عَلى الطَّريق جلسة · رحلة تدبر تغيّر نظرتك لموضوع واحد
جـلـسـة

يوم يتبرأ منك مَن اتبعتَه

تمنح قلبك ووقتك وولاءك لمن تتبعه، وتحسب أن من تتبعه اليوم يحمل عنك شيئاً غداً. القرآن يفتح المشهد الأخير لكل اتباعٍ انعقد من دون الله — قبل أن يفوت وقتُ تغييره
وَعْدُ الرِّحْلَةتتبّعنا مشاهد الأنداد والتبرؤ في القرآن كله، فوضعنا بين يديك ٢٧ آية من ١٢ سورة و٢١٥ نقلاً موثقاً من أربعة تفاسير — المشهدُ بتمامه: من أول خيط ولاءٍ يُعقد لغير الله… إلى آخر حسرة.
٢٧ آية ٦ محطات وجسر ٨ دقائق بالموجز — أو نحو ساعة بالقطوف
جسر حبلي قديم فوق وادٍ فجري وقد تقطعت حباله وتدلت، ودرب ضيق يواصل الصعود مضيئاً على الجانب الآخر
الصور هنا رسمها الذكاء الاصطناعي لتؤنس الطريق — أما المعاني فمن مصادرها الموثقة وحدها.
خريطة الجلسة
من تتبعه اليوم…
أين يقف منك غداً؟
١ البوابة أنداد يحبونهم كحب الله ٢ الذين اتُّبعوا ما ألفينا عليه آباءنا… وأطعنا سادتنا ٣ الحوار المرعب الضعفاء والمستكبرون يتحاجّون ٤ حتى الشيطان ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخيّ ٥ الأخلاء كل خُلة تنقلب… إلا المتقين ٦ الذروة إنني براء… ثم لحظة صمت ٧ الجسر الكرّة هناك أمنية — وهنا قرار
اضغط أي محطة للانتقال إليها — أو امضِ في الرحلة بترتيبها
خيوط حرير كثيرة مشدودة من صخرة إلى شجرة مثمرة عالية وقد أخذت تنقطع في الريح خيطاً بعد خيط
المحطة الأولى

البوابة: أندادٌ تُحَبّ كحبّ الله

ومشهدُ النهاية بعدها بآية: تبرؤٌ… وتقطعت بهم الأسباب
۞
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ
البقرة ١٦٥
إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ
البقرة ١٦٦
وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ
البقرة ١٦٧
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
النِّدُّ ليس صنماً بالضرورة — عند الرازي: كل ما شغل قلبَك سوى الله فقد جعلتَه ندّاً، وعند الحرالي فيما نقله البقاعي: من غلب على سرِّه شيءٌ فهو ربُّه. والمشهد المرسوم بعدها بآية: الذين اتُّبعوا يتبرؤون ممن اتبعوهم — والتبرؤ لغةً: التباعد من الأمر الذي يضر قربُه — وتتقطع الأسباب: صوّرها ابن عاشور بحبل المرتقي إلى الثمرة ينقطع به فيسقط هالكاً. والحسرة من الحَسْر وهو الكشف: انكشافُ الواقع سببُ الندامة — كذلك يريهم الله أعمالهم حسراتٍ عليهم.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على البقرة ١٦٥

بطلان اتخاذ الأنداد والله المستحق للمحبة الكاملة
فعلم علما يقينا, بطلان قول من اتخذ من دون الله آلهة وأندادا، سواء كان ملكا أو نبيا, أو صالحا, صنما, أو غير ذلك، وأن الله هو المستحق للمحبة الكاملة, والذل التام، فلهذا مدح الله المؤمنين بقوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} أي: من أهل الأنداد لأندادهم, لأنهم أخلصوا محبتهم له
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 83 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
خيبة الظن في الأنداد يوم رؤية العذاب
وظنوا أن لها من الأمر شيئًا, وأنها تقربهم إليه وتوصلهم إليه، فخاب ظنهم, وبطل سعيهم, وحق عليهم شدة العذاب, ولم تدفع عنهم أندادهم شيئًا, ولم تغن عنهم مثقال ذرة من النفع، بل يحصل لهم الضرر منها, من حيث ظنوا نفعها.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 83 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
إنكار محبة الأنداد من أصلها والنداء على تسوية محبة التابع والمتبوع بمحبة الخالق
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ إِنْكَارُ مَحَبَّتِهِمُ الْأَنْدَادَ مِنْ أَصْلِهَا لَا إِنْكَارَ تَسْوِيَتِهَا بِحُبِّ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا قُيِّدَتْ بِمُمَاثَلَةِ مَحَبَّةِ اللَّهِ لِتَشْوِيهِهَا وَلِلنِّدَاءِ عَلَى انْحِطَاطِ عُقُولِ أَصْحَابِهَا وَفِيهِ إِيقَاظٌ لِعُيُونِ مُعْظَمِ الْمُشْرِكِينَ وَهُمُ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ الْأَصْنَامَ شُفَعَاءُ لَهُمْ كَمَا كَثُرَتْ حِكَايَةُ ذَلِكَ عَنْهُمْ فِي الْقُرْآنِ فَنُبِّهُوا إِلَى أَنَّهُمْ سَوَّوْا بَيْنَ مَحَبَّةِ التَّابِعِ وَمَحَبَّةِ الْمَتْبُوعِ وَمَحَبَّةِ الْمَخْلُوقِ وَمَحَبَّةِ الْخَالِقِ لَعَلَّهُمْ يَسْتَفِيقُون
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ٩١
معنى «من دون الله»: جعل الند حائلاً عن الله لأن الإشراك يستلزم الإعراض عنه
وَقَوْلُهُ: مِنْ دُونِ اللَّهِ مَعْنَاهُ مَعَ الله لِأَن كلمة دُونَ تؤذن بالحيلولة لِأَنَّهَا بِمَعْنَى وَرَاءَ فَإِذَا قَالُوا اتَّخَذَهُ دُونَ اللَّهِ فَالْمَعْنَى أَنَّهُ أَفْرَدَهُ وَأَعْرَضَ عَنِ اللَّهِ وَإِذَا قَالُوا اتَّخَذَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَالْمَعْنَى أَنَّهُ جَعَلَهُ بَعْضَ حَائِلٍ عَنِ اللَّهِ أَيْ أَشْرَكَهُ مَعَ اللَّهِ لِأَنَّ الْإِشْرَاكَ يَسْتَلْزِمُ الْإِعْرَاضَ عَنِاللَّهِ فِي أَوْقَاتِ الشُّغْلِ بِعِبَادَةِ ذَلِكَ الشَّرِيكِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ٨٩
كل ما شغل قلبك سوى الله فقد جعلته ندّاً
الْقَوْلُ الثَّالِثُ: فِي تَفْسِيرِ الْأَنْدَادِ قَوْلُ الصُّوفِيَّةِ وَالْعَارِفِينَ، وَهُوَ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ شَغَلْتَ قبلك بِهِ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى، فَقَدْ جَعَلْتَهُ فِي قبلك نِدًّا لِلَّهِ تَعَالَى وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواه
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٤، ص ١٧٥
الأنداد رجالٌ يُلتزَم لهم ما يلتزمه المؤمنون لله
وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ إلا بمن اتخذ الرجال أنداد وَأَمْثَالًا لِلَّهِ تَعَالَى، يَلْتَزِمُونَ مِنْ تَعْظِيمِهِمْ وَالِانْقِيَادِ لَهُمْ، مَا يَلْتَزِمُهُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ الِانْقِيَادِ لِلَّهِ تَعَالَى.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٤، ص ١٧٥
مناسبة الآية: التبرؤ يوم ينكشف حجاب الغفلة
عاب من عبد سواه وفزع إلى غيره كما نهى عن الأنداد عقب الآية الأولى الداعية إلى العبادة مشيراً بختم التي قبل بيعقلون، إلى أن هؤلاء ناس ضلت عقولهم وفالت آراؤهم وبين أنهم يتبرأ بعضهم من بعض يوم ينكشف حجاب الغفلة عن سرادق العظمة ويتجلى الجبار في صفة النقمة
نظم الدرر، البقاعي، جـ2، ص ٣٠١
لماذا المؤمنون أشد حباً: لا يعدلون به شيئاً في حال
{والذين آمنوا أشد حباً لله} الذي له الكمال كله من حب المشركين لأندادهم فأفاض عليهم من كماله، لأنهم لا يعدلون به شيئاً في حالة من الحالات من ضراء أو سراء في بر أو بحر
نظم الدرر، البقاعي، جـ2، ص ٣٠٢
جامعة: حب الأنداد هوائي وحب المؤمنين عقلي
يعدلون في الشدائد إليه سبحانه وتعالى، وإذا رأوا في الرخاء حجراً أحسن تركوا الأول وعبدوه، وحبهم هوائي وحب المؤمنين عقلي
نظم الدرر، البقاعي، جـ2، ص ٣٠٣

على البقرة ١٦٦

تقطع الوصل التي كانت لغير الله
وتبرأ المتبوعون من التابعين, وتقطعت بينهم الوصل, التي كانت في الدنيا, لأنها كانت لغير الله, وعلى غير أمر الله, ومتعلقة بالباطل الذي لا حقيقة له, فاضمحلت أعمالهم, وتلاشت أحوالهم، وتبين لهم أنهم كانوا كاذبين, وأن أعمالهم التي يؤملون نفعها وحصول نتيجتها, انقلبت عليهم حسرة وندامة, وأنهم خالدون في النار لا يخرجون منها أبدًا
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 83 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
معنى التبرؤ لغةً: التباعد من الأمر الذي يضر قربه
وَالتَّبَرُّؤُ تَكَلُّفُ الْبَرَاءَةِ وَهِيَ التَّبَاعُدُ مِنَ الْأَمْرِ الَّذِي مِنْ شَأْنِ قُرْبِهِ أَنْ يَكُونَ مُضِرًّا وَلذَلِك يُقَال تبارءا إِذَا أَبْعَدَ كُلٌّ الْآخَرَ مِنْ تَبِعَةٍ مُحَقَّقَةٍ أَوْ مُتَوَقَّعَةٍ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ٩٧
حقيقة براءة المتبوعين: تنصل من مواعيد النفع والشفاعة حين هرع الأتباع إليهم
وَمَعْنَى بَرَاءَتِهِمْ مِنْهُمْ تَنَصُّلُهُمْ مِنْ مَوَاعِيدِ نَفْعِهِمْ فِي الْآخِرَةِ الَّذِي وَعَدُوهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالشَّفَاعَةِ فِيهِمْ، وَصَرَفُهُمْ عَنِ الِالْتِحَاقِ بِهِمْ حِينَ هُرِعُوا إِلَيْهِمْ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ٩٧
تمثيلية «تقطعت بهم الأسباب»: السبب حبل المرتقي إلى الثمرة فينقطع فيسقط هالكاً
وَالْأَسْبَابُ جَمْعُ سَبَبٍ وَهُوَ الْحَبْلُ الَّذِي يُمَدُّ لِيُرْتَقَى عَلَيْهِ فِي النَّخْلَةِ أَوِ السَّطْحِ، وَقَوْلُهُ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ تَمْثِيلِيَّةٌ شَبَّهَتْ هَيْئَتَهُمْ عِنْدَ خَيْبَةِ أَمَلِهِمْ حِينَ لَمْ يَجِدُوا النَّعِيمَالَّذِي تَعِبُوا لِأَجْلِهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِمْ وَقَدْ جَاءَ إِبَّانَهُ فِي ظَنِّهِمْ فَوَجَدُوا عِوَضَهُ الْعَذَابَ، بِحَالِ الْمُرْتَقِي إِلَى النَّخْلَةِ لِيَجْتَنِيَ الثَّمَرَ الَّذِي كَدَّ لِأَجْلِهِ طُولَ السَّنَةِ فَتَقَطَّعَ بِهِ السَّبَبُ عِنْدَ ارْتِقَائِهِ فَسَقَطَ هَالِكًا
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ٩٧
لطيفة الباء في «بهم»: تقطعت الأسباب ملتبسة بهم فسقطوا
فَالْبَاءُ فِي (بِهِمْ) لِلْمُلَابَسَةِ أَيْ تَقَطَّعَتِ الْأَسْبَابُ مُلْتَبِسَةٌ بِهِمْ أَيْ فَسَقَطُوا، وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ مَحَلُّ التَّشْبِيهِ لِأَنَّ الْحَبْلَ لَوْ تَقَطَّعَ غَيْرَ مُلَابِسٍ لِلْمُرْتَقِي عَلَيْهِ لَمَا كَانَ فِي ذَلِكَ ضُرٌّ إِذْ يُمْسِكُ بِالنَّخْلَةِ وَيَتَطَلَّبُ سَبَبًا آخَرَ يَنْزِلُ فِيهِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ وَتَقَطَّعَتْ أَسْبَابُهُمْ أَوْ نَحْوَهُ، فَمَنْ قَالَ إِنَّ الْبَاءَ بِمَعْنَى عَنْ أَوْ لِلسَّبَبِيَّةِ أَوِ التَّعْدِيَةِ فَقَدْ بَعُدَ عَنِ الْبَلَاغَة
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ٩٨
أفنوا العمر في عبادتهم واعتقدوهم أوكد أسباب النجاة
فَبَيَّنَ أَنَّ الَّذِينَ أَفْنَوْا عُمْرَهُمْ عَلَى عِبَادَتِهِمْ وَاعْتَقَدُوا أَنَّهُمْ أَوْكَدُ أَسْبَابِ نَجَاتِهِمْ فإنهم يتبرءون
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٤، ص ١٧٩
علة التبرؤ: عجزهم عن التخليص وتقطع أسباب الخلاص
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ الْمَتْبُوعِينَ يَتَبَرَّءُونَ مِنَ الْأَتْبَاعِ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَبَيَّنَ تَعَالَى مَا لِأَجْلِهِ يَتَبَرَّءُونَ مِنْهُمْ وَهُوَ عَجْزُهُمْ عَنْ تَخْلِيصِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ الَّذِي رَأَوْهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ يَدْخُلُ فِي مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا إِلَى تَخْلِيصِ أَنْفُسِهِمْ وَأَتْبَاعِهِمْ سَبَبًا
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٤، ص ١٨٠
زوال كل سبب يمكن أن يُتعلَّق به
السَّابِعُ: أَسْبَابُ النَّجَاةِ تَقَطَّعَتْ عَنْهُمْ وَالْأَظْهَرُ دُخُولُ الْكُلِّ فِيهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ كَالنَّفْيِ فَيَعُمُّ الْكُلَّ فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَزَالَ عَنْهُمْ كُلُّ سَبَبٍ يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِه
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٤، ص ١٨٠
معنى التبرؤ: إظهار التخلص من وصلة أو اشتباك
ثم أبدل من {إذ يرون} قوله: {إذ تبرأ} وهو من التبرؤ الذي هو طلب البراءة وإيقاعها بجد واجتهاد، وهي إظهار التخلص من وصلة أو اشتباك {الذين اتُّبعوا} أي مع اتباع غيرهم لهم، وهم الرؤساء {من الذين اتَّبعوا} مع نفعهم لهم في الدنيا بالاتباع لهم والذب عنهم.
نظم الدرر، البقاعي، جـ2، ص ٣٠٨
نقلاً عن الحرالي: سر اتصال التبرؤ بقبض القوة
إنما تعلق التابع بالمتبوع ليعيذه في الآخرة كما كان عهد منه أن يعيذه في الدنيا فيتبرأ منه لما ذكر تعالى من {أن القوة لله جميعاً} ولذلك اتصل ذكر التبرؤ بذكر قبض القوة والقدرة عنهم - انتهى.
نظم الدرر، البقاعي، جـ2، ص ٣٠٩
نقلاً عن الحرالي: كانوا نظام أسباب فانتثروا
قال الحرالي: وفيه إشعار بخلوّ بواطنهم من التقوى ومن استنادهم إلى الله سبحانه وتعالى في دنياهم، وأنهم لم يكونوا عقلوا إلا تسبب بعضهم ببعض فتقطعت بهم الأسباب ولم يكن لهم، لأن ذلك واقع بهم في أنفسهم لا واقع لهم في غيرهم، فكأنهم كانوا نظام أسباب تقطعت بهم فانتثروا منها، وأسبابهم وصل ما بينهم في الدنيا التي لم تثبت في الآخرة، لأنها من الوصل الفانية لا من الوصل الباقية
نظم الدرر، البقاعي، جـ2، ص ٣١٠

على البقرة ١٦٧

تمني الرجعة للتبرؤ وهيهات فات الأمر
وحينئذ يتمنى التابعون أن يردوا إلى الدنيا فيتبرأوا من متبوعيهم, بأن يتركوا الشرك بالله, ويقبلوا على إخلاص العمل لله، وهيهات, فات الأمر, وليس الوقت وقت إمهال وإنظار، ومع هذا, فهم كذبة, فلو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، وإنما هو قول يقولونه, وأماني يتمنونها, حنقا وغيظا على المتبوعين لما تبرأوا منهم
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 84 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
الأعمال حسرات: بطلان المتعلق ببطلان متعلقه
ورجوا غير مرجو, وتعلقوا بغير متعلق, فبطلت الأعمال ببطلان متعلقها، ولما بطلت وقعت الحسرة بما فاتهم من الأمل فيها, فضرتهم غاية الضرر، وهذا بخلاف من تعلق بالله الملك الحق المبين, وأخلص العمل لوجهه, ورجا نفعه
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 84 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
معنى تمني الكرة: العودة ليتبرأوا من رؤسائهم شفاءً للغيظ وليذوق الرؤساء الخيبة
وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ تَمَنَّوْا أَنْ يَعُودُوا إِلَى الدُّنْيَا بعد مَا عَلِمُوا الْحَقِيقَةَ وَانْكَشَفَ لَهُمْ سُوءُ صَنِيعِهِمْ فَيَدْعُوهُمُ الرُّؤَسَاءُ إِلَى دِينِهِمْ فَلَا يُجِيبُونَهُمْ لِيُشْفُوا غَيْظَهُمْ مِنْ رُؤَسَائِهِمُ الَّذِينَ خَذَلُوهُمْ وَلِتَحْصُلَ لِلرُّؤَسَاءِ خَيْبَةٌ وَانْكِسَارٌ كَمَا خَيَّبُوهُمْ فِي الْآخِرَةِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ٩٩
اشتقاق الحسرة من الحسر وهو الكشف: انكشاف الواقع سبب الندامة
وَالْحَسْرَةُ حُزْنٌ فِي نَدَامَةٍ وَتَلَهُّفٍ وَفِعْلُهُ كَفَرِحَ وَاشْتِقَاقُهَا مِنَ الْحَسْرِ وَهُوَ الْكَشْفُ لِأَنَّ الْكَشْفَ عَنِ الْوَاقِعِ هُوَ سَبَبُ النَّدَامَةِ عَلَى مَا فَاتَ مِنْ عَدَمِ الْحَيْطَةِ لَهُ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ١٠٠
«وما هم بخارجين من النار»: لا فائدة في التمني إلا إدخال ألم الحسرات
لِأَنَّهُمْ إِذَا كَانُوا لَا يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ تَعَيَّنَ أَنَّ تَمَنِّيَهُمُ الرُّجُوعَ إِلَى الدُّنْيَا وَحُدُوثَ الْخَيْبَةِ لَهُمْ مَنْ صُنْعِ رُؤَسَائِهِمْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ إِلَّا إِدْخَالُ أَلَمِ الْحَسَرَاتِ عَلَيْهِمْ وَإِلَّا فَهُمْ بَاقُونَ فِي النَّارِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ١٠٠
تمنّي الكرّة ليتبرؤوا كما تُبُرِّئ منهم
فَذَلِكَ تَمَنٍّ مِنْهُمْ لِأَنْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ الرَّجْعَةِ إِلَى الدُّنْيَا وَإِلَى حَالِ التَّكْلِيفِ فَيَكُونُ الاختيار إليهم حتى يتبرءون منهم في الدنيا كما تبرؤا مِنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَفْهُومُ الْكَلَامِ أَنَّهُمْ تَمَنَّوْا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا مَا يُقَارِبُ الْعَذَابَ فَيَتَبَرَّءُونَ مِنْهُمْ وَلَا يُخَلِّصُونَهُمْ وَلَا يَنْصُرُونَهُمْ كَمَا فَعَلُوا بِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَة
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٤، ص ١٨١
الحسرة: شدة الندامة حتى يبقى كالحسير
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَالَ الزَّجَّاجُ: الْحَسْرَةُ شِدَّةُ النَّدَامَةِ حَتَّى يَبْقَى النَّادِمُ كَالْحَسِيرِ مِنَ الدَّوَابِّ، وَهُوَ الَّذِي لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ، يُقَالُ: حَسِرَ فُلَانٌ يَحْسِرُ حَسْرَةً وَحَسْرًا إِذَا اشْتَدَّ نَدَمُهُ عَلَى أَمْرٍ فَاتَه
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٤، ص ١٨٢
تمني المحال حيث لا ينفع الندم
{وقال الذين اتبعوا} وهم الأذناب متمنين للمحال ندماً على اتباع من لا ينفع حيث لا ينفع الندم {لو أن لنا كرة} أي رجعة
نظم الدرر، البقاعي، جـ2، ص ٣١٠
نقلاً عن الحرالي: تعلقوا بموهوم فتحسروا على موهوم
وقال الحرالي: فيه إنباء عن تأسفهم على اتباع من دون ربهم ممن اتبعوا وإجراء لتأسفهم على وجه متوهم غير محقق على حد ما كان تمسكهم بهم متوهم انتفاع غير محقق، ففيه إثبات لحالهم في الآخرة على ما كان ينالهم في الدنيا من الأخذ بالموهوم والغيبة عن المعلوم - انتهى.
نظم الدرر، البقاعي، جـ2، ص ٣١١
نقلاً عن الحرالي: من غلب على سره شيء فهو ربه
وفيه إشعار بأن عمل كل عامل مردود إنى ما اطمأن به قلبه وسكنت إليه نفسه وتعلق به خوفه ورجاؤه، فمن غلب على سره شيء فهو ربه الذي يصرف عمله إليه، فلا يجد عنده جزاء لتبرؤه منه فيصير حسرة عليه
نظم الدرر، البقاعي، جـ2، ص ٣١٢
آثار أقدام كثيرة في رمل ذهبي تتبع أثراً واحداً ثم تتفرق كلها عند حافة منحدر مظلم
المحطة الثانية

من هم الذين اتُّبعوا؟

المألوف الموروث… والسادة والكبراء
۞
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ
البقرة ١٧٠
يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا
الأحزاب ٦٦
وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا
الأحزاب ٦٧
رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا
الأحزاب ٦٨
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
بابان يدخل منهما الاتباعُ الأعمى. الأول: المألوف — «بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا» بلا تأمل ولا تدبر، ومثّله البقاعي بمن تبع أعمى في طريقٍ وعر، وسوّى الرازي بينه وبين وساوس الشيطان. والثاني: السادة والكبراء — وصف ابن عاشور شأن الدهماء: يسوّدون من يُعجَبون بأضغاث أحلامه ثم يعودون عليه باللائمة، وما تأتّى للكبراء الإضلالُ إلا بالطاعة العمياء. وفي الآخرة يقولها أصحابها صريحةً: إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا — فيتضاعف العذاب: ضِعفٌ بالضلال وضعفٌ بالإضلال.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على البقرة ١٧٠

تقليد الآباء شبهة واهية لرد الحق
رغبوا عن ذلك وقالوا: {بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} فاكتفوا بتقليد الآباء, وزهدوا في الإيمان بالأنبياء، ومع هذا فآباؤهم أجهل الناس, وأشدهم ضلالًا وهذه شبهة لرد الحق واهية، فهذا دليل على إعراضهم عن الحق
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 85 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
تفظيع حال المشركين: تشبثوا بما ألفوا عليه آباءهم دون تأمل ولا تدبر
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْمَعْطُوفَةِ زِيَادَةُ تَفْظِيعٍ لِحَالِ أَهْلِ الشِّرْكِ، فَبَعْدَ أَنْ أَثْبَتَ لَهُمُ اتِّبَاعَهُمْ خُطْوَاتِ الشَّيْطَانِ فِيمَا حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، أَعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ إِعْرَاضِهِمْ عَمَّنْ يَدْعُوهُمْ إِلَى اتِّبَاعِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَتَشَبَّثُوا بِعَدَمِ مُخَالَفَتِهِمْ مَا أَلْفَوْا عَلَيْهِ آبَاءَهُمْ، وَأَعْرَضُوا عَنِ الدَّعْوَةِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ دُونَ تَأَمُّلٍ وَلَا تَدَبُّرٍ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ١٠٦
«بل» إضراب إبطال: إعراض عن دعوة الرسول بدون حجة إلا مخالفة المألوف
بَلْ إِضْرَابُ إِبْطَالٍ، أَيْ أَضْرَبُوا عَنْ قَوْلِ الرَّسُولِ، اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، إِضْرَابَ إِعْرَاضٍ بِدُونِ حُجَّةٍ إِلَّا بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا أَلْفَوْا عَلَيْهِ آبَاءَهُمْ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ١٠٦
الاستفهام في «أولو كان آباؤهم لا يعقلون» للرد والتخطئة والتعجيب
فَإِنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَمَّا حَكَاهُ عَنْهُمْ رَدَّ قَوْلَهُمْ هَذَا بِاسْتِفْهَامٍ يُقْصَدُ مِنْهُ الرَّدُّ ثُمَّ التَّعْجِيبُ، فَالْهَمْزَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْإِنْكَارِ كِنَايَةً وَفِي التَّعْجِيبِ إِيمَاءً، وَالْمُرَادُ بِالْإِنْكَارِ الرَّدُّ وَالتَّخْطِئَةُ لَا الْإِنْكَارُ بِمَعْنَى النَّفْيِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ١٠٦
التفات القرآن: انظروا إلى هؤلاء ماذا يقولون
فَعَدَلَ عَنِ الْمُخَاطَبَةِ إِلَى الْمُغَايَبَةِ عَلَى طَرِيقِ الِالْتِفَاتِ مُبَالَغَةً فِي بَيَانِ ضَلَالِهِمْ، كَأَنَّهُ يَقُولُ لِلْعُقَلَاءِ: انْظُرُوا إِلَى هَؤُلَاءِ الْحَمْقَى مَاذَا يَقُولُون
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٥، ص ١٨٨
عارضوا الدلالة بالتقليد
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: مَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَمَرَهُمْ بِأَنْ يَتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّه مِنَ الدَّلَائِلِ الْبَاهِرَةِ فَهُمْ قَالُوا لَا نَتَّبِعُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا نَتَّبِعُ آبَاءَنَا وَأَسْلَافَنَا، فَكَأَنَّهُمْ عَارَضُوا الدَّلَالَةَ بِالتَّقْلِيد
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٥، ص ١٨٨
لا فرق بين وساوس الشيطان ومتابعة التقليد
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إِنَّمَا ذَكَرَ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ عَقِيبَ الزَّجْرِ عَنِ اتِّبَاعِ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ، تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مُتَابَعَةِ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ، وَبَيْنَ متابعة التَّقْلِيدِ، وَفِيهِ أَقْوَى دَلِيلٍ عَلَى وُجُوبِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَال
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٥، ص ١٨٩
نقلاً عن الحرالي: عوائد الآباء منهية حتى يشهد لها شاهد أبوة الدين
قال: ففيه إشعار بأن عوائد الآباء منهية حتى يشهد لها شاهد أبوة الدين ففيه التحذير في رتب ما بين حال الكفر إلى أدنى الفتنة التي شأن الناس أن يتبعوا فيها عوائد آبائهم - انتهى.
نظم الدرر، البقاعي، جـ2، ص ٣٣٠
مثل المقلد: كمن تبع أعمى في طريق وعر
ولما كان التقدير: فمثلهم حينئذ كمن تبع أعمى في طريق وعر خفي في فلوات شاسعة كثيرة الخطر عطف عليه ما يرشد إلى تقديره من قوله منبهاً على أنهم صاروا بهذا كالبهائم بل أضل لأنها وإن كانت لا تعقل فهي تسمع وتبصر فتهتدي إلى منافعها
نظم الدرر، البقاعي، جـ2، ص ٣٣١

على الأحزاب ٦٦

أمنية فات وقتها فلم تفدهم إلا حسرة
{يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا} فسلمنا من هذا العذاب، واستحققنا، كالمطيعين، جزيل الثواب. ولكن أمنية فات وقتها، فلم تفدهم إلا حسرة وندمًا، وهمًّا، وغمًّا، وألمًا.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1201 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
مشهد تقليب الوجوه في النار لتنالها النار على سواء
وَالْمَعْنَى: يَوْمَ تُقَلِّبُ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ وُجُوهَهُمْ فِي النَّارِ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُمْ، أَوْ يَجْعَلُ اللَّهُ ذَلِكَ التَّقَلُّبَ فِي وُجُوهِهِمْ لِتَنَالَ النَّارُ جَمِيعَ الْوَجْهِ كَمَا يُقَلَّبُ الشِّوَاءُ عَلَى الْمَشْوَىلِيَنْضَجَ عَلَى سَوَاءٍ، وَلَوْ كَانَ لَفْحُ النَّارِ مُقْتَصِرًا عَلَى أَحَدِ جَانِبَيِ الْوَجْهِ لَكَانَ لِلْجَانِبِ الْآخَرِ بَعْضُ الرَّاحَةِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ١١٦
«يا ليتنا» تمنٍّ كنائي عن التندم على ما فات وأن الحسرة غير مجدية
وَحَرْفُ يَا فِي قَوْلِهِ: يَا لَيْتَنا لِلتَّنْبِيهِ لِقَصْدِ إِسْمَاعِ مَنْ يُرْثَى لِحَالِهِمْ مِثْلَ يَا حَسْرَتَنا [الْأَنْعَام: 31] . وَالتَّمَنِّي هُنَا كِنَايَةٌ عَنِ التَّنَدُّمِ عَلَى مَا فَاتَ، وَكَذَلِكَ نَحْوُ يَا حَسْرَتَنا أَيْ أَنَّ الْحَسْرَةَ غَيْرُ مُجْدِيَةٍ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ١١٦
يا ليتنا أطعنا: تمنٍّ بعد فوات المحل القابل للعمل
{يقولون} وهم في محل الجزاء وقد فات المحل القابل للعمل، متمنين لما لا يدركون تلافيه لأنهم لا يجدون ما يقدرون أنه يبرد غلتهم من ولي ولا نصير ولا غيرهما سوى هذا التمني: {يا ليتنا أطعنا} أي في الدنيا {الله} أي الذي علمنا الآن أنه الملك الذي لا أمر لأحد معه.
نظم الدرر، البقاعي، جـ15، ص ٤١٨

على الأحزاب ٦٧

طاعة السادة والكبراء تقليداً على الضلال
{وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا} وقلدناهم على ضلالهم، {فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا} كقوله تعالى {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا}
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1201 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
«أطعنا سادتنا» شكاية وتذمر وتمهيد لطلب الانتصاف واعتذار مردود عليهم
وَجُمْلَةُ إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي الشِّكَايَةِ وَالتَّذَمُّرِ، وَهُوَ تَمْهِيدٌ لِطَلَبِ الِانْتِصَافِ مِنْ سَادَتِهِمْ وَكُبَرَائِهِمْ. فَالْمَقْصُودُ الْإِفْضَاءُ إِلَى جُمْلَةِ رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ. وَمَقْصُودٌ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ أَيْضًا الِاعْتِذَارُ وَالتَّنَصُّلُ مِنْ تَبِعَةِ ضَلَالِهِمْ بِأَنَّهُمْ مَغْرُورُونَ مَخْدُوعُون
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ١١٧
شأن الدهماء: يسوّدون من يُعجبون بأضغاث أحلامه ثم يعودون عليه باللائمة
وَهَذَا شَأْنُ الدَّهْمَاءِ أَنْ يُسَوِّدُوا عَلَيْهِمْ مَنْ يُعْجَبُونَ بِأَضْغَاثِ أَحْلَامِهِ، وَيُغَرَّوُنَ بِمَعْسُولِ كَلَامِهِ، وَيَسِيرُونَ عَلَى وَقْعِ أَقْدَامِهِ، حَتَّى إِذَا اجْتَنَوْا ثِمَارَ أَكْمَامِهِ، وَذَاقُوا مَرَارَةَ طَعْمِهِ وَحَرَارَةَ أُوَامِهِ، عَادُوا عَلَيْهِ بِالْلَائِمَةِ وَهُمُ الْأَحِقَّاءُ بِمَلَامِهِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ١١٨
ما تأتّى للكبراء الإضلال إلا بالطاعة العمياء والاشتغال بها عن النظر والاستدلال
لِأَنَّ كُبَرَاءَهُمْ مَا تَأَتَّى لَهُمْ إِضْلَالُهُمْ إِلَّا بِتَسَبُّبِ طَاعَتِهِمُ الْعَمْيَاءِ إِيَّاهُمْ وَاشْتِغَالِهِمْ بِطَاعَتِهِمْ عَنِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ فِيمَا يَدْعُونَهُمْ إِلَيْهِ من فَسَاد وو خامة مَغَبَّةٍ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ١١٨
السادة يُحبّون كحب الله — شاهد الأحزاب في تفسير آية التبرؤ
وَيَجِبُ أَيْضًا حَمْلُهُمْ عَلَى السَّادَةِ مِنَ النَّاسِ لِأَنَّهُمُ الَّذِينَ يَصِحُّ وَصْفُهُمْ مِنْ عِظَمِهِمْ بِأَنَّهُمْ يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ دُونَ الشَّيَاطِينِ وَيُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا [الْأَحْزَابِ: 67]
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٤، ص ١٨٠
ما أضلّنا إلا المجرمون = أطعنا سادتنا وكبراءنا
وَالَّذِي يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ خِطَابٌ فِي الْحَقِيقَةِ قَوْلُهُمْ:وَما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ وَأَرَادُوا بِذَلِكَ مَنْ دَعَاهُمْ إِلَى عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ: رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا [الْأَحْزَابِ: 67]
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٤، ص ٥١٩
ظنوا اتباع الكبراء غير ضلال فبان خلافه
ولما كانوا يظنون أن أتباعهم للكبراء غير ضلال، فبان لهم خلاف ذلك، أكدوا قولهم لذلك وللإعلام بأنهم بذلوا ما كان عندهم من الجهل فصاروا الآن على بصيرة من أمرهم: {إنا أطعنا سادتنا} وقرئ بالجمع بالألف والتاء جمعاً سالماً للجمع المكسر {وكبراءنا فأضلونا} أي فتسبب عن ذلك، أنهم أضلونا بما كان لهم من نفوذ الكلمة
نظم الدرر، البقاعي، جـ15، ص ٤١٩

على الأحزاب ٦٨

الكل مشتركون في العقاب بقدر الجرم
ولما علموا أنهم هم وكبراءهم مستحقون للعقاب، أرادوا أن يشتفوا ممن أضلوهم، فقالوا: {رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا} فيقول اللّه لكل ضعف، فكلكم اشتركتم في الكفر والمعاصي، فتشتركون في العقاب، وإن تفاوت عذاب بعضكم على بعض بحسب تفاوت الجرم.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1201 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
وصف اللعن بالكبر: للكبراء عذاب لكفرهم وعذاب لتسببهم في كفر أتباعهم
وَوُصِفَ اللَّعْنُ بِالْكَثْرَةِ كَمَا وُصِفَ الْعَذَابُ بِالضِّعْفَيْنِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْكُبَرَاءَ اسْتَحَقُّوا عَذَابًا لِكُفْرِهِمْ وَعَذَابًا لِتَسَبُّبِهِمْ فِي كُفْرِ أَتْبَاعِهِمْ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ١١٩
الجواب في الأعراف: لكلٍّ ضعف — الأتباع أيضاً ضوعف عذابهم لتسويد سادتهم
يَعْنِي أَنَّ الْكُبَرَاءَ اسْتَحَقُّوا مُضَاعَفَةَ الْعَذَابِ لِضَلَالِهِمْ وَإِضْلَالِهِمْ وَأَنَّ أَتْبَاعَهُمْ أَيْضا استحقوا مضاعفة الْعَذَابَ لِضَلَالِهِمْ وَلِتَسْوِيدِ سَادَتِهِمْ وَطَاعَتِهِمُ العمياء إيَّاهُم.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ١١٩
ضعفان: ضعف بضلالهم وآخر بإضلالهم
قالوا مبالغين في الرقة وللأستعطاف بإعادة الرب: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا {آتهم ضعفين} أي مثلي عذابنا من وهن قوتنا وشدة المؤثر لذلك مضاعفاً أضعافاً
نظم الدرر، البقاعي، جـ15، ص ٤١٩
شقّان من صخر داكن متقابلان بينهما وادٍ من جمر خافت يتصاعد منه شرر في ليل عاصف
المحطة الثالثة

الحوار المرعب: تبَعٌ ومستكبرون

إنا كنا لكم تبعاً… فهل أنتم مغنون عنا؟
۞
وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ۚ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ ۖ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ
إبراهيم ٢١
وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ
غافر ٤٧
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ۗ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ
سبأ ٣١
قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَاءَكُم ۖ بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ
سبأ ٣٢
وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا ۚ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
سبأ ٣٣
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
مشهدٌ يعيده القرآن ثلاث مرات: الأتباع يلتفتون إلى من اتبعوهم — إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا؟ — والجواب اعتذارٌ وعجز: لو هدانا الله لهديناكم… سواءٌ علينا أجزعنا أم صبرنا. قال ابن عاشور: الغرض من حكاية المجادلة تنبيهُ الناس ليتداركوا شأنهم قبل الفوات، وسمّاه الرازي عذاباً روحانياً: خجالة المتبوعين وافتضاحهم عند أتباعهم. ثم لا ينفع الدفاع: وأسرّوا الندامة لما رأوا العذاب.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على إبراهيم ٢١

حوار الضعفاء والقادة: لا يغني أحد أحداً
فيقول {الضُّعَفَاءُ} أي: التابعون والمقلدون {لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا} وهم: المتبوعون الذين هم قادة في الضلال: {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا} أي: في الدنيا، أمرتمونا بالضلال، وزينتموه لنا فأغويتمونا، {فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} أي: ولو مثقال ذرة، {قَالُوا} أي: المتبوعون والرؤساء {أغويناكم كما غوينا} و {لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ} فلا يغني أحد أحدا
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 742 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
ما لنا من محيص: لا ملجأ ولا مهرب
{سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا} من العذاب {أَمْ صَبَرْنَا} عليه، {مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ} أي: من ملجأ نلجأ إليه، ولا مهرب لنا من عذاب الله.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 742 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
الغرض من وصف مجادلة الفرق يوم القيامة: تنبيه الناس لتدارك شأنهم قبل الفوات
وَقَدْ جِيءَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِوَصْفِ حَالِ الْفِرَقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمُجَادَلَةِ أَهْلِ الضَّلَالَةِ مَعَ قَادَتِهِمْ، وَمُجَادَلَةُ الْجَمِيعِ لِلشَّيْطَانِ، وَكَوْنُ الْمُؤْمِنِينَ فِي شُغُلٍ عَنْ ذَلِكَ بِنُزُلِ الْكَرَامَةِ.وَالْغَرَضُ مِنْ ذَلِكَ تَنْبِيهُ النَّاسِ إِلَى تَدَارُكِ شَأْنِهِمْ قَبْلَ الْفَوَاتِ. فَالْمَقْصُودُ: التَّحْذِيرُ مِمَّا يُفْضِي إِلَى سُوءِ الْمَصِيرِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٣، ص ٢١٦
استفهام الضعفاء توبيخ وتبكيت: أظهروا مكانتكم التي كنتم تغروننا بها
فَعَلِمُوا أَنَّهُمْ قَدْ غَرُّوهُمْ فِي الدُّنْيَا، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ مُسْتَعْمَلٌ فِي التورّك والتوبيخ والتبكيت، أَيْ فَأَظْهِرُوا مَكَانَتَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ الَّتِي كُنْتُمْ تَدَّعُونَهَا وَتَغُرُّونَنَا بِهَا فِي الدُّنْيَا.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٣، ص ٢١٦
جواب المستكبرين اعتذار: ما قصدنا توريطكم وقد ورطنا أنفسنا أيضاً
وَجَوَابُ الْمُسْتَكْبِرِينَ اعْتِذَارٌ عَنْ تَغْرِيرِهِمْ بِأَنَّهُمْ مَا قَصَدُوا بِهِ تَوْرِيطَ أَتْبَاعِهِمْ كَيْفَ وَقَدْ وَرَّطُوا أَنْفُسَهُمْ أَيْضًا، أَيْ لَوْ كُنَّا نَافِعِينَ لَنَفَعْنَا أَنْفُسَنَا.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٣، ص ٢١٧
عذاب روحاني: خجالة المتبوعين وافتضاحهم عند أتباعهم
ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ كَيْفِيَّةَ خَجَالَتِهِمْ عِنْدَ تَمَسُّكِ أَتْبَاعِهِمْ وَكَيْفِيَّةَ افْتِضَاحِهِمْ عِنْدَهُمْ. وَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى الْعَذَابِ الرُّوحَانِيِّ الْحَاصِلِ بِسَبَبِ الْفَضِيحَةِ وَالْخَجَالَة
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٩، ص ٨٢
بروز الأشقياء لموقف العظمة ذليلين مهينين
وَإِنْ كَانُوا مِنَ الْأَشْقِيَاءِ بَرَزُوا لِمَوْقِفِ الْعَظَمَةِ، وَمَنَازِلِ الْكِبْرِيَاءِ ذَلِيلِينَ مَهِينِينَ خَاضِعِينَ خَاشِعِينَ وَاقِعِينَ فِي خِزْيِ الْخَجَالَةِ، وَمَذَلَّةِ الْفَضِيحَةِ، وَمَوْقِفِ الْمَهَانَةِ وَالْفَزَعِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْهَا
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٩، ص ٨٣
اعتراف السادة بالعجز خزيٌ كامل تام
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ اعْتِرَافَ الرُّؤَسَاءِ وَالسَّادَةِ وَالْمَتْبُوعِينَ بِمِثْلِ هَذَا الْعَجْزِ وَالْخِزْيِ وَالنَّكَالِ يُوجِبُ الْخَجَالَةَ الْعَظِيمَةَ وَالْخِزْيَ الْكَامِلَ التَّام
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٩، ص ٨٣
برزوا لله: بدا لهم ما لم يحتسبوا فتقطعت بهم الأسباب
فإن البروز خروج لشيء عما كان ملتبساً به إلى حيث يقع عليه الحس في نفسه، وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون من العذاب، فتقطعت بهم الأسباب {فقال الضعفاء} أي الأتباع
نظم الدرر، البقاعي، جـ10، ص ٤٠٣
كنا لكم تبعاً: كنتم سبب ضلالنا وعادة الأكابر الدفع عن أتباعهم
{إنا كنا} أي كوناً هو كالجبلة {لكم تبعاً} أي تابعين أو ذوي تبع فكنتم سبب ضلالنا، وقد جرت عادة الأكابر بالدفع عن أتباعهم المساعدين لهم على أباطيلهم
نظم الدرر، البقاعي، جـ10، ص ٤٠٤
سواء علينا: لم يبق إلا زيادة العذاب بسوء القالة
ولما كان الموجب لقولهم هذا الجزع، قالوا: {سواء علينا} أي نحن وأنتم {أجزعنا} والجزع: انزعاج النفس بورود ما يغم {أم صبرنا} لا فائدة لنا في واحد منهما لأن الأمر أطم من ذلك فإنه {ما لنا من محيص} يصلح للمصدر والزمان والمكان، أي محيد وزوال عن المكروه على كلا التقديرين، فلم يبق في الجزاء إلا زيادة العذاب بسوء القالة وانتشار السبة
نظم الدرر، البقاعي، جـ10، ص ٤٠٥

على غافر ٤٧

تخاصم أهل النار وتبرؤ المتبوعين
يخبر تعالى عن تخاصم أهل النار، وعتاب بعضهم بعضًا واستغاثتهم بخزنة النار، وعدم الفائدة في ذلك فقال: {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ} يحتج التابعون بإغواء المتبوعين، ويتبرأ المتبوعون من التابعين، {فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ} أي: الأتباع للقادة {لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا} على الحق، ودعوهم إلى ما استكبروا لأجله. {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا} أنتم أغويتمونا وأضللتمونا وزينتم لنا الشرك والشر، {فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ} أي: ولو قليلاً.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1331 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
معنى التحاجّ: إقامة كل فريق حجته بعد وقوع الخلاف بينهم
وَالْتَحَاجُّ: الِاحْتِجَاجُ مِنْ جَانِبَيْنِ فَأَكْثَرَ، أَيْ إِقَامَةُ كُلِّ فَرِيقٍ حُجَّتَهُ وَهُوَ يَقْتَضِي وُقُوعَ خِلَافٍ بَيْنِ الْمُتَحَاجِّينَ إِذِ الْحجَّة تأييد لدعوى لِدَفْعِ الشَّكِّ فِي صِحَّتِهَا.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٤، ص ١٦٠
سؤال الضعفاء ناشئ عما اعتادوه من اللجأ إلى الكبراء في الدنيا فخالوهم مدبرين هناك
وَقَوْلُ الضُّعَفَاءِ لِلْكُبَرَاءِ هَذَا الْكَلَامَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَلَى حَقِيقَته فَهُوَ ناشىء عَمَّا اعْتَادُوهُ مِنَ اللَّجَأِ إِلَيْهِمْ فِي مُهِمِّهِمْ حِينَ كَانُوا فِي الدُّنْيَا فَخَالُوا أَنَّهُمْ يَتَوَلَّوْنَ تَدْبِيرَ أُمُورِهِمْ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ وَلِهَذَا أَجَابَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بِمَا يُفِيدُ أَنَّهُمُ الْيَوْمَ سَوَاءٌ فِي الْعَجْزِ وَعَدَمِ الْحِيلَةِ فَقَالُوا: إِنَّا كُلٌّ فِيها أَيْ لَوْ أَغْنَيْنَا عَنْكُمْ لَأَغْنَيْنَا عَنْ أَنْفُسِنَا.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٤، ص ١٦١
يلهمهم الله هذا القول لافتضاح عجز المستكبرين جزاءً على تعاظمهم
وَتَقْدِيمُ قَوْلِهِمْ: إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً عَلَى طَلَبِ التَّخْفِيفِ عَنْهُمْ مِنَ النَّارِ، مُقَدِّمَةٌ لِلطَّلَبِ لِقَصْدِ تَوْجِيهِهِ وَتَعْلِيلِهِ وَتَذْكِيرِهِمْ بِالْوَلَاءِ الَّذِي بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، يُلْهِمُهُمُ اللَّهُ هَذَا الْقَوْلَ لِافْتِضَاحِ عَجْزِ الْمُسْتَكْبِرِينَ أَنْ يَنْفَعُوا أَتْبَاعَهُمْ تَحْقِيرًا لَهُمْ جَزَاءً عَلَى تَعَاظُمِهِمُ الَّذِي كَانُوا يَتَعَاظَمُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٤، ص ١٦١
مناظرات الرؤساء والأتباع من أهل النار
وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي تِلْكَ الْقِصَّةِ لَمَّا انْجَرَّ إِلَى شَرْحِ أَحْوَالِ النَّارِ، لَا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ عَقِيبَهَا قِصَّةَ الْمُنَاظَرَاتِ الَّتِي تَجْرِي بَيْنَ الرُّؤَسَاءِ وَالْأَتْبَاعِ مِنْ أَهْلِ النَّار
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٧، ص ٥٢٢
سؤالهم مقصوده تخجيل الرؤساء وإيلام قلوبهم
وَاعْلَمْ أَنَّ أُولَئِكَ الْأَتْبَاعَ يَعْلَمُونَ أَنَّ أُولَئِكَ الرُّؤَسَاءَ لَا قُدْرَةَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ التَّخْفِيفِ، وَإِنَّمَا مَقْصُودُهُمْ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ الْمُبَالَغَةُ فِي تَخْجِيلِ أُولَئِكَ الرُّؤَسَاءِ وَإِيلَامِ قُلُوبِهِمْ، لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ سَعَوْا فِي إِيقَاعِ هَؤُلَاءِ الْأَتْبَاعِ فِي أَنْوَاعِ الضَّلَالَات
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٧، ص ٥٢٢
لو قدرتُ لدفعته عن نفسي: يأس الأتباع من المتبوعين
فَعِنْدَ هَذَا يَقُولُ الرُّؤَسَاءُ إِنَّا كُلٌّ فِيها يَعْنِي أَنَّ كُلَّنَا وَاقِعُونَ فِي هَذَا الْعَذَابِ، فَلَوْ قَدَرْتُ عَلَى إِزَالَةِ الْعَذَابِ عَنْكَ لَدَفَعْتُهُ عَنْ نَفْسِي، ثُمَّ يَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ يَعْنِي يُوَصِّلُ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ مِقْدَارَ حَقِّهِ مِنَ النَّعِيمِ أَوْ مِنَ الْعَذَابِ، ثُمَّ عِنْدَ هَذَا يَحْصُلُ الْيَأْسُ لِلْأَتْبَاعِ مِنَ الْمَتْبُوعِين
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٧، ص ٥٢٢
التحاجّ في النار: تخاصم لا يغني
واذكر لهم ما يكون في الزمن الآتي حين {يتحاجون} أي هؤلاء الذين نعذبهم {في النار} أي يتخاصمون فيما أتباعهم ورؤساؤهم بما لا يغنيهم: {فيقول الضعفاء} أي الأتباع
نظم الدرر، البقاعي، جـ17، ص ٨٢
إنا كنا لكم تبعاً: تكبرتم على الناس بنا
ولما كانوا لشدة ما هم فيه يتبرأ كل منهم من صاحبه. أكدوا قولهم: {إنا كنا لكم} أي دون غيركم {تبعاً} أي أتباعاً، فتكبرتم على الناس بنا
نظم الدرر، البقاعي، جـ17، ص ٨٣

على سبأ ٣١

تراجع الرؤساء والأتباع عند الوقوف بين يدي الله
وأنك لو رأيت حالهم إذا وقفوا عند ربهم, واجتمع الرؤساء والأتباع في الكفر والضلال, لرأيت أمرا عظيما وهولا جسيما، ورأيت كيف يتراجع, ويرجع بعضهم إلى بعض القول، فـ{يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} وهم الأتباع {لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا} وهم القادة: {لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} ولكنكم حُلْتُم بيننا وبين الإيمان, وزينتم لنا الكفران, فتبعناكم على ذلك، ومقصودهم بذلك أن يكون العذاب على الرؤساء دونهم.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1216 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
حالة غريبة: جرأة المستضعفين على المستكبرين وتنبههم من الغفلة بعد فوات الأوان
لِأَنَّهَا حَالَةٌ غَرِيبَةٌ لِمَا فِيهَا مِنْ جُرْأَةِ الْمُسْتَضْعَفِينَ عَلَى الْمُسْتَكْبِرِينَ وَمِنْ تَنَبُّهِ هَؤُلَاءِ مِنْ غَفْلَتِهِمْ عَمَّا كَانَ الْمُسْتَكْبِرُونَ يَغُرُّونَهُمْ بِهِ حَتَّى أَوْقَعُوهُمْ فِي هَذَا الْمَأْزِقِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ٢٠٥
الضعف المجازي: حالة الاحتياج إلى من يضطلع بشؤونهم ويصرفهم كيف يشاء
وَالضَّعْفُ هُنَا الضَّعْفُ الْمَجَازِيُّ وَهُوَ حَالَة الِاحْتِيَاج فِي الْمُهِمَّات إِلَى من يضطلع بشؤونهم وَيَذُبُّ عَنْهُمْ وَيُصَرِّفُهُمْ كَيْفَ يَشَاءُ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ٢٠٥
«لولا أنتم لكنا مؤمنين»: ادعوا أن وجود المستكبرين نفسه مانعهم من الإيمان
وَقَدْ جَاءَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ رَبْطُ التَّعْلِيقِ بِضَمِيرِ «الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا» فَاقْتضى أَن الْمُسْتَضْعَفِينَ ادّعوا أَن وجود المستكبرين مَانع لَهُم أَن يَكُونُوا مُؤمنين.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ٢٠٦
موقوفون يتراجعون القول: كان ذلك بسببك
وَعَدَ نَبِيَّهُ عليه الصلاة والسلام بِأَنَّهُ يَرَاهُمْ عَلَى أَذَلِّ حَالٍ مَوْقُوفِينَ لِلسُّؤَالِ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ كَمَا يَكُونُ عَلَيْهِ حَالُ جَمَاعَةٍ أَخْطَئُوا فِي أَمْرٍ يَقُولُ بَعْضُهُمْ كَانَ ذَلِكَ بِسَبَبِكَ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ الْآخَرُ مِثْلَ ذَلِك
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٥، ص ٢٠٧
بدأ بالأتباع لأن المضلّ أولى بالتوبيخ
ثُمَّ بَدَأَ بِالْأَتْبَاعِ لِأَنَّ الْمُضِلَّ أَوْلَى بِالتَّوْبِيخِ فَقَالَ: يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ/ كُفْرَهُمْ كَانَ لِمَانِعٍ لَا لِعَدَمِ الْمُقْتَضِي
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٥، ص ٢٠٧
سبب الخصام: مواددتهم في الدنيا بطاعة بعضهم لبعض في المعاصي
{يرجع بعضهم} أي على وجه الخصام عداوة. وكان سببها مواددتهم في الدنيا بطاعة بعضهم لبعض في معاصي الله، قال القشيري: ومن عمل بالمعاصي أخرج الله عليه كل من هو أطوع له
نظم الدرر، البقاعي، جـ15، ص ٥٠٩

على سبأ ٣٢

جواب المستكبرين: بل كنتم مختارين للإجرام
{قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} مستفهمين لهم ومخبرين أن الجميع مشتركون في الجرم: {أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ} أي: بقوتنا وقهرنا لكم. {بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ} أي: مختارين للإجرام, لستم مقهورين عليه, وإن كنا قد زينا لكم, فما كان لنا عليكم من سلطان.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1216 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
إنكار المستكبرين بهتان بعثه خوف التبعة وفرط الغضب من انتقاض أتباعهم عليهم
وَهَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْإِنْكَارِ على قَول الْمُسْتَضْعَفِينَ تبرّؤا مِنْهُ. وَهَذَا الْإِنْكَارُ بُهْتَانٌ وَإِنْكَارٌ لِلْوَاقِعِ بَعَثَهُ فِيهِمْ خَوْفُ إِلْقَاءِ التَّبِعَةِ عَلَيْهِمْ وَفَرْطُ الْغَضَبِ وَالْحَسْرَةِ مِنِ انْتِقَاضِ أَتْبَاعِهِمْ عَلَيْهِمْ وَزَوَالِ حُرْمَتِهِمْ بَيْنَهُمْ فَلَمْ يَتَمَالَكُوا أَنْ لَا يُكَذِّبُوهُمْ وَيَذِيلُوا بِتَوْرِيطِهِمْ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ٢٠٦
«بل كنتم مجرمين» مكابرة وسفسطة فقد كانوا يصدون الدهماء ويختلقون لهم المعاذير
وَحَاصِلُ الْمَعْنَى: أَنَّ حَالَنَا وَحَالَكُمْ سَوَاءٌ، كُلُّ فَرِيقٍ يَتَحَمَّلُ تَبِعَةَ أَعْمَالِهِ فَإِنَّ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ كَانَ مُعْرِضًا عَنِ الْإِيمَانِ. وَهَذَا الِاسْتِدْلَالُ مُكَابَرَةٌ مِنْهُمْ وَبُهْتَانٌ وَسَفْسَطَةٌ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَصُدُّونَ الدَّهْمَاءَ عَنِ الدِّينِ وَيَخْتَلِقُونَ لَهُمُ الْمَعَاذِيرَ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ٢٠٧
ردّ المستكبرين: لم يصدر منا مانع راجح
يَعْنِي الْمَانِعُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ رَاجِحًا عَلَى الْمُقْتَضِي حَتَّى يَعْمَلَ عَمَلَهُ، وَالَّذِي جَاءَ بِهِ هُوَ الْهُدَى، وَالَّذِي صَدَرَ مِنَ الْمُسْتَكْبِرِينَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا يُوجِبُ الِامْتِنَاعَ مِنْ قَبُولِ مَا جَاءَ بِهِ فَلَمْ يَصِحَّ تَعْلِيلُكُمْ بِالْمَانِع
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٥، ص ٢٠٨
كفرهم إجرام إذ لا عذر لهم
ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ كُفْرَهُمْ كَانَ إِجْرَامًا مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْمَعْذُورَ لَا يَكُونُ مَعْذُورًا إِلَّا لِعَدَمِ الْمُقْتَضِي أَوْ لِقِيَامِ المانع ولم يوجد شيء منهما
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٥، ص ٢٠٨
جواب المستكبرين: إنكار وتحميل للتبعة
{قال الذين استكبروا} على طريق الاستئناف {للذين استضعفوا} رداً عليهم وإنكاراً لقولهم أنهم هم الذين صدوهم: {أنحن} خاصة {صددناكم} أي منعناكم وصرفناكم {عن الهدى} ولما كانوا لا يؤاخذون بإهمال دليل العقل قبل إتيان الرسل، أشاروا إلى ذلك بقولهم: {بعد إذ جاءكم} أي على ألسنة الرسل.
نظم الدرر، البقاعي، جـ15، ص ٥١٠

على سبأ ٣٣

لم تفد المراجعة شيئاً إلا تبري بعضهم من بعض
فلم تفد تلك المراجعة بينهم شيئا إلا تبري بعضهم من بعض, والندامة العظيمة, ولهذا قال: {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ} أي: زال عنهم ذلك الاحتجاج الذي احتج به بعضهم على بعض لينجو بعض من العذاب, وعلم أنه ظالم مستحق له، فندم كل منهم غاية الندم, وتمنى أن لو كان على الحق, وأنه ترك الباطل الذي أوصله إلى هذا العذاب
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1217 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
«مكر الليل والنهار» كناية عن دوام الإلحاح عليهم في التمسك بالشرك
وَالْمَعْنَى: مُلَازَمَتُهُمُ الْمَكْرَ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ دَوَامِ الْإِلْحَاحِ عَلَيْهِمْ فِي التَّمَسُّكِ بِالشِّرْكِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ٢٠٩
تطاول المستضعفين على مستكبريهم حين علموا كذبهم — ونظيره «إذ تبرأ الذين اتبعوا»
وَهَذَا تَطَاوُلٌ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ عَلَى مُسْتَكْبِرِيهِمْ لَمَّا رَأَوْا قِلَّةَ غَنَائِهِمْ عَنْهُمْ وَاحْتَقَرُوهُمْحِينَ عَلِمُوا كَذِبَهُمْ وَبُهْتَانَهُمْ.وَقَدْ حُكِيَ نَظِيرُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الْآيَتَيْنِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [166]
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ٢٠٩
«وأسروا الندامة»: أيقنوا بالخيبة وأخفوها طمعاً في الصرف أو اتقاءً للفضيحة
فَعَلِمُوا أَنَّ ذَلِكَ التَّرَامِيَ الْوَاقِعَ بَيْنَهُمْ لَمْ يُغْنِ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ شَيْئًا، فَحِينَئِذٍ أَيْقَنُوا بِالْخَيْبَةِ وَنَدِمُوا عَلَى مَا فَاتَ مِنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَكَأَنَّهُمْ أَسَرُّوا النَّدَامَةَ اسْتِبْقَاءً لِلطَّمَعِ فِي صَرْفِ ذَلِكَ عَنْهُمْ أَوِ اتِّقَاءً لِلْفَضِيحَةِ بَيْنَ أَهْلِ الْمَوْقِف
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ٢٠٩
أمرُكم إيانا بالكفر كان جزء السبب
اعْتَرَفَ الْمُسْتَضْعَفُونَ بِهِ وَقَالُوا:بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ مَنَعَنَا ثُمَّ قَالُوا لَهُمْ إِنَّكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مَا أَتَيْتُمْ بِالصَّارِفِ الْقَطْعِيِّ وَالْمَانِعِ الْقَوِيِّ وَلَكِنِ انْضَمَّ أَمْرُكُمْ إِيَّانَا بِالْكُفْرِ إِلَى طُولِ الْأَمَدِ وَالِامْتِدَادِ فِي الْمَدَدِ فَكَفَرْنَا فَكَانَ قَوْلُكُمْ جُزْءَ السَّبَب
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٥، ص ٢٠٨
إسرار الندامة عند مجيء العذاب الشاغل
مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ يَتَرَاجَعُونَ الْقَوْلَ فِي الْأَوَّلِ، ثُمَّ إِذَا جَاءَهُمُ الْعَذَابُ الشَّاغِلُ يُسِرُّونَ ذَلِكَ التَّرَاجُعَ الدَّالَّ عَلَى النَّدَامَة
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٥، ص ٢٠٨
لما رأوا العذاب تركوا الندم وجُعلت الأغلال
بَلْ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ قَطَعُوا بِأَنَّهُمْ وَاقِعُونَ فِيهِ فَتَرَكُوا النَّدَمَ وَوَقَعُوا فِيهِ فَجَعَلَ الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِهِم
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٥، ص ٢٠٩
وأسروا الندامة: بدا لهم ما لم يكونوا يحتسبون فأبهتهم
لأنهم بينما هم في تلك المقاولة وهم يظنون أنها تغني عنهم شيئاً وإذا بهم قد بدا لهم ما لم يكونوا يحتسبون فأبهتهم فلم يقدروا لفوات المقاصد وخسران النفوس أن نسبوا بكلمة
نظم الدرر، البقاعي، جـ15، ص ٥١١
قشرة بيضة مفتوحة فارغة على صخرة داكنة يمتد منها ظل طويل في ضوء مغيب أحمر
المحطة الرابعة

حتى الشيطان يتبرأ

رأس المضلّين يخطب في أتباعه: فلا تلوموني ولوموا أنفسكم
۞
وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ ۖ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
إبراهيم ٢٢
وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ
الزخرف ٣٦
وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ
الزخرف ٣٧
حَتَّىٰ إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ
الزخرف ٣٨
وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ
الزخرف ٣٩
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
رأس المضلّين نفسه يقف خطيباً حيث لا ينفع الإذعان: ما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي — فلا تلوموني ولوموا أنفسكم، ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخيّ. قال ابن عاشور: المقصود من حكاية الموقف إثارةُ بغض الشيطان ليأخذ الناسُ حذرهم — أصلٌ عظيم في الموعظة. ومن يعشُ عن الذكر يُقيَّض له قرينٌ ملازم كقيض البيضة للفرخ، يصدُّه وهو يحسب أنه مهتد — حتى يقولها يوم اللقاء: يا ليت بيني وبينك بُعد المشرقين، فبئس القرين. ولا عزاء بالشركة: ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على إبراهيم ٢٢

خطبة إبليس: فلا تلوموني ولوموا أنفسكم
{وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ} أي: من حجة على تأييد قولي، {إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} أي: هذا نهاية ما عندي أني دعوتكم إلى مرادي وزينته لكم، فاستجبتم لي اتباعا لأهوائكم وشهواتكم، فإذا كانت الحال بهذه الصورة {فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ} فأنتم السبب وعليكم المدار في موجب العقاب، {مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ} أي: بمغيثكم من الشدة التي أنتم بها {وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} كل له قسط من العذاب.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 743 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
الشيطان يتبرأ من حزبه إذا دخلوا النار
وهذا من لطف الله بعباده ،أن حذرهم من طاعة الشيطان وأخبر بمداخله التي يدخل منها على الإنسان ومقاصده فيه، وأنه يقصد أن يدخله النيران، وهنا بين لنا أنه إذا دخل النار وحزبه أنه يتبرأ منهم هذه البراءة، ويكفر بشركهم
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 743 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
المقصود من الموقف: إثارة بغض الشيطان ليأخذ الناس حذرهم — أصل عظيم في الموعظة والتربية
وَالْمَقْصُودُ مِنْ وَصْفِ هَذَا الْمَوْقِفِ إِثَارَةَ بُغْضِ الشَّيْطَانِ فِي نُفُوسِ أَهْلِ الْكُفْرِ لِيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ بِدِفَاعِ وَسْوَاسِهِ لِأَنَّ هَذَا الْخِطَابَ الَّذِي يُخَاطِبُهُمْ بِهِ الشَّيْطَان مَلِيء بإضمار الشَّرّ لَا لَهُمْ فِيمَا وَعَدَهُمْ فِي الدُّنْيَا مِمَّا شَأْنُهُ أَنْ يَسْتَفِزَّ غَضَبَهُمْ مِنْ كَيْدِهِ لَهُمْ وَسُخْرِيَتِهِ بِهِمْ، فَيُورِثُهُمْ ذَلِكَ كَرَاهِيَةً لَهُ وَسُوءَ ظَنِّهِمْ بِمَا يَتَوَقَّعُونَ إِتْيَانَهُ إِلَيْهِمْ مِنْ قِبَلِهِ. وَذَلِكَ أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي الْمَوْعِظَةِ وَالتَّرْبِيَةِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٣، ص ٢١٨
أنطق الله الشيطان شهادةً عليهم بأن لهم كسباً في اختيار الانصياع لدعوة الضلال
فَيَتَصَدَّى الشَّيْطَانُ لِلتَّخْفِيفِ عَنِ الْمَلَامِ عَنْ نَفْسِهِ بِتَشْرِيكِ الَّذِينَ أَضَلَّهُمْ مَعَهُ فِي تَبِعَةِ ضَلَالِهِمْ، وَقَدْ أَنْطَقَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ لِإِعْلَانِ الْحَقِّ، وَشَهَادَةٍ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ لَهُمْ كَسْبًا فِي اخْتِيَار الانصياع إِلَى دَعْوَةِ الضَّلَالِ دُونَ دَعْوَةِ الْحَقِّ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٣، ص ٢١٨
معنى نفي السلطان: لم أكن مجبراً لكم على اتباعي
وَالسُّلْطَانُ: اسْمُ مَصْدَرِ تَسَلَّطَ عَلَيْهِ، أَيْ غَلَبَهُ وَقَهَرَهُ، أَيْ لَمْ أَكُنْ مُجْبِرًا لَكُمْ عَلَى اتِّبَاعِي فِيمَا أَمَرْتُكُمْ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٣، ص ٢١٩
الإصراخ: الإغاثة — واستقصاء نفي الغناء من الجانبين
وَالْإِصْرَاخُ: الْإِغَاثَةُ، اشْتُقَّ مِنَ الصُّرَاخِ لِأَنَّ الْمُسْتَغِيثَ يَصْرُخُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ، فَقِيلَ:أَصْرَخَهُ، إِذَا أَجَابَ صُرَاخَهُ، كَمَا قَالُوا: أَعْتَبَهُ، إِذَا قَبِلَ اسْتِعْتَابَهُ. وَأَمَّا عَطْفُ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ فَالْمَقْصُودُ مِنْهُ اسْتِقْصَاءُ عَدَمِ غَنَاءِ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٣، ص ٢٢٠
إبليس يقوم في النار خطيباً بعد لومهم وتقريعهم
إِذَا اسْتَقَرَّ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ، أَخَذَ أَهْلُ النَّارِ فِي لَوْمِ إِبْلِيسَ وَتَقْرِيعِهِ فَيَقُومُ فِي النَّارِ فِيمَا بَيْنَهُمْ خَطِيبًا
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٩، ص ٨٤
رجّحتم قولي على الدلائل فاللوم عليكم لا عليّ
يَعْنِي مَا كَانَ مِنِّي إِلَّا الدُّعَاءُ وَالْوَسْوَسَةُ، وَكُنْتُمْ سَمِعْتُمْ دَلَائِلَ اللَّهِ وَشَاهَدْتُمْ مَجِيءَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَكَانَ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَغْتَرُّوا بِقَوْلِي وَلَا تَلْتَفِتُوا إِلَيَّ فَلَمَّا رَجَّحْتُمْ قَوْلِي عَلَى الدَّلَائِلِ الظَّاهِرَةِ كَانَ اللَّوْمُ عَلَيْكُمْ لَا عَلَيَّ فِي هَذَا الْبَاب
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٩، ص ٨٥
الشيطان الأصلي هو النفس
هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّيْطَانَ الْأَصْلِيَّ هُوَ النَّفْسُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ بَيَّنَ أَنَّهُ مَا أَتَى إِلَّا بِالْوَسْوَسَةِ، فَلَوْلَا الْمَيْلُ الْحَاصِلُ بِسَبَبِ الشَّهْوَةِ وَالْغَضَبِ وَالْوَهْمِ وَالْخَيَالِ لَمْ يَكُنْ لِوَسْوَسَتِهِ تَأْثِيرٌ الْبَتَّة
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٩، ص ٨٦
ما أنا بمصرخكم: لا مغيث ولا منقذ
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِمُغِيثِكُمْ وَلَا مُنْقِذِكُمْ، قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الصَّارِخُ الْمُسْتَغِيثُ وَالْمُصْرِخُ الْمُغِيثُ. يُقَالُ: صَرَخَ فلان إذا استغاث وقال: وا غوثاه
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٩، ص ٨٨
الشيطان أعظم المستكبرين يجيب حيث لا ينفع الإذعان
ولما كان الشيطان أعظم المستكبرين، خص بالإفراد بالجواب فقيل: {وقال} أول المتبوعين في الضلال {الشيطان} الذي هو رأس المضلين المستكبرين المقضي ببعده واحتراقه {لما قضي الأمر} بتعين قوم للجنة وقوم للنار، جواباً لقول الأتباع مذعناً حيث لا ينفع الإذعان، ومؤمناً حيث فات نفع الإيمان
نظم الدرر، البقاعي، جـ10، ص ٤٠٦
ما أنا بمصرخكم: تقطع الأسباب حتى مع رأس المضلين
فعلم أني {ما أنا بمصرخكم} أي بمغيثكم فيما يخصكم من العذاب، فآتيكم بما يزيل صراخكم منه {وما أنتم بمصرخي} فيما يخصني منه لتقطع الأسباب، بما دهى من العذاب
نظم الدرر، البقاعي، جـ10، ص ٤٠٨
غاية حكاية المحاورة: الاستعداد قبل الندم وعض اليد
وحكاية هذه المحاورة لتنبيه السامعين على النظر في العواقب والاستعداد لذلك اليوم قبل أن لا يكون إلا الندم وقرع السن وعض اليد.
نظم الدرر، البقاعي، جـ10، ص ٤٠٨

على الزخرف ٣٦

من أعرض عن الذكر قُيِّض له قرين يؤزه
ومن أعرض عنها وردها، فقد خاب وخسر خسارة لا يسعد بعدها أبدا، وقيَّض له الرحمن شيطانا مريدا، يقارنه ويصاحبه، ويعده ويمنيه، ويؤزه إلى المعاصي أزا
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1384 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
معنى «يعش عن ذكر الرحمن»: سماع القرآن دون تدبر ولا قصد انتفاع بمعانيه
فَمَعْنَى وَمَنْ يَعْشُ مَنْ يَنْظُرُ نَظَرًا غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ فِي الْقُرْآنِ، أَيْ مَنْ لَا حَظَّ لَهُ إِلَّا سَمَاعُ كَلِمَاتِ الْقُرْآنِ دُونَ تَدَبُّرٍ وَقَصْدٍ لِلِانْتِفَاعِ بِمَعَانِيهِ، فَشَبَّهَ سَمَاعَ الْقُرْآنِ مَعَ عَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِهِ بِنَظَرِ النَّاظِرِ دُونَ تَأَمُّلٍ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٥، ص ٢٠٩
التقييض مشتق من قيض البيضة: قشر يلازمها حتى يخرج الفرخ — صورة ملازمة القرين
وَالتَّقْيِيضُ: الْإِتَاحَةُ وَتَهْيِئَةُ شَيْءٍ لِمُلَازَمَةِ شَيْءٍ لِعَمَلٍ حَتَّى يُتِمَّهُ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمٍ جَامِدٍ وَهُوَ قَيَّضَ الْبَيْضَةَ، أَيِ الْقِشْرَ الْمُحِيطَ بِمَا فِي دَاخِلِ الْبَيْضَةِ مِنَ الْمُحِّ لِأَنَّ الْقَيْضَ يُلَازِمُ الْبَيْضَةَ فَلَا يُفَارِقُهَا حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهَا الْفَرْخُ فَيَتِمَّ مَا أُتِيحَ لَهُ الْقَيْضُ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٥، ص ٢٠٩
من عشي عن الذكر صار من جلساء الشياطين
وَالْمُرَادُ مِنْهُ التَّنْبِيهُ عَلَى آفات الدنيا، وذلك أن من فار بِالْمَالِ وَالْجَاهِ صَارَ كَالْأَعْشَى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَمَنْ صَارَ كَذَلِكَ صَارَ مِنْ جُلَسَاءِ الشَّيَاطِينِ الضَّالِّينَ الْمُضِلِّين
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٧، ص ٦٣٢
جليس الشيطان في الدنيا وفي القيامة
وَذَلِكَ لِأَنَّ كَثْرَةَ الْمَالِ وَالْجَاهَ تَجْعَلُ الْإِنْسَانَ كَالْأَعْشَى عَنْ مُطَالَعَةِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَنْ صَارَ كَذَلِكَ صَارَ جَلِيسًا لِلشَّيْطَانِ وَمَنْ صَارَ كَذَلِكَ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِ الْهُدَى وَالْحَقِّ وَبَقِيَ جَلِيسَ الشَّيْطَانِ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْقِيَامَة
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٧، ص ٦٣٣
القرين مشدود به كالأسير يزين له العمى
{فهو له قرين} مشدود به كما يشد الأسير، ملازم فلا يمكنه التخلص منه ما دام متعامياً عن ذكر الله، فهو يزين له العمى ويخيل إليه أنه على عين الهدى، كما أن من يستبصر بذكر الرحمن يسخر له ملك فهو له ولي يبشره بكل خير، فذكر الله حصن حصين من الشيطان، متى خرج العبد منه أسره العدو كما ورد في الحديث
نظم الدرر، البقاعي، جـ17، ص ٤٢٨

على الزخرف ٣٧

يصدهم عن السبيل وهم يحسبون أنهم مهتدون
{وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ} أي: الصراط المستقيم، والدين القويم. {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} بسبب تزيين الشيطان للباطل وتحسينه له، وإعراضهم عن الحق، فاجتمع هذا وهذا.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1384 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
تمثيل: استهدى قوماً فضللوه وأسلكوه فيافي التيه وهو يحسب أنه سائر إلى بغيته
وَقَدْ مُثِّلَتْ حَالَةُ الَّذِينَ يَعْشُونَ عَن ذكر الرحمان وَحَالُ مُقَارَنَةِ الشَّيَاطِينِ لَهُمْ بِحَالِ مَنِ اسْتَهْدَى قَوْمًا لِيَدُلُّوهُ عَلَى طَرِيقٍ مُوصِلٍ لِبُغْيَتِهِ فَضَلَّلُوهُ وَصَرَفُوهُ عَنِ السَّبِيلِ وَأَسْلَكُوهُ فِي فَيَافِي التِّيهِ غِشًّا وَخَدِيعَةً، وَهُوَ يَحْسَبُ أَنَّهُ سَائِرٌ إِلَى حَيْثُ يَبْلُغُ طَلِبَتَهُ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٥، ص ٢١٢
«ويحسبون أنهم مهتدون»: يحسب المصدودون أنهم مهتدون بقرنائهم إلى السبيل
فَجُمْلَةُ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ وَإِنَّهُمْ، فَهِيَ فِي مَعْنَى الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي قَوْله فَهُوَ [الزخرف: 36] وَالرَّابِطُ وَاوُ الْحَالِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَيَحْسَبُ الْمَصْدُودُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ بِهِمْ إِلَى السَّبِيلِ.وَالِاهْتِدَاءُ: الْعِلْمُ بِالطَّرِيقِ الْمُوَصِّلِ إِلَى الْمَقْصُود.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٥، ص ٢١٢
الشياطين تصدّهم عن سبيل الهدى والحق
ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ يَعْنِي وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنْ سَبِيلِ الْهُدَى وَالْحَقِّ وَذَكَرَ الْكِنَايَةَ عَنِ الْإِنْسَانِ وَالشَّيَاطِينِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً يُفِيدُ الْجَمْعَ، وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ عَلَى الْوَاحِد
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٧، ص ٦٣٢
يُصدّون وهم يحسبون أنهم مهتدون
وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ يَعْنِي الشَّيَاطِينَ يَصُدُّونَ الْكُفَّارَ عَنِ السَّبِيلِ، وَالْكُفَّارُ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُون
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٧، ص ٦٣٢
يحسبون أنهم مهتدون: سير في المهالك بتزيين القرناء
{ويحسبون} أي العاشون مع سيرهم في المهالك لتزيين القرناء بإحضار الحظوظ والشهوات وإبعاد المواعظ: {أنهم مهتدون} أي عريقون في هذا الوصف لما يستدرجون به من التوسعة عليهم والتضييق على الذاكرين.
نظم الدرر، البقاعي، جـ17، ص ٤٢٩

على الزخرف ٣٨

شر الأحوال: التبري من القرين يوم اللقاء
وأما حاله، إذا جاء ربه في الآخرة، فهو شر الأحوال، وهو: إظهار الندم والتحسر، والحزن الذي لا يجبر مصابه، والتبرِّي من قرينه، ولهذا قال تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ}
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1384 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
«بعد المشرقين» مثل لشدة البعد وإيجاز بديع: نابت كلمة عن ست كلمات
وَعَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ فَهُوَ مَثَلٌ لِشِدَّةِ الْبُعْدِ. وَأُضِيفَ بُعْدَ إِلَى الْمَشْرِقَيْنِ بِالتَّثْنِيَةِ بِتَقْدِيرِ: بَعُدَ لَهُمَا، أَيْ مُخْتَصٌّ بِهِمَا بِتَأْوِيلِ الْبُعْدِ بِالتَّبَاعُدِ وَهُوَ إِيجَازٌ بَدِيعٌ حَصَلَ مِنْ صِيغَةِ التَّغْلِيبِ وَمِنَ الْإِضَافَةِ. وَمُسَاوَاتُهُ أَنْ يُقَالَ بُعْدَ الْمَشْرِقِ مِنَ الْمَغْرِبِ وَالْمَغْرِبِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَنَابَتْ كَلِمَةُ الْمَشْرِقَيْنِ عَنْ سِتِّ كَلِمَاتٍ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٥، ص ٢١٣
«فبئس القرين»: ذم الكافر شيطانه تفصياً — وتفظيع عاقبة كل مقارنة على عمل سيئ العاقبة
وَقَوْلُهُ فَبِئْسَ الْقَرِينُ، بَعْدَ أَنْ تَمَنَّى مُفَارَقَتَهُ فَرَّعَ عَلَيْهِ ذَمًّا فَالْكَافِرُ يَذُمُّ شَيْطَانَهُ الَّذِي كَانَ قَرِينًا، وَيُعَرِّضُ بِذَلِكَ لِلتَّفَصِّي مِنَ الْمُؤَاخَذَةِ، وَإِلْقَاءِ التَّبِعَةِ عَلَى الشَّيْطَانِ الَّذِي أَضَلَّهُ.وَالْمَقْصُودُ مِنْ حِكَايَةِ هَذَا تَفْظِيعُ عَوَاقِبِ هَذِهِ الْمُقَارَنَةِ الَّتِي كَانَتْ شَغَفَ الْمُتَقَارِنِينَ، وَكَذَلِكَ شَأْنُ كُلِّ مُقَارَنَةٍ على عمل سيئ الْعَاقِبَةِ. وَهَذَا مِنْ قِبَلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف: 67]
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٥، ص ٢١٣
شيطانه آخذ بيده يوم البعث فلا يفارقه حتى النار
رُوِيَ أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا بُعِثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ قَبْرِهِ أَخَذَ شَيْطَانُهُ بِيَدِهِ، فَلَمْ يُفَارِقْهُ حَتَّى يُصَيِّرَهُمَا اللَّهُ إِلَى النَّارِ،فَذَلِكَ حَيْثُ يقول يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ وَالْمُرَادُ يَا لَيْتَ حَصَلَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدٌ عَلَى أَعْظَمِ الْوُجُوه
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٧، ص ٦٣٢
بعد المشرقين: مبالغة في تمنّي أعظم بعد
لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ قَوْلِهِ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ الْمُبَالَغَةُ فِي حُصُولِ الْبُعْدِ، وَهَذِهِ الْمُبَالَغَةُ إِنَّمَا تَحْصُلُ عَنْ ذِكْرِ بُعْدٍ لَا يُمْكِنُ وُجُودُ بُعْدٍ آخَرَ أَزْيَدَ مِنْه
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٧، ص ٦٣٣
يا ليت بيني وبينك: تندم لا انتفاع به لفوات دار العمل
{قال} أي العاشي تندماً وتحسراً لا انتفاع له به لفوات محله وهو دار العمل: {يا ليت بيني وبينك} أيها القرين {بعد المشرقين} أي ما بين المشرق والمغرب على التغليب
نظم الدرر، البقاعي، جـ17، ص ٤٣٠

على الزخرف ٣٩

لا تسلي بالاشتراك في العذاب
أي: ولا ينفعكم يوم القيامة اشتراككم في العذاب، أنتم وقرناؤكم وأخلاؤكم، وذلك لأنكم اشتركتم في الظلم، فاشتركتم في عقابه وعذابه. ولن ينفعكم أيضًا، روح التسلي في المصيبة، فإن المصيبة إذا وقعت في الدنيا، واشترك فيها المعاقبون، هان عليهم بعض الهون، وتسلَّى بعضهم ببعض، وأما مصيبة الآخرة، فإنها جمعت كل عقاب، ما فيه أدنى راحة، حتى ولا هذه الراحة. نسألك يا ربنا العافية، وأن تريحنا برحمتك.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1385 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
تقدير الكلام: لا تلقوا التبعة على القرناء فأنتم مؤاخذون بطاعتهم وهم بإضلالكم
وَفِي هَذَا الْكَلَامِ إِشَارَةٌ إِلَى كَلَامٍ مَطْوِيٍّ، وَالتَّقْدِيرُ: لَا تُلْقُوا التَّبِعَةَ عَلَى الْقُرَنَاءِ فَأَنْتُمْ مُؤَاخَذُونَ بِطَاعَتِهِمْ وَهُمْ مُؤَاخَذُونَ بِإِضْلَالِكُمْ وَأَنْتُمْ مُشْتَرِكُونَ فِي الْعَذَابِ وَلَنْ يَنْفَعَكُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ لِأَنَّ عَذَابَ فَرِيقٍ لَا يُخَفِّفُ عَنْ فَرِيق
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٥، ص ٢١٤
تسلي المصاب برؤية أمثاله من أوهام الدنيا، والآخرة عالم الحقائق دون الأوهام
وَأَمَّا مَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ مِنْ تَسَلِّي أَحَدٍ بِرُؤْيَةِ مِثْلِهِ مِمَّنْ مُنِيَ بِمُصِيبَةٍ فَذَلِكَ مِنْ أَوْهَامِ الْبَشَرِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَلَعَلَّ اللَّهَ جَعَلَ لَهُمْ ذَلِكَ رَحْمَةً بِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَأَمَّا الْآخِرَةُ فَعَالَمُ الْحَقَائِقِ دُونَ الْأَوْهَامِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٥، ص ٢١٤
المصيبة إذا عمّت طابت — وهناك لا تنفع
فَقَوْلُهُ أَنَّكُمْ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ يَعْنِي وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ كَوْنُكُمْ مُشْتَرِكِينَ فِي الْعَذَابِ وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ الْمُصِيبَةُ إِذَا عَمَّتْ طَابَت
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٧، ص ٦٣٣
شدة العذاب تُذهل كل واحد عن الآخر
أَنَّ ذَلِكَ الْعَذَابَ شَدِيدٌ فَاشْتِغَالُ كُلِّ وَاحِدٍ بِنَفْسِهِ يُذْهِلُهُ عَنْ حَالِ الْآخَرِ، فَلَا جَرَمَ الشَّرِكَةُ لَا تُفِيدُ الْخِفَّة
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٧، ص ٦٣٤
مجالسة القرين هناك لا توجب سلوة ولا تخفيفاً
فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ الشَّيْطَانَ وَإِنْ كَانَ قَرِينًا إِلَّا أَنَّ مُجَالَسَتَهُ فِي الْقِيَامَةِ لَا تُوجِبُ السَّلْوَةَ وَخِفَّةَ الْعُقُوبَة
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٧، ص ٦٣٤
نعم القرين ينقلب: أنكم في العذاب مشتركون
وكل واحد منكم يقول لصاحبه سروراً به وتقرباً إليه وتودداً: يا ليت أنا لا نفترق أبداً فنعم القرين أنت، فيقال لهم توبيخاً: {أنكم في العذاب} أي العظيم، وقدمه اهتماماً بالزجر به والتخويف منه {مشتركون}
نظم الدرر، البقاعي، جـ17، ص ٤٣١
كوبا شاي بردا على طاولة خشبية مهجورة وقد تساقط عليهما ورق خريف أصفر
المحطة الخامسة

الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو

كل خُلّةٍ تنقلب… إلا واحدة
۞
الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ
الزخرف ٦٧
وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا
الفرقان ٢٧
يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا
الفرقان ٢٨
لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا
الفرقان ٢٩
وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ
العنكبوت ٢٥
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
القاعدة معلنة: الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو — إلا المتقين. الخُلّة التي قامت على الدنيا تنقلب بغضةً ونفرة، ومحبةُ الاشتراك في محبة الله تبقى أقوى وأصفى كما قال الرازي. والصورة الأمرّ: يوم يعض الظالم على يديه — يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً. قال ابن عاشور: لا يخلو مشركٌ من خليل يصدّه إذا همّ بالحق، فيتندم يوم الجزاء ويذكره باسمه. والمودة التي جمعت على الباطل تنقلب لعناً: يوم القيامة يكفر بعضُكم ببعض ويلعن بعضُكم بعضاً.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على الزخرف ٦٧

خلة لغير الله تنقلب يوم القيامة عداوة
وإن الأخلاء يومئذ، أي: يوم القيامة، المتخالين على الكفر والتكذيب ومعصية اللّه، {بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} لأن خلتهم ومحبتهم في الدنيا لغير اللّه، فانقلبت يوم القيامة عداوة. {إِلَّا الْمُتَّقِينَ} للشرك والمعاصي، فإن محبتهم تدوم وتتصل، بدوام من كانت المحبة لأجله
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1390 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
ما ألّب المشركين إلا تناصرهم وتوادّهم في الكفر والتباهي به في نواديهم
وَقَدْ أُوثِرَ بِالذِّكْرِ هُنَا مِنَ الْأَهْوَالِ مَا لَهُ مَزِيدُ تَنَاسُبٍ لِحَالِ الْمُشْرِكِينَ فِي تَأَلُّبِهِمْ عَلَى مناواة الرّسول صلى الله عليه وسلم وَدِينِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُمْ مَا أَلَّبَهُمْ إِلَّا تَنَاصُرُهُمْ وَتَوَادُّهُمْ فِي الْكُفْرِ وَالتَّبَاهِي بِذَلِكَ بَيْنَهُمْ فِي نَوَادِيهِمْ وَأَسْمَارِهِم
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٥، ص ٢٥٢
الأخلاء جمع خليل: من التخلل لأنه كالمتخلل لصاحبه الممتزج به
والْأَخِلَّاءُ: جَمْعُ خَلِيلٍ، وَهُوَ الصَّاحِبُ الْمُلَازِمُ، قِيلَ: إِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّخَلُّلِ لِأَنَّهُ كَالْمُتَخَلِّلِ لِصَاحِبِهِ وَالْمُمْتَزِجِ بِه
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٥، ص ٢٥٢
لا تنقلب الخلة عداوة إلا لمن استخدموها في الإغراء على الشرك والمعاصي
وَتَعْرِيفُ الْأَخِلَّاءُ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ وَهُوَ مُفِيدٌ اسْتِغْرَاقًا عُرْفِيًّا، أَيِ الْأَخِلَّاءُ مِنْ فَرِيقَيِ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ أَوِ الْأَخِلَّاءُ مِنْ قُرَيْشٍ الْمُتَحَدَّثِ عَنْهُمْ، وَإِلَّا فَإِنَّ مِنَ الْأَخِلَّاءِ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ لَا عَدَاوَةَ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَخْدِمُوا خُلَّتَهُمْ فِي إِغْرَاءِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَلَى الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٥، ص ٢٥٣
خُلّة المعصية تصير عداوة يوم القيامة
يَعْنِي أَنَّ الْخُلَّةَ إِذَا كَانَتْ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَالْكُفْرِ صَارَتْ عَدَاوَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا الْمُتَّقِينَ يَعْنِي الْمُوَحِّدِينَ الَّذِينَ يُخَالِلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَى الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى، فَإِنَّ خُلَّتَهُمْ لَا تَصِيرُ عَدَاوَة
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٧، ص ٦٤١
محبة قامت على طلب الدنيا تنقلب بغضة ونفرة
إِذَا عَرَفْتَ هَذَا الْأَصْلَ فَنَقُولُ الَّذِينَ حَصَلَتْ بَيْنَهُمْ مَحَبَّةٌ وَمَوَدَّةٌ فِي الدُّنْيَا، إِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْمَحَبَّةُ لِأَجْلِ طَلَبِ الدُّنْيَا وَطَيِّبَاتِهَا وَلَذَّاتِهَا، فَهَذِهِ الْمَطَالِبُ لَا تَبْقَى فِي الْقِيَامَةِ، بَلْ يَصِيرُ طَلَبُ الدُّنْيَا سَبَبًا لِحُصُولِ الْآلَامِ وَالْآفَاتِ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلَا جَرَمَ تَنْقَلِبُ هَذِهِ الْمَحَبَّةُ الدُّنْيَوِيَّةُ بِغْضَةً وَنَفْرَةً فِي الْقِيَامَة
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٧، ص ٦٤٢
محبة الاشتراك في محبة الله تبقى أقوى وأصفى
أَمَّا إِنْ كَانَ الْمُوجِبُ لِحُصُولِ الْمَحَبَّةِ فِي الدُّنْيَا الِاشْتِرَاكَ فِي مَحَبَّةِ اللَّهِ وَفِي خِدْمَتِهِ وَطَاعَتِهِ، فَهَذَا السَّبَبُ غَيْرُ قَابِلٍ لِلنَّسْخِ وَالتَّغَيُّرِ، فَلَا جَرَمَ كَانَتْ هَذِهِ الْمَحَبَّةُ بَاقِيَةً فِي الْقِيَامَةِ، بَلْ كَأَنَّهَا تَصِيرُ أَقْوَى وَأَصْفَى وَأَكْمَلَ وَأَفْضَلَ مِمَّا كَانَتْ فِي الدُّنْيَا
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٧، ص ٦٤٢
حوار الأخلاء: أنت غررتني فضررتني، بل أنت كبرتني فصغرتني
{بعضهم لبعض عدو} ولما ينكشف لهم من أن تأخيرهم في الحياة هو السبب في عذابهم، فيقول التابع للمتبوع: أنت غررتني فضررتني، ويقول المتبوع: بل أنت كبرتني فصغرتني، ورفعتني فوضعتني، ونحو هذا من الكلام المؤلم أشد الإيلام {إلا المتقين}
نظم الدرر، البقاعي، جـ17، ص ٤٧٦

على الفرقان ٢٧

«مع الرسول سبيلاً»: تمثيل الاقتداء بمسايرة الدليل المسافرَ إلى المكان المقصود
ومَعَ الرَّسُولِ أَيْ مُتَابِعًا لِلرَّسُولِ كَمَا يُتَابِعُ الْمُسَافِرُ دَلِيلًا يَسْلُكُ بِهِ أَحْسَنَ الطُّرُقِ وَأَفْضَاهَا إِلَى الْمَكَانِ الْمَقْصُودِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٩، ص ١٣
العض على اليد كناية عن الندامة
وَالْعَضُّ: الشَّدُّ بِالْأَسْنَانِ عَلَى الشَّيْءِ لِيُؤْلِمَهُ أَوْ لِيُمْسِكَهُ، وَحَقُّهُ التَّعْدِيَةُ بِنَفْسِهِ إِلَّا أَنَّهُ كَثُرَتْ تَعْدِيَتُهُ بِ عَلى لِإِفَادَةِ التَّمَكُّنِ مِنَ الْمَعْضُوضِ إِذَا قَصَدُوا عَضًّا شَدِيدًا كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ.وَالْعَضُّ عَلَى الْيَدِ كِنَايَةٌ عَنِ النَّدَامَة
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٩، ص ١٢
عضّ اليدين: لفظة مشعرة بالتحسر والغم
وَقَالَ أَهْلُ التَّحْقِيقِ هَذِهِ اللَّفْظَةُ مُشْعِرَةٌ بِالتَّحَسُّرِ وَالْغَمِّ، يُقَالُ عَضَّ أَنَامِلَهُ وَعَضَّ عَلَى يَدَيْه
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٤، ص ٤٥٤
العلة الظلم فيعمّ الحكم كل ظالم
فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُؤَثِّرَ فِي الْعَضِّ عَلَى الْيَدَيْنِ كَوْنُهُ ظَالِمًا وَحِينَئِذٍ يَعُمُّ الْحُكْمُ لِعُمُومِ عِلَّتِه
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٤، ص ٤٥٤
يعض الظالم على يديه: كل من أطاع الرسول ولو لحظة حصلت له سعادة بقدرها
{يقول} أي يجدد في كل لحظة قوله: {يا ليتني اتخذت} أي أرغمت نفسي وكلفتها أن آخذ في الدنيا {مع الرسول سبيلاً*} أي عملاً واحداً من الأعمال التي دعاني إليها، وأطعته طاعة ما، لما انكشف لي في هذا اليوم من أن كل من أطاعه ولو لحظة حصلت له سعادة بقدرها
نظم الدرر، البقاعي، جـ13، ص ٣٧٤

على الفرقان ٢٨

سبب النزول: قصة عقبة بن أبي معيط وما أغراه به أبيّ بن خلف
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَهْدِ الْمَخْصُوصِ. وَالْمُرَادُ بِالظُّلْمِ الِاعْتِدَاءُ الْخَاصُّ الْمَعْهُودُ مِنْقِصَّةٍ مُعَيَّنَةٍ وَهِيَ قِصَّةُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ وَمَا أَغْرَاهُ بِهِ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٩، ص ١١
قصة سبب النزول (عقبة بن أبي معيط وأبيّ بن خلف) من مرويات أهل التفسير والسير، أوردها ابن عاشور في الموضع المذكور.
لا يخلو مشرك من خليل يصده عن الإسلام إذا همّ به فيتندم يوم الجزاء ويذكره باسمه
فَيَكُونُ المُرَاد ب (فلَان) الْكِنَايَةَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ فَخُصُوصُهُ يَقْتَضِي لِحَاقَ أَمْثَالِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أَطَاعُوا أَخِلَّتَهُمْ فِي الشِّرْكِ وَلَمْ يَتَّبِعُوا سَبِيلَ الرَّسُولِ، وَلَا يَخْلُو أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَنْ خَلِيلٍ مُشْرِكٍ مِثْلِهِ يَصُدُّهُ عَنْ مُتَابَعَةِ الْإِسْلَامِ إِذا همّ بِهِ وَيُثَبِّتُهُ عَلَى دِينِ الشِّرْكِ فَيَتَنَدَّمُ يَوْمَ الْجَزَاءِ عَلَى طَاعَتِهِ وَيُذْكُرُهُ بِاسْمِهِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٩، ص ١٢
تمنى ألا يكون اتخذه خليلاً أصلاً اشمئزازاً من الخلة التي الإضلال من أحوالها
وَإِنَّمَا تَمَنَّى أَنْ لَا يَكُونَ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا دُونَ تَمَنِّي أَنْ يَكُونَ عَصَاهُ فِيمَا سَوَّلَ لَهُ قَصْدًا لِلِاشْمِئْزَازِ مَنْ خُلَّتِهِ مِنْ أَصِلِهَا إِذْ كَانَ الْإِضْلَالُ مِنْ أَحْوَالِهَا.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٩، ص ١٤
فلانٌ: كل من أُطيع في معصية الله
المسألة الرَّابِعَةُ: كَمَا بَيَّنَّا أَنَّ الظَّالِمَ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِشَخْصٍ وَاحِدٍ بَلْ يَعُمُّ جَمِيعَ الظَّلَمَةِ فَكَذَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فُلَانًا لَيْسَ شَخْصًا وَاحِدًا بَلْ كُلُّ مَنْ أُطِيعَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّه
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٤، ص ٤٥٥
قصة عقبة وخليله: يا ليتني لم أتخذ أمية خليلاً
فَنَزَلَ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِنَدَامَةً يَعْنِي عُقْبَةَ يَقُولُ: يَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ أُمَيَّةَ خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ. أَيْ صَرَفَنِي عَنِ الذِّكْرِ وَهُوَ الْقُرْآنُ وَالْإِيمَان
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٤، ص ٤٥٤
قصة سبب النزول (عقبة وأمية/أبيّ) من مرويات أهل التفسير والسير كما أوردها الرازي في الموضع المذكور.
كنى عن الخليل بفلان إرادة للعموم
ولما تأسف على مجانبة الرسول، تندم على مصادقة غيره بقوله: {يا ويلتي} أي يا هلاكي الذي ليس لي منادم غيره لأنه ليس بحضرتي سواه. ولما كان يريد محالاً، عبر بأداته فقال: {ليتني لم أتخذ فلاناً} يعني الذي أضله - يسميه باسمه، وإنما كنى عنه وهو سبحانه لا يخاف من المناواة، ولا يحتاج إلى المداجاة، إرادة للعموم وإن كانت الآية نزلت في شخص معين
نظم الدرر، البقاعي، جـ13، ص ٣٧٥

على الفرقان ٢٩

علة التمني: صدر عن الخلة أعظم خسران إذ أضله عن الحق بعد أن كاد يتمكن منه
وَجُمْلَةُ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي تَعْلِيلِيَّةٌ لِتَمَنِّيهِ أَنْ لَا يَكُونَ اتَّخَذَ فُلَانًا خَلِيلًا بِأَنَّهُ قَدْ صَدَرَ عَنْ خُلَّتِهِ أَعْظَمُ خُسْرَانٍ لِخَلِيلِهِ إِذْ أَضَلَّهُ عَنِ الْحَقِّ بَعْدَ أَنْ كَادَ يَتَمَكَّنُ مِنْهُ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٩، ص ١٥
«وكان الشيطان للإنسان خذولا» تذييل من كلام الله: هو المسوّل لخليل الظالم إضلال خليله
وَجُمْلَةُ وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا تَذْيِيلٌ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى لَا مِنْ كَلَامِ الظَّالِمِ تَنْبِيهًا لِلنَّاسِ عَلَى أَنَّ كُلَّ هَذَا الْإِضْلَالِ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَهُوَ الَّذِي يُسَوِّلُ لِخَلِيلِ الظَّالِمِ إِضْلَالَ خَلِيلِهِ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ خَذُولُ الْإِنْسَانِ، أَيْ مَجْبُولٌ عَلَى شِدَّةِ خَذْلِهِ.وَالْخَذْلُ: تَرْكُ نَصْرِ الْمُسْتَنْجِدِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى نَصْرِه
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٩، ص ١٦
سمّى خليله شيطاناً: أضلّه ثم خذله
وَالشَّيْطَانُ إِشَارَةٌ إِلَى خَلِيلِهِ سَمَّاهُ شَيْطَانًا لِأَنَّهُ أَضَلَّهُ كَمَا يُضِلُّ الشَّيْطَانُ ثُمَّ خَذَلَهُ وَلَمْ يَنْفَعْهُ فِي الْعَاقِبَة
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٤، ص ٤٥٥
أو أراد كل من تشيطن من الجن والإنس
أَوْ أَرَادَ إِبْلِيسَ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى أَنْ صَارَ خَلِيلًا لِذَلِكَ الْمُضِلِّ وَمُخَالَفَةِ الرَّسُولِ ثُمَّ خَذَلَهُ أَوْ أَرَادَ الْجِنْسَ وَكُلَّ مَنْ تَشَيْطَنَ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْس
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٤، ص ٤٥٥
الخذول: كل من كان سبباً للضلال من عتاة الجن والإنس
{وكان الشيطان} أي كل من كان سبباً للضلال من عتاة الجن والإنس {للإنسان خذولاً*} أي شديد الخذلان يورده ثم يسلمه إلى أكره ما يكره، لا ينصره، ولو أراد لما استطاع، بل هو شر من ذلك، لأن عليه إثمه في نفسه ومثل إثم من أضله.
نظم الدرر، البقاعي، جـ13، ص ٣٧٥

على العنكبوت ٢٥

مودة الأوثان تنقطع ويلعن بعضهم بعضاً
{إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي: غاية ذلك، مودة في الدنيا ستنقطع وتضمحل، {ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} أي: يتبرأ كل من العابدين والمعبودين من الآخر ... فكيف تتعلقون بمن يعلم أنه سيتبرأ من عابديه ويلعنهم؟
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1118 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
وجه الحصر: لم يبق سبب لعبادة الأوثان إلا مودة بعضهم بعضاً الداعية لإباية المخالفة
وَوَجْهُ الْحَصْرِ أَنَّهُ لَمْ تَبْقَ لَهُمْ شُبْهَةٌ فِي عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ بَعْدَ مُشَاهَدَةِ دَلَالَةِ صِدْقِ الرَّسُولِ الَّذِي جَاءَ بِإِبْطَالِهَا فَتَمَحَّضَ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ بَقَائِهِمْ عَلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ هُوَ مَوَدَّةَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا الدَّاعِيَةَ لِإِبَايَةِ الْمُخَالَفَةِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٠، ص ٢٣٥
يحب بعضهم بعضاً فلا يخالفه وإن لاح له أنه على ضلال — كالأنداد يحبونهم كحب الله
فَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ يُحِبُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَلَا يُخَالِفُهُ وَإِنْ لَاحَ لَهُ أَنَّهُ عَلَى ضَلَالٍ، وَيُحِبُّونَ الْأَوْثَانَ فَلَا يَتْرُكُونَ عِبَادَتَهَا وَإِنْ ظَهَرَتْ لِبَعْضِهِمْ دَلَالَةُ بُطْلَانِ إِلَهِيَّتِهَا قَالَ تَعَالَى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [الْبَقَرَة: 165]
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٠، ص ٢٣٥
قرن المودة بيوم القيامة إزالةً للغرور: اللذات العاجلة لا عبرة بها إن أعقبت ندامة آجلة
وَلَمَّا كَانَ فِي قَوْلِهِ مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ شَائِبَةُ ثُبُوتِ مَنْفَعَةٍ لَهُمْ فِي عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ إِذْ يَكْتَسِبُونَ بِذَلِكَ مَوَدَّةً بَيْنَهُمْ تَلَذُّ لِنُفُوسِهِمْ قَرَنَهُ بِقَوْلِهِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ إِلَخْ تَنْبِيهًا لِسُوءِ عَاقِبَةِ هَذِهِ الْمَوَدَّةِ وَإِزَالَةٍ لِلْغُرُورِ وَالْغَفْلَةِ، لِيَعْلَمُوا أَنَّ اللَّذَّاتِ الْعَاجِلَةَ لَا عِبْرَةَ بِهَا إِنْ كَانَتْ تُعْقِبُ نَدَامَةً آجِلَةً.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٠، ص ٢٣٧
مودة بلا دليل: لا يريد أحدكم أن يفارقه صاحبه
فَإِنَّ بَيْنَ بَعْضِكُمْ وَبَعْضٍ مَوَدَّةً/ فَلَا يُرِيدُ أَحَدُكُمْ أَنْ يُفَارِقَهُ صَاحِبُهُ فِي السِّيرَةِ وَالطَّرِيقَةِ أَوْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ آبَائِكُمْ مَوَدَّةٌ فَوَرِثْتُمُوهُمْ وَأَخَذْتُمْ مَقَالَتَهُمْ وَلَزِمْتُمْ ضَلَالَتَهُمْ وَجَهَالَتَهُم
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٥، ص ٤٦
يوم يزول عمى القلوب يكفر بعضكم ببعض
يَعْنِي يَوْمَ يَزُولُ عَمَى الْقُلُوبِ وَتَتَبَيَّنُ الْأُمُورُ لِلَّبِيبِ وَالْغَفُولِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَعْلَمُ فَسَادَ مَا كَانَ عَلَيْهِ فَيَقُولُ الْعَابِدُ مَا هَذَا مَعْبُودِي، وَيَقُولُ المعبود ما هؤلاء عبدتي
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٥، ص ٤٦
يتلاعنون ولا يتباعدون: مجتمعون في النار
وَيَقُولُ هَذَا لِذَاكَ أَنْتَ أَوْقَعْتَنِي فِي الْعَذَابِ حَيْثُ عَبَدْتَنِي، وَيَقُولُ ذَاكَ لِهَذَا أَنْتَ أَوْقَعْتَنِي فِيهِ حَيْثُ أَضْلَلْتَنِي بِعِبَادَتِكَ، وَيُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ أَنْ يُبْعِدَ صَاحِبَهُ بِاللَّعْنِ وَلَا يَتَبَاعَدُونَ، بَلْ هُمْ مُجْتَمِعُونَ فِي النَّارِ كَمَا كَانُوا مُجْتَمِعِينَ فِي هَذِهِ الدَّار
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٥، ص ٤٦
مودة تنقلب: يتبرأ منه بلعن الأتباع القادة والقادة الأتباع
{يكفر بعضكم ببعض} فينكر كل منهم محاسن أخيه، ويتبرأ منه بلعن الأتباع القادة، ولعن القادة الأتباع
نظم الدرر، البقاعي، جـ14، ص ٤٢٤
إسقاط معاصر: مجاملة رفقاء السوء ليعدوه حسن العشرة
ويدخل في هذا كل من وافق أصحابه من أهل المعاصي أو البطالة على الرذائل ليعدوه حسن العشرة مهذب الأخلاق لطيف الذات، أو خوفاً من أن يصفوه بكثافة الطبع وسوء الصحبة، ولقد عم هذا لعمري أهل الزمان ليوصفوا بموافاة الإخوان ومصافاة الخلان، معرضين عن رضى الملك الديان.
نظم الدرر، البقاعي، جـ14، ص ٤٢٤
الحب في الله عزيز والاجتماع للفسوق هو العادة
وهذا دال على أن جمع الفسوق لأهل الدنيا هو العادة المستمرة، وأن الحب في الله والاجتماع له عزيز جداً
نظم الدرر، البقاعي، جـ14، ص ٤٢٣
نجم فجر واحد ساطع فوق أفق صحراوي نظيف بعد انقشاع ليل غائم
المحطة السادسة — الذروة

التبرؤ الصحيح: إنني براء

إبراهيم لم يؤجل براءته إلى يومٍ لا تنفع فيه
۞
وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ
التوبة ١١٤
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ
الزخرف ٢٦
قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ۖ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ
الممتحنة ٤
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ
البقرة ١٦٥ — عودة إلى البوابة
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
كل مشاهد التبرؤ السابقة كانت هناك — حيث لا ينفع. وإبراهيم قدّمها هنا: إنني براءٌ مما تعبدون — قالها لأبيه وقومه عن دليلٍ لا تقليد، وتبرأ من أبيه لما تبين له أنه عدو لله وهو الأوّاهُ الحليم: أكره نفسه على البراءة كما قال البقاعي. قال الرازي: تبرأ إبراهيم — فكونوا كذلك. وليست البراءة غلظةَ قلب: بقي وعدُ الاستغفار رفقاً بأبيه، وبقي حدُّها: ما أملك لك من الله من شيء. ووجهها المقابل: والذين آمنوا أشد حباً لله — فالتبرؤ من الأنداد ليس فراغاً، بل تفريغُ القلب لأوثق الولاء.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على التوبة ١١٤

إبراهيم يتبرأ من أبيه موافقة لربه
فلما تبين لإبراهيم أن أباه عدو لله، سيموت على الكفر، ولم ينفع فيه الوعظ والتذكير {تَبَرَّأَ مِنْهُ} موافقة لربه وتأدبا معه.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 604 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
لأواه حليم: رجّاع إلى الله في جميع الأمور
{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ} أي: رجَّاع إلى اللّه في جميع الأمور، كثير الذكر والدعاء، والاستغفار والإنابة إلى ربه. {حَلِيمٌ} أي: ذو رحمة بالخلق، وصفح عما يصدر منهم إليه، من الزلات، لا يستفزه جهل الجاهلين
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 604 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
التفسير الصحيح للموعدة: أبو إبراهيم وعده بالإيمان فاستغفر له تألفاً لقلبه
فَالتَّفْسِيرُ الصَّحِيحُ أَنَّ أَبَا إِبْرَاهِيمَ وَعَدَ إِبْرَاهِيمَ بِالْإِيمَانِ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ بِالِاسْتِغْفَارِ لَهُ لِأَنَّهُ ظَنَّهُ مُتَرَدِّدًا فِي عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ لَمَّا قَالَ لَهُ: وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا [مَرْيَم: 46] فَسَأَلَ اللَّهَ لَهُ الْمَغْفِرَةَ لَعَلَّهُ يَرْفُضُ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١١، ص ٤٥
طريق تبيّن أنه عدو لله: الوحي بالنهي عن الاستغفار أو موته على الشرك
وَطَرِيقُ تَبَيُّنِ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ إِمَّا الْوَحْيُ بِأَنْ نَهَاهُ اللَّهُ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ لَهُ، وَإِمَّا بَعْدَ أَنْ مَاتَ عَلَى الشِّرْكِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١١، ص ٤٦
التبرؤ مبالغة في البراءة — والأواه: الشفقة والضراعة إلى الله والرحمة بالناس
وَالتَّبَرُّؤُ: تفعل من برىء مِنْ كَذَا إِذَا تَنَزَّهَ عَنْهُ، فَالتَّبَرُّؤُ مُبَالَغَةٌ فِي الْبَرَاءَةِ.وَجُمْلَةُ: إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ اسْتِئْنَافُ ثَنَاءٍ على إِبْرَاهِيم. ولَأَوَّاهٌ فُسِّرَ بِمُعَانٍ تَرْجِعُ إِلَى الشَّفَقَةِ إِمَّا عَلَى النَّفْسِ فَتُفِيدُ الضَّرَاعَةَ إِلَى اللَّهِ وَالِاسْتِغْفَارَ، وَإِمَّا عَلَى النَّاسِ فَتُفِيدُ الرَّحْمَةَ بِهِمْ وَالدُّعَاءَ لَهُم.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١١، ص ٤٦
لما تبين أنه عدو لله تبرأ منه وترك الاستغفار
أَنَّ أَبَاهُ وَعَدَهُ أَنْ يُؤْمِنَ، فَكَانَ إِبْرَاهِيمُ عليه السلام يَسْتَغْفِرُ له لِأَجْلِ أَنْ يَحْصُلَ هَذَا الْمَعْنَى، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ وَأَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ، وَتَرَكَ ذَلِكَ الِاسْتِغْفَار
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٦، ص ١٥٩
تبرأ إبراهيم فكونوا كذلك
فَكَانَ تَعَالَى يَقُولُ: لَمَّا تَبَيَّنَ لِإِبْرَاهِيمَ أَنَّ أَبَاهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ، فَكُونُوا كَذَلِكَ، لأني أمرتكم بمتابعة إبراهيم
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٦، ص ١٥٩
الأوّاه الحليم غلُظ قلبه على أبيه لله
فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُ مَعَ هَذِهِ الْعَادَةِ تَبَرَّأَ مِنْ أَبِيهِ وَغَلُظَ قَلْبُهُ عَلَيْهِ، لَمَّا ظَهَرَ لَهُ إِصْرَارُهُ عَلَى الْكُفْرِ، فَأَنْتُمْ بِهَذَا الْمَعْنَى أَوْلَى
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٦، ص ١٦٠
تبرأ: أكره نفسه على البراءة وهو الأواه الحليم
{فلما تبين له} أي بياناً شافياً قاطعاً {أنه عدو لله} أي الملك الأعلى مؤبد العداوة له بموته على الكفر أو بالوحي بأنه يموت عليه {تبرأ} أي أكره نفسه على البراءة {منه} ثم علل ما أفهمته صيغة التفعل من المعالجة بقوله: {إن إبراهيم لأواه} أي شديد الرقة الموجبة للتأوه من خوف الله ومن الشفقة على العباد
نظم الدرر، البقاعي، جـ9، ص ٣١

على الزخرف ٢٦

براءة إبراهيم مما يُعبد إلا الذي فطره
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ} الذين اتخذوا من دون اللّه آلهة يعبدونهم ويتقربون إليهم: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ} أي: مبغض له، مجتنب معاد لأهله، {إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي} فإني أتولاه، وأرجو أن يهديني للعلم بالحق والعمل به
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1381 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
ابتدأ بإبراهيم إبطالاً لقولهم «إنا وجدنا آباءنا»: أولى آبائهم بالاقتداء إبراهيم
وَابْتَدَأَ بِذِكْرِ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمِهِ إِبْطَالًا لِقَوْلِ الْمُشْرِكِينَ: إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف: 22] ، بِأَنَّ أَوْلَى آبَائِهِمْ بِأَنْ يَقْتَدُوا بِهِ هُوَ أَبُوهُمُ الَّذِي يَفْتَخِرُونَ بِنِسْبَتِهِ إِبْرَاهِيمُ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٥، ص ١٩١
خص الأب بالذكر: براءة إبراهيم مما يعبد أبوه أدل على أنه لا يُتسامح فيها ولو مع أقرب الناس
وَالْمَعْنَى: وَاذْكُرْ زَمَانَ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ قَوْلًا صَرِيحًا فِي التبرّؤ مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ. وَخُصَّ أَبُو إِبْرَاهِيمَ بِالذِّكْرِ قَبْلَ ذِكْرِ قَوْمِهِ وَمَا هُوَ إِلَّا وَاحِدٌ مِنْهُمُ اهْتِمَامًا بِذِكْرِهِ لِأَنَّ بَرَاءَةَ إِبْرَاهِيمَ مِمَّا يَعْبُدُ أَبُوهُ أَدَلُّ عَلَى تَجَنُّبِ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ بِحَيْثُ لَا يُتَسَامَحُ فِيهَا وَلَوْ كَانَ الَّذِي يَعْبُدُهَا أَقْرَبَ النَّاسِ إِلَى مُوَحِّدِ اللَّهِ بِالْعِبَادَةِ مِثْلَ الْأَب
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٥، ص ١٩٢
تبرأ عن دين آبائه بناءً على الدليل
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى حَكَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام أَنَّهُ تَبَرَّأَ عَنْ دِينِ آبَائِهِ بِنَاءً عَلَى الدَّلِيل
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٧، ص ٦٢٨
دينه باقٍ في عقبه وأديان آبائه اندرست
أَنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام لَمَّا عَدَلَ عَنْ طَرِيقَةِ أَبِيهِ إِلَى مُتَابَعَةِ الدَّلِيلِ لَا جَرَمَ جَعَلَ اللَّهُ دِينَهُ وَمَذْهَبَهُ بَاقِيًا فِي عَقِبِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَمَّا أَدْيَانُ آبَائِهِ فَقَدِ انْدَرَسَتْ وَبَطَلَت
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٧، ص ٦٢٩
إبراهيم قال لأبيه من غير أن يقلده كما قلدتم آباءكم
{وإذ} أي واذكر لهم حين {قال} أعظم آبائهم ومحط فخرهم والمجمع على محبته وحقية دينه منهم ومن أهل الكتاب وغيرهم {إبراهيم لأبيه} من غير أن يقلده كما أنتم قلدتم آبائكم
نظم الدرر، البقاعي، جـ17، ص ٤١٤
براء: مصدر مجسد من البراءة على صورة المزيد لزيادة التأكيد
باللفظ الدال على أنه مجسد من البراءة جعله على صورة المزيد لزيادة التأكيد فقال: {براء}
نظم الدرر، البقاعي، جـ17، ص ٤١٥

على الممتحنة ٤

الأسوة بإبراهيم ومن معه في التبرؤ
قد كان لكم يا معشر المؤمنين {أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} أي: قدوة صالحة وائتمام ينفعكم، {فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ} من المؤمنين، لأنكم قد أمرتم أن تتبعوا ملة إبراهيم حنيفا، {إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} أي: إذ تبرأ إبراهيم عليه السلام ومن معه من المؤمنين، من قومهم المشركين ومما يعبدون من دون الله.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1551 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
العداوة حتى الإيمان: فإذا آمنتم انقلبت مودة
ثم صرحوا بعداوتهم غاية التصريح، فقالوا: {كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا} أي: ظهر وبان {بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ} أي: البغض بالقلوب، وزوال مودتها، والعداوة بالأبدان، وليس لتلك العداوة والبغضاء وقت ولا حد، بل ذلك {أَبَدًا} ما دمتم مستمرين على كفركم {حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} أي: فإذا آمنتم بالله وحده، زالت العداوة والبغضاء، وانقلبت مودة وولاية
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1551 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
«بدا بيننا وبينكم العداوة»: عداوة ظاهرة علانية بالقول والقلب لا مواربة فيها
وَبَدَا مَعْنَاهُ: ظَهَرَ وَنَشَأَ، أَيْ أَحْدَثْنَا مَعَكُمُ الْعَدَاوَةَ ظَاهِرَةً لَا مُوَارَبَةَ فِيهَا، أَيْ لَيْسَتْ عَدَاوَةٌ فِي الْقَلْبِ خَاصَّةً بَلْ هِيَ عَدَاوَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَانِيَةٌ بِالْقَوْلِ وَالْقَلْبِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٨، ص ١٤٤
وجه الأسوة: كاشفوا قومهم بالمنافرة ولم يصانعوهم لاكتساب مودتهم
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ هَذَا لِقَوْمِهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوهُ مَقَالَ الصَّادِقِ فِي قَوْلِهِ، فَالِائْتِسَاءِ بِهِمْ فِي ذَلِكَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ بِمَا يُتَرْجِمُ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِمَّا فِي النُّفُوسِ، فَالْمُؤْتَسَى بِهِ أَنَّهُمْ كَاشَفُوا قَوْمَهُمْ بِالْمُنَافَرَةِ، وَصَرَّحُوا لَهُمْ بِالْبَغْضَاءِ لِأَجْلِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وَلِمَ يُصَانِعُوهُمْ وَيَغُضُّوا عَنْ كُفْرِهِمْ لِاكْتِسَابِ مَوَدَّتِهِم
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٨، ص ١٤٥
استثناء قول إبراهيم لأبيه: رفق بأبيه يغاير التبرؤ فكان في معنى الاستدراك
فَإِنَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ رِفْقٌ بِأَبِيهِ وَهُوَ يُغَايِرُ التَّبَرُّؤَ مِنْهُ، فَكَانَ الِاسْتِثْنَاءُ فِي مَعْنَى الِاسْتِدْرَاك
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٨، ص ١٤٥
إبراهيم وأصحابه تبرؤوا من قومهم وعادوهم
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابَهُ تَبَرَّءُوا مِنْ قَوْمِهِمْ وعادوهم، وقالوا لهم: إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُم
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٩، ص ٥١٨
ما أملك لك من الله من شيء: حدّ الشفقة
هَذَا مِنْ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ يَقُولُ لَهُ: مَا أُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا، وَلَا أَدْفَعُ عَنْكَ عَذَابَ اللَّه إِنْ أَشْرَكْتَ بِهِ، فَوَعَدَهُ الِاسْتِغْفَارَ رَجَاءَ الْإِسْلَام
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٩، ص ٥١٨
قطع العلائق مع الكفرة والإنابة إلى حضرة الله
تَعْلِيمًا لِلْمُؤْمِنِينَ وَتَتْمِيمًا لِمَا وَصَّاهُمْ بِهِ مِنْ قَطْعِ الْعَلَائِقِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْكَفَرَةِ، وَالِائْتِسَاءِ بِإِبْرَاهِيمَ وَقَوْمِهِ فِي الْبَرَاءَةِ مِنْهُمْ تَنْبِيهًا عَلَى الْإِنَابَةِ إِلَى حَضْرَةِ اللَّه تَعَالَى
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٩، ص ٥١٩
إنا برآء منكم: تبرئة عظيمة وإن كنتم أقرب الناس إلينا
أكدوا قولهم فقالوا: {إنا} أي من غير وقفة ولا شك {برءاء} أي متبرئون تبرئة عظيمة {منكم} وإن كنتم أقرب الناس إلينا ولا ناصر لنا منهم غيركم.
نظم الدرر، البقاعي، جـ19، ص ٤٩٦
سر الشجاعة في البراءة: إلهنا الذي قاطعنا كل شيء في الانقطاع إليه
لا نخاف شيئاً من ذلك لأن إلهنا الذي قاطعنا كل شيء في الانقطاع إليه لا يقاويه شيء، ولا تقدرون أنتم مع إشراككم به على البراءة منه.
نظم الدرر، البقاعي، جـ19، ص ٤٩٧

على البقرة ١٦٥

محبة الله عين صلاح العبد ومحبة غيره عين شقائه
لأنهم أخلصوا محبتهم له, وهؤلاء أشركوا بها، ولأنهم أحبوا من يستحق المحبة على الحقيقة, الذي محبته هي عين صلاح العبد وسعادته وفوزه، والمشركون أحبوا من لا يستحق من الحب شيئًا, ومحبته عين شقاء العبد وفساده, وتشتت أمره.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 83 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
محبة المؤمنين لله حب لذاته معضود بالبرهان بخلاف محبة مجردة لأغراض عاجلة
لِأَنَّ مَحَبَّةَ جَمِيعِ هَؤُلَاءِ الْمُحِبِّينَ وَإِنْ بَلَغُوا مَا بَلَغُوا مِنَ التَّصَلُّبِ فِي مَحْبُوبِيهِمْ لَمَّا كَانَتْ مَحَبَّةً مُجَرَّدَةً عَنِ الْحُجَّةِ لَا تَبْلُغُ مَبْلَغَ أَصْحَابِ الِاعْتِقَادِ الصَّمِيمِ الْمَعْضُودِ بِالْبُرْهَانِ، وَلِأَنَّ إِيمَانَهُمْ بِهِمْ لِأَغْرَاضٍ عَاجِلَةٍ كَقَضَاءِ الْحَاجَاتِ وَدَفْعِ الْمُلِمَّاتِ بِخِلَافِ حُبِّ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ فَإِنَّهُ حُبٌّ لِذَاتِهِ وَكَوْنِهِ أَهْلًا لِلْحُبِّ ثُمَّ يَتْبَعُ ذَلِكَ أَغْرَاضٌ أَعْظَمُهَا الْأَغْرَاضُ الْآجِلَةُ لِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ وَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ٩٢
التسوية ناظرة إلى فرط المحبة وقت خطورها والتفضيل ناظر إلى رسوخها وعدم تزلزلها
لِأَنَّ التَّسْوِيَةَ نَاظِرَةٌ إِلَى فَرْطِ الْمَحَبَّةِ وَقْتَ خُطُورِهَا، وَالتَّفْضِيلُ نَاظِرٌ إِلَى رُسُوخِ الْمحبَّة وَعدم تزلزلها
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ٩٢
كلما تمّ العلم بكماله تمّ الحب له
فَلَا جَرَمَ كُلُّ مَنْ كَانَ اطِّلَاعُهُ عَلَى دَقَائِقِ حِكْمَةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ أَتَمَّ، كَانَ عِلْمُهُ بِكَمَالِهِ أَتَمَّ، فَكَانَ لَهُ حُبُّهُ أَتَم
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٤، ص ١٧٧
المؤمن لا يُعرض عن الله في الضراء والسراء
أَحَدُهَا: أَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَتَضَرَّعُونَ إِلَّا إِلَى اللَّهِ بِخِلَافِ الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّهُمْ يَعْدِلُونَ إِلَى اللَّهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَعِنْدَ زَوَالِ الْحَاجَةِ، يَرْجِعُونَ إِلَى الْأَنْدَاد
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٤، ص ١٧٨
نقلاً عن الحرالي: من غلب عليه هوى شيء فقد عبده
إلى ما يلحق بذلك من نحو رتبة العبادة باتباع الهوى الشائع موقعه في الأمم وفي هذه الأمة، لأن من غلب عليه هوى شيء فقد عبده
نظم الدرر، البقاعي، جـ2، ص ٣٠٤
نقلاً عن الحرالي: المبادر قبل الأمر محب
فلما توهموا فيهم مرجى الإلهية، ومخافتها أحبوهم لذلك كحب الله لأن المتعبد مؤتمر ومبادر فالمبادر قبل الأمر محب
نظم الدرر، البقاعي، جـ2، ص ٣٠٤
ساعة رملية كبيرة على صخرة في ضوء صباح ورمالها ما تزال تجري
الجسر الختامي

لو أن لنا كرة

هناك يتمنونها أمنيةً مستحيلة… وهنا هي قرار
۞
أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
الزمر ٥٨
فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
الشعراء ١٠٢
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
أهل الموقف يتمنونها: لو أن لنا كرةً فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا… لو أن لي كرةً فأكون من المحسنين. والجواب كما قال البقاعي: بلى، قد كان لك الأمران كلاهما. وقال ابن عاشور: أوامرُ «أنيبوا وأسلموا واتبعوا» جاءت معلَّلةً بألا تقول نفسٌ يا حسرتا — فالكرّة التي يسألونها هناك أمنيةً مستحيلة، هي هنا قرارٌ ما زال بيدك.
ومن تبرأ من الأنداد بدأ يتاجر مع الله: ماذا تبيع… وماذا تشتري؟
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على الزمر ٥٨

لو أن لي كرة: أماني باطلة لا حقيقة لها
{أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ} وتجزم بوروده {لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً} أي: رجعة إلى الدنيا لكنت {مِنَ الْمُحْسِنِينَ} قال تعالى: إن ذلك غير ممكن ولا مفيد، وإن هذه أماني باطلة لا حقيقة لها، إذ لا يتجدد للعبد لَوْ رُدَّ، بيان بعد البيان الأول.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1309 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
الأوامر «أنيبوا وأسلموا واتبعوا» معللة بأن لا تقول نفس يا حسرتا — الكرة الآن
أَنْ تَقُولَ تَعْلِيل لِلْأَوَامِرِ فِي قَوْلِهِ: وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ [الزمر: 54] واتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ [الزمر: 55] عَلَى حَذْفِ لَامِ التَّعْلِيلِ مَعَ (أَنْ) وَهُوَ كَثِيرٌ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٤، ص ٤٤
«لو أن لي كرة» تمنٍّ محض واعتراف بأنها علمت أنها كانت من المسيئين
وَأَمَّا قَوْلُهَا: حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَهُوَ تَمَنٍّ مَحْضٌ. ولَوْ فِيهِ لِلتَّمَنِّي، وَانْتَصَبَ فَأَكُونَ عَلَى جَوَابِ التَّمَنِّي.وَالْكَرَّةُ: الرَّجْعَةُ. وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ [102] ، أَيْ كَرَّةً إِلَى الدُّنْيَا فَأُحْسِنَ، وَهَذَا اعْتِرَافٌ بِأَنَّهَا عَلِمَتْ أَنَّهَا كَانَتْ مِنَ الْمُسِيئِينَ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٤، ص ٤٧
ترتيب كلام النفس على نسقه الطبيعي: تحسر ثم اعتذار ثم تمني العودة — أحكم ترتيب
وَقَدْ حُكِيَ كَلَامُ النَّفْسِ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ عَلَى تَرْتِيبِهِ الطَّبِيعِيِّ فِي جَوَلَانِهِ فِي الْخَاطِرِ بِالِابْتِدَاءِ بِالتَّحَسُّرِ عَلَى مَا أَوْقَعَتْ فِيهِ نَفسهَا، ثمَّ بالاعتذار وَالتَّنَصُّلِ طَمَعًا أَنْ يُنْجِيَهَا ذَلِكَ، ثُمَّ بِتَمَنِّي أَنْ تَعُودَ إِلَى الدُّنْيَا لِتَعْمَلَ الْإِحْسَانَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ [الْمُؤْمِنُونَ: 99، 100] . فَهَذَا التَّرْتِيبُ فِي النَّظْمِ هُوَ أَحْكَمُ تَرْتِيب
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٤، ص ٤٧
ثلاثة: حسرة وتعلّل وتمنّي رجعة
وَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ هَذَا الْمُقَصِّرَ أَتَى بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ أَوَّلُهَا: الْحَسْرَةُ عَلَى التَّفْرِيطِ فِي الطَّاعَةِ وَثَانِيهَا: التَّعَلُّلُ بِفَقْدِ الْهِدَايَةِ وَثَالِثُهَا: بِتَمَنِّي الرَّجْعَة
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٧، ص ٤٦٧
الجواب: الهداية كانت حاضرة والأعذار زائلة
ثُمَّ أَجَابَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ كَلَامِهِمْ بِأَنْ قَالَ التَّعَلُّلُ بِفَقْدِ الْهِدَايَةِ بَاطِلٌ، لِأَنَّ الْهِدَايَةَ كَانَتْ حَاضِرَةً وَالْأَعْذَارَ زَائِلَة
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٧، ص ٤٦٧
الحجة عليهم لله لا لهم على الله
وَالْحَادِي عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعَالَى مُوَبِّخًا لَهُمْ بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ لِلَّهِ لَا أَنَّ الْحُجَّةَ لَهُمْ عَلَى اللَّه
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٧، ص ٤٦٨
لو أن لي كرة: رجعة إلى دار العمل
{أو تقول} أي تلك النفس المفرطة {حين ترى العذاب} أي الذي هاجمها للرحمة أو النقمة: {لو أن} أي يا ليت {لي كرة} أي رجعة إلى دار العمل لأتمكن منه {فأكون} أي فيتسبب عن رجوعي إليها أن أكون {من المحسنين *} أي العاملين بالإحسان الذي دعا إليه القرآن
نظم الدرر، البقاعي، جـ16، ص ٥٤٠
الجواب: بلى قد كان لك الأمران كلاهما
قال تعالى مكذباً له: {بلى} أي قد كان لك الأمران كلاهما {قد جاءتك}
نظم الدرر، البقاعي، جـ16، ص ٥٤٠

على الشعراء ١٠٢

«ولا صديق حميم»: علموا أن جميع الخلق تتبرأ منهم — كما قال: وتقطعت بهم الأسباب
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ فَهُوَ تَتْمِيمٌ أَثَارَهُ مَا يَلْقَوْنَهُ مِنْ سُوءِ الْمُعَامَلَةِ مِنْ كُلِّ مَنْ يَمُرُّونَ بِهِ أَوْ يَتَّصِلُونَ، وَمِنَ الْحِرْمَانِ الَّذِي يُعَامِلُهُمْ كُلُّ مَنْ يَسْأَلُونَهُ الرِّفْقَ بِهِمْ حَتَّى عَلِمُوا أَنَّ جَمِيعَ الْخَلْقِ تَتَبَرَّأُ مِنْهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ فَإِنَّ الصَّدِيقَ هُوَ الَّذِي يُوَاسِيكَ أَوْ يُسَلِّيكَ أَوْ يَتَوَجَّعُ وَيَوْمَئِذٍ حَقَّتْ كَلِمَةُ اللَّهِ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف: 67]
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٩، ص ١٥٥
فرّعوا على التحسر تمني العودة إلى الدنيا و«لو» تمحضت للتمني
ثُمَّ فَرَّعُوا عَلَى هَذَا التَّحَسُّرِ وَالنَّدَامَةِ تَمَنِّي أَنْ يُعَادُوا إِلَى الدُّنْيَا لِيَتَدَارَكُوا أَمْرَهُمْ فِيالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ.وَ (لَوْ) هَذِهِ لِلتَّمَنِّي، وَأَصْلُهَا (لَوْ) الشَّرْطِيَّةُ لَكِنَّهَا تُنُوسِيَ مِنْهَا مَعْنَى الشَّرْطِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٩، ص ١٥٥
لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون
كَمَا نَرَى لَهُمْ أَصْدِقَاءَ لِأَنَّهُ لَا يَتَصَادَقُ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ، وَأَمَّا أَهْلُ النَّارِ فَبَيْنَهُمُ التَّعَادِي وَالتَّبَاغُض
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٤، ص ٥١٩
تمنّوا الرجعة: فليت لنا كرة
ثُمَّ حَكَى تَعَالَى عَنْهُمْ قَوْلَهُمْ: فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَّهُمْ تَمَنَّوُا الرَّجْعَةَ إِلَى الدُّنْيَا، وَلَوْ فِي مِثْلِ هَذَا الْوَضْعِ فِي مَعْنَى التَّمَنِّي كَأَنَّهُ قِيلَ فَلَيْتَ لَنَا كَرَّة
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٤، ص ٥١٩
ولو ردّوا لعادوا لما نُهوا عنه
لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ خَبَرًا عَنْ إِيمَانِهِمْ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ صِدْقًا، لَأَنَّ الْكَذِبَ لَا يَقَعُ مِنْ أَهْلِ الْآخِرَةِ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى بِخِلَافِ ذَلِكَ فِي قَوْلُهُ: وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْه
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٤، ص ٥١٩
فلو أن لنا كرة: تمني المحال بعد انتفاء الخلاص
ولما وقعوا في هذا الهلاك، وانتفى عنهم الخلاص، تسبب عنه تمنيهم المحال فقالوا: {فلو أن لنا كرة} أي رجعة إلى الدنيا {فنكون من المؤمنين*} أي الذين صار الإيمان لهم وصفاً لازماً، فأزلفت لهم الجنة.
نظم الدرر، البقاعي، جـ14، ص ٦٠
حجم الخط
الخلفية