عَلى الطَّريق جلسة · رحلة تدبر تغيّر نظرتك لموضوع واحد
جـلـسـة

كم وهماً تحمله الآن وأنت لا تدري؟

سؤالٌ يكرره القرآن في وجه أوهامنا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾… وأخطرُ المحطات وهمٌ لا يشعر صاحبه به
٣١ آية ٧ محطات ٦ دقائق بالموجز — أو نصف ساعة بالقطوف
طريق صحراوي يمتد نحو سراب يُخيَّل أنه ماء
الصور هنا رسمها الذكاء الاصطناعي لتؤنس الطريق — أما المعاني فمن مصادرها الموثقة وحدها.
خريطة الجلسة
سبعة أوهام…
يهدمها سؤالٌ واحد
١ وهم الطريق أتحسب أن الطريق إلى الجنة مفروش؟ ٢ وهم العبث أتحسب أنك خُلقت لتأكل وتشرب ثم تُترك؟ ٣ وهم الإفلات أتحسب أن ما أخفيتَه قد فات اللهَ علمُه؟ ٤ وهم التسوية أتحسب أن من اجترح السيئات يستوي بمن آمن وعمل الصالحات؟ ٥ وهم النعمة أتحسب أن كل عطاءٍ رضا؟ ٦ يحسب أنه يُحسن أتحسب أن حُسن النية يكفي وحده؟ ٧ ظننتَه شراً وماذا عن العكس — أشياء حسبتَها شراً وهي خير؟
اضغط أي محطة للانتقال إليها — أو امضِ في الرحلة بترتيبها
طريق يبدأ مفروشاً بالورد ثم يكشف منعطفه مساراً جبلياً صاعداً نحو نور
المحطة الأولى

وهم الطريق الممهَّد

أتحسب أن الطريق إلى الجنة مفروش؟
الوهم: الجنةُ تُنال بلا ابتلاء ← التصحيح: التمحيص سنةٌ لا تتبدل، والنصر قريب
۞
أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ
البقرة ٢١٤
أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ
آل عمران ١٤٢
أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
التوبة ١٦
أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ
العنكبوت ٢
وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ
العنكبوت ٣ — آية سياق
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
سؤالٌ واحد يفتتح الرحلة ويهدم أول وهم: أن الجنة تُدخَل من دون بلوى. القرآن يقرر أن هذا «حسبانٌ باطل لا ينبغي اعتقاده»، وأن طلب الجنة لا يتم ولا يكمل إلا باحتمال الشدائد، فلن يُترك الناس على قول «آمنا» دون فتنةٍ تميز الصادق من الكاذب — هذه سنة الله في الأولين وفي هذه الأمة، والابتلاء للنفوس كالكِير يخرج خبثها وطيبها. وليست المشقة عقوبةً: فالجنة أعلى المطالب، ولا يوصَل إلى الراحة إلا بترك الراحة، والمكاره تنقلب عند أرباب البصائر منحاً يُسرُّون بها. وختام الآية بشارة: إن نصر الله قريب — لأنه آتٍ، وكل ما هو آتٍ قريب.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على البقرة ٢١٤

