عَلى الطَّريق جلسة · رحلة تدبر تغيّر نظرتك لموضوع واحد
جـلـسـة

ماذا تبيع… وماذا تشتري؟

صفقاتٌ صامتة تعقدها كل يوم: تدفع وقتك وقلبك وانتباهك… وتقبض. القرآن لا يسمي الضياع حظاً سيئاً — يسميه باسمه التجاري، ويفتح الدفاتر كلها، ثم يعرض عليك صفقةً من طرفٍ لا يخسر معه أحد
وَعْدُ الرِّحْلَةبحثنا في القرآن كله عن كل صفقةٍ ذكرها الله — شراءً وبيعاً وتجارةً وقرضاً وغُبناً — فوضعنا بين يديك ٣٢ آية من ١٤ سورة و٢٦٥ نقلاً موثقاً من أربعة تفاسير: دفاترُ السوقين كاملةً بين يديك.
٣٢ آية ٦ محطات وجسر ٨ دقائق بالموجز — أو نحو ساعة بالقطوف
ميزان نحاسي قديم على طاولة خشبية في سوق خالٍ عند الفجر: كفة فيها حفنة غبار، وكفة يتوهج فيها ضوء
الصور هنا رسمها الذكاء الاصطناعي لتؤنس الطريق — أما المعاني فمن مصادرها الموثقة وحدها.
خريطة الجلسة
سوقٌ واحدة…
وصفقتان
١ البوابة الضلالة بالهدى… والعذاب بالمغفرة ٢ دفتر الخسائر ماذا دفعوا… وماذا قبضوا؟ ٣ ثمناً قليلاً كل ثمنٍ دون الله قليل ٤ المقابلة تنقلب بئسما اشتروا أنفسهم ↔ يشري نفسه ٥ المشتري الأكرم يشتري… ويستقرض… ويضاعف ٦ الذروة هل أدلكم؟… ثم لحظة صمت ٧ الجسر يوم إعلان نتائج الصفقات
اضغط أي محطة للانتقال إليها — أو امضِ في الرحلة بترتيبها
كيس نقود مفتوح على دفتر حسابات قديم وقد انسكب منه رمل رمادي بدل الدراهم
المحطة الأولى

البوابة: الصفقة المذمومة الكبرى

هدى يُدفع ثمناً للضلالة… ومغفرة تُدفع ثمناً للعذاب
۞
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۙ أُولَـٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
البقرة ١٧٤
أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ ۚ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ
البقرة ١٧٥
ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ
البقرة ١٧٦
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
صفقة مركّبة خاسرة من طرفيها: حقٌّ رُفع وباطلٌ وُضع كما قال ابن عاشور، ومغفرةٌ أُضيعت وعذابٌ اشتُري بها. والثمن المقبوض «قليل» مهما بدا — عرّفه الحرالي فيما نقله البقاعي: الثمن ما لا يُنتفع بعينه حتى يُصرف إلى غيره. ثم يقف القرآن متعجباً: فما أصبرهم على النار — قال الرازي: ما الذي أصبرهم حتى تركوا الحق واتبعوا الباطل؟ كمن يُقال له: ما أصبرك على القيد والسجن!
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على البقرة ١٧٤

ثمن الكتمان نار في البطون
هذا وعيد شديد لمن كتم ما أنزل الله على رسله, من العلم الذي أخذ الله الميثاق على أهله, أن يبينوه للناس ولا يكتموه، فمن تعوض عنه بالحطام الدنيوي, ونبذ أمر الله, فأولئك {ما يأكلون في بطونهم إلا النار} لأن هذا الثمن الذي اكتسبوه, إنما حصل لهم بأقبح المكاسب, وأعظم المحرمات, فكان جزاؤهم من جنس عملهم
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 88 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
الثمن القليل هو الرشوة عوض جور الحاكم وتحريف المفتي
وَقَوْلُهُ: وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا [الْبَقَرَة: 41] وَهُوَ الْمَالُ الَّذِي يَأْخُذُونَهُ مِنَ النَّاسِ جَزَاءً عَلَى إِفْتَائِهِمْ بِمَا يُلَائِمُ هَوَاهُمْ مُخَالِفًا لِشَرْعِهِمْ أَوْ عَلَى الْحُكْمِ بِذَلِكَ، فَالثَّمَنُ يُطْلَقُ عَلَى الرِّشْوَةِ لِأَنَّهَا ثَمَنٌ يُدْفَعُ عِوَضًا عَنْ جَوْرِ الْحَاكِمِ وَتَحْرِيفِ الْمُفْتِي.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ١٢٣
الأكل مستعار للانتفاع الخفي كحال الرشوة
وَالْأَكْلُ مُسْتَعَارٌ لِلِانْتِفَاعِ مَعَ الْإِخْفَاءِ، لِأَنَّ الْأَكْلَ انْتِفَاعٌ بِالطَّعَامِ وَتَغْيِيبٌ لَهُ فَهُوَ خَفِيٌّ لَا يَظْهَرُ كَحَالِ الرِّشْوَةِ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِآكِلِ الرِّشْوَةِ عَلَى كِتْمَانِ الْأَحْكَامِ أَكْلُ نَارٍ تَعَيَّنَ أَنَّ فِي الْكَلَامِ مَجَازًا
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ١٢٣
وجه كون الرشوة مهلكة كأكل النار
وَوَجْهُ كَوْنِ الرِّشْوَةِ مُهْلِكَةً أَنَّ فِيهَا اضْمِحْلَالَ أَمْرِ الْأُمَّةِ وَذَهَابَ حُرْمَةِ الْعُلَمَاءِ وَالدِّينِ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ١٢٤
سبب الكتمان: خوف انقطاع المنافع
كَانُوا يَأْخُذُونَ/ مِنْ أَتْبَاعِهِمُ الْهَدَايَا، فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ عليه السلام خَافُوا انْقِطَاعَ تِلْكَ الْمَنَافِعِ، فَكَتَمُوا أَمْرَ مُحَمَّدٍ عليه السلام وَأَمْرَ شَرَائِعِهِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٥، ص ٢٠٤
لماذا سمي الثمن قليلاً
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إِنَّمَا سَمَّاهُ قَلِيلًا إِمَّا لِأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ قَلِيلٌ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ الْعَظِيمِ قَلِيلٌ.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٥، ص ٢٠٥
أكل ما يوجب النار أكلٌ للنار
قِيلَ: إِنَّ أَكْلَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَإِنْ كَانَ طَيِّبًا فِي الْحَالِ فَعَاقِبَتُهُ النَّارُ فَوُصِفَ بِذَلِكَ كَقَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا [النِّسَاءِ: 10] عَنِ الْحَسَنِ وَالرَّبِيعِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا أَكَلَ مَا يُوجِبُ النَّارَ فَكَأَنَّهُ أَكَلَ النَّارَ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٥، ص ٢٠٥
العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب
الْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ فَالْآيَةُ وَإِنْ نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ لَكِنَّهَا عَامَّةٌ فِي حَقِّ كُلِّ مَنْ كَتَمَ شَيْئًا مِنْ بَابِ الدِّينِ يَجِبُ إِظْهَارُهُ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٥، ص ٢٠٦
تعريف الحرالي للثمن: ما لا يُنتفع بعينه حتى يُصرف إلى غيره
ولما كان من الكتم ما يكون لقصد خير، فكم من كلمة حق أريد بها باطل! قيده بقوله: {ويشترون به ثمناً} قال الحرالي: والثمن ما لا ينتفع بعينه حتى يصرف إلى غيره من الأعواض
نظم الدرر، البقاعي، جـ٢، ص ٣٥٠
كل ما لم يثبت في الآخرة من خير الدنيا حقير وإن جلّ
ولما كان كل ما لم يثبت من خير الدنيا في الآخرة وإن جل حقيراً قال: {قليلاً} هذا المراد لا تقييده بالقليل
نظم الدرر، البقاعي، جـ٢، ص ٣٥١

على البقرة ١٧٥

اختاروا الضلالة على الهدى والعذاب على المغفرة
فهؤلاء نبذوا كتاب الله, وأعرضوا عنه, واختاروا الضلالة على الهدى, والعذاب على المغفرة، فهؤلاء لا يصلح لهم إلا النار, فكيف يصبرون عليها, وأنى لهم الجلد عليها؟
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 88 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
إيثار الضلالة سببٌ فترتّب عليه اختيار العذاب
وذكر السبب في ذلك بإيثارهم الضلالة على الهدى، فترتب على ذلك اختيار العذاب على المغفرة، ثم توجع لهم بشدة صبرهم على النار, لعملهم بالأسباب التي يعلمون أنها موصلة إليها
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 88 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
سر تكرار أولئك: أخذوا الضلال ونبذوا الهدى واختاروا العذاب
فَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لِبَيَانِ سَبَبِ انْغِمَاسِهِمْ فِي عَذَابِ النَّارِ لِأَنَّهُ وَعِيدٌ عَظِيمٌ جِدًّا يَسْتَوْجِبُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ السَّائِلُ فَيُبَيَّنُ بِأَنَّهُمْ أَخَذُوا الضَّلَالَ وَنَبَذُوا الْهُدَى وَاخْتَارُوا الْعَذَابَ وَنَبَذُوا الْمَغْفِرَةَ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ١٢٥
معنى اشتراء الضلالة بالهدى: حق رفع وباطل وضع
وَمَعْنَى اشْتِرَاءِ الضَّلَالَةِ بِالْهُدَى فِي كِتْمَانِ الْكِتَابِ أَنَّ كُلَّ آيَةٍ أَخْفَوْهَا أَوْ أَفْسَدُوهَا بِالتَّأْوِيلِ فَقَدِ ارْتَفَعَ مَدْلُولُهَا الْمَقْصُودُ مِنْهَا وَإِذَا ارْتَفَعَ مَدْلُولُهَا نُسِيَ الْعَمَلُ بِهَا فَأَقْدَمَ النَّاسُ عَلَى مَا حَذَّرْتَهُمْ مِنْهُ، فَفِي كِتْمَانِهِمْ حَقٌّ رُفِعَ وَبَاطِلٌ وُضِعَ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ١٢٥
معنى اشتراء العذاب بالمغفرة: رضوا بالعذاب وأضاعوا المغفرة
وَمَعْنَى اشْتِرَاءِ الْعَذَابِ بِالْمَغْفِرَةِ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ الْكِتْمَانَ عَنْ عَمْدٍ وَعِلْمٍ بِسُوءِ عَاقِبَتِهِ، فَهُمْ قَدْ رَضُوا بِالْعَذَابِ وَإِضَاعَةِ الْمَغْفِرَةِ فَكَأَنَّهُمُ اسْتَبْدَلُوا بِالْمَغْفِرَةِ الْعَذَابَ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ١٢٥
فما أصبرهم على النار: تعجيب ينزل المستقبل منزلة الواقع
وَقَوْلُهُ: فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ تَعْجِيبٌ مِنْ شِدَّةِ صَبْرِهِمْ عَلَى عَذَابِ النَّارِ، وَلَمَّا كَانَ شَأْنُ التَّعْجِيبِ أَنْ يَكُونَ نَاشِئًا عَنْ مُشَاهَدَةِ صَبْرِهِمْ عَلَى الْعَذَابِ وَهَذَا الصَّبْرُ غَيْرُ حَاصِلٍ فِي وَقْتِ نُزُولِ هَاتِهِ الْآيَةِ بَنَى التَّعْجِيبَ عَلَى تَنْزِيلِ غَيْرِ الْوَاقِعِ مَنْزِلَةَ الْوَاقِعِ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ١٢٥
ميزان الصفقة: أحسن الأشياء وأقبحها
فَأَحْسَنُ الْأَشْيَاءِ الِاهْتِدَاءُ وَالْعِلْمُ وَأَقْبَحُ الْأَشْيَاءِ الضَّلَالُ وَالْجَهْلُ فَلَمَّا تَرَكُوا الْهُدَى وَالْعِلْمَ فِي الدُّنْيَا، وَرَضُوا بِالضَّلَالِ وَالْجَهْلِ، فَلَا شَكَّ أنهم في نهاية الخيانة فِي الدُّنْيَا، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَأَحْسَنُ الْأَشْيَاءِ الْمَغْفِرَةُ، وَأَخْسَرُهَا الْعَذَابُ، فَلَمَّا تَرَكُوا الْمَغْفِرَةَ وَرَضُوا بِالْعَذَابِ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ فِي نِهَايَةِ الْخَسَارَةِ فِي الْآخِرَةِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٥، ص ٢٠٦
لماذا حُكم عليهم بأنهم باعوا المغفرة
لِأَنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا عَالِمِينَ بِمَا هُوَ الْحَقُّ، وَكَانُوا عَالِمِينَ بِأَنَّ فِي إِظْهَارِهِ وَإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ عَنْهُ أَعْظَمَ الثواب، وفي إخفائه وإلقائه الشُّبْهَةِ فِيهِ أَعْظَمَ الْعِقَابِ، فَلَمَّا أَقْدَمُوا عَلَى إِخْفَاءِ ذَلِكَ الْحَقِّ كَانُوا بَائِعِينَ لِلْمَغْفِرَةِ بِالْعَذَابِ لَا مَحَالَةَ.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٥، ص ٢٠٦
فما أصبرهم: استفهام التوبيخ
أَنَّ «مَا» فِي هَذِهِ الْآيَةِ اسْتِفْهَامُ التَّوْبِيخِ مَعْنَاهُ: مَا الَّذِي أَصْبَرَهُمْ وَأَيُّ شَيْءٍ صَبَّرَهَمْ عَلَى النَّارِ حَتَّى تَرَكُوا الْحَقَّ وَاتَّبَعُوا الْبَاطِلَ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٥، ص ٢٠٦
مشهد التعجب: ما أصبرك على القيد والسجن
فَلَمَّا أَقْدَمُوا عَلَى مَا يُوجِبُ النَّارَ وَيَقْتَضِي عَذَابَ اللَّهِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ صَارُوا كَالرَّاضِينَ بِعَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالصَّابِرِينَ عَلَيْهِ، فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ وَهُوَ كَمَا تَقُولُ لِمَنْ يَتَعَرَّضُ لِمَا يُوجِبُ غَضَبَ السُّلْطَانِ مَا أَصْبَرَكَ عَلَى الْقَيْدِ وَالسِّجْنِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٥، ص ٢٠٦
ترجمة حال الكاتمين: اشتروا لجاجاً وتمادياً في الغي
ولما ذكر جزاءهم أتبعه ترجمة حالهم مؤكداً لبعدهم فقال: {أولئك الذين اشتروا} أي لجاجاً وتمادياً في الغي {الضلالة} عن طريق الخير {بالهدى} ولما ذكر حالهم في الدنيا أتبعه أمر الآخرة فقال: {والعذاب} بارتكابهم هذه الموبقة {بالمغفرة} التي كانت تنجيهم إذا محت صغائرهم لو سلموا من هذه العضلة التي كانت سبباً لضلال خلق كثير فكان عليهم وزرهم
نظم الدرر، البقاعي، جـ٢، ص ٣٥٣
فما أصبرهم: ما أشد حبسهم أنفسهم على النار (نقل عن الحرالي) وتمثيله بمعاند السلطان
فقال: {فما أصبرهم} أي ما أشد حبسهم أنفسهم أو ما أجرأهم {على النار} التي أكلوها في الدنيا فأحسوا بها في الأخرى - ذكر كثيراً من ذلك الحرالي غير أني تصرفت فيه؛ وإذا جعلته مجازاً كان مثل قولك لمن عاند السلطان: ما أصبرك على السجن الطويل والقيد الثقيل! تهديداً له
نظم الدرر، البقاعي، جـ٢، ص ٣٥٣

على البقرة ١٧٦

الاختلاف في الكتاب شقاق بعيد عن الحق
{وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد} أي: وإن الذين اختلفوا في الكتاب, فآمنوا ببعضه, وكفروا ببعضه، والذين حرفوه وصرفوه على أهوائهم ومراداتهم {لفي شقاق} أي: محادة، {بعيد} عن الحق لأنهم قد خالفوا الكتاب الذي جاء بالحق الموجب للاتفاق وعدم التناقض
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 88 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
أهل الاتفاق على الكتاب مقابل أهل الشقاق
بخلاف أهل الكتاب الذين آمنوا به, وحكموه في كل شيء, فإنهم اتفقوا وارتفقوا بالمحبة والاجتماع عليه
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 88 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
ما يكتم من الحق يخلفه الباطل فحق عليهم العذاب
وَالْمَعْنَى أَنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا الْعَذَابَ عَلَى كِتْمَانِهِمْ بِسَبَبِ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَكِتْمَانُهُمْ شَيْئًا مِنَ الْكِتَابِ كِتْمَانٌ لِلْحَقِّ وَذَلِكَ فَسَادٌ وَتَغْيِيرٌ لِمُرَادِ اللَّهِ لِأَنَّ مَا يُكْتَمُ مِنَ الْحَقِّ يَخْلُفُهُ الْبَاطِلُ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ١٢٦
الذين اختلفوا هم أنفسهم الذين يكتمون والذين اشتروا
وَقَوْلُهُ: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ تَذْيِيلٌ وَلَكِنَّهُ عَطَفَ بِالْوَاوِ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ تَكْمِلَةَ وَصْفِ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَوَعِيدَهُمْ، وَالْمُرَادُ بِالَّذِينَ اخْتَلَفُواعَيْنُ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: الَّذِينَ يَكْتُمُونَ [الْبَقَرَة: 174] ، والَّذِينَ اشْتَرَوُا [الْبَقَرَة: 175] ، فَالْمَوْصُولَاتُ كُلُّهَا عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ١٢٦
الشقاق البعيد: بعيد صاحبه عن الوفاق
وَوَصْفُ الشِّقَاقِ بِالْبَعِيدِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ أَيْ بِعِيدٌ صَاحِبُهُ عَنِ الْوِفَاقِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ [هود: 118]
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ١٢٧
جرد الوعيد الخماسي على الكتمان
ثُمَّ قَدْ تَقَدَّمَ فِي وَعِيدِهِمْ أُمُورٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهُمُ اشْتَرَوُا الْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ وَثَانِيهَا: اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَثَالِثُهَا: أَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَرَابِعُهَا: أَنَّ اللَّهَ لَا يُزَكِّيهِمْ وَخَامِسُهَا: أَنَّ اللَّهَ لَا يُكَلِّمُهُمْ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٥، ص ٢٠٩
شقاق المتفقين على التحريف
أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّفَقُوا عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيفِ وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ التَّحْرِيفِ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُكَذِّبُ صَاحِبَهُ وَيُشَاقُّهُ وَيُنَازِعُهُ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٥، ص ٢١١
من كتم الكتاب فقد حاول نفي ما أثبته الله فضادّه في ملكه
{نزّل الكتاب} أي الجامع لأنواع الهدى {بالحق} منجماً تقريباً للأفهام وتدريباً للخاص والعام، وهو صالح لإرادة القرآن والتوراة أي الثابت الكامل في الثبات، فمن كتمه فقد حاول نفي ما أثبته الله تعالى فقد ضاد الله في ملكه، ومن خالف فيه وهو الذي لا شبهة تلحقه فقد عد الواضح ملبساً فقد أبعد المرمى
نظم الدرر، البقاعي، جـ٢، ص ٣٥٤
دفتر حسابات قديم مفتوح بمدادٍ أحمر وصفحاتُه تتطاير في ريح خفيفة
المحطة الثانية

