٣
برزوا لله: بدا لهم ما لم يحتسبوا فتقطعت بهم الأسباب
فإن البروز خروج لشيء عما كان ملتبساً به إلى حيث يقع عليه الحس في نفسه، وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون من العذاب، فتقطعت بهم الأسباب {فقال الضعفاء} أي الأتباع
نظم الدرر، البقاعي، جـ10، ص ٤٠٣
كنا لكم تبعاً: كنتم سبب ضلالنا وعادة الأكابر الدفع عن أتباعهم
{إنا كنا} أي كوناً هو كالجبلة {لكم تبعاً} أي تابعين أو ذوي تبع فكنتم سبب ضلالنا، وقد جرت عادة الأكابر بالدفع عن أتباعهم المساعدين لهم على أباطيلهم
نظم الدرر، البقاعي، جـ10، ص ٤٠٤
سواء علينا: لم يبق إلا زيادة العذاب بسوء القالة
ولما كان الموجب لقولهم هذا الجزع، قالوا: {سواء علينا} أي نحن وأنتم {أجزعنا} والجزع: انزعاج النفس بورود ما يغم {أم صبرنا} لا فائدة لنا في واحد منهما لأن الأمر أطم من ذلك فإنه {ما لنا من محيص} يصلح للمصدر والزمان والمكان، أي محيد وزوال عن المكروه على كلا التقديرين، فلم يبق في الجزاء إلا زيادة العذاب بسوء القالة وانتشار السبة
نظم الدرر، البقاعي، جـ10، ص ٤٠٥
على غافر ٤٧
تخاصم أهل النار وتبرؤ المتبوعين
يخبر تعالى عن تخاصم أهل النار، وعتاب بعضهم بعضًا واستغاثتهم بخزنة النار، وعدم الفائدة في ذلك فقال: {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ} يحتج التابعون بإغواء المتبوعين، ويتبرأ المتبوعون من التابعين، {فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ} أي: الأتباع للقادة {لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا} على الحق، ودعوهم إلى ما استكبروا لأجله. {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا} أنتم أغويتمونا وأضللتمونا وزينتم لنا الشرك والشر، {فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ} أي: ولو قليلاً.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1331 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
معنى التحاجّ: إقامة كل فريق حجته بعد وقوع الخلاف بينهم
وَالْتَحَاجُّ: الِاحْتِجَاجُ مِنْ جَانِبَيْنِ فَأَكْثَرَ، أَيْ إِقَامَةُ كُلِّ فَرِيقٍ حُجَّتَهُ وَهُوَ يَقْتَضِي وُقُوعَ خِلَافٍ بَيْنِ الْمُتَحَاجِّينَ إِذِ الْحجَّة تأييد لدعوى لِدَفْعِ الشَّكِّ فِي صِحَّتِهَا.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٤، ص ١٦٠
سؤال الضعفاء ناشئ عما اعتادوه من اللجأ إلى الكبراء في الدنيا فخالوهم مدبرين هناك
وَقَوْلُ الضُّعَفَاءِ لِلْكُبَرَاءِ هَذَا الْكَلَامَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَلَى حَقِيقَته فَهُوَ ناشىء عَمَّا اعْتَادُوهُ مِنَ اللَّجَأِ إِلَيْهِمْ فِي مُهِمِّهِمْ حِينَ كَانُوا فِي الدُّنْيَا فَخَالُوا أَنَّهُمْ يَتَوَلَّوْنَ تَدْبِيرَ أُمُورِهِمْ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ وَلِهَذَا أَجَابَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بِمَا يُفِيدُ أَنَّهُمُ الْيَوْمَ سَوَاءٌ فِي الْعَجْزِ وَعَدَمِ الْحِيلَةِ فَقَالُوا: إِنَّا كُلٌّ فِيها أَيْ لَوْ أَغْنَيْنَا عَنْكُمْ لَأَغْنَيْنَا عَنْ أَنْفُسِنَا.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٤، ص ١٦١
يلهمهم الله هذا القول لافتضاح عجز المستكبرين جزاءً على تعاظمهم
وَتَقْدِيمُ قَوْلِهِمْ: إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً عَلَى طَلَبِ التَّخْفِيفِ عَنْهُمْ مِنَ النَّارِ، مُقَدِّمَةٌ لِلطَّلَبِ لِقَصْدِ تَوْجِيهِهِ وَتَعْلِيلِهِ وَتَذْكِيرِهِمْ بِالْوَلَاءِ الَّذِي بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، يُلْهِمُهُمُ اللَّهُ هَذَا الْقَوْلَ لِافْتِضَاحِ عَجْزِ الْمُسْتَكْبِرِينَ أَنْ يَنْفَعُوا أَتْبَاعَهُمْ تَحْقِيرًا لَهُمْ جَزَاءً عَلَى تَعَاظُمِهِمُ الَّذِي كَانُوا يَتَعَاظَمُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٤، ص ١٦١
مناظرات الرؤساء والأتباع من أهل النار
وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي تِلْكَ الْقِصَّةِ لَمَّا انْجَرَّ إِلَى شَرْحِ أَحْوَالِ النَّارِ، لَا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ عَقِيبَهَا قِصَّةَ الْمُنَاظَرَاتِ الَّتِي تَجْرِي بَيْنَ الرُّؤَسَاءِ وَالْأَتْبَاعِ مِنْ أَهْلِ النَّار
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٧، ص ٥٢٢
سؤالهم مقصوده تخجيل الرؤساء وإيلام قلوبهم
وَاعْلَمْ أَنَّ أُولَئِكَ الْأَتْبَاعَ يَعْلَمُونَ أَنَّ أُولَئِكَ الرُّؤَسَاءَ لَا قُدْرَةَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ التَّخْفِيفِ، وَإِنَّمَا مَقْصُودُهُمْ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ الْمُبَالَغَةُ فِي تَخْجِيلِ أُولَئِكَ الرُّؤَسَاءِ وَإِيلَامِ قُلُوبِهِمْ، لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ سَعَوْا فِي إِيقَاعِ هَؤُلَاءِ الْأَتْبَاعِ فِي أَنْوَاعِ الضَّلَالَات
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٧، ص ٥٢٢
لو قدرتُ لدفعته عن نفسي: يأس الأتباع من المتبوعين
فَعِنْدَ هَذَا يَقُولُ الرُّؤَسَاءُ إِنَّا كُلٌّ فِيها يَعْنِي أَنَّ كُلَّنَا وَاقِعُونَ فِي هَذَا الْعَذَابِ، فَلَوْ قَدَرْتُ عَلَى إِزَالَةِ الْعَذَابِ عَنْكَ لَدَفَعْتُهُ عَنْ نَفْسِي، ثُمَّ يَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ يَعْنِي يُوَصِّلُ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ مِقْدَارَ حَقِّهِ مِنَ النَّعِيمِ أَوْ مِنَ الْعَذَابِ، ثُمَّ عِنْدَ هَذَا يَحْصُلُ الْيَأْسُ لِلْأَتْبَاعِ مِنَ الْمَتْبُوعِين
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٧، ص ٥٢٢
التحاجّ في النار: تخاصم لا يغني
واذكر لهم ما يكون في الزمن الآتي حين {يتحاجون} أي هؤلاء الذين نعذبهم {في النار} أي يتخاصمون فيما أتباعهم ورؤساؤهم بما لا يغنيهم: {فيقول الضعفاء} أي الأتباع
نظم الدرر، البقاعي، جـ17، ص ٨٢
إنا كنا لكم تبعاً: تكبرتم على الناس بنا
ولما كانوا لشدة ما هم فيه يتبرأ كل منهم من صاحبه. أكدوا قولهم: {إنا كنا لكم} أي دون غيركم {تبعاً} أي أتباعاً، فتكبرتم على الناس بنا
نظم الدرر، البقاعي، جـ17، ص ٨٣
على سبأ ٣١
تراجع الرؤساء والأتباع عند الوقوف بين يدي الله
وأنك لو رأيت حالهم إذا وقفوا عند ربهم, واجتمع الرؤساء والأتباع في الكفر والضلال, لرأيت أمرا عظيما وهولا جسيما، ورأيت كيف يتراجع, ويرجع بعضهم إلى بعض القول، فـ{يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} وهم الأتباع {لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا} وهم القادة: {لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} ولكنكم حُلْتُم بيننا وبين الإيمان, وزينتم لنا الكفران, فتبعناكم على ذلك، ومقصودهم بذلك أن يكون العذاب على الرؤساء دونهم.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1216 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
حالة غريبة: جرأة المستضعفين على المستكبرين وتنبههم من الغفلة بعد فوات الأوان
لِأَنَّهَا حَالَةٌ غَرِيبَةٌ لِمَا فِيهَا مِنْ جُرْأَةِ الْمُسْتَضْعَفِينَ عَلَى الْمُسْتَكْبِرِينَ وَمِنْ تَنَبُّهِ هَؤُلَاءِ مِنْ غَفْلَتِهِمْ عَمَّا كَانَ الْمُسْتَكْبِرُونَ يَغُرُّونَهُمْ بِهِ حَتَّى أَوْقَعُوهُمْ فِي هَذَا الْمَأْزِقِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ٢٠٥
الضعف المجازي: حالة الاحتياج إلى من يضطلع بشؤونهم ويصرفهم كيف يشاء
وَالضَّعْفُ هُنَا الضَّعْفُ الْمَجَازِيُّ وَهُوَ حَالَة الِاحْتِيَاج فِي الْمُهِمَّات إِلَى من يضطلع بشؤونهم وَيَذُبُّ عَنْهُمْ وَيُصَرِّفُهُمْ كَيْفَ يَشَاءُ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ٢٠٥
«لولا أنتم لكنا مؤمنين»: ادعوا أن وجود المستكبرين نفسه مانعهم من الإيمان
وَقَدْ جَاءَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ رَبْطُ التَّعْلِيقِ بِضَمِيرِ «الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا» فَاقْتضى أَن الْمُسْتَضْعَفِينَ ادّعوا أَن وجود المستكبرين مَانع لَهُم أَن يَكُونُوا مُؤمنين.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ٢٠٦
موقوفون يتراجعون القول: كان ذلك بسببك
وَعَدَ نَبِيَّهُ عليه الصلاة والسلام بِأَنَّهُ يَرَاهُمْ عَلَى أَذَلِّ حَالٍ مَوْقُوفِينَ لِلسُّؤَالِ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ كَمَا يَكُونُ عَلَيْهِ حَالُ جَمَاعَةٍ أَخْطَئُوا فِي أَمْرٍ يَقُولُ بَعْضُهُمْ كَانَ ذَلِكَ بِسَبَبِكَ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ الْآخَرُ مِثْلَ ذَلِك
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٥، ص ٢٠٧
بدأ بالأتباع لأن المضلّ أولى بالتوبيخ
ثُمَّ بَدَأَ بِالْأَتْبَاعِ لِأَنَّ الْمُضِلَّ أَوْلَى بِالتَّوْبِيخِ فَقَالَ: يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ/ كُفْرَهُمْ كَانَ لِمَانِعٍ لَا لِعَدَمِ الْمُقْتَضِي
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٥، ص ٢٠٧
سبب الخصام: مواددتهم في الدنيا بطاعة بعضهم لبعض في المعاصي
{يرجع بعضهم} أي على وجه الخصام عداوة. وكان سببها مواددتهم في الدنيا بطاعة بعضهم لبعض في معاصي الله، قال القشيري: ومن عمل بالمعاصي أخرج الله عليه كل من هو أطوع له
نظم الدرر، البقاعي، جـ15، ص ٥٠٩
على سبأ ٣٢
جواب المستكبرين: بل كنتم مختارين للإجرام
{قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} مستفهمين لهم ومخبرين أن الجميع مشتركون في الجرم: {أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ} أي: بقوتنا وقهرنا لكم. {بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ} أي: مختارين للإجرام, لستم مقهورين عليه, وإن كنا قد زينا لكم, فما كان لنا عليكم من سلطان.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1216 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
إنكار المستكبرين بهتان بعثه خوف التبعة وفرط الغضب من انتقاض أتباعهم عليهم
وَهَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْإِنْكَارِ على قَول الْمُسْتَضْعَفِينَ تبرّؤا مِنْهُ. وَهَذَا الْإِنْكَارُ بُهْتَانٌ وَإِنْكَارٌ لِلْوَاقِعِ بَعَثَهُ فِيهِمْ خَوْفُ إِلْقَاءِ التَّبِعَةِ عَلَيْهِمْ وَفَرْطُ الْغَضَبِ وَالْحَسْرَةِ مِنِ انْتِقَاضِ أَتْبَاعِهِمْ عَلَيْهِمْ وَزَوَالِ حُرْمَتِهِمْ بَيْنَهُمْ فَلَمْ يَتَمَالَكُوا أَنْ لَا يُكَذِّبُوهُمْ وَيَذِيلُوا بِتَوْرِيطِهِمْ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ٢٠٦
«بل كنتم مجرمين» مكابرة وسفسطة فقد كانوا يصدون الدهماء ويختلقون لهم المعاذير
وَحَاصِلُ الْمَعْنَى: أَنَّ حَالَنَا وَحَالَكُمْ سَوَاءٌ، كُلُّ فَرِيقٍ يَتَحَمَّلُ تَبِعَةَ أَعْمَالِهِ فَإِنَّ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ كَانَ مُعْرِضًا عَنِ الْإِيمَانِ. وَهَذَا الِاسْتِدْلَالُ مُكَابَرَةٌ مِنْهُمْ وَبُهْتَانٌ وَسَفْسَطَةٌ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَصُدُّونَ الدَّهْمَاءَ عَنِ الدِّينِ وَيَخْتَلِقُونَ لَهُمُ الْمَعَاذِيرَ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ٢٠٧
ردّ المستكبرين: لم يصدر منا مانع راجح
يَعْنِي الْمَانِعُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ رَاجِحًا عَلَى الْمُقْتَضِي حَتَّى يَعْمَلَ عَمَلَهُ، وَالَّذِي جَاءَ بِهِ هُوَ الْهُدَى، وَالَّذِي صَدَرَ مِنَ الْمُسْتَكْبِرِينَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا يُوجِبُ الِامْتِنَاعَ مِنْ قَبُولِ مَا جَاءَ بِهِ فَلَمْ يَصِحَّ تَعْلِيلُكُمْ بِالْمَانِع
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٥، ص ٢٠٨
كفرهم إجرام إذ لا عذر لهم
ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ كُفْرَهُمْ كَانَ إِجْرَامًا مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْمَعْذُورَ لَا يَكُونُ مَعْذُورًا إِلَّا لِعَدَمِ الْمُقْتَضِي أَوْ لِقِيَامِ المانع ولم يوجد شيء منهما
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٥، ص ٢٠٨
جواب المستكبرين: إنكار وتحميل للتبعة
{قال الذين استكبروا} على طريق الاستئناف {للذين استضعفوا} رداً عليهم وإنكاراً لقولهم أنهم هم الذين صدوهم: {أنحن} خاصة {صددناكم} أي منعناكم وصرفناكم {عن الهدى} ولما كانوا لا يؤاخذون بإهمال دليل العقل قبل إتيان الرسل، أشاروا إلى ذلك بقولهم: {بعد إذ جاءكم} أي على ألسنة الرسل.