أم تقرير وإنكار: حسبان باطل لا ينبغي اعتقاده
وأَمْ فِي الْإِضْرَابِ كَبَلْ إِلَّا أَنَّ أَمْ تُؤْذِنُ بِالِاسْتِفْهَامِ وَهُوَ هُنَا تَقْرِيرٌ بِذَلِكَ وَإِنْكَارُهُ إِنْ كَانَ حَاصِلًا أَيْ بَلْ أَحَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا دُونَ بَلْوَى وَهُوَ حُسْبَانٌ بَاطِلٌ لَا يَنْبَغِي اعْتِقَادُهُ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ٣١٤
المنكَر: دخول بلا عناء وبلوى
وَدُخُولُ الْجَنَّةِ هُنَا دُخُولُهَا بِدُونِ سَبْقِ عَنَاءٍ وَبَلْوَى، وَهُوَ دُخُولُ الَّذِينَ اسْتَوْفَوْا كُلَّ مَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُقَصِّرُوا فِي شَيْءٍ مِنْه
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ٣١٤
البلاء سنة، والتهيئة المسبقة لطف
وَتَطَرُّقُ هَاتِهِ الْحَالَةِ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَتْبَاعِ الرُّسُلِ فِي أَوَّلِ ظُهُورِ الدِّينِ وَذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ مَزِيدِ فَضَائِلِ اتِّبَاعِ الرُّسُل، فَلذَلِك هيّء الْمُسْلِمُونَ لِتَلَقِّيهِ مِنْ قَبْلِ وُقُوعِهِ لُطْفًا بِهِمْ لِيَكُونَ حُصُولُهُ أَهْوَنَ عَلَيْهِمْ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢، ص ٣١٥
طلب الجنة لا يكمل إلا باحتمال الشدائد
فَبَيَّنَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ ذَلِكَ الطَّلَبَ لَا يَتِمُّ وَلَا يَكْمُلُ إِلَّا بِاحْتِمَالِ الشَّدَائِدِ فِي التَّكْلِيف
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٦، ص ٣٧٧
تقدير الآية: الوهم بعينه — الجنة بمجرد التصديق
أَمْ حَسِبْتُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمُجَرَّدِ الْإِيمَانِ بِي وَتَصْدِيقِ رَسُولِي، دُونَ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ بِكُلِّ مَا تَعَبَّدَكُمْ بِهِ، وَابْتَلَاكُمْ بِالصَّبْرِ عَلَيْه
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٦، ص ٣٧٨
كل ما هو آت قريب
فَإِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ، لِأَنَّهُ آتٍ، وَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيب
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٦، ص ٣٧٩
الرازي ينص على النظائر: العنكبوت ٢ وآل عمران ١٤٢
وَهَذِهِ الْآيَةُ مِثْلُ قَوْلِهِ: الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ [الْعَنْكَبُوتِ: 1- 3] وَقَالَ: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آلِ عِمْرَانَ: 142]
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٦، ص ٣٧٩
الوهم: السعادة بلا اجتهاد (البقاعي على البقرة ٢١٤ — النص واقع في ملف آل عمران لخلل التقسيم، والسياق متحقق)
أحسبتم أنا لا نرسل الرسل لتمييز الخبيث من الطيب {أم حسبتم} بعد إرسالهم أن الأمر هين بأن تنالوا السعادة بلا اجتهاد في العبادة.
نظم الدرر، البقاعي، جـ٣، ص ٢٠٥
سنة الله في الأمم لا تتبدل (البقاعي على البقرة ٢١٤ — النص في ملف آل عمران لخلل التقسيم، والسياق متحقق)
كأنه يقول: أحسبتم أن تفارق أحوالكم أحوال الأمم الماضية في حكمة الله وسنته ولن تجد لسنة الله تبديلاً
نظم الدرر، البقاعي، جـ٣، ص ٢٠٦

على آل عمران ١٤٢

الاستفهام الإنكاري + فلا يوصل إلى الراحة إلا بترك الراحة
هذا استفهام إنكاري، أي: لا تظنوا، ولا يخطر ببالكم أن تدخلوا الجنة من دون مشقة واحتمال المكاره في سبيل الله وابتغاء مرضاته، فإن الجنة أعلى المطالب، وأفضل ما به يتنافس المتنافسون، وكلما عظم المطلوب عظمت وسيلته، والعمل الموصل إليه، فلا يوصل إلى الراحة إلا بترك الراحة، ولا يدرك النعيم إلا بترك النعيم
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٢١٠-٢١١
المكاره تنقلب منحاً عند أرباب البصائر
ولكن مكاره الدنيا التي تصيب العبد في سبيل الله عند توطين النفس لها، وتمرينها عليها ومعرفة ما تئول إليه، تنقلب عند أرباب البصائر منحا يسرون بها، ولا يبالون بها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٢١١
صيغة أم للتغليط والنهي
وَالِاسْتِفْهَامُ الْمُقَدَّرُ بَعْدَ (أَمْ) مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّغْلِيطِ وَالنَّهْيِ، وَلذَلِك جَاءَ ب (أم) لِلدَّلَالَةِ عَلَى التَّغْلِيطِ: أَيْ لَا تَحْسَبُوا أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ دُونَ أَنْ تُجَاهِدُوا وَتَصْبِرُوا عَلَى عَوَاقِبِ الْجِهَادِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٤، ص ١٠٦
البلاء محك صدق الحب
فَإِنْ بَقِيَ الْحُبُّ عِنْدَ تَسْلِيطِ أَسْبَابِ الْبَلَاءِ ظَهَرَ أَنَّ ذَلِكَ الْحُبَّ كَانَ حَقِيقِيًّا، فَلِهَذِهِ الْحِكْمَةِ قَالَ: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمُجَرَّدِ تَصْدِيقِكُمُ الرَّسُولَ قَبْلَ أَنْ يَبْتَلِيَكُمُ اللَّهُ بِالْجِهَادِ وَتَشْدِيدِ الْمِحْنَةِ والله أعلم.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٩، ص ٣٧٦