دفتر الخسائر

السورة فتحت الحساب من صفحتها الأولى: فما ربحت تجارتهم
۞
أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ
البقرة ١٦
أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ
البقرة ٨٦
بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ ۚ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ
البقرة ٩٠
إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
آل عمران ١٧٧
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
السورة فتحت الدفتر مبكراً: اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم — قال السعدي: جعلوا الضلالة سلعةً والهدى ثمناً، كمن بذل جوهرةً وأخذ عنها درهماً، وقال الرازي: رأسُ المال المُضاع هو العقل. وفي القوم من اشترى الحياة الدنيا بالآخرة — قال السعدي: اختاروا النار على العار — ومنهم من باع نفسه: بئسما اشتروا به أنفسهم؛ قال ابن عاشور: رجعوا من الصفقة كتاجرٍ رجع خاسراً، فباؤوا بغضبٍ على غضب.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على البقرة ١٦

تمثيل الصفقة: الضلالة سلعة والهدى ثمن
{الذين اشتروا الضلالة بالهدى} أي: رغبوا في الضلالة, رغبة المشتري بالسلعة, التي من رغبته فيها يبذل فيها الأثمان النفيسة. وهذا من أحسن الأمثلة, فإنه جعل الضلالة, التي هي غاية الشر, كالسلعة، وجعل الهدى الذي هو غاية الصلاح بمنزلة الثمن، فبذلوا الهدى رغبة عنه بالضلالة رغبة فيها، فهذه تجارتهم, فبئس التجارة, وبئس الصفقة صفقتهم
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 13 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
من بذل جوهرة وأخذ عنها درهماً
وإذا كان من بذل دينارا في مقابلة درهم خاسرا, فكيف من بذل جوهرة وأخذ عنها درهما؟ فكيف من بذل الهدى في مقابلة الضلالة, واختار الشقاء على السعادة, ورغب في سافل الأمور عن عاليها؟ فما ربحت تجارته, بل خسر فيها أعظم خسارة
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 13 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
الاشتراء مجاز عن الحرص على الضلالة والزهد في الهدى
وَإِطْلَاق الاشتراء هَاهُنَا مَجَازٌ مُرْسَلٌ بِعَلَاقَةِ اللُّزُومِ، أَطْلَقَ الِاشْتِرَاءَ عَلَى لَازِمِهِ الثَّانِي وَهُوَ الْحِرْصُ عَلَى شَيْءٍ وَالزُّهْدُ فِي ضِدِّهِ أَيْ حَرَصُوا عَلَى الضَّلَالَةِ، وَزَهِدُوا فِي الْهُدَى
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١، ص ٢٩٨
اشتروا ما لا ينفع وبذلوا ما ينفع فلا جرم أن يخسروا
لِأَنَّهُمْ لَمَّا اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَقَدِ اشْتَرَوْا مَا لَا يَنْفَعُ وَبَذَلُوا مَا يَنْفَعُ فَلَا جَرَمَ أَنْ يَكُونُوا خَاسِرِينَ وَأَنْ يَتَحَقَّقَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُهْتَدِينَ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١، ص ٢٩٩
نفي الربح: تشبيه بتجار أخفقت مساعيهم وضاعت مقاصدهم
وَنَفْيُ الرِّبْحِ فِي الْآيَةِ تَشْبِيهٌ لِحَالِ الْمُنَافِقِينَ إِذْ قَصَدُوا مِنَ النِّفَاقِ غَايَةً فَأَخْفَقَتْ مَسَاعِيهِمْ وَضَاعَتْ مَقَاصِدُهُمْ بِحَالِ التُّجَّارِ الَّذِينَ لَمْ يَحْصُلُوا مِنْ تِجَارَتِهِمْ عَلَى رِبْحٍ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١، ص ٣٠٠
من لم يكن مهتديا أضاع الربح وأضاع رأس المال
وَيَصِحُّ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهَا كِنَايَةٌ عَنِ الْخُسْرَانِ وَإِضَاعَةِ كُلِّ شَيْءٍ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُهْتَدِيًا أَضَاعَ الرِّبْحَ وَأَضَاعَ رَأْسَ الْمَالِ بِسُوءِ سُلُوكِهِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١، ص ٣٠١
الاشتراء: اختيار الضلالة واستبدالها بالهدى
وَاعْلَمْ أَنَّ اشْتِرَاءَ الضَّلَالَةِ بِالْهُدَى اخْتِيَارُهَا عَلَيْهِ وَاسْتِبْدَالُهَا بِهِ، فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَمَا كَانُوا عَلَى هُدًى قُلْنَا جُعِلُوا لِتَمَكُّنِهِمْ مِنْهُ كَأَنَّهُ فِي أَيْدِيهِمْ فَإِذَا تَرَكُوهُ وَمَالُوا إِلَى الضَّلَالَةِ فَقَدِ اسْتَبْدَلُوهَا بِهِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢، ص ٣١١
سر ذكر الربح والتجارة بعد الشراء
لَمَّا ذَكَرَ سُبْحَانَهُ الشِّرَاءَ أَتْبَعَهُ مَا يُشَاكِلُهُ وَيُوَاخِيهِ، تَمْثِيلًا لِخَسَارَتِهِمْ وَتَصْوِيرًا لِحَقِيقَتِهِ. أَمَّا قَوْلُهُ: وَما كانُوا مُهْتَدِينَ فَالْمَعْنَى أَنَّ الَّذِي تَطْلُبُهُ التُّجَّارُ فِي مُتَصَرَّفَاتِهِمْ أَمْرَانِ: سَلَامَةُ رَأْسِ الْمَالِ وَالرِّبْحِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢، ص ٣١١
رأس المال المُضاع: العقل
وَهَؤُلَاءِ قَدْ أَضَاعُوا الْأَمْرَيْنِ لِأَنَّ رَأْسَ مَالِهِمْ هُوَ الْعَقْلُ الْخَالِي عَنِ الْمَانِعِ، فَلَمَّا اعْتَقَدُوا هَذِهِ الضَّلَالَاتِ صَارَتْ تِلْكَ الْعَقَائِدُ الْفَاسِدَةُ الْكَسْبِيَّةُ مَانِعَةً مِنَ الِاشْتِغَالِ بِطَلَبِ الْعَقَائِدِ الْحَقَّةِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢، ص ٣١١
الهدى كان في أيديهم فباعوه؛ ومادة شرى تدور على اللجاجة
{الذين اشتروا} أي لجوا في هواهم فكلفوا أنفسهم ضد ما فطرها الله عليه مع ما نصب من الأدلة حتى أخذوا {الضلالة} أي التي هي أقبح الأشياء {بالهدى} الذي هو خير الأشياء ومدار كل ذي شعور عليه، فكأنه لوضوح ما قام عليه من الأدلة مع ما ركز منه في الفطر كان في أيديهم فباعوه بها، وسيأتي في سورة يوسف عليه السلام بيان أن مادة شرى بتراكيبها الاثني عشر تدور على اللجاجة
نظم الدرر، البقاعي، جـ١، ص ١١٧
دفتر الحساب: لم يربحوا وأضاعوا رأس المال
{ربحت تجارتهم} مع ادعائهم أنهم أبصر الناس بها {وما كانوا} في نفس جبلاتهم {مهتدين} لأنهم مع أنهم لم يربحوا أضاعوا رأس المال، لأنه لم يبق في أيديهم غير الضلال الذي صاحبه في دون رتبة البهائم مع زعمهم أنه لا مثل لهم في الهداية
نظم الدرر، البقاعي، جـ١، ص ١١٧

على البقرة ٨٦

اختاروا النار على العار فلا يخفف العذاب
ثم أخبر تعالى عن السبب الذي أوجب لهم الكفر ببعض الكتاب, والإيمان ببعضه فقال: {أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة} توهموا أنهم إن لم يعينوا حلفاءهم حصل لهم عار, فاختاروا النار على العار، فلهذا قال: {فلا يخفف عنهم العذاب} بل هو باق على شدته, ولا يحصل لهم راحة بوقت من الأوقات، {ولا هم ينصرون} أي: يدفع عنهم مكروه
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 40 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
اشتراء الحياة الدنيا بالآخرة كاشتراء الضلالة بالهدى
وَقَدْ وَقَعَ اسْمُ الْإِشَارَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا مَوْقِعَ نَظِيرِهِ فِي قَوْلِهِ:أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [الْبَقَرَة: 5] .وَالْقَوْلُ فِي اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ كَالْقَوْلِ فِي: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى [الْبَقَرَة: 16]
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١، ص ٥٩٢
الجرم العظيم يناسبه العذاب العظيم بلا نصير
وَمُوقِعُ الْفَاءِ فِي قَوْلِهِ: فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ هُوَ الترتب لِأَنَّ الْمُجْرِمَ بِمِثْلِ هَذَا الْجُرْمِ الْعَظِيمِ يُنَاسِبُهُ الْعَذَابُ الْعَظِيمُ وَلَا يَجِدُ نَصِيرًا يَدْفَعُ عَنْهُ أَو يُخَفف.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١، ص ٥٩٢
لا جمع بين اللذتين: من اشتغل بإحداهما فوّت الأخرى
اعْلَمْ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ تَحْصِيلِ لَذَّاتِ الدُّنْيَا وَلَذَّاتِ الْآخِرَةِ مُمْتَنِعٌ غَيْرُ مُمْكِنٍ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ مَكَّنَ الْمُكَلَّفَ مِنْ تَحْصِيلِ أَيِّهِمَا شَاءَ وَأَرَادَ، فَإِذَا اشْتَغَلَ بِتَحْصِيلِ أَحَدِهِمَا فَقَدْ فَوَّتَ الْآخَرَ عَلَى نَفْسِهِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣، ص ٥٩٤
مشهد الغبن: المغبون يوصف بأنه تغير في عقله
لِأَنَّ الْمَغْبُونَ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي الدُّنْيَا مَذْمُومٌ حَتَّى يُوصَفَ بِأَنَّهُ تَغَيَّرَ فِي عَقْلِهِ فَبِأَنْ يُذَمَّ مُشْتَرِي مَتَاعِ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ أَوْلَى.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣، ص ٥٩٤
نقل الحرالي: تقابل الدنيا والآخرة — نزول قدر وتعجّل مقابل علو قدر وتأخر
{الذين اشتروا} أي لجوا فأخذوا {الحياة الدنيا} على خساستها {بالآخرة} مع نفاستها، والدنيا فُعلى من الدنو وهو الأنزل رتبة، في مقابلة عليا، ولأنه لزمتها العاجلة صارت في مقابلة الأخرى اللازمة للعلو، ففي الدنيا نزول قدر وتعجل وفي الأخرى علو قدر وتأخر، فتقابلتا على ما يفهم تقابلين من معنى كل واحدة منهما - قاله الحرالي
نظم الدرر، البقاعي، جـ٢، ص ١٤

على البقرة ٩٠

بئس ما استعاضوا: الكفر بدل الإيمان مع العلم
{وللكافرين عذاب مهين} أي: مؤلم موجع, وهو صلي الجحيم, وفوت النعيم المقيم، فبئس الحال حالهم, وبئس ما استعاضوا واستبدلوا من الإيمان بالله وكتبه ورسله, الكفر به, وبكتبه, وبرسله, مع علمهم وتيقنهم, فيكون أعظم لعذابهم
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 41 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
باعوا أنفسهم بغياً وحسداً فباؤوا بغضب على غضب
فلما جاءهم هذا الكتاب والنبي الذي عرفوا, كفروا به, بغيا وحسدًا, أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، فلعنهم الله, وغضب عليهم غضبا بعد غضب, لكثرة كفرهم وتوالى شكهم وشركهم
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 41 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
بئسما اشتروا به أنفسهم: آثروا الدنيا فكفروا حسدا
فَقَوْلُهُ تَعَالَى هُنَا: بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ مُجَازٌ أُطْلِقَ فِيهِ الِاشْتِرَاءُ عَلَى اسْتِبْقَاءِ الشَّيْءِ الْمَرْغُوبِ فِيهِ تَشْبِيهًا لِاسْتِبْقَائِهِ بِابْتِيَاعِ شَيْءٍ مَرْغُوبٍ فِيهِ فَهُمْ قَدْ آثَرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الدُّنْيَا فَأَبْقَوْا عَلَيْهَا بِأَنْ كَفَرُوا بِالْقُرْآنِ حَسَدًا
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١، ص ٦٠٤
تمثيل لمن حاول تجارة ليربح فأصابه خسران
وَعَلَى كِلَا التَّفْسِيرَيْنِ يَكُونُ اشْتَرَوْا مَعَ مَا تَفَرَّعَ عَنْهُ من قَوْله: فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ تَمْثِيلًا لِحَالِهِمْ بِحَالِ مَنْ حَاوَلَ تِجَارَةً لِيَرْبَحَ فَأَصَابَهُ خُسْرَانٌ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١، ص ٦٠٥
فباؤوا بغضب: رجعوا من الصفقة كتاجر رجع خاسرا
وَقَوله: فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ أَيْ فَرَجَعُوا مِنْ تِلْكَ الصَّفْقَةِ وَهِيَ اشْتِرَاءُ أَنْفُسِهِمْ بِالْخُسْرَانِ الْمُبِينِ وَهُوَ تَمْثِيلٌ لِحَالِهِمْ بِحَالِ الْخَارِجِ بِسِلْعَتِهِ لِتِجَارَةٍ فَأَصَابَتْهُ خَسَارَةٌ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١، ص ٦٠٥
اختيار سلعة على سلعة
أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا مَكَّنَ الْمُكَلَّفَ مِنَ الْإِيمَانِ الَّذِي يُفْضِي بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْكُفْرِ الَّذِي يُؤَدِّي بِهِ إِلَى النَّارِ صَارَ اخْتِيَارُهُ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ بِمَنْزِلَةِ اخْتِيَارِ تَمَلُّكِ سِلْعَةٍ عَلَى سِلْعَةٍ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣، ص ٦٠١
من يشتري نفسه بأعماله ومن يبيعها بكفره
أَنَّ الْمُكَلَّفَ إِذَا كَانَ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ يَأْتِي بِأَعْمَالٍ يَظُنُّ أَنَّهَا تُخَلِّصُهُ مِنَ الْعِقَابِ فَكَأَنَّهُ قَدِ اشْتَرَى نَفْسَهُ بِتِلْكَ الْأَعْمَالِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣، ص ٦٠١
اشتروا أنفسهم أي حظوظهم — عكس ما فعل المؤمنون من بيعهم لأنفسهم لله
بئس شيء) اشتروا به أنفسهم) أي حظوظهم، فقدموها وآقروها فكان ذلك عين فأخبرها عكس ما فعل المؤمنون من بيعهم لأنفسهم وخروجهم عنها بتعبدهم لله بإيثار ما يرضيه ع لى هوى أنفسهم، فكان ذلك عين تحصيلها وتقديمها
نظم الدرر، البقاعي، جـ٢، ص ٤٤
اشتروا بمعنى باعوا: بذلوها للشيطان كما بذل المؤمنون أنفسهم لله
ويجوز أن يكون) اشتروا (بمعنى باعوا، لأنهم بذلوها للشيطان بالكفر كما بذل المؤمنون أنفسهم لله بالإيمان
نظم الدرر، البقاعي، جـ٢، ص ٤٤

على آل عمران ١٧٧

زهدوا في الإيمان ورغبوا في الكفر فلن يضروا الله
وكيف يضرون الله شيئًا، وهم قد زهدوا أشد الزهد في الإيمان، ورغبوا كل الرغبة بالكفر بالرحمن؟! فالله غني عنهم، وقد قيض لدينه من عباده الأبرار الأزكياء سواهم
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 225 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
تكرير لن يضروا الله للاهتمام وتسلية الرسول
تَكْرِيرٌ لِجُمْلَةِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً قُصِدَ بِهِ، مَعَ التَّأْكِيدِ، إِفَادَةُ هَذَا الْخَبَرِ اسْتِقْلَالًا لِلِاهْتِمَامِ بِهِ بَعْدَ أَنْ ذُكِرَ عَلَى وَجْهِ التَّعْلِيلِ لِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٤، ص ١٧٤
الاشتراء مستعار للاستبدال كآية البقرة
وَالِاشْتِرَاءُ مُسْتَعَارٌ لِلِاسْتِبْدَالِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فِي سُورَة الْبَقَرَة [16]
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٤، ص ١٧٤
صورة المشتري: أعطوا الإيمان وأخذوا الكفر
فَكَأَنَّهُمْ أَعْطَوُا الْإِيمَانَ وَأَخَذُوا الْكُفْرَ بَدَلًا عَنْهُ كَمَا يَفْعَلُ الْمُشْتَرِي مِنْ إِعْطَاءِ شَيْءٍ وَأَخْذِ غَيْرِهِ بَدَلًا عَنْهُ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٩، ص ٤٣٧
غاية الحماقة: بيع السعادة العظيمة بالقليل
وَمَنْ كَانَ عَقْلُهُ هَذَا الْقَدْرَ، وَهُوَ أَنَّهُ يَبِيعُ بِالْقَلِيلِ مِنَ الدُّنْيَا السَّعَادَةَ الْعَظِيمَةَ فِي الْآخِرَةِ كَانَ فِي غَايَةِ الْحَمَاقَةِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٩، ص ٤٣٨
أخذوا الكفر وتركوا الإيمان: لذة العوض في الشرى الخاسر
{إن الذين اشتروا الكفر} أي فأخذوه {بالإيمان} أي فتركوه، وأكد نفي الضرر وأبده فقال: {لن يضروا الله} أي الذي لا كفوء له {شيئاً} لما يريد سبحانه وتعالى من الإعلاء للإسلام وأهله، وختمها بقوله: {ولهم عذاب أليم *} لما نالوه من لذة العوض في ذلك الشرى كما هي العادة في كل متجدد من الأرباح والفوائد
نظم الدرر، البقاعي، جـ٥، ص ١٣٤
درهم صغير واحد على كفة ميزانٍ هابطة، والكفة الأخرى مشدودة إلى أعلى بخيطٍ من نور
المحطة الثالثة

ثمناً قليلاً

قد يكون رئاسةً أو ملايين… فلماذا يسميه القرآن قليلاً دائماً؟
۞
وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ۖ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ
البقرة ٤١
فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ
البقرة ٧٩
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَـٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
آل عمران ٧٧
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ
آل عمران ١٨٧
إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ
المائدة ٤٤
وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ إِنَّمَا عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
النحل ٩٥
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا ۚ أُولَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ
لقمان ٦
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
القاعدة عند الرازي حسابٌ خالص: نسبةُ المتناهي إلى غير المتناهي — فكل عوضٍ عن الوحي قليلٌ ولو كان أعظم المكتسبات كما قال ابن عاشور، وعند الحرالي: القلةُ ما قصر عن الكفاية. وتتنوع صور البيع: كتمانُ حقٍّ لأجل رئاسة، ويمينٌ كاذبة تُنفَق بها سلعة، وأحكامٌ تُلوى خشيةَ الناس. وللصفقة وجهها اليومي المعاصر: ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله — قال البقاعي: ما يُقطع به الزمان من الغناء والمضحكات وكل ما لا اعتبار فيه.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على البقرة ٤١

العرض الأدنى مقابل السعادة الأبدية
ثم ذكر المانع لهم من الإيمان, وهو اختيار العرض الأدنى على السعادة الأبدية، فقال: {ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلًا} وهو ما يحصل لهم من المناصب والمآكل, التي يتوهمون انقطاعها, إن آمنوا بالله ورسوله, فاشتروها بآيات الله واستحبوها, وآثروها
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 26 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
اختيار الثمن القليل دليل ترحّل التقوى
فإنكم إذا اتقيتم الله وحده, أوجبت لكم تقواه, تقديم الإيمان بآياته على الثمن القليل، كما أنكم إذا اخترتم الثمن القليل, فهو دليل على ترحل التقوى من قلوبكم
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 26 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
دخول الباء على الآيات: جعلوها أهون العوضين
وَقَدْ عَدَّى الِاشْتِرَاءَ هُنَا إِلَى الْآيَاتِ بِالْبَاءِ فَكَانَتِ الْآيَاتُ هِيَ الْوَاقِعَةَ مَوْقِعَ الثَّمَنِ لِأَنَّ الثَّمَنَ هُوَ مُدْخَلُ الْبَاءِ فَدَلَّ دُخُولُ الْبَاءِ عَلَى أَنَّ الْآيَاتِ شُبِّهَتْ بِالثَّمَنِ فِي كَوْنِهَا أَهْوَنَ الْعِوَضَيْنِ عِنْدَ الْمُسْتَبْدِلِ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١، ص ٤٦٤
مغبونو الصفقة: بذلوا أنفس شيء وأخذوا حظا قليلا
وَفِي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِهِمْ فِي أَنَّهُمْ مَغْبُونُو الصَّفْقَةِ إِذْ قَدْ بَذَلُوا أَنْفَسَ شَيْءٍ وَأَخَذُوا حَظًّا مَا قَلِيلًا
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١، ص ٤٦٤
عظم الآيات بشيئين وحقر العوض بتحقيرين
قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَرَفَةَ: عِظَمُ الْآيَاتِ بِشَيْئَيْنِ الْجَمْعُ وَالْإِضَافَةُ إِلَى ضَمِيرِ الْجَلَالَةِ وَحَقَّرَ الْعِوَضَ بِتَحْقِيرَيْنِ التَّنْكِيرُ وَالْوَصْفُ بِالْقِلَّةِ اهـ أَيْ وَفِي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِغَبْنِ صَفْقَتِهِمْ إِذِ اسْتَبْدَلُوا نَفِيسًا بِخَسِيسٍ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١، ص ٤٦٥
صفة كاشفة: الثمن قليل ولو كان أعظم متمول
وَأَقُولُ وَصْفُ قَلِيلًا صِفَةٌ كَاشِفَةٌ لِأَنَّ الثَّمَنَ الَّذِي تُبَاعُ بِهِ إِضَاعَةُ الْآيَاتِ هُوَ قَلِيلٌ وَلَوْ كَانَ أَعْظَمَ مُتَمَوِّلٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا أَضَاعَهُ آخِذُ ذَلِكَ الثَّمَنِ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١، ص ٤٦٥
الاشتراء استبدال والثمن بدل
أَنَّ الِاشْتِرَاءَ يُوضَعُ مَوْضِعَ الِاسْتِبْدَالِ فَكَذَا الثَّمَنُ يُوضَعُ مَوْضِعَ الْبَدَلِ عَنِ الشَّيْءِ، وَالْعِوَضِ عَنْهُ، فَإِذَا اخْتِيرَ عَلَى ثَوَابِ اللَّهِ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا فَقَدْ جُعِلَ ذَلِكَ الشَّيْءُ ثَمَنًا عِنْدَ فَاعِلِهِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣، ص ٤٨٤
حساب النسبة: المتناهي إلى غير المتناهي
وَذَلِكَ لِأَنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الدِّينِ قَلِيلَةٌ جِدًّا فَنِسْبَتُهَا إِلَيْهِ نِسْبَةُ الْمُتَنَاهِي إِلَى غَيْرِ الْمُتَنَاهِي، ثُمَّ تِلْكَ الْهَدَايَا كَانَتْ فِي نِهَايَةِ الْقِلَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الدُّنْيَا، فَالْقَلِيلُ جِدًّا مِنَ الْقَلِيلِ جِدًّا أَيُّ نِسْبَةٍ لَهُ إِلَى الْكَثِيرِ الَّذِي لَا يَتَنَاهَى؟
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣، ص ٤٨٤
الثمن القليل: رياسة القوم — والحرالي: القلة ما قصر عن الكفاية
أي تتكلفوا وتلحوا في أن تستبدلوا {بآياتي} أي التي تعلمونها في الأمر باتباع هذا النبي الكريم {ثمناً قليلاً} وهو رياسة قومكم وما تأخذونه من الملوك وغيرهم على حمل الشريعة، والقلة ما قصر عن الكفاية - قاله الحرالي
نظم الدرر، البقاعي، جـ١، ص ٣١٩

على البقرة ٧٩

ويلٌ مما كتبت أيديهم وويلٌ مما يكسبون
ولهذا توعدهم بهذين الأمرين فقال: {فويل لهم مما كتبت أيديهم} أي: من التحريف والباطل {وويل لهم مما يكسبون} من الأموال، والويل: شدة العذاب والحسرة, وفي ضمنها الوعيد الشديد
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 37 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
كتب كتاباً مخالفاً لينال به دنيا
ومتناول لمن كتب كتابا بيده مخالفا لكتاب الله, لينال به دنيا وقال: إنه من عند الله, مثل أن يقول: هذا هو الشرع والدين
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 37 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
ثمن الكتابة بالأيدي: إرضاء العامة بتغيير أحكام الدين
وَقَوْلُهُ: لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا هُوَ كَقَوْلِهِ: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا [الْبَقَرَة:41] وَالثَّمَنُ الْمَقْصُودُ هُنَا هُوَ إِرْضَاءُ الْعَامَّةِ بِأَنْ غَيَّرُوا لَهُمْ أَحْكَامَ الدِّينِ عَلَى مَا يُوَافِقُ أَهْوَاءَهُمْ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١، ص ٥٧٧
شنشنة الجهلة المتطلعين إلى الرئاسة في صور العلماء
وَهَذِهِ شَنْشَنَةُ الْجَهَلَةِ الْمُتَطَلِّعِينَ إِلَى الرِّئَاسَة عَن غَيْرِ أَهْلِيَّةٍ لِيَظْهَرُوا فِي صُوَرِ الْعُلَمَاءِ لَدَى أَنْظَارِ الْعَامَّةِ وَمَنْ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الشَّحْمِ وَالْوَرَمِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١، ص ٥٧٧
ويلان: جزاء بالشر على الوسيلة وعلى المقصد
وَقَوْلُهُ: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ تَفْصِيلٌ لِجِنْسِ الْوَيْلِ إِلَى وَيْلَيْنِ وَهُمَا مَا يَحْصُلُ لَهُمْ مِنَ الشَّرِّ لِأَجْلِ مَا وَضَعُوهُ وَمَا يَحْصُلُ لَهُمْ لِأَجْلِ مَا اكْتَسَبُوهُ مِنْ جَرَّاءَ ذَلِكَ فَهُوَ جَزَاءٌ بِالشَّرِّ عَلَى الْوَسِيلَةِ وَعَلَى الْمَقْصِدِ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١، ص ٥٧٧
باعوا آخرتهم بدنياهم فعظم ذنبهم
لِأَنَّهُمْ ضَلُّوا عَنِ الدِّينِ وَأَضَلُّوا وَبَاعُوا آخِرَتَهُمْ بِدُنْيَاهُمْ، فَذَنْبُهُمْ أَعْظَمُ مِنْ ذَنْبِ غَيْرِهِمْ، فَإِنَّ الْمَعْلُومَ أَنَّ الْكَذِبَ عَلَى الْغَيْرِ بِمَا يَضُرُّ يَعْظُمُ إِثْمُهُ فَكَيْفَ بِمَنْ يَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ وَيَضُمُّ إِلَى الْكَذِبِ الْإِضْلَالَ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣، ص ٥٦٥
نهاية الشقاوة: عقاب عظيم بنفع حقير
أَنَّهُ تَنْبِيهٌ عَلَى نِهَايَةِ شَقَاوَتِهِمْ لِأَنَّ الْعَاقِلَ يَجِبُ أَنْ لَا يَرْضَى بِالْوِزْرِ الْقَلِيلِ فِي الْآخِرَةِ لِأَجْلِ الْأَجْرِ الْعَظِيمِ فِي الدُّنْيَا، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أَنْ يَرْضَى بِالْعِقَابِ الْعَظِيمِ فِي الْآخِرَةِ لِأَجْلِ النَّفْعِ الْحَقِيرِ فِي الدُّنْيَا
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣، ص ٥٦٥
الويل جماع الشر كله (عن الحرالي) لكاتبي الكتاب بأيديهم
فقال: {فويل} والويل جماع الشر كله - قاله الحرالي. {للذين يكتبون} أي منهم ومن غيرهم {الكتاب} أي الذي يعلمون أنه من عندهم لا من عند الله {بأيديهم}
نظم الدرر، البقاعي، جـ١، ص ٤٩٢
باعوا الكذب المصنوع بثمن قليل فويلٌ مما يكسبون
{ليشتروا به} أي بهذا الكذب الذي صنعوه {ثمناً قليلاً} ثم سبب عنه قوله: {فويل لهم مما كتبت أيديهم} من ذلك الكذب على الله {وويل لهم مما يكسبون *} أي يجدون كسبه مما اشتروه به
نظم الدرر، البقاعي، جـ١، ص ٤٩٢

على آل عمران ٧٧

كل من أخذ من الدنيا مقابل ترك حق الله داخل فيها
{إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا} ويدخل في ذلك كل من أخذ شيئًا من الدنيا في مقابلة ما تركه من حق الله أو حق عباده، وكذلك من حلف على يمين يقتطع بها مال معصوم فهو داخل في هذه الآية، فهؤلاء {لا خلاق لهم في الآخرة} أي: لا نصيب لهم من الخير {ولا يكلمهم الله} يوم القيامة غضبًا عليهم وسخطًا، لتقديمهم هوى أنفسهم على رضا ربهم
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 185 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
من باع عهد الله بثمن قليل بلغ الغاية في الجرأة على الله
وَقَوْلُهُ: وَلا يُزَكِّيهِمْ أَيْ لَا يُطَهِّرُهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ وَلَا يُقْلِعُونَ عَنْ آثَامِهِمْ، لِأَنَّ مَنْ بَلَغَ مِنْ رِقَّةِ الدِّيَانَةِ إِلَى حَدِّ أَنْ يَشْتَرِيَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، فَقَدْ بَلَغَ الْغَايَةَ الْقُصْوَى فِي الْجُرْأَةِ عَلَى اللَّهِ، فَكَيْفَ يُرْجَى لَهُ صَلَاحٌ بَعْدَ ذَلِكَ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٢٩٠
من شابههم في هذه الصفات فهو لاحق بهم
وَفِي مَجِيءِ هَذَا الْوَعِيدِ، عَقِبَ الصِّلَةِ، وَهِيَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ الْآيَةَ، إِيذَانٌ بِأَنَّ مَنْ شَابَهَهُمْ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ فَهُوَ لَاحِقٌ بِهِمْ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٢٩٠
نزلت في حالف السوق ليوقع رجلا من المسلمين
وَفِي «الْبُخَارِيِّ» ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى: أَنَّ رَجُلًا أَقَامَ سِلْعَةً فِي السُّوقِ فَحَلَفَ لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا مَا لَمْ يُعْطَهُ لِيُوقِعَ فِيهَا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣، ص ٢٩٠
الحديث ثابت: أخرجه البخاري (٢٠٨٨ و٤٥٥١) من حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه.
تشريح لفظ الشراء: يأخذ شيئاً ويعطي شيئاً
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ مَعْنَى الشِّرَاءِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَأْخُذُ شَيْئًا وَيُعْطِي شَيْئًا فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُعْطَى وَالْمَأْخُوذِ ثَمَنٌ لِلْآخَرِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٨، ص ٢٦٦
خمسة أنواع من الجزاء على الشراء بعهد الله
وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى فَرَّعَ عَلَى ذَلِكَ الشَّرْطِ وَهُوَ الشِّرَاءُ بِعَهْدِ اللَّهِ وَالْأَيْمَانِ ثَمَنًا قَلِيلًا، خَمْسَةَ أَنْوَاعٍ مِنَ الْجَزَاءِ أَرْبَعَةٌ مِنْهَا فِي بَيَانِ صَيْرُورَتِهِمْ مَحْرُومِينَ عَنِ الثَّوَابِ وَالْخَامِسُ فِي بَيَانِ وُقُوعِهِمْ فِي أَشَدِّ الْعَذَابِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٨، ص ٢٦٦
باعوا عهد الله بنصيب الدنيا فلا خلاق لهم في الآخرة
{إن الذين يشترون} أي يلجون في أن يأخذوا على وجه العوض {بعهد الله} أي الذي عاهدوه عليه من الإيمان بالرسول الذي عاهدهم على الإيمان به وذكر صفته للناس، وهو سبحانه أعلى وأعز من كل شيء فهو محيط بكل شيء قدرة وعلماً {وأيمانهم} أي التي عقدوها بالتزام متابعة الحق على ألسنة الرسل بما دل عليه العقل {ثمناً قليلاً} في الدنيا {أولئك} أي البعيدو الرتبة في الدناءة {لا خلاق} أي نصيب {لهم في الآخرة} أي لبيعهم له بنصيب الدنيا
نظم الدرر، البقاعي، جـ٤، ص ٤٦٣

على آل عمران ١٨٧

باعوا بيان الحق برئاسات وأموال حقيرة
فنبذوا هذه العهود والمواثيق وراء ظهورهم، فلم يعبأوا بها، فكتموا الحق، وأظهروا الباطل، تجرؤا على محارم الله، وتهاونا بحقوق الله، وحقوق الخلق، واشتروا بذلك الكتمان ثمنا قليلا، وهو ما يحصل لهم إن حصل من بعض الرياسات، والأموال الحقيرة، من سفلتهم المتبعين أهواءهم
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 230 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
بئس ما يشترون: أخس العوض مقابل أعظم المطالب
{فبئس ما يشترون} لأنه أخس العوض، والذي رغبوا عنه ـ وهو بيان الحق، الذي فيه السعادة الأبدية، والمصالح الدينية والدنيوية ـ أعظم المطالب وأجلها، فلم يختاروا الدنيء الخسيس ويتركوا العالي النفيس، إلا لسوء حظهم وهوانهم، وكونهم لا يصلحون لغير ما خلقوا له
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 230 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
نبذ الميثاق وراء الظهور: تمثيل للإضاعة والإهمال
وَالنَّبْذُ: الطَّرْحُ وَالْإِلْقَاءُ، وَهُوَ هُنَا مُسْتَعَارٌ لِعَدَمِ الْعَمَلِ بِالْعَهْدِ تَشْبِيهًا لِلْعَهْدِ بِالشَّيْءِ الْمَنْبُوذِ فِي عَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِهِ.وَوَرَاءُ الظُّهُورِ هُنَا تَمْثِيلٌ لِلْإِضَاعَةِ وَالْإِهْمَالِ، لِأَنَّ شَأْنَ الشَّيْءِ الْمُهْتَمِّ بِهِ الْمُتَنَافَسِ فِيهِ أَنْ يُجْعَلَ نُصْبَ الْعَيْنِ وَيُحْرَسَ وَيُشَاهَدَ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٤، ص ١٩٢
الثمن القليل: الرشى والجوائز على تأييد المظالم
وَالِاشْتِرَاءُ هُنَا مَجَازٌ فِي الْمُبَادَلَةِ وَالثَّمَنِ الْقَلِيلِ، وَهُوَ مَا يَأْخُذُونَهُ مِنَ الرُّشَى وَالْجَوَائِزِ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالظُّلْمِ مِنَ الرُّؤَسَاءِ وَالْعَامَّةِ عَلَى تَأْيِيدِ الْمَظَالِمِ وَالْمَفَاسِدِ بِالتَّأْوِيلَاتِ الْبَاطِلَةِ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٤، ص ١٩٢
النبذ وراء الظهر ونقيضه: نصب العين
وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ لَمْ يُرَاعُوهُ وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ، وَالنَّبْذُ وَرَاءَ الظَّهْرِ مِثْلُ الطَّرْحِ وَتَرْكِ الِاعْتِدَادِ، وَنَقِيضُهُ: جَعْلُهُ نُصْبَ عَيْنِهِ وَإِلْقَاؤُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٩، ص ٤٥٦
كل من كتم الحق لغرض فاسد داخل في الوعيد
فَكُلُّ مَنْ لَمْ يُبَيِّنِ الْحَقَّ لِلنَّاسِ وَكَتَمَ شَيْئًا مِنْهُ لِغَرَضٍ فَاسِدٍ، مِنْ تَسْهِيلٍ عَلَى الظَّلَمَةِ وَتَطْيِيبٍ لِقُلُوبِهِمْ، أَوْ لِجَرِّ مَنْفَعَةٍ، أَوْ لِتَقِيَّةٍ وَخَوْفٍ، أَوْ لِبُخْلٍ بِالْعِلْمِ دخل تحت هذا الوعيد
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٩، ص ٤٥٦
ثمن هو خسارة لا ربح فيه؛ وصيغة الافتعال تنبيه على اللجاج
ولما كان الثمن الذي اشتروه خسارة لا ربح فيه أصلاً على العكس مما بذلوه على أنه ثمن، وكان الثمن إذا نض زالت مظنة الربح منه عبر عنه بقوله: {ثمناً} وزاد في بيان سفههم بقوله: {قليلاً} أي بالاستكثار من المال والاستئمار للرئاسة، قكتموا ما عندهم من العلم بهذا النبي الكريم {فبئس ما يشترون *} أي لأنه مع فنائه أورثهم العار الدائم والنار الباقية، وعبر عن هذا الأخذ بالشراء إعلاماً بلجاجهم فيه، ونبه بصيغة الافتعال على مبالغتهم في اللجاج
نظم الدرر، البقاعي، جـ٥، ص ١٥٢

على المائدة ٤٤

كتمان الحق لأجل متاع الدنيا القليل
وأن لا يخشوا الناس بل يخشون ربهم، ولهذا قال: {فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلًا} فتكتمون الحق، وتظهرون الباطل، لأجل متاع الدنيا القليل
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 369 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
من باع الدين بالدنيا وارتشى في أحكامه
كما أن علامة شقاوة العالم أن يكون مخلدا للبطالة، غير قائم بما أمر به، ولا مبال بما استحفظ عليه، قد أهمله وأضاعه، قد باع الدين بالدنيا، قد ارتشى في أحكامه، وأخذ المال على فتاويه، ولم يعلم عباد الله إلا بأجرة وجعالة
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 369 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
تمام الاستحفاظ: عدم المبالاة بالناس وقصر الاعتداد على رضا الله
لِأَنَّ تَمَامَ الِاسْتِحْفَاظِ يَظْهَرُ فِي عَدَمِ الْمُبَالَاةِ بِالنَّاسِ رَضُوا أَمْ سَخِطُوا، وَفِي قَصْرِ الِاعْتِدَادِ عَلَى رِضَا اللَّهِ تَعَالَى.وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي مَعْنَى وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [41]
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٦، ص ٢١٠
خشية الناس: مخالفة أحكام كتب الله لإرضاء أهوائهم
لِأَنَّ مَعْنَى خَشْيَةِ النَّاسِ هُنَا أَنْ تُخَالَفَ أَحْكَامُ شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ أَوْ غَيْرِهَا مَنْ كُتُبِ اللَّهِ لِإِرْضَاءِ أَهْوِيَةِ النَّاسِ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٦، ص ٢١٠
نهي عن التبديل رهبةً ثم رغبةً
وَلَمَّا ذَكَرَ أَمْرَ الرَّهْبَةِ أَتْبَعَهُ بِأَمْرِ الرَّغْبَةِ، فَقَالَ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا أَيْ كَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ تَغْيِيرِ أَحْكَامِي لِأَجْلِ الْخَوْفِ وَالرَّهْبَةِ، فَكَذَلِكَ أَنْهَاكُمْ عَنِ التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ لِأَجْلِ الطَّمَعِ فِي الْمَالِ وَالْجَاهِ وَأَخْذِ الرَّشْوَةِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٢، ص ٣٦٧
قليل من قليل يُضيَّع به الثواب المؤبد
فَإِنَّ كُلَّ مَتَاعِ الدُّنْيَا قَلِيلٌ، وَالرَّشْوَةُ الَّتِي تَأْخُذُونَهَا مِنْهُمْ فِي غَايَةِ الْقِلَّةِ، وَالرَّشْوَةُ لِكَوْنِهَا سُحْتًا تَكُونُ قَلِيلَةَ الْبَرَكَةِ وَالْبَقَاءِ وَالْمَنْفَعَةِ، فَكَذَلِكَ الْمَالُ الَّذِي تَكْتَسِبُونَهُ قَلِيلٌ مِنْ قَلِيلٍ، ثُمَّ أَنْتُمْ تُضَيِّعُونَ بِسَبَبِهِ الدِّينَ وَالثَّوَابَ الْمُؤَبَّدَ، وَالسَّعَادَاتِ الَّتِي لَا نِهَايَةَ لَهَا.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٢، ص ٣٦٧
الآيات مُثمَّن لا ثمن: تعجّبٌ من الرغبة عنها
ولما كان الاشتراء معناه اللجاجة في أخذ شيء بثمن، وكان المثمن أشرف من الثمن من حيث إنه المرغوب فيه، جعل الآيات مثمناً وإن اقترنت بالباء، حتى يفيد الكلام التعجب من الرغبة عنها، وأنها لا يصح كونها ثمناً فقال: {بآياتي ثمناً قليلاً} أي من الرشى وغيرها لتبدلوها كما بدل أهل الكتاب
نظم الدرر، البقاعي، جـ٦، ص ١٤٦

على النحل ٩٥

لا يبيع العاقل الباقي النفيس بالفاني الخسيس
يحذر تعالى عباده من نقض العهود والأيمان لأجل متاع الدنيا وحطامها فقال: {ولا تشتروا بعهد الله ثمنًا قليلًا} تنالونه بالنقض وعدم الوفاء {إنما عند الله} من الثواب العاجل والآجل لمن آثر رضاه، وأوفى بما عاهد عليه الله {هو خير لكم} من حطام الدنيا الزائلة
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 788 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
آثروا ما يبقى على ما يفنى
فآثروا ما يبقى على ما يفنى فإن الذي عندكم ولو كثر جدا لا بد أن {ينفد} ويفنى، {وما عند الله باق} ببقائه لا يفنى ولا يزول، فليس بعاقل من آثر الفاني الخسيس على الباقي النفيس
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 788 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
كل عوض يؤخذ عن نقض عهد الله قليل ولو كان أعظم المكتسبات
وَذَكَرْنَا هُنَاكَ أَنَّ قَلِيلًا صِفَةٌ كَاشِفَةٌ وَلَيْسَتْ مُقَيَّدَةً، أَيْ أَنَّ كُلَّ عِوَضٍ يُؤْخَذُ عَنْ نَقْضِ عَهْدِ اللَّهِ هُوَ عِوَضٌ قَلِيلٌ وَلَوْ كَانَ أَعْظَمَ الْمُكْتَسَبَاتِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٤، ص ٢٧٠
ما عند الله خير من كل ثمن وإن عظم قدره
وَجُمْلَةُ إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ بِاعْتِبَارِ وَصْفِ عِوَضِ الِاشْتِرَاءِالْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِالْقِلَّةِ، فَإِنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ مِنْ كُلِّ ثَمَنٍ وَإِنْ عَظُمَ قَدْرُهُ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٤، ص ٢٧٠
عطاء الله لا يفنى وعطاء الناس ينفد ولو كثر
أَيْ مَا عِنْدَ اللَّهِ لَا يَفْنَى فَالْأَجْدَرُ الِاعْتِمَادُ عَلَى عَطَاءِ اللَّهِ الْمَوْعُودِ عَلَى الْإِسْلَامِ دُونَ الِاعْتِمَادِ عَلَى عَطَاءِ النَّاسِ الَّذِينَ يَنْفَدُ رِزْقُهُمْ وَلَوْ كَثُرَ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٤، ص ٢٧١
عرض الدنيا قليل وإن كان كثيراً
وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا يُرِيدُ عَرَضَ الدُّنْيَا وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا، إِلَّا أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، يَعْنِي أَنَّكُمْ وَإِنْ وَجَدْتُمْ عَلَى نَقْضِ عَهْدِ الْإِسْلَامِ خَيْرًا مِنْ خَيْرَاتِ الدُّنْيَا، فَلَا تَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٠، ص ٢٦٦
الحس والعقل: الباقي خير من المنقطع
الْحِسُّ شَاهِدٌ بِأَنَّ خَيْرَاتِ الدُّنْيَا مُنْقَطِعَةٌ، وَالْعَقْلُ دَلَّ عَلَى أَنَّ خَيْرَاتِ الْآخِرَةِ بَاقِيَةٌ، وَالْبَاقِي خَيْرٌ مِنَ الْمُنْقَطِعِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا الْمُنْقَطِعَ إِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ كَانَ خَيْرًا عَالِيًا شَرِيفًا أَوْ كَانَ خَيْرًا دَنِيًّا خَسِيسًا، فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ كَانَ خَيْرًا عَالِيًا شَرِيفًا فَالْعِلْمُ بِأَنَّهُ سَيَنْقَطِعُ يَجْعَلُهُ مُنَغَّصًا حَالَ حُصُولِهِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٠، ص ٢٦٦
لماذا الثمن قليل: حطام الدنيا وإن رأيتموه كثيراً — ولا يعدل عن الخير إلا لجوج
{بعهد الله} أي الذي له الكمال كله {ثمناً قليلاً} أي من حطام الدنيا وإن كنتم ترونه كثيراً، ثم علل قلته بقوله تعالى: {إنما عند الله} أي الذي له الجلال والإكرام من ثواب الدارين {هو خير لكم} ولا يعدل عن الخير إلى ما دونه إلا لجوج ناقص العقل
نظم الدرر، البقاعي، جـ١١، ص ٢٤٧
ما عندكم ينفد: صاحب الفاني منغّص العيش بانقطاعه
{ما عندكم} أي من أعراض الدنيا، وهو الذي تتعاطونه بطباعكم {ينفد} أي يفنى، فصاحبه منغص العيش أشد ما يكون به اغتباطاً بانقطاعه أو بتجويز انقطاعه إن كان في عداد من يعلم {وما عند الله} أي الذي له الأمر كله من الثواب {باق} فليؤتينكم منه إن ثبتم على عهده
نظم الدرر، البقاعي، جـ١١، ص ٢٤٧

على لقمان ٦

يبذل الثمن في لهو الحديث الصادّ عن أجلّ مطلوب
أي: {ومن الناس من} هو محروم مخذول {يشتري} أي: يختار ويرغب رغبة من يبذل الثمن في الشيء. {لهو الحديث} أي: الأحاديث الملهية للقلوب، الصادَّة لها عن أجلِّ مطلوب
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1151 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
ترك أحسن الحديث واستبدل به أسفل قول
ذكر من أعرض عنه، ولم يرفع به رأسا، وأنه عوقب على ذلك، بأن تعوض عنه كل باطل من القول، فترك أعلى الأقوال، وأحسن الحديث، واستبدل به أسفل قول وأقبحه
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1151 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
اشتراء لهو الحديث: صريحه وكنايته
وَالِاشْتِرَاءُ كِنَايَةٌ عَنِ الْعِنَايَةِ بِالشَّيْءِ وَالِاغْتِبَاطِ بِهِ وَلَيْسَ هُنَا اسْتِعَارَةً بِخِلَافِ قَوْلِهِ أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [16] فَالِاشْتِرَاءُ هُنَا مُسْتَعْمَلٌ فِي صَرِيحِهِ وَكِنَايَتِهِ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢١، ص ١٤٢
اللهو: تشغيل البال وتقصير وقت البطالة دون نفع
وَاللَّهْوُ: مَا يُقْصَدُ مِنْهُ تَشْغِيلُ الْبَالِ وَتَقْصِيرُ طُولِ وَقْتِ الْبِطَالَةِ دُونَ نَفْعٍ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَتْ فِي ذَلِكَ مَنْفَعَةٌ لَمْ يَكُنِ الْمَقْصُودُ مِنْهُ اللَّهْوَ بَلْ تِلْكَ الْمَنْفَعَةُ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢١، ص ١٤٢
لم يكن قصده مجرد اللهو بل الصد عن سبيل الله
وَمَعْنَى لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِيُلْهِيَ قُرَيْشًا عَنْ سَمَاعِ الْقُرْآنِ فَإِنَّ الْقُرْآنَ سَبِيلٌ مُوَصِّلٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، أَيْ إِلَى الدِّينِ الَّذِي أَرَادَهُ، فَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ مُجَرَّدَ اللَّهْوِ بَلْ تَجَاوَزَهُ إِلَى الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢١، ص ١٤٣
بغير علم: عن غير بصيرة حيث يستبدل الباطل بالحق
فَالْمَعْنَى: يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أَيْ عَنْ غَيْرِ بَصِيرَةٍ فِي صَالِحِ نَفْسِهِ حَيْثُ يَسْتَبْدِلُ الْبَاطِلَ بِالْحَقِّ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢١، ص ١٤٣
تدرج القبح في شراء اللهو
أَنَّ تَرْكَ الْحِكْمَةِ وَالِاشْتِغَالَ بِحَدِيثٍ آخَرَ قَبِيحٌ الثَّانِي: هُوَ أَنَّ الْحَدِيثَ إِذَا كَانَ لَهْوًا لَا فَائِدَةَ فِيهِ كَانَ أَقْبَحَ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٥، ص ١١٥
لما كان قصده الإضلال كان أدخل في القبح
فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُمْ إِلَّا الْإِضْلَالَ لِقَوْلِهِ: لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَانَ فِعْلُهُ أَدْخَلَ فِي الْقُبْحِ.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٥، ص ١١٥
شراء لهو الحديث: ما يُقطع به الزمان من الغناء والمضحكات وكل شيء لا اعتبار فيه
{من يشتري} أي غير مهتد بالكتاب ولا مرحوم به {لهو الحديث} أي ما يلهي من الأشياء المتجددة التي تستلذ فيقطع بها الزمان من الغناء والمضحكات وكل شيء لا اعتبار فيه
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٥، ص ١٤٦
بابان متقابلان في سوق واحدة: بابٌ معتم موارب على ظلام، وباب مفتوح على بستان مضيء
المحطة الرابعة

المقابلة تنقلب

السلعة نفسها والعملة نفسها — والفرق كله في المشتري
۞
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ
البقرة ٢٠٧
فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ۚ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا
النساء ٧٤
وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۗ أُولَـٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ
آل عمران ١٩٩
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
قابل بين السطرين: بئسما اشتروا به أنفسهم — ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله. النفسُ نفسُها: باعها قومٌ للباطل، وباعها صهيبٌ لله فقال له النبي ﷺ: ربح البيع. والعملةُ نفسُها: اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة — والذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة في سبيل الله. حتى أهلُ الكتاب انقسموا سطرين متقابلين: واشتروا به ثمناً قليلاً — ولا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً. قال الرازي: هي المقابلة الصريحة بين باذل الدين وباذل الدنيا — فالسوق واحدة والسلع واحدة، والفارق كله: لمن تبيع.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على البقرة ٢٠٧

باعوا أنفسهم للمليء الوفي طلباً لمرضاته
هؤلاء هم الموفقون الذين باعوا أنفسهم وأرخصوها وبذلوها طلبا لمرضاة الله ورجاء لثوابه، فهم بذلوا الثمن للمليء الوفي الرءوف بالعباد، الذي من رأفته ورحمته أن وفقهم لذلك، وقد وعد الوفاء بذلك
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 110 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
غاية الخير: بذل أنفس الأشياء لتحصيل رضا الله
فَهَذَا الْقِسْمُ هُوَ الَّذِي تَمَحَّضَ فِعْلُهُ لِلْخَيْرِ حَتَّى بَلَغَ غَايَةَ ذَلِكَ وَهُوَ تَعْرِيضُ نَفْسِهِ الَّتِي هِيَ أَنْفَسُ الْأَشْيَاءِ عَلَيْهِ لِلْهَلَاكِ لِأَجْلِ تَحْصِيلِ مَا يُرْضِي اللَّهَ تَعَالَى
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ٢٧٢
يشري: يبيع نفسه لله وهذا أعلى درجات الإيمان
وَ (يَشْرِي) مَعْنَاهُ يَبِيع كَمَا أَن يَشْتَرِي بِمَعْنَى يَبْتَاعُ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا [الْبَقَرَة: 41] . وَاسْتُعْمِلَ (يَشْرِي) هُنَا فِي الْبَذْلِ مَجَازًا، وَالْمَعْنَى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَبْذُلُ نَفْسَهُ لِلْهَلَاكِ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ أَيْ هَلَاكًا فِي نَصْرِ الدِّينِ وَهَذَا أَعْلَى دَرَجَاتِ الْإِيمَانِ، لِأَنَّ النَّفْسَ أَغْلَى مَا عِنْد الْإِنْسَان.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ٢٧٣
ربح البيع أبا يحيى: شهادة النبي لصهيب
فَلَمَّا قدم على النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ حِينَ رَآهُ ربح البيع أيا يَحْيَى وَتَلَا عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ٢٧٣
المقابلة الصريحة: باذل الدين وباذل الدنيا
اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا وَصَفَ فِي الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ حَالَ مَنْ يَبْذُلُ دِينَهُ لِطَلَبِ الدُّنْيَا ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ حَالَ مَنْ يَبْذُلُ دُنْيَاهُ وَنَفْسَهُ وَمَالَهُ لِطَلَبِ الدِّينِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٥، ص ٣٤٩
النفس سلعة والله المشتري
وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْمُكَلَّفَ بَاعَ نَفْسَهُ بِثَوَابِ الْآخِرَةِ وَهَذَا الْبَيْعُ هُوَ أَنَّهُ بَذَلَهَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ، مِنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ، ثُمَّ تَوَصَّلَ بِذَلِكَ إِلَى وِجْدَانِ ثَوَابِ اللَّهِ، كَانَ مَا يَبْذُلُهُ مِنْ نَفْسِهِ كَالسِّلْعَةِ، وَصَارَ الْبَاذِلُ كَالْبَائِعِ، وَاللَّهُ كَالْمُشْتَرِي
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٥، ص ٣٥٠
المؤمن كالمكاتب: أنفاس معدودة بنفس أبدية
فَصَارَ حَالُ الْمُؤْمِنِ كَالْمُكَاتَبِ يَبْذُلُ دَارَهِمَ مَعْدُودَةً وَيَشْتَرِي بِهَا نَفْسَهُ فَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ يَبْذُلُ أَنْفَاسًا مَعْدُودَةً وَيَشْتَرِي بِهَا نَفْسَهُ أَبَدًا
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٥، ص ٣٥٠
من رأفته: يشتري ملكه بملكه
وَمِنْ رَأْفَتِهِ أَنَّ النَّفْسَ لَهُ وَالْمَالَ، ثُمَّ إِنَّهُ يَشْتَرِي مُلْكَهُ بِمُلْكِهِ فَضْلًا مِنْهُ ورحمة وإحسانا
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٥، ص ٣٥١
نزلت في صهيب: جعل ماله لقريش فقال له النبي: ربح البيع
وروي أنها نزلت في صهيب رضي الله تعالى عنه لأنه لما هاجر أرادت قريش رده فجعل لهم ماله حتى خلوا سبيله فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ربح البيع»
نظم الدرر، البقاعي، جـ٣، ص ١٧٧
الرواية ثابتة: أخرجها الحاكم في المستدرك (٣/٣٩٨) من حديث أنس رضي الله عنه وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
غاية الصفقة الرابحة: ابتغاء مرضاة الله بغاية الطلب
{ابتغآء} أي تطلب وتسهل وتيسر بغاية ما يمكن أن يكون كل من ذلك {مرضات الله} أي رضى المحيط بجميع صفات الكمال وزمان الرضى ومكانه بما دل عليه كون المصدر ميمياً ويكون ذلك غاية في بابه بما دل عليه من وقفه بالتاء الممدودة لما يعلم من شدّة رحمة الله تعالى به
نظم الدرر، البقاعي، جـ٣، ص ١٧٧

على النساء ٧٤

يبيعون الدنيا رغبةً عنها بالآخرة رغبةً فيها
{الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة} أي: يبيعون الدنيا رغبة عنها بالآخرة رغبة فيها. فإن هؤلاء الذين يوجه إليهم الخطاب لأنهم الذين قد أعدوا أنفسهم ووطنوها على جهاد الأعداء، لما معهم من الإيمان التام المقتضي لذلك
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 278 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
يشرون الحياة الدنيا: يبذلونها ويرغبون في حظ الآخرة
ويَشْرُونَ مَعْنَاهُ يَبِيعُونَ، لِأَنَّ شَرَى مُقَابِلُ اشْتَرَى، مِثْلَ بَاعَ وَابْتَاعَ وَأَكْرَى وَاكْتَرَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [16] . فَالَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا هُمُ الَّذِينَ يَبْذُلُونَهَا وَيَرْغَبُونَ فِي حَظِّ الْآخِرَةِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٥، ص ١٢١
يبعثهم بذل الحياة الدنيا لطلب الحياة الأبدية
لِأَنَّ فِي الصِّلَةِ إِيمَاءٌ إِلَى عِلَّةِ الْخَبَرِ، أَيْ يَبْعَثُهُمْ عَلَى الْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَذْلُهُمْ حَيَاتَهُمُ الدُّنْيَا لِطَلَبِ الْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٥، ص ١٢١
يشتري الدنيا من نفسه البخيلة بسعادة الآخرة
أَنَّ الْإِنْسَانَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَبْذُلَ هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فِي سَبِيلِ اللَّه بَخِلَتْ نَفْسُهُ بِهَا، فَاشْتَرَاهَا مِنْ نَفْسِهِ بِسَعَادَةِ الْآخِرَةِ لِيَقْدِرَ عَلَى بَذْلِهَا فِي سَبِيلِ اللَّه بِطِيبَةِ النَّفْسِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٠، ص ١٤٠
اترك ترجيح الفاني على الباقي
فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ الْقِتَالَ فَإِنَّمَا يَتْرُكُهُ رَغْبَةً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَذَلِكَ يُوجِبُ فَوَاتَ سَعَادَةِ الْآخِرَةِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ: اشْتَغِلْ بِالْقِتَالِ وَاتْرُكْ تَرْجِيحَ الْفَانِي عَلَى الْبَاقِي
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٠، ص ١٤٠
محط القاعد الدنيا وقصد المجاهد الآخرة: يبيعون الدنيا برغبة ولجاجة
ولما بين أن محط حال القاعد عن الجهاد الدنيا، علم أن قصد المجاهد الآخرة، فسبب عن ذلك قوله: {فليقاتل في سبيل الله} أي بسبب تسهيل طريق الملك الذي له الأمر كله وحفظ الناس عليه {الذين يشرون} أي يبيعون برغبة ولجاجة وهم المؤمنون، أو يأخذون وهم المنافقون - استعمالاً للمشترك في مدلوليه {الحياة الدنيا} فيتركونها {بالآخرة}
نظم الدرر، البقاعي، جـ٥، ص ٣٢٦

على آل عمران ١٩٩

لا يقدمون الدنيا على الدين: أعظم الخسران الرضا بالدون
ومن تمام خشيتهم لله، أنهم {لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا} فلا يقدمون الدنيا على الدين كما فعل أهل الانحراف الذين يكتمون ما أنزل الله ويشترون به ثمنا قليلا، وأما هؤلاء فعرفوا الأمر على الحقيقة، وعلموا أن من أعظم الخسران، الرضا بالدون عن الدين
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 234 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
فريق من أهل الكتاب آمنوا ولا يحرفون الدين
فَهَؤُلَاءِ فَرِيقُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَمْ يُظْهِرُوا إِيمَانَهُمْ لِخَوْفِ قَوْمِهِمْ مِثْلِ النَّجَاشِيِّ أَصْحَمَةَ، وَأَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ لَا يُحَرِّفُونَ الدِّينَ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٤، ص ٢٠٧
سريع الحساب: يبادر لهم بأجرهم في الدنيا والآخرة
وَجِيءَ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ فِي قَوْلِهِ: أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِمْ بِهِ أَحْرِيَاءٌ بِمَا سَيَرِدُ مِنَ الْإِخْبَارِ عَنْهُمْ لِأَجْلِ مَا تَقَدَّمَ اسْمَ الْإِشَارَةِ.وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ إِلَى أَنَّهُ يُبَادِرُ لَهُمْ بِأَجْرِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَيَجْعَلُهُ لَهُمْ يَوْم الْقِيَامَة.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٤، ص ٢٠٧
مقابلة المصيرين: عقاب أولئك وثواب هؤلاء
وَهَذَا هُوَ الْأَوْلَى لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْكُفَّارَ بِأَنَّ مَصِيرَهُمْ إِلَى الْعِقَابِ، بَيَّنَ فِيمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِأَنَّ مَصِيرَهُمْ إِلَى الثَّوَابِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٩، ص ٤٧٣
خامس صفاتهم: لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً
وَخَامِسُهَا: أَنَّهُمْ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا كَمَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْكِتَابِ مِمَّنْ كَانَ يَكْتُمُ أَمْرَ الرَّسُولِ وَصِحَّةَ نُبُوَّتِهِ.ثُمَّ قَالَ تَعَالَى فِي صِفَتِهِمْ: أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٩، ص ٤٧٣
المقابل المضيء: خاشعون لا يبيعون الآيات بالرئاسة بل يبينونها
{لا يشترون بآيات الله} أي التي متى تأملوها علموا أنه لا يقدر عليها إلا من أحاط بالجلال والجمال، الآمرة لهم بذلك {ثمناً قليلاً} بما هم عليه من الرئاسة ونفوذ الكلمة - كما تقدم قريباً في وصف معظمهم، فهم يبينونها ويرشدون إليها ولا يحرفونها
نظم الدرر، البقاعي، جـ٥، ص ١٦٦
صرة قماش صغيرة موضوعة على عتبة محرابٍ حجري يفيض من داخله ضوء يغمرها أضعافاً
المحطة الخامسة

المشتري الأكرم

حين يشتري الغنيُّ الحميد… ويسمي عطاءك قرضاً
۞
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
التوبة ١١١
مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ
الحديد ١١
إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ
الحديد ١٨
إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ
التغابن ١٧
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
قمة التلطف الإلهي: إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة — قال السعدي: انظر مقدار الصفقة: المشتري هو الله والعوضُ الجنة. ونقل ابن عاشور عن الطيبي: هذا البيعُ سَلَمٌ، ألزم اللهُ البيعَ من جانبه وضمن إيصال الثمن. بل يسمي سبحانه ما تنفقه قرضاً — والمالُ مالُه والعبدُ عبدُه كما قال السعدي — يضاعفه إلى ما شاء ويغفر به ويشكر عليه: والله شكور حليم. حتى قال أعرابيٌّ لما سمعها كما حكى البقاعي: بيعٌ والله مربحٌ، لا نقيل ولا نستقيل.
وللقرض الحسن رحلته الكاملة من بوابته: من ذا الذي يُقرِض الله؟
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على التوبة ١١١

مبايعة عظيمة: المشتري هو الله والسلعة الأنفس والأموال
يخبر تعالى خبرا صدقا, ويعد وعدا حقا بمبايعة عظيمة، ومعاوضة جسيمة، وهو أنه {اشترى} بنفسه الكريمة {من المؤمنين أنفسهم وأموالهم} فهي المثمن والسلعة المبيعة
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 602 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
انظر مقدار الصفقة: المشتري والعوض والثمن
وهو الله جل جلاله، وإلى العوض، وهو أكبر الأعواض وأجلها، جنات النعيم، وإلى الثمن المبذول فيها، وهو النفس، والمال، الذي هو أحب الأشياء للإنسان. وإلى من جرى على يديه عقد هذا التبايع، وهو أشرف الرسل، وبأي كتاب رقم، وهي كتب الله الكبار المنزلة على أفضل الخلق
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 603 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
الاشتراء مستعار للوعد: إعطاء مقابل بذل
وَالِاشْتِرَاءُ: مُسْتَعَارٌ لِلْوَعْدِ بِالْجَزَاءِ عَنِ الْجِهَادِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا بِمُشَابَهَةِ الْوَعْدِ الِاشْتِرَاءَ فِي أَنَّهُ إِعْطَاءُ شَيْءٍ مُقَابِلَ بَذْلٍ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١١، ص ٣٧
الباء دخلت على الجنة لمشابهة الوعد الثمن
وَلَمَّا كَانَ شَأْنُ الْبَاءِ أَنْ تَدْخُلَ عَلَى الثَّمَنِ فِي صِيَغِ الِاشْتِرَاءِ أُدْخِلَتْ هُنَا فِي بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ لِمُشَابَهَةِ هَذَا الْوَعْدِ الثَّمَنَ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١١، ص ٣٨
بيع سلم: مكان التسليم المعركة والله ألزم البيع من جانبه
قَالَ الطِّيبِيُّ: «فَقَوْلُهُ يُقاتِلُونَ بَيَانٌ، لِأَنَّ مَكَانَ التَّسْلِيمِ هُوَ الْمَعْرَكَةُ، لِأَنَّ هَذَا الْبَيْعَ سَلَمٌ، وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ وَلَمْ يَقُلْ بِالْجَنَّةِ. وَأُتِيَ بِالْأَمْرِ فِي صُورَةِ الْخَبَرِ ثُمَّأَلْزَمَ اللَّهُ الْبَيْعَ مِنْ جَانِبِهِ وَضَمِنَ إِيصَالَ الثَّمَنِ إِلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١١، ص ٣٨
فاستبشروا ببيعكم: أضيف البيع إليهم إظهارا لاغتباطهم
وَتَفَرَّعَ عَلَى كَوْنِ الْوَعْدِ حَقًّا عَلَى اللَّهِ، وَعَلَى أَنَّ اللَّهَ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ كُلِّ وَاعِدٍ، أَنْ يَسْتَبْشِرَ الْمُؤْمِنُونَ بِبَيْعِهِمْ هَذَا، فَالْخِطَابُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَأُضِيفَ الْبَيْعُ إِلَىضَمِيرِهِمْ إِظْهَارًا لِاغْتِبَاطِهِمْ بِهِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١١، ص ٤٠
بيعة العقبة: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل
قَالُوا: فَإِذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ فَمَاذَا لَنَا؟ قَالَ: «الْجَنَّةُ» قَالُوا: رَبِحَ الْبَيْعُ لَا نَقِيلُ وَلَا نَسْتَقِيلُ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٦، ص ١٥٠
رواية ليلة العقبة أخرجها ابن جرير الطبري عن محمد بن كعب القرظي مرسلةً — من مرويات التفسير المشهورة في سبب النزول.
بيعة رابحة بايع الله بها كل مؤمن
قَالَ الْحَسَنُ: اسْمَعُوا وَاللَّهِ بَيْعَةٌ رَابِحَةٌ وَكَفَّةٌ رَاجِحَةٌ، بَايَعَ اللَّهُ بِهَا كُلَّ مُؤْمِنٍ، وَاللَّهِ مَا عَلَى الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ إِلَّا وَقَدْ دَخَلَ فِي هَذِهِ الْبَيْعَةِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٦، ص ١٥٠
العوضان: الجسد البالي والجنة الباقية
فَالْبَائِعُ هُوَ جَوْهَرُ الرُّوحِ الْقُدْسِيَّةِ وَالْمُشْتَرِي هُوَ اللَّهُ، وَأَحَدُ الْعِوَضَيْنِ الْجَسَدُ الْبَالِي وَالْمَالُ الْفَانِي، وَالْعِوَضُ الثَّانِي الْجَنَّةُ الْبَاقِيَةُ وَالسَّعَادَاتُ الدَّائِمَةُ، فَالرِّبْحُ حَاصِلٌ وَالْهَمُّ وَالْغَمُّ زَائِلٌ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٦، ص ١٥١
المشتري هو الله المقدس عن الخيانة
فَيَكُونُ الْمُشْتَرِي هُوَ اللَّهُ الْمُقَدَّسُ عَنِ الْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ، وَذَلِكَ مِنْ أَدَلِّ الدَّلَائِلِ عَلَى تَأْكِيدِ هَذَا الْعَهْدِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٦، ص ١٥٢
الأعرابي لما سمعها: بيعٌ والله مربح! لا نقيل ولا نستقيل
وعن بعض الأعراب أنه لما سمع هذه الاية قال: بيع والله مربح! لا نقيل ولا نستقيل، فخرج إلى الغزو فاستشهد
نظم الدرر، البقاعي، جـ٩، ص ٢٤
ومن أوفى بعهده من الله: الإخلاف لا يقدم عليه الكرام فكيف بخالقهم
على طريق الاستفهام الإنكاري: من {أوفى بعهده من الله} أي الذي له جميع صفات الكمال لأن الإخلاف لا يقدم عليه الكرام من الناس فكيف بخالقهم الذي له الغنى المطلق
نظم الدرر، البقاعي، جـ٩، ص ٢٥
فاستبشروا ببيعكم: لفظ يدل على سعة الجزاء
قال مهنئاً لهم: {فاستبشروا} أي فأوجدوا في نفوسكم غاية البشر يا معاشر المجاهدين ولما ذكره في ابتداء العقد يدل على التأكيد، ذكره في آخر بلفظ يدل على السعة إشارة إلى سعة الجزاء
نظم الدرر، البقاعي، جـ٩، ص ٢٥

على الحديد ١١

من كرمه سماه قرضاً والمال ماله والعبد عبده
{من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنًا} وهي النفقة الطيبة التي تكون خالصة لوجه الله، موافقة لمرضاة الله، من مال حلال طيب، طيبة به نفسه، وهذا من كرم الله تعالى حيث سماه قرضا، والمال ماله، والعبد عبده، ووعد بالمضاعفة عليه أضعافا كثيرة، وهو الكريم الوهاب
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1522 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
مثل المنفق كمثل من يقرض الله فيحسن له الجزاء
وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَثَلَ الْمُنْفِقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ مَنْ يُقْرِضُ اللَّهَ وَمَثَلُ اللَّهِ تَعَالَى فِي جَزَائِهِ كَمَثَلِ الْمُسْتَسْلِفِ مَعَ مَنْ أَحْسَنَ قَرْضَهُ وَأَحْسَنَ فِي دَفْعِهِ إِلَيْهِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٧، ص ٣٧٧
من ذا الذي: استفهام مستعمل في التحريض
وَالْاسْتِفْهَامُ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَى التَّحْرِيضِ مَجَازًا لِأَنَّ شَأْنَ الْمُحَرِّضِ عَلَى الْفِعْلِ أَنْ يَبْحَثَ عَمَّنْ يَفْعَلُهُ وَيَتَطَلَّبُ تَعْيِينَهُ لِيَنُوطَهُ بِهِ أَوْ يُجَازِيهِ عَلَيْهِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٧، ص ٣٧٧
القرض الحسن: عن طيب نفس وبشاشة وخلو من المنة
وَالْقَرْضُ الْحَسَنُ: هُوَ الْقَرْضُ الْمُسْتَكْمِلُ مَحَاسِنَ نَوْعِهِ مِنْ كَوْنِهِ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ وَبَشَاشَةٍ فِي وَجْهِ الْمُسْتَقْرِضِ، وَخُلُوٍّ عَنْ كُلِّ مَا يُعَرِّضُ بِالْمِنَّةِ أَوْ بِتَضْيِيقِ أَجَلِ الْقَضَاءِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٧، ص ٣٧٧
لماذا سمى الإنفاق قرضاً
أَنَّهُ تَعَالَى أَكَّدَ بِهَذِهِ الْآيَةِ تَرْغِيبَ النَّاسِ فِي أَنْ يُنْفِقُوا أَمْوَالَهُمْ فِي نُصْرَةِ الْمُسْلِمِينَ وَقِتَالِ الْكَافِرِينَ وَمُوَاسَاةِ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَسَمَّى ذَلِكَ الْإِنْفَاقَ قَرْضًا مِنْ حَيْثُ وَعَدَ بِهِ الْجَنَّةَ تَشْبِيهًا بِالْقَرْضِ.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٩، ص ٤٥٤
استحقر ما تعطي: الدنيا كلها قليلة
الثَّامِنُ: أَنْ تَسْتَحْقِرَ مَا تُعْطِي وَإِنْ كَثُرَ، لِأَنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ مِنَ الدُّنْيَا، وَالدُّنْيَا كُلُّهَا قَلِيلَةٌ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [الْمُدَّثِّرِ: 6] فِي أَحَدِ التَّأْوِيلَاتِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٩، ص ٤٥٤
أدب القرض العاشر: نفسك تحت دَين الفقير
الْعَاشِرُ: أَنْ لَا تَرَى عِزَّ نَفْسِكَ وَذُلَّ الْفَقِيرِ، بَلْ يَكُونُ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ فِي نَظَرِكَ، فَتَرَى الْفَقِيرَ كَأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَحَالَ عَلَيْكَ رِزْقَهُ الَّذِي قَبِلَهُ بِقَوْلِهِ: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [هُودَ: 6] وَتَرَى نَفْسَكَ تَحْتَ دَيْنِ الْفَقِيرِ، فَهَذِهِ أَوْصَافٌ عَشَرَةٌ إِذَا اجْتَمَعَتْ كَانَتِ الصَّدَقَةُ قَرْضًا حَسَنًا
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٩، ص ٤٥٤
تسمية الصدقة قرضاً: إخراجٌ بعوض مضاعف مضمون
أثمر ذلك قوله مسيماً الصدقة التي صورتها صورة إخراج من غير عوض باسم القرض الذي هو إخراج بعوض ترغيباً فيها لما أعد عليها من الجزاء المحقق فكيف إذا كان مضاعفاً
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٩، ص ٢٧٠

على الحديد ١٨

قدموا أموالهم مدخراً عند ربهم فيضاعف
{إن المصدقين والمصدقات} بالتشديد أي: الذين أكثروا من الصدقات الشرعية، والنفقات المرضية، {وأقرضوا الله قرضًا حسنًا} بأن قدموا من أموالهم في طرق الخيرات ما يكون مدخرا لهم عند ربهم، {يضاعف لهم} الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، {ولهم أجر كريم} وهو ما أعده الله لهم في الجنة، مما لا تعلمه النفوس
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1524 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
إعادة التحريض في صورة صلة عرف بها الممتثلون
أَلَا تَرَى أَنَّ أَلْفَاظَ الْآيَتَيْنِ مُتَمَاثِلَةٌ إِذْ أُرِيدَ أَنْ يُعَادَ مَا سَبَقَ مِنَ التَّحْرِيضِ عَلَى الْإِنْفَاقِ فَيُؤْتَى بِهِ فِي صُورَةِ الصِّلَةِ الَّتِي عُرِفَ بِهَا الْمُمْتَثِلُونَ لِذَلِكَ التَّحْرِيضِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٧، ص ٣٩٥
وأقرضوا الله: تصوير معنى كون التصدق إقراضا لله
وَوَجْهُ الْعُدُولِ عَنْ تَمَاثُلِ الصِّلَتَيْنِ فَلَمْ يَقُلْ: إِنَّ الْمُصَدِّقِينَ وَالْمُقْرِضِينَ، هُوَ تَصْوِيرُ مَعْنَى كَوْنِ التَّصَدُّقِ إِقْرَاضًا لِلَّهِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٧، ص ٣٩٦
القرض الحسن أحسن أنواع الصدقة
ثُمَّ قَبْلَ ذِكْرِ الْخَبَرِ أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ أَتَوْا بِأَحْسَنِ أَنْوَاعِ الصَّدَقَةِ وَهُوَ الْإِتْيَانُ بِالْقَرْضِ الْحَسَنِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْخَبَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُ: يُضاعَفُ لَهُمْ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٩، ص ٤٦٢
تسمية التطوع قرضاً
أَوِ الْمُرَادُ بِالتَّصَدُّقِ الْوَاجِبُ وَبِالْإِقْرَاضِ التَّطَوُّعُ لِأَنَّ تَسْمِيَتَهُ بِالْقَرْضِ كَالدَّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ فَكُلُّ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتُ مَذْكُورَةٌ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٩، ص ٤٦٢
الصدقة كالبذر الذي هو من أحسن الأرباح وأبهجها
ولما بين سبحانه وتعالى أن الصدقة كالبذر الذي هو من أحسن الأرباح وأبهجها، بين الحامل عليها ترغيباً فيها
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٩، ص ٢٨٤

على التغابن ١٧

مضاعفة ومغفرة: ومن ترك شيئاً لله عوضه خيراً منه
{يضاعفه لكم} النفقة، بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة. {و} مع المضاعفة أيضًا {يغفر لكم} بسبب الإنفاق والصدقة ذنوبكم، فإن الذنوب يكفرها الله بالصدقات والحسنات
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1574 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
شكور يقبل اليسير ويجازي عليه الكثير
والله تعالى شكور يقبل من عباده اليسير من العمل، ويجازيهم عليه الكثير من الأجر، ويشكر تعالى لمن تحمل من أجله المشاق والأثقال، وناء بالتكاليف الثقال، ومن ترك شيئًا لله، عوضه الله خيرًا منه
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1574 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
جعل المنفق كأنه يعطي الله مالا: ترغيب وتلطف
وَالْمَقْصُودُ الِاعْتِنَاءُ بِفَضْلِ الْإِنْفَاقِ الْمَأْمُورِ بِهِ اهْتِمَامًا مُكَرَّرًا فَبَعْدَ أَنْ جُعَلَ خَيْرًا جُعِلَ سَبَبَ الْفَلَاحِ وَعُرِّفَ بِأَنَّهُ قَرْضٌ مِنَ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ وَكَفَى بِهَذَا تَرْغِيبًا وَتَلَطُّفًا فِي الطَّلَبِ إِذْ جُعِلَ الْمُنْفِقُ كَأَنَّهُ يُعْطِي اللَّهَ تَعَالَى مَالًا
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٨، ص ٢٩٠
سمى الثواب شكرا وجعل نفسه شاكرا تلطفا
وَلَكِنَّ اللَّهَ تَفَضَّلَ بِذَلِكَ حَثًّا عَلَى صَلَاحِهِمْ فَرَتَّبَ لَهُمُ الثَّوَابَ بِالنَّعِيمِ عَلَى تَزْكِيَةِ أَنْفُسِهِمْ، وَتَلَطَّفَ لَهُمْ فَسُمِّيَ ذَلِكَ الثَّوَابُ شُكْرًا وَجَعَلَ نَفْسَهُ شَاكِرًا.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٨، ص ٢٩٠
الإنفاق سبب للغفران: الصدقة تطفئ الخطايا
وَجعل الْإِنْفَاق سَبَب لِلْغُفْرَانَ كَمَاقَالَ النبيء صلى الله عليه وسلم «الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطَايَا كَمَا يطفىء الْمَاءُ النَّارَ».
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٨، ص ٢٩٠
الحديث ثابت: أخرجه الترمذي (٢٦١٦) من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه وقال: حسن صحيح — بلفظ «الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار»، وأورده ابن عاشور بلفظ «الخطايا».
شكور حليم: يجزي بالضعف ولا يعجل
اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ: إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً أَيْ إِنْ تُنْفِقُوا فِي طَاعَةِ اللَّه مُتَقَارِبِينَ إِلَيْهِ يَجْزِكُمْ بِالضِّعْفِ لما أنه شكورا يُحِبُّ الْمُتَقَرِّبِينَ إِلَى حَضْرَتِهِ حَلِيمٌ لَا يُعَجِّلُ بِالْعُقُوبَةِ غَفُورٌ يَغْفِرُ لَكُمْ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣٠، ص ٥٥٧
ذكر القرض تلطف والمضاعفة بلا سقف
وَقَالَ فِي «الْكَشَّافِ» : ذِكْرُ الْقَرْضِ تَلَطُّفٌ فِي الِاسْتِدْعَاءِ وَقَوْلُهُ: يُضاعِفْهُ لَكُمْ أَيْ يَكْتُبْ لَكُمْ بِالْوَاحِدَةِ عَشَرَةً وَسَبْعَمِائَةٍ إِلَى مَا شَاءَ مِنَ الزِّيَادَةِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣٠، ص ٥٥٧
القرض على خلاف الطبع: ترغيبٌ متلطف بأداة الشك
فقال بياناً للإفلاح متلطفاً في الاستدعاء بالتعبير بالقرض مشيراً إلى أنه على خلاف الطبع بأدة الشك: {إن تقرضوا الله} أي الملك الأعلى ذا الغنى المطلق المستجمع لجميع صفات الكمال بصرف المال وجميع قواكم التي جعلها فتنة لكم في طاعاته
نظم الدرر، البقاعي، جـ٢٠، ص ١٣٥
رتّب عليه الربح في الدنيا والغفران في الآخرة: للواحد عشراً فما فوق
وأعظم الترغيب فيه بأن رتب عليه الربح في الدنيا والغفران في الآخرة فقال: {يضاعفه لكم} أي لأجلكم خاصة أقل ما يكون للواحد عشراً
نظم الدرر، البقاعي، جـ٢٠، ص ١٣٥
القشيري: الغني يقرض بماله والفقير يقرض بأوقاته وإيثار مراد الحق
قال القشيري: يتوجه الخطاب بهذا على الأغنياء في بذل أموالهم وعلى الفقراء في إخلاء أيامهم وأوقاتهم عن مراداتهم وإيثار مراد الحق على مراد أنفسهم، فالغني يقال له: آثر على مرادك في مالك وغيره، والفقير يقال له: آثر حكمي في نفسك وقلبك ووقتك
نظم الدرر، البقاعي، جـ٢٠، ص ١٣٦
طريق سوق مبلط هادئ ومحاله مغلقة، يفضي إلى بوابة مفتوحة على حديقة خضراء مضيئة
المحطة السادسة — الذروة

العرض المفتوح: هل أدلكم؟

تجارةٌ تنجيكم… وتجارةٌ لن تبور
۞
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ
الصف ١٠
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
الصف ١١
يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
الصف ١٢
إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ
فاطر ٢٩
رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ
النور ٣٧
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
الجمعة ٩
وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۚ قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ
الجمعة ١١
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
بعد كل الدفاتر يفتح القرآن عرضه: هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم — قال البقاعي: إيجابٌ بلفظ الاستفهام تشويقاً ليكون أوقع في النفس. وتجارةُ التالين المقيمين المنفقين «لن تبور»: دُفعت إلى من لا تضيع لديه الودائع فهي رائجة رابحة. وليست الدعوة إلى هجر الأسواق: رجالٌ لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله — يتّجرون ولا يُلهَون كما قال الرازي؛ وساعةَ النداء: وذروا البيع ذلكم خير لكم — فما عند الله خير من اللهو ومن التجارة، والله خير الرازقين.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على الصف ١٠

عرضٌ من أرحم الراحمين لأعظم تجارة
هذه وصية ودلالة وإرشاد من أرحم الراحمين لعباده المؤمنين، لأعظم تجارة، وأجل مطلوب، وأعلى مرغوب، يحصل بها النجاة من العذاب الأليم، والفوز بالنعيم المقيم. وأتى بأداة العرض الدالة على أن هذا أمر يرغب فيه كل متبصر، ويسمو إليه كل لبيب، فكأنه قيل: ما هذه التجارة التي هذا قدرها؟ فقال {تؤمنون بالله ورسوله}
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1559 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
هل أدلكم: عرض كناية عن التشويق إلى تجارة نافعة
وَالْعَرْضُ هُنَا كِنَايَةٌ عَنِ التَّشْوِيقِ إِلَى الْأَمْرِ الْمَعْرُوضِ، وَهُوَ دَلَالَتُهُ إِيَّاهُمْ عَلَى تِجَارَةٍ نَافِعَةٍ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٨، ص ١٩٤
العمل الصالح تجارة: طلب النفع والمزاولة والكد
وَأُطْلِقَ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ لَفْظُ التِّجَارَةِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ لِمُشَابَهَةِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ التِّجَارَةَ فِي طَلَبِ النَّفْعِ مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ وَمُزَاوَلَتِهِ وَالْكَدِّ فِيهِ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٨، ص ١٩٤
تنجيكم: تجريد للاستعارة لأهمية هذه الفائدة
وَوَصْفُ التِّجَارَةِ بِأَنَّهَا تُنْجِي مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تَجْرِيدٌ لِلِاسْتِعَارَةِ لِقَصْدِ الصَّرَاحَةِ بِهَذِهِ الْفَائِدَةِ لِأَهَمِّيَتِهَا
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٨، ص ١٩٤
تجارة بين أهل الإيمان وحضرة الله
عَلى تِجارَةٍ هِيَ التِّجَارَةُ بَيْنَ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَحَضْرَةِ اللَّه تَعَالَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التَّوْبَةِ: 111]
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٩، ص ٥٣١
كما أن التجارة في الربح والخسران
وَكَمَا أَنَّ التِّجَارَةَ فِي الرِّبْحِ وَالْخُسْرَانِ، فَكَذَلِكَ فِي هَذَا، فَإِنَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ الْأَجْرُ، وَالرِّبْحُ الْوَافِرُ، وَالْيَسَارُ الْمُبِينُ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ فَلَهُ التَّحَسُّرُ وَالْخُسْرَانُ الْمُبِينُ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٩، ص ٥٣١
الجهاد معه متجر رابح لأن النصر مضمون والموت منهل لا بد من وروده
أنتج قطعاً أن الجهاد معه متجر رابح لأن النصر مضمون، والموت منهل لا بد من وروده سواء خاض الإنسان الحتوف أو احترس في القصور المشيدة
نظم الدرر، البقاعي، جـ٢٠، ص ٣٣
هل أدلكم: إيجاب بلفظ الاستفهام تشويقاً ليكون أوقع في النفس
فهي إيجاب في المعنى ذكر بلفظ الاستفهام تشويقاً ليكون أوقع في النفس فتكون له أشد تقبلاً
نظم الدرر، البقاعي، جـ٢٠، ص ٣٤

على الصف ١١

رأس مال التجارة: الإيمان وبذل النفس والمال
{وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم} بأن تبذلوا نفوسكم ومهجكم، لمصادمة أعداء الإسلام، والقصد نصر دين الله وإعلاء كلمته، وتنفقون ما تيسر من أموالكم في ذلك المطلوب، فإن ذلك، ولو كان كريها للنفوس شاقا عليها، فإنه {خير لكم إن كنتم تعلمون}
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1559 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
رأس مال الصفقة: الجمع بين الإيمان والجهاد بتجدد دائم
وَإِذْ قَدْ كَانَ الْخِطَابُ لِقَوْمٍ مُؤْمِنِينَ فَإِنَّ فِعْلَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ مَعَ وَتُجاهِدُونَ مُرَادٌ بِهِ تَجْمَعُونَ بَيْنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَبَيْنَ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ تَنْوِيهًا بِشَأْنِ الْجِهَادِ. وَفِي التَّعْبِيرِ بِالْمُضَارِعِ إِفَادَةُ الْأَمْرِ بِالدَّوَامِ عَلَى الْإِيمَانِ وَتَجْدِيدِهِ فِي كُلِّ آنٍ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٨، ص ١٩٤
إن كنتم تعلمون: تعريض بمن قال لو نعلم أي الأعمال أحب
وَقَوْلُهُ: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ تَعْرِيضٌ لَهُمْ بِالْعِتَابِ عَلَى تَوَلِّيهِمْ يَوْمَ أُحُدٍ بَعْدَ أَنْ قَالُوا:لَوْ نَعْلَمُ أَيَّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ لَعَمِلْنَاهُ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٨، ص ١٩٥
لو نعلم أحب الأعمال لعملنا
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالُوا: لَوْ نَعْلَمُ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّه تَعَالَى لَعَمِلْنَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فَمَكَثُوا مَا شَاءَ اللَّه يَقُولُونَ: يَا لَيْتَنَا نَعْلَمُ مَا هِيَ؟ فَدَلَّهُمُ اللَّه عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ: تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٩، ص ٥٣١
جهاد النفس والخلق والدنيا
جِهَادٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ، وَهُوَ قَهْرُ النَّفْسِ، وَمَنْعُهَا عَنِ اللَّذَّاتِ وَالشَّهَوَاتِ، وَجِهَادٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَلْقِ، وَهُوَ أَنْ يَدَعَ الطَّمَعَ مِنْهُمْ، وَيُشْفِقَ عَلَيْهِمْ وَيَرْحَمَهُمْ وَجِهَادٌ فيما بينه بين الدنيا وهو أن يتخذها زادا لمعاده
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٩، ص ٥٣١
استعارة اسم التجارة للإيمان والجهاد: أعظم إجهاد النفس في تحصيل الربح
ولما كان الاتجار إجهاد النفس في تحصيل الربح النافع، وكان الإيمان والجهاد أعظم إجهاد النفس في تحصين - الجنة الباقية التي لا ريح توازيها، فاستعار لهما اسمها
نظم الدرر، البقاعي، جـ٢٠، ص ٣٤

على الصف ١٢

أرباح التجارة الأخروية: مغفرة تشمل الكبائر
وفي الآخرة الفوز بثواب الله والنجاة من عقابه، ولهذا ذكر الجزاء في الآخرة، فقال: {يغفر لكم ذنوبكم} وهذا شامل للصغائر والكبائر، فإن الإيمان بالله والجهاد في سبيله، مكفر للذنوب، ولو كانت كبائر
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1560 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
وللتجارة ثواب دنيوي معجل: نصر وفتح
وأما الثواب الدنيوي لهذه التجارة، فذكره بقوله: {وأخرى تحبونها} أي: ويحصل لكم خصلة أخرى تحبونها وهي: {نصر من الله} لكم على الأعداء، يحصل به العز والفرح، {وفتح قريب} تتسع به دائرة الإسلام، ويحصل به الرزق الواسع
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1560 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
جزم يغفر: الخبر مراد به الأمر وجوابه المغفرة
وَمَجِيءُ يَغْفِرْ مَجْزُومًا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ تُؤْمِنُونَ وَتُجاهِدُونَ وَإِنْ جَاءَا فِي صِيغَةِ الْخَبَرِ فَالْمُرَادُ الْأَمْرُ لِأَنَّ الْجَزْمَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي جَوَابِ الطَّلَبِ لَا فِي جَوَابِ الْخَبَرِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٨، ص ١٩٤
فارقوا مساكنهم للجهاد فوعدوا بمساكن أبدية
وَإِنَّمَا خُصَّتِ الْمَسَاكِنُ بِالذِّكْرِ هُنَا لِأَنَّ فِي الْجِهَادِ مُفَارَقَةَ مَسَاكِنِهِمْ، فَوُعِدُوا عَلَى تِلْكَ الْمُفَارقَة الموقتة بِمَسَاكِنَ أَبَدِيَّةٍ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٨، ص ١٩٥
ثمن التجارة المنجية: مفارقة المساكن والأموال
إِنَّ اللَّه تَعَالَى رَغَّبَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِلَى مُفَارَقَةِ مَسَاكِنِهِمْ وَإِنْفَاقِ أَمْوَالِهِمْ وَالْجِهَادِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: يَغْفِرْ لَكُمْ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٩، ص ٥٣٢
الفوز العظيم: الجزاء الدائم
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يَعْنِي ذَلِكَ الْجَزَاءُ الدَّائِمُ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَقَدْ مَرَّ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَأُخْرى تُحِبُّونَها أَيْ تِجَارَةٌ أُخْرَى فِي الْعَاجِلِ مَعَ ثَوَابِ الْآجِلِ، قَالَ الْفَرَّاءُ: وَخَصْلَةٌ أُخْرَى تُحِبُّونَهَا فِي الدُّنْيَا مَعَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٩، ص ٥٣٢
ثمن الصفقة المنجية: مغفرة وجنات لا تزال غضة زهراء
{يغفر لكم} أي خاصة دون من لم يفعل ذلك {ذنوبكم} أي بمحو أعيانها وآثارها كلها. ولما قرع القلوب من كدر العقاب والعتاب، لذذها بطيب الثواب فقال: {ويدخلكم} أي بعد التزكية بالمغفرة رحمة لكم {جنات تجري} ودل على قرب الجاري وتخلله الأراضي بالجار فقال: {من تحتها} أي تحت أشجارها وغرفها وكل متنزه فيها {الأنهار} فهي لا تزال غضة زهراء
نظم الدرر، البقاعي، جـ٢٠، ص ٣٧

على فاطر ٢٩

تجارة لن تكسد: أجلّ التجارات وأعلاها
{يرجون} بذلك {تجارة لن تبور} أي: لن تكسد وتفسد، بل تجارة، هي أجل التجارات وأعلاها وأفضلها، ألا وهي رضا ربهم، والفوز بجزيل ثوابه، والنجاة من سخطه وعقابه، وهذا فيه أنهم يخلصون بأعمالهم، وأنهم لا يرجون بها من المقاصد السيئة والنيات الفاسدة شيئًا
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1233 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
تجارة لن تبور: أعمالهم كتجارة رابحة لا تخسر
وَالتِّجَارَةُ مُسْتَعَارَةٌ لِأَعْمَالِهِمْ مِنْ تِلَاوَةٍ وَصَلَاةٍ وَإِنْفَاقٍ.وَوَجْهُ الشَّبَهِ مُشَابَهَةُ تَرَتُّبِ الثَّوَابِ عَلَى أَعْمَالِهِمْ بِتَرَتُّبِ الرِّبْحِ عَلَى التِّجَارَةِ.وَالْمَعْنَى: لِيَرْجُوا أَنْ تَكُونَ أَعْمَالُهُمْ كَتِجَارَةٍ رَابِحَةٍ.وَالْبَوَارُ: الْهَلَاكُ. وَهَلَاكُ التِّجَارَةِ: خَسَارَةُ التَّاجِرِ. فَمَعْنَى لَنْ تَبُورَ أَنَّهَا رَابِحَةٌ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ٣٠٧
سرا وعلانية: لا يريدون من الإنفاق إلا مرضاة الله
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَ مِنَ الْإِنْفَاقِ إِلَّا مَرْضَاةَ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُرَاءُونَ بِهِ، فَهُمْ يُنْفِقُونَ حَيْثُ لَا يَرَاهُمْ أَحَدٌ وَيُنْفِقُونَ بِمَرْأًى مِنَ النَّاسِ فَلَا يَصُدُّهُمْ مُشَاهَدَةُ النَّاسِ عَنِ الْإِنْفَاقِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ٣٠٧
التوفية: جعل الأجر تاما لا نقيصة فيه ولا غبن
وَالتَّوْفِيَةُ: جَعْلُ الشَّيْءِ وَافِيًا، أَيْ تَامًّا لَا نَقِيصَةَ فِيهِ وَلَا غَبْنَ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٢، ص ٣٠٧
تجارة لن تبور: الإخلاص، وغير الله بائر
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ إِشَارَةٌ إِلَى الْإِخْلَاصِ، أَيْ يُنْفِقُونَ لَا لِيُقَالَ إِنَّهُ كَرِيمٌ وَلَا لِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ غَيْرَ وَجْهِ اللَّهِ، فَإِنَّ غَيْرَ اللَّهِ بَائِرٌ والتاجر فيه تجارته بائرة
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٦، ص ٢٣٧
أعمال القلب واللسان والجوارح رأس مال التجارة
فَقَوْلُهُ: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ إِشَارَةٌ إِلَى عَمَلِ الْقَلْبِ، وَقَوْلُهُ: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ إِشَارَةٌ إِلَى عَمَلِ اللِّسَانِ. وَقَوْلُهُ: وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ إِشَارَةٌ إِلَى عَمَلِ الْجَوَارِحِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٦، ص ٢٣٧
تجارة لن تبور: دُفعت إلى من لا تضيع لديه الودائع فهي رائجة رابحة
{تجارة} أي بما عملوا {لن تبور *} أي تكسد وتهلك بل هي باقية، لأنها دفعت إلى من لا تضيع لديه الودائع وهي رائجة رابحة، لكونه تام القدرة شامل العلم له الغنى المطلق
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٦، ص ٥١

على النور ٣٧

يتّجرون ولا تلهيهم التجارة عن ذكر الله
أي: رجال، ليسوا ممن يؤثر على ربه دنيا، ذات لذات، ولا تجارة ومكاسب، مشغلة عنه، {لا تلهيهم تجارة} وهذا يشمل كل تكسب يقصد به العوض، فيكون قوله: {ولا بيع} من باب عطف الخاص على العام، فهؤلاء الرجال، وإن اتجروا, وباعوا، واشتروا، فإن ذلك، لا محذور فيه. لكنه لا تلهيهم تلك، بأن يقدموها ويؤثروها على {ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة} بل جعلوا طاعة الله وعبادته غاية مرادهم، ونهاية مقصدهم
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1015 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
لا تلهيهم: لا تشغلهم لا أنهم لا يتجرون بالمرة
وَمَعْنَى لَا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ أَنَّهُمْ لَا تَشْغَلُهُمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنِ الصَّلَوَاتِ وَأَوْقَاتِهَا فِي الْمَسَاجِدِ. فَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ أَنَّهُمْ لَا يَتَّجِرُونَ وَلَا يَبِيعُونَ بِالْمَرَّةِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٨، ص ٢٤٨
الفرق بين التجارة والبيع
وَالتِّجَارَةُ: جَلْبُ السِّلَعِ لِلرِّبْحِ فِي بَيْعِهَا، وَالْبَيْعُ أَعَمُّ وَهُوَ أَنْ يَبِيعَ أَحَدٌ مَا يَحْتَاجُ إِلَى ثَمَنِهِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٨، ص ٢٤٩
صفتا الرجال وفيهما تعريض بالمنافقين
وَجُمْلَةُ: لَا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَجُمْلَةُ: يَخافُونَ صِفَتَانِ لِ رِجالٌ، أَيْ لَا يَشْغَلُهُمْ ذَلِكَ عَنْ أَدَاءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ إِلَخْ وَهَذَا تَعْرِيضٌ بِالْمُنَافِقِينَ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٨، ص ٢٤٩
كانوا يتجرون ولكن لا يلهيهم شيء
قَالَ الْحَسَنُ أَمَا واللَّه إِنْ كَانُوا لَيَتَّجِرُونَ، وَلَكِنْ إِذَا جَاءَتْ فَرَائِضُ اللَّه لَمْ يُلْهِهِمْ عَنْهَا شَيْءٌ فَقَامُوا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٤، ص ٣٩٧
لماذا خص البيع: ربحه يقين ناجز
خَصَّ الْبَيْعَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ فِي الْإِلْهَاءِ أَدْخَلَ، لِأَنَّ الرِّبْحَ الْحَاصِلَ فِي الْبَيْعِ يَقِينٌ نَاجِزٌ، وَالرِّبْحَ الْحَاصِلَ فِي الشِّرَاءِ شَكٌّ مُسْتَقْبَلٌ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٤، ص ٣٩٧
لا تلهيهم تجارة يظهر لهم فيها ربح: البيع موضع تحقق الربح الذي لا صبر عنه
{رجال} أيّ رجال {لا تلهيهم تجارة} أي ببيع أو شرى أو غيرهما، يظهر لهم فيها ربح. ولما كان الإنسان قد يضطر إلى الخروج بالبيع عن بعض ما يملك للاقتيات بثمنه أو التبلغ به إلى بعض المهمات التي لا وصول له إليها إلا به، أو بتحصيل ما لا يملك كذلك مع أن البيع في التجارة أيضاً هو الطلبة الكلية لأنه موضع تحقق الربح الذي لا صبر عنه
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٣، ص ٢٧٨
حديث: ليقم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع فيقومون وهم قليل
إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة جاء منادٍ فنادى بصوت يسمع الخلائق: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم، ليقم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، فيقومون وهم قليل، ثم يحاسب سائر الخلائق»
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٣، ص ٢٨٢

على الجمعة ٩

من آثر الدنيا على الدين خسر من حيث ظن أنه يربح
وقوله: {وذروا البيع} أي: اتركوا البيع، إذا نودي للصلاة، وامضوا إليها. فإن {ذلكم خير لكم} من اشتغالكم بالبيع، وتفويتكم الصلاة الفريضة، التي هي من آكد الفروض. {إن كنتم تعلمون} أن ما عند الله خير وأبقى، وأن من آثر الدنيا على الدين، فقد خسر الخسارة الحقيقية، من حيث ظن أنه يربح
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1564 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
إنما نهوا عن البيع لأنه الذي يشغلهم
وَإِنَّمَا نُهُوا عَنِ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ الَّذِي يَشْغَلُهُمْ وَلِأَنَّ سَبَبَ نُزُولِ الْآيَةِ كَانَ لِتَرْكِ فَرِيقٍمِنْهُمُ الْجُمُعَةَ إِقْبَالًا عَلَى عِيرِ تِجَارَةٍ وَرَدَتْ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٨، ص ٢٢٦
المفاضلة: ثواب الصلاة مقابل منافع البيع
أَيْ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ مِمَّا يَحْصُلُ لَكُمْ مِنَ الْبُيُوعَاتِ. فَلَفْظُ خَيْرٌ اسْمُ تَفْضِيلٍ أَصْلُهُ: أَخْيَرُ، حُذِفَتْ هَمْزَتُهُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ. وَالْمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ. وَالْمُفَضَّلُ: الصَّلَاةُ، أَيْ ثَوَابُهَا. وَالْمُفَضَّلُ عَلَيْهِ: مَنَافِعُ الْبَيْعِ لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٨، ص ٢٢٧
احتراس من انصباب في أشغال الدنيا ينسي ذكر الله
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً فَهُوَ احْتِرَاسٌ مِنَ الِانْصِبَابِ فِي أَشْغَالِ الدُّنْيَا انْصِبَابًا يُنْسِي ذِكْرَ اللَّهِ، أَوْ يَشْغَلُ عَنِ الصَّلَوَاتِ فَإِنَّ الْفَلَاحَ فِي الْإِقْبَالِ عَلَى مَرْضَاةِ الله تَعَالَى.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٨، ص ٢٢٧
ذروا البيع: تنبيه للغافلين وأهل السوق
قَوْلُهُ: وَذَرُوا الْبَيْعَ لِمَ خَصَّ الْبَيْعَ مِنْ جَمِيعِ الْأَفْعَالِ؟ نَقُولُ: لِأَنَّهُ مِنْ أَهَمِّ مَا يَشْتَغِلُ بِهِ الْمَرْءُ فِي النَّهَارِ مِنْ أَسْبَابِ الْمَعَاشِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَرْكِ التِّجَارَةِ، وَلِأَنَّ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ فِي الْأَسْوَاقِ غَالِبًا، وَالْغَفْلَةُ عَلَى أَهْلِ السُّوقِ أَغْلَبُ، فَقَوْلُهُ: وَذَرُوا الْبَيْعَ تَنْبِيهٌ لِلْغَافِلِينَ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣٠، ص ٥٤٣
البيع لم يحرم لعينه بل للذهول عن الواجب
فَالْبَيْعُ أَوْلَى بِالذِّكْرِ وَلَمْ يَحْرُمْ لِعَيْنِهِ، وَلَكِنْ لِمَا فِيهِ مِنَ الذُّهُولِ عَنِ الْوَاجِبِ فَهُوَ كَالصَّلَاةِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣٠، ص ٥٤٣
ذروا البيع: طلب الأرباح الحاضرة أعظم مانع عن تجارة الآخرة
ولما أمر بالمبادرة إلى تجارة الآخرة، وكان طلب الأرباح لكونها حاضرة أعظم مانع عن أمور الآخرة لكونها غايته، وكان البيع أجل ذلك لتعين الفائدة فيه ولكونه أكثر ما يشتغل به أهل الأسواق لكثرة الوافدين إلى الأمصار يوم الجمعة من الحواضر واجتماعهم للتجارة عند تعالي النهار، قال ناهياً عن تجارة الدنيا وكل ما يعوق عن الجمعة معبراً به عنها لأنه أعظمها: {وذروا البيع}
نظم الدرر، البقاعي، جـ٢٠، ص ٦٥

على الجمعة ١١

ربح التجارة قليل منغص مفوت لخير الآخرة
{خير من اللهو ومن التجارة} التي، وإن حصل منها بعض المقاصد، فإن ذلك قليل منغص، مفوت لخير الآخرة، وليس الصبر على طاعة الله مفوتًا للرزق، فإن الله خير الرازقين، فمن اتقى الله رزقه من حيث لا يحتسب
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1564 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
وتركوك قائما: أضاعوا علما عظيما بانفضاضهم
وَجُمْلَةُ وَتَرَكُوكَ قائِماً تَفْظِيعٌ لِفِعْلِهِمْ إِذْ فَرَّطُوا فِي سَمَاعِ وعظ النبيء صلى الله عليه وسلم، أَيْ تَرَكُوكَ قَائِمًا عَلَى الْمِنْبَرِ. وَذَلِكَ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ، أَيْ تَرَكُوكَ فِي حَالِ الْمَوْعِظَةِ وَالْإِرْشَادِ فَأَضَاعُوا عِلْمًا عَظِيمًا بِانْفِضَاضِهِمْ إِلَى التِّجَارَةِ وَاللَّهْوِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٨، ص ٢٢٩
ما عند الله من الثواب خير من فائدة التجارة ولذة اللهو
وَأَمَرَ الله نبيئه صلى الله عليه وسلم أَنْ يَعِظَهُمْ بِأَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الثَّوَابِ عَلَى حُضُورِ الْجُمُعَةِ خَيْرٌ مِنْ فَائِدَةِ التِّجَارَةِ وَلَذَّةِ اللَّهْوِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٨، ص ٢٢٩
رب رزق كثير لا ينتفع به ورب قليل يعود بصلاح
فَرُبَّ رِزْقٍ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ الْحَرِيصُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا، وَرُبَّ رِزْقٍ قَلِيلٍ يَنْتَفِعُ بِهِ صَاحِبُهُ وَيَعُودُ عَلَيْهِ بِصَلَاحٍ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٨، ص ٢٢٩
خير الرازقين: يرزق سليما من الأكدار والآثام
وَذُيِّلَ الْكَلَامُ بِقَوْلِهِ: وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ لِأَنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَرْضَى عَنْهُ سَلِيمًا مِنَ الْأَكْدَارِ وَالْآثَامِ، وَلِأَنَّهُ يَرْزُقُ خَيْرَ الدُّنْيَا وَخَيْرَ الْآخِرَةِ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٨، ص ٢٣٠
قصة العير: انفضوا وتركوه قائماً
إِنَّ دِحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيَّ أَقْبَلَ بِتِجَارَةٍ مِنَ الشَّامِ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ وَكَانَ مَعَهُ مِنْ أَنْوَاعِ التِّجَارَةِ، وَكَانَ يَتَلَقَّاهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِالطَّبْلِ وَالصَّفْقِ: وَكَانَ ذَلِكَ فِي يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّاسُ وَتَرَكُوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣٠، ص ٥٤٤
ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة
قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ أَيْ ثَوَابُ الصَّلَاةِ وَالثَّبَاتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ مِنَ اللَّهْوِ الَّذِي مَرَّ ذِكْرُهُ، وَالتِّجَارَةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا دِحْيَةُ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣٠، ص ٥٤٤
تقديم التجارة على اللهو أولاً ثم عكسه: كلاهما مقصود بالنهي
ولما قدم التجارة أولاً اهتماماً بها، قدم هنا ما كانت سبباً له ليصير كل منهما مقصوداً بالنهي فقال: {من اللهو} ولما بدأ به لإقبال الإغلب في حال الرفاهية عليه قال معيداً الجار للتأكيد: {ومن التجارة} أي وإن عظمت
نظم الدرر، البقاعي، جـ٢٠، ص ٧١
والله خير الرازقين: يرزق متاع الدنيا لسفوله البر والفاجر
{والله} أي ذو الجلال والإكرام وحده {خير الرازقين *} لأنه يرزق متاع الدنيا لسفوله ولكونه زاداً إلى الآخرة البر والفاجر والمطيع والعاصي
نظم الدرر، البقاعي، جـ٢٠، ص ٧١
ميزان ضخم منتصب في ساحة سوق فارغة عند الغروب وكفتاه مستقرتان أخيراً
الجسر الختامي

يوم التغابن

لكل سوقٍ يومُ تصفية — ويومُ القيامة اسمه التجاري: يوم التغابن
۞
يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
التغابن ٩
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ وَالْعَصْرِ
العصر ١
إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ
العصر ٢
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ
العصر ٣
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
سمى القرآنُ يومَ القيامة باسم تجاري: يوم التغابن — قال ابن عاشور: ذلك يومُ الغبن لا أيامُ أسواقكم، وقال البقاعي: من ظن أنه غابنٌ بنعيم الدنيا هو المغبون على الحقيقة. وسورة العصر تختم الدفتر بسطرين: رأسُ المال العمر — قال الرازي: العصرُ سوقٌ دنا وقتُ انقطاعه، والعجبُ ممن يفرح بمضي عمره — وإن الإنسان لفي خسر إلا بأربع: آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر. قال ابن الزبير فيما نقله البقاعي: المستثنون هم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله.
والوجه الآخر للمزدوج — من تتبعه اليوم أين يقف منك غداً؟ يوم يتبرأ منك مَن اتبعتَه
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على التغابن ٩

يوم التغابن: نتيجة ما قدموه لأنفسهم
فحينئذ يظهر الفرق والتفاوت بين الخلائق، ويرفع أقوام إلى أعلى عليين، في الغرف العاليات، والمنازل المرتفعات، المشتملة على جميع اللذات والشهوات، ويخفض أقوام إلى أسفل سافلين، محل الهم والغم، والحزن، والعذاب الشديد، وذلك نتيجة ما قدموه لأنفسهم، وأسلفوه أيام حياتهم، ولهذا قال: {ذلك يوم التغابن}
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1570 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
يغبن المؤمنون الفاسقين
أي: يظهر فيه التغابن والتفاوت بين الخلائق، ويغبن المؤمنون الفاسقين، ويعرف المجرمون أنهم على غير شيء
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1570 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
الغبن: ثمن دون حق القيمة يؤول إلى خسارة البائع
وَالْغَبْنُ أَنْ يُعْطَى البَائِع ثمنا لمبيعه دُونَ حَقِّ قِيمَتِهِ الَّتِي يُعَوِّضُ بِهَا مثله.فالغبن يؤول إِلَى خَسَارَةِ الْبَائِعِ فِي بَيْعِهِ، فَلِذَلِكَ يُطْلَقُ الْغَبْنُ عَلَى مُطْلَقِ الْخُسْرَانِ مَجَازًا مُرْسَلًا
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٨، ص ٢٧٥
تمثيل بمتبايعين: أحدهما أخذ الثمن الوافي والآخر المغبون
فَحَمَلَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ كَلَام هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة عَلَى أَنَّ التَّغَابُنَ تَمْثِيلٌ لِحَالِ الْفَرِيقَيْنِ بِحَالِ مُتَبَايِعَيْنِ أَخَذَ أَحَدُهُمَا الثَّمَنَ الْوَافِي، وَأَخَذَ الْآخَرُ الثَّمَنَ الْمَغْبُونَ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٨، ص ٢٧٦
ذلك يوم الغبن لا أيام أسواقكم
أَيْ ذَلِكَ يَوْمُ الْغَبْنِ لَا أَيَّامُ أَسْوَاقِكُمْ وَلَا غَيْرُهَا، فَإِنَّ عَدَمَ أَهَمِّيَّةِ غَبْنِ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا جَعَلَ غَبْنَ الدُّنْيَا كَالْعَدَمِ وَجَعَلَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُنْحَصِرًا فِيهِ جِنْسُ الْغَبْنِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٨، ص ٢٧٧
في اليوم نفسه ربح عظيم للمؤمنين
وَلَوْلَا قَصْدُ ذَلِكَ لَمَا اقْتَصَرَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يَوْمُ تَغَابُنٍ فَإِنَّ فِيهِ رِبْحًا عَظِيمًا لِلْمُؤْمِنِينَ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٨، ص ٢٧٦
التغابن: أخذ الشيء بدون قيمته
وذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَالتَّغَابُنُ تَفَاعُلُ مِنَ الْغَبْنِ فِي الْمُجَازَاةِ وَالتِّجَارَاتِ، يُقَالُ: غَبَنَهُ يَغْبِنُهُ غَبْنًا إِذَا أَخَذَ الشَّيْءَ مِنْهُ بِدُونِ قِيمَتِهِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣٠، ص ٥٥٤
يوم يغبن أهل الحق أهل الباطل
وَقِيلَ: هُوَ يَوْمٌ يَغْبِنُ فِيهِ أَهْلُ الْحَقِّ، أَهْلَ الْبَاطِلِ، وَأَهْلُ الْهُدَى أَهْلَ الضَّلَالَةِ، وَأَهْلُ الْإِيمَانِ. أَهْلَ الْكُفْرِ فَلَا غَبْنَ أَبْيَنُ مِنْ هَذَا
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣٠، ص ٥٥٤
إعلان النتائج: خسرت صفقة وربحت صفقة
وَقَدْ ذَكَرَ تَعَالَى فِي حَقِّ الْكَافِرِينَ أَنَّهُمُ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ/ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَاشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُمْ مَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَدَلَّ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى تِجَارَةٍ رَابِحَةٍ، فَقَالَ: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ [الصَّفِّ: 10] الْآيَةَ، وَذَكَرَ أَنَّهُمْ بَاعُوا أَنْفُسَهُمْ بِالْجَنَّةِ فَخَسِرَتْ صَفْقَةُ الْكُفَّارِ وَرَبِحَتْ صَفْقَةُ الْمُؤْمِنِينَ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣٠، ص ٥٥٤
يوم الجمع: فوزٌ لناس فيكونون غابنين وخيبة لناس فيكونون مغبونين
{ليوم الجمع} لأجل ما يقع في ذلك اليوم الذي يجمع فيه أهل السماوات وأهل الأرض من الحساب والجزاء الذي يكون فوزاً لناس فيكونون غابنين، ويكون خيبة لناس فيكونون مغبونين، وكل منهم يطلب أن يكون غابناً
نظم الدرر، البقاعي، جـ٢٠، ص ١١٨
لا تغابن في الحقيقة غيره: الغبن ظهور النقصان للحظ الناشئ عن خفاء
{يوم التغابن} الذي لا تغابن في الحقيقة غيره لعظمه ودوامه، والغبن: ظهور النقصان للحظ الناشىء عن خفاء
نظم الدرر، البقاعي، جـ٢٠، ص ١١٨
انقلاب الصفقة: من ظن أنه غابنٌ بنعيم الدنيا هو المغبون على الحقيقة
فالكافر والظالم يظن أنه غبن المؤمن بنعيم الدنيا الذي استأثر به الكافر، وبالنقص الذي أدخله الظالم على المظلوم، وقد غبنهما المؤمن والمظلوم على الحقيقة بنعيم الآخرة وكمال جزائها العظيم الدائم، فالغبن فيه لا يشبهه غبن
نظم الدرر، البقاعي، جـ٢٠، ص ١١٩

على العصر ١

القسم بالعصر محل أفعال العباد
أقسم تعالى بالعصر، الذي هو الليل والنهار، محل أفعال العباد وأعمالهم أن كل إنسان خاسر، والخاسر ضد الرابح
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1692 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
العصر: عصر الإسلام خاتمة عصور الأديان
وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ عَصْرُ الْإِسْلَامِ كُلُّهُ وَهُوَ خَاتِمَةُ عُصُورِ الْأَدْيَانِ لِهَذَا الْعَالَمِ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣٠، ص ٥٣٠
مناسبة القسم بالعصر: بيان حال الناس بين كافر ومؤمن
وَمُنَاسَبَةُ الْقَسَمِ بِالْعَصْرِ لِغَرَضِ السُّورَةِ عَلَى إِرَادَةِ عَصْرِ الْإِسْلَامِ ظَاهِرَةٌ فَإِنَّهَا بَيَّنَتْ حَالَ النَّاسِ فِي عَصْرِ الْإِسْلَامِ بَيْنَ مَنْ كَفَرَ بِهِ وَمَنْ آمَنَ وَاسْتَوْفَى حَظَّهُ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الْإِسْلَامُ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣٠، ص ٥٣٠
بمضي العصر ينتقص العمر بلا كسب مقابل
أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ الْعَصْرَ الَّذِي بِمُضِيِّهِ يَنْتَقِصُ عُمُرُكُ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي مُقَابَلَتِهِ/ كَسْبٌ صار ذلك النقصان عن الْخُسْرَانِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣٢، ص ٢٧٧ ⚠️
العجب ممن يفرح بمضي عمره
فَكَأَنَّ الْمَعْنَى: وَالْعَصْرِ الْعَجِيبِ أَمْرُهُ حَيْثُ يَفْرَحُ الْإِنْسَانُ بِمُضِيِّهِ لِظَنِّهِ أَنَّهُ وَجَدَ الرِّبْحَ مَعَ أَنَّهُ هَدْمٌ لِعُمُرِهِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣٢، ص ٢٧٧ ⚠️
العصر: سوق دنا وقت انقطاعه
قَالَ الْحَسَنُ رحمه الله: إِنَّمَا أَقْسَمَ بِهَذَا الْوَقْتِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْأَسْوَاقَ قَدْ دَنَا وَقْتُ انْقِطَاعِهَا وَانْتِهَاءُ التِّجَارَةِ وَالْكَسْبِ فِيهَا، فَإِذَا لَمْ تَكْتَسِبْ وَدَخَلْتَ الدَّارَ وَطَافَ الْعِيَالُ عَلَيْكَ يَسْأَلُكَ كُلُّ أَحَدٍ مَا هُوَ حَقُّهُ فَحِينَئِذٍ تَخْجَلُ فَتَكُونُ مِنَ الْخَاسِرِينَ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣٢، ص ٢٧٨
مقصود سورة العصر: بيان خلاصة الإنسان وعصارته بترك الفاني والإقبال على الباقي (مع قول الشافعي)
قال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه: إنها سورة لو لم ينزل إلى الناس إلا هي لكفتهم، وهو معنى قول غيره: " إنها شملت جميع علوم القرآن، مقصودها تفضيل نوع الإنسان المخلوق من علق، وبيان خلاصته وعصارته وهم الحزب الناجي يوم السؤال عن زكاء الأعمال بعد الإشارة إلى أضدادهم، والإعلام بما ينجي من الأعمال والأحوال بترك الفاني والإقبال على الباقي
نظم الدرر، البقاعي، جـ٢٢، ص ٢٣٤
اسمها العصر: العصر يخلص روح المعصور ويميز صفاوته
واسمها العصر واضح في ذلك فإن العصر يخلص روح المعصور ويميز صفاوته، ولذلك كان وقت هذا النبي الخاتم الذي هو خلاصة الخلق وقت العصر، وكانت صلاة العصر أفضل الصلوات
نظم الدرر، البقاعي، جـ٢٢، ص ٢٣٤

على العصر ٢

الخسار مراتب وعمّ كل إنسان إلا بأربع
والخسار مراتب متعددة متفاوتة: قد يكون خسارًا مطلقًا، كحال من خسر الدنيا والآخرة، وفاته النعيم، واستحق الجحيم. وقد يكون خاسرًا من بعض الوجوه دون بعض، ولهذا عمم الله الخسار لكل إنسان، إلا من اتصف بأربع صفات
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1692 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
الخسر ضد الربح في التجارة استعير لسوء العاقبة
وَالْخُسْرُ: مَصْدَرٌ وَهُوَ ضِدُّ الرِّبْحِ فِي التِّجَارَةِ، اسْتُعِيرَ هُنَا لِسُوءِ الْعَاقِبَةِ لِمَنْ يَظُنُّ لِنَفْسِهِ عَاقِبَةً حَسَنَةً، وَتِلْكَ هِيَ الْعَاقِبَةُ الدَّائِمَةُ وَهِيَ عَاقِبَةُ الْإِنْسَانِ فِي آخِرَتِهِ مِنْ نَعِيمٍ أَوْ عَذَابٍ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣٠، ص ٥٣١
لفي خسر: الخسر محيط به إحاطة الظرف بالمظروف
وَالظَّرْفِيَّةُ فِي قَوْلِهِ: لَفِي خُسْرٍ مَجَازِيَّةٌ شَبَّهَتْ مُلَازَمَةَ الْخُسْرِ بِإِحَاطَةِ الظَّرْفِ بِالْمَظْرُوفِ فَكَانَتْ أَبْلَغَ مِنْ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَخَاسِرٌ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣٠، ص ٥٣١
رأس مال الإنسان عمره وكل ساعة تمر
لِأَنَّ الْخُسْرَ هُوَ تَضْيِيعُ رَأْسِ الْمَالِ، وَرَأْسُ مَالِهِ هُوَ عُمُرُهُ، وَهُوَ قَلَّمَا يَنْفَكُّ عَنْ تَضْيِيعِ عُمُرِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ سَاعَةٍ تَمُرُّ بِالْإِنْسَانِ فَإِنْ كَانَتْ مَصْرُوفَةً إِلَى الْمَعْصِيَةِ فَلَا شَكَّ فِي الْخُسْرَانِ، وَإِنْ كَانَتْ مَشْغُولَةً بِالْمُبَاحَاتِ فَالْخُسْرَانُ أَيْضًا حَاصِلٌ، لِأَنَّهُ كَمَا ذَهَبَ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ أَثَرٌ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣٢، ص ٢٨٠
إلا المؤمن العامل: اكتسب بهما سعادة أبدية
كَانَ مَعْنَى الْخُسْرِ هَلَاكَ نَفْسِهِ وَعُمُرِهِ، إِلَّا الْمُؤْمِنَ الْعَامِلَ فَإِنَّهُ مَا هَلَكَ عُمُرُهُ وَمَالُهُ، لِأَنَّهُ اكْتَسَبَ بِهِمَا سَعَادَةً أَبَدِيَّةً
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣٢، ص ٢٧٩
الخسر: صرف الأعصار في الأغراض والميل إلى الحاضر والاغترار بالفاني
{لفي خسر *} أي نقص بحسب مساعيهم في أهوائهم وصرف أعصارهم في أغراضهم لما لهم بالطبع من الميل إلى الحاضر والإعراض عن الغائب والاغترار بالفاني
نظم الدرر، البقاعي، جـ٢٢، ص ٢٣٧

على العصر ٣

الصفات الأربع المنجية من الخسار
الإيمان بما أمر الله بالإيمان به، ولا يكون الإيمان بدون العلم، فهو فرع عنه لا يتم إلا به. والعمل الصالح، وهذا شامل لأفعال الخير كلها، الظاهرة والباطنة، المتعلقة بحق الله وحق عباده، الواجبة والمستحبة. والتواصي بالحق، الذي هو الإيمان والعمل الصالح، أي: يوصي بعضهم بعضًا بذلك، ويحثه عليه، ويرغبه فيه. والتواصي بالصبر على طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى أقدار الله المؤلمة
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1692 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
من كمّل الأربعة سلم من الخسار وفاز بالربح العظيم
فبالأمرين الأولين، يكمل الإنسان نفسه، وبالأمرين الأخيرين يكمل غيره، وبتكميل الأمور الأربعة، يكون الإنسان قد سلم من الخسار، وفاز بالربح العظيم
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1693 (نسخ بالقراءة البصرية لصورة الصفحة)
الاستثناء: الناس فريقان في الخسران والنجاة
وَأَعْقَبَ بِالِاسْتِثْنَاءِ بِقَوْلِهِ: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا الْآيَةَ فيتقرر الحكم تَاما فِي نَفْسِ السَّامِعِ مُبَيِّنًا أَنَّ النَّاسَ فَرِيقَانِ: فَرِيقٌ يَلْحَقُهُ الْخُسْرَانُ، وَفَرِيقٌ لَا يَلْحَقُهُ شَيْءٌ مِنْهُ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣٠، ص ٥٣١
ضد الخسران: الربح المجازي وهو حسن العاقبة
فَمَنْ تَحَقَّقَ فِيهِ وَصْفُ الْإِيمَانِ وَلَمْ يَعْمَلِ السَّيِّئَاتِ أَوْ عَمِلَهَا وَتَابَ مِنْهَا فَقَدْ تَحَقَّقَ لَهُ ضِدُّ الْخُسْرَانِ وَهُوَ الرِّبْحُ الْمَجَازِيُّ، أَيْ حُسْنُ عَاقِبَةِ أَمْرِهِ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣٠، ص ٥٣١
التواصي: عطف الخاص على العام للاهتمام به
وَعُطِفَ عَلَى عَمَلِ الصَّالِحَاتِ التَّوَاصِي بِالْحَقِّ وَالتَّوَاصِي بِالصَّبْرِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ الصَّالِحَاتِ، عَطْفَ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يُغْفَلُ عَنْهُ، يُظَنُّ أَنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ هُوَ مَا أَثَرُهُ عَمَلُ الْمَرْءِ فِي خَاصَّتِهِ، فَوَقَعَ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ مِنَ الْعَمَلِ الْمَأْمُورِ بِهِ إِرْشَادَ الْمُسْلِمِ غَيْرَهُ وَدَعْوَتَهُ إِلَى الْحَقِّ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣٠، ص ٥٣٢
الاستثناء تسلية: العمل خير من العمر والشباب
أَنَّهُ تَسْلِيَةٌ لِلْمُؤْمِنِ مَنْ فَوْتِ عُمُرِهِ وَشَبَابِهِ، لِأَنَّ الْعَمَلَ قَدْ أَوْصَلَهُ إِلَى خَيْرٍ مِنْ عُمُرِهِ وَشَبَابِهِ وَثَانِيهَا: أَنَّهُ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا دَعَاكَ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ فَهُوَ الصَّلَاحُ، وَكُلَّ مَا شَغَلَكَ عَنِ اللَّهِ بِغَيْرِهِ فَهُوَ الْفَسَادُ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣٢، ص ٢٨١
الربح لا يحصل إلا بالفعل
إِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ سَبَبَ الْخُسْرِ لِأَنَّ الْخُسْرَ كَمَا يَحْصُلُ بِالْفِعْلِ، وَهُوَ الْإِقْدَامُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ يَحْصُلُ بِالتَّرْكِ، وَهُوَ عَدَمُ الْإِقْدَامِ عَلَى الطَّاعَةِ، أَمَّا الرِّبْحُ فَلَا يَحْصُلُ إِلَّا بِالْفِعْلِ، فَلِهَذَا ذَكَرَ سَبَبَ الرِّبْحِ وَهُوَ الْعَمَلُ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣٢، ص ٢٨١
ابن الزبير: المستثنون هم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله
فالقصور شأنه، والظلم طبعه، والجهل جبلته، فيحق أن يلهيه التكاثر، ولا يدخل الله عليه روح الإيمان {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} إلى آخرها، فهؤلاء الذين {لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} [النور: 37] انتهى
نظم الدرر، البقاعي، جـ٢٢، ص ٢٣٨
اشتروا الآخرة بالدنيا فلم يلههم التكاثر ففازوا فلم يلقهم شيء من الخسر
فكانوا بهذا مسلمين بعد أن كانوا مؤمنين فاشتروا الآخرة بالدنيا فلم يلههم التكاثر، ففازوا بالحياة الأبدية والسعادة السرمدية فلم يلقهم شيء من الخسر
نظم الدرر، البقاعي، جـ٢٢، ص ٢٣٩
حجم الخط
الخلفية