نظم الدرر، البقاعي، جـ15، ص ٥١٠
على سبأ ٣٣
لم تفد المراجعة شيئاً إلا تبري بعضهم من بعض
فلم تفد تلك المراجعة بينهم شيئا إلا تبري بعضهم من بعض, والندامة العظيمة, ولهذا قال: {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ} أي: زال عنهم ذلك الاحتجاج الذي احتج به بعضهم على بعض لينجو بعض من العذاب, وعلم أنه ظالم مستحق له، فندم كل منهم غاية الندم, وتمنى أن لو كان على الحق, وأنه ترك الباطل الذي أوصله إلى هذا العذاب
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1217 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
«مكر الليل والنهار» كناية عن دوام الإلحاح عليهم في التمسك بالشرك
وَالْمَعْنَى: مُلَازَمَتُهُمُ الْمَكْرَ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ دَوَامِ الْإِلْحَاحِ عَلَيْهِمْ فِي التَّمَسُّكِ بِالشِّرْكِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ٢٠٩
تطاول المستضعفين على مستكبريهم حين علموا كذبهم — ونظيره «إذ تبرأ الذين اتبعوا»
وَهَذَا تَطَاوُلٌ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ عَلَى مُسْتَكْبِرِيهِمْ لَمَّا رَأَوْا قِلَّةَ غَنَائِهِمْ عَنْهُمْ وَاحْتَقَرُوهُمْحِينَ عَلِمُوا كَذِبَهُمْ وَبُهْتَانَهُمْ.وَقَدْ حُكِيَ نَظِيرُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الْآيَتَيْنِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [166]
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ٢٠٩
«وأسروا الندامة»: أيقنوا بالخيبة وأخفوها طمعاً في الصرف أو اتقاءً للفضيحة
فَعَلِمُوا أَنَّ ذَلِكَ التَّرَامِيَ الْوَاقِعَ بَيْنَهُمْ لَمْ يُغْنِ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ شَيْئًا، فَحِينَئِذٍ أَيْقَنُوا بِالْخَيْبَةِ وَنَدِمُوا عَلَى مَا فَاتَ مِنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَكَأَنَّهُمْ أَسَرُّوا النَّدَامَةَ اسْتِبْقَاءً لِلطَّمَعِ فِي صَرْفِ ذَلِكَ عَنْهُمْ أَوِ اتِّقَاءً لِلْفَضِيحَةِ بَيْنَ أَهْلِ الْمَوْقِف
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ٢٠٩
أمرُكم إيانا بالكفر كان جزء السبب
اعْتَرَفَ الْمُسْتَضْعَفُونَ بِهِ وَقَالُوا:بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ مَنَعَنَا ثُمَّ قَالُوا لَهُمْ إِنَّكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مَا أَتَيْتُمْ بِالصَّارِفِ الْقَطْعِيِّ وَالْمَانِعِ الْقَوِيِّ وَلَكِنِ انْضَمَّ أَمْرُكُمْ إِيَّانَا بِالْكُفْرِ إِلَى طُولِ الْأَمَدِ وَالِامْتِدَادِ فِي الْمَدَدِ فَكَفَرْنَا فَكَانَ قَوْلُكُمْ جُزْءَ السَّبَب
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٥، ص ٢٠٨
إسرار الندامة عند مجيء العذاب الشاغل
مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ يَتَرَاجَعُونَ الْقَوْلَ فِي الْأَوَّلِ، ثُمَّ إِذَا جَاءَهُمُ الْعَذَابُ الشَّاغِلُ يُسِرُّونَ ذَلِكَ التَّرَاجُعَ الدَّالَّ عَلَى النَّدَامَة
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٥، ص ٢٠٨
لما رأوا العذاب تركوا الندم وجُعلت الأغلال
بَلْ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ قَطَعُوا بِأَنَّهُمْ وَاقِعُونَ فِيهِ فَتَرَكُوا النَّدَمَ وَوَقَعُوا فِيهِ فَجَعَلَ الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِهِم
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٥، ص ٢٠٩
وأسروا الندامة: بدا لهم ما لم يكونوا يحتسبون فأبهتهم
لأنهم بينما هم في تلك المقاولة وهم يظنون أنها تغني عنهم شيئاً وإذا بهم قد بدا لهم ما لم يكونوا يحتسبون فأبهتهم فلم يقدروا لفوات المقاصد وخسران النفوس أن نسبوا بكلمة
نظم الدرر، البقاعي، جـ15، ص ٥١١