على التوبة ١٦

لا تَرْك بلا امتحان
يقول تعالى لعباده المؤمنين بعد ما أمرهم بالجهاد: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا} من دون ابتلاء وامتحان، وأمر بما يبين به الصادق والكاذب
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٥٥٧
مقصود التمييز
فشرع اللّه الجهاد ليحصل به هذا المقصود الأعظم، وهو أن يتميز الصادقون الذين لا يتحيزون إلا لدين اللّه، من الكاذبين
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٥٥٧
توبيخ الحسبان: لن تُتركوا قارّين بلا ابتلاء يميّز المؤمن من المنافق
بنى عليه قوله موبخاً لمن تثاقل عن ذلك بنوع تثاقل: {أم حسبتم} أي لنقص في العقل انه يبني الأمر فيه على غير الحكمة، وذلك هو المراد بقوله: {أن تتركوا} أي قارين على ما أنتم عليه من غير أن تبتلوا بما يظهر به المؤمن من المنافق
نظم الدرر، البقاعي، جـ٨، ص ٣٩٨

على العنكبوت ٢

حكمة الفتنة
يخبر تعالى عن تمام حكمته وأن حكمته لا تقتضي أن كل من قال " إنه مؤمن " وادعى لنفسه الإيمان، أن يبقوا في حالة يسلمون فيها من الفتن والمحن، ولا يعرض لهم ما يشوش عليهم إيمانهم وفروعه، فإنهم لو كان الأمر كذلك، لم يتميز الصادق من الكاذب، والمحق من المبطل
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١١١٢
صورة الكِير
فالابتلاء والامتحان للنفوس بمنزلة الكير، يخرج خبثها وطيبها
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١١١٢
الفتنة جاريةٌ على سنة الله في الأمم
وَإِسْنَادُ فِعْلِ فَتَنَّا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِقَصْدِ تَشْرِيفِ هَذِهِ الْفُتُونِ بِأَنَّهُ جَرَى عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ فِي الْأُمَمِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٠، ص ٢٠٤
إبطال ظن الترك بلا ابتلاء بالفرائض
قَوْلُهُ: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا يَعْنِي أَظَنُّوا أَنَّهُمْ يُتْرَكُونَ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِمْ آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ لَا يُبْتَلَوْنَ بِالْفَرَائِضِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٥، ص ٢٥
معاني كلمات المحطة — من المصادر نفسها
أَمْ (في الاستفهام): «أَمْ تُؤْذِنُ بِالِاسْتِفْهَامِ وَهُوَ هُنَا تَقْرِيرٌ بِذَلِكَ وَإِنْكَارُهُ» — ابن عاشور جـ٢ ص٣١٤؛ و«نَهْيٌ وَقَعَ بِحَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ الَّذِي يَأْتِي لِلتَّبْكِيتِ» — الرازي (عن أبي مسلم) جـ٩
مصادر جُمل الموجز: ابن عاشور جـ٢ ص٣١٤-٣١٦ + الرازي جـ٦ ص٣٧٧-٣٧٩ + السعدي ص٢١٠-٢١١ و١١١٢ + البقاعي جـ٣ ص٢٠٥-٢٠٦.
قرص عسل بهندسة سداسية متقنة ونحلة واحدة في ضوء ذهبي
المحطة الثانية

وهم العبث

أتحسب أنك خُلقت لتأكل وتشرب ثم تُترك؟
الوهم: خُلقنا بلا غاية ولن نُبعث ← التصحيح: تنزَّه الله عن العبث، ومن بدأ الخلق يعيده
۞
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ
المؤمنون ١١٥
فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۖ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ
المؤمنون ١١٦ — آية سياق
أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى
القيامة ٣٦
أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ
القيامة ٣
بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ
القيامة ٤ — آية سياق
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
الوهم الثاني أعمق: أن الخلق كله بلا غاية — نأكل ونتمتع ثم نُترك لا نُؤمر ولا نُنهى ولا نُحاسب. القرآن يسمي هذا ظناً بالله بغير ما يليق بحكمته: فلو لم يكن جزاءٌ لضاع حق المحسن وفاز أهل الفساد، ولما تميز المطيع من العاصي — وحينئذ يكون خلق هذا العالم عبثاً، تعالى الله عنه. و«السُّدى» هو الذي لا يُؤمر ولا يُنهى. أما إنكار البعث فيهدمه دليل البداءة: من قدر على الشيء في الابتداء قدر عليه في الإعادة — حتى تسوية البنان على صغرها ولطافتها؛ وما أنكر المنكرُ لقصور الأدلة، بل لأن قصده أن يكذب بما أمامه فلا تتنغص عليه شهواته.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على المؤمنون ١١٥

تصوير الوهم بتفاصيله
أي: {أَفَحَسِبْتُمْ} أيها الخلق {أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} أي: سدى وباطلا، تأكلون وتشربون وتمرحون، وتتمتعون بلذات الدنيا، ونترككم لا نأمركم، ولا ننهاكم ولا نثيبكم، ولا نعاقبكم؟
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٩٩٩
الختام: تنزيه الله عن العبث
{رَبُّ الْعَرْشِ الكَرِيمِ} فما دونه من باب أولى، يمنع أن يخلقكم عبثا
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٩٩٩
لازم إنكار البعث أن يكون الخلق عبثاً
فُرِّعَ الِاسْتِفْهَامُ عَنْ حُسْبَانِهِمْ أَنَّ الْخَلْقَ لِأَجْلِ الْعَبَثِ عَلَى إِظْهَارِ بُطْلَانِ مَا زَعَمُوهُ مِنْ إِنْكَارِ الْبَعْثِ. وَالِاسْتِفْهَامُ تَقْرِيرٌ وَتَوْبِيخٌ لِأَنَّ لَازِمَ إِنْكَارِهِمُ الْبَعْثَ أَنْ يَكُونَ خَلْقُ النَّاسِ مُشْتَمِلًا عَلَى عَبَثٍ فَنُزِّلُوا مَنْزِلَةَ مَنْ حَسِبَ ذَلِكَ فَقَرَّرُوا وَوَبَّخُوا أَخْذًا لَهُمْ بِلَازِمِ اعْتِقَادِهِمْ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٨، ص ١٣٣
تعريف العبث وربط الخلق بالمجازاة
وَالْعَبَثُ:الْعَمَلُ الَّذِي لَا فَائِدَةَ فِيهِ. وَكُلَّمَا تَضَاءَلَتِ الْفَائِدَةُ كَانَ لَهَا حُكْمُ الْعَدَمِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ خَلْقُ الْبَشَرِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ مُرَتَّبًا عَلَيْهِ مُجَازَاةُ الْفَاعِلِينَ عَلَى أَفْعَالِهِمْ لَكَانَ خَالِقُهُ قَدْ أَتَى فِي فِعْلِهِ بِشَيْءٍ عَدِيمِ الْفَائِدَةِ فَكَانَ فِيهِ حَظٌّ مِنَ الْعَبَثِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٨، ص ١٣٤
لولا الجزاء لضاع حق المحسن
وَبَيَانُ كَوْنِهِ عَبَثًا أَنَّهُ لَوْ خُلِقَ الْخَلْقُ فَأَحْسَنَ الْمُحْسِنُ وَأَسَاءَ الْمُسِيءُ وَلَمْ يَلْقَ كُلٌّ جَزَاءَهُ لَكَانَ ذَلِكَ إِضَاعَةً لِحَقِّ الْمُحْسِنِ وَإِغْضَاءً عَمَّا حَصَلَ مِنْ فَسَادِ الْمُسِيءِ فَكَانَ ذَلِكَ تَسْلِيطًا لِلْعَبَثِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٨، ص ١٣٤
لولا القيامة لما تميز المطيع من العاصي
أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمَّا شَرَحَ صِفَاتِ الْقِيَامَةِ خَتَمَ الْكَلَامَ فِيهَا بِإِقَامَةِ الدَّلَالَةِ عَلَى وُجُودِهَا وَهِيَ أَنَّهُ لَوْلَا الْقِيَامَةُ لَمَا تَمَيَّزَ الْمُطِيعُ مِنَ الْعَاصِي وَالصِّدِّيقُ مِنَ الزِّنْدِيقِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ خَلْقُ هَذَا الْعَالَمِ عَبَثًا
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٣، ص ٢٩٩

على القيامة ٣٦

معنى سدى + الحكم على الحسبان
أي: معطلا ، لا يؤمر ولا ينهى، ولا يثاب ولا يعاقب؟ هذا حسبان باطل وظن بالله بغير ما يليق بحكمته
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٦٣٠
لو أُهمل الإنسان لفاز أهل الفساد
لَا يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ أَنْ يُهْمِلَهُ مِثْلَ الْحَيَوَانِ فَيَجْعَلَ الصَّالِحِينَ كَالْمُفْسِدِينَ وَالطَّائِعِينَ لِرَبِّهِمْ كَالْمُجْرِمِينَ، وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ الْمُتَمَكِّنُ بِحِكْمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ أَنْ يَجْعَلَ إِلَيْهِ الْمَصِيرَ، فَلَوْ أَهْمَلَهُ لَفَازَ أَهْلُ الْفَسَادِ فِي عَالَمِ الْكَسَادِ، وَلَمْ يُلَاقِ الصَّالِحُونَ مِنْ صَلَاحِهِمْ إِلَّا الْأَنْكَاد
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٩، ص ٣٦٦
العقل والقدرة يستلزمان التكليف
وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ إِعْطَاءَ الْقُدْرَةِ وَالْآلَةِ وَالْعَقْلِ بِدُونِ التَّكْلِيفِ وَالْأَمْرِ بِالطَّاعَةِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمَفَاسِدِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ تَعَالَى رَاضِيًا بِقَبَائِحِ الْأَفْعَالِ، وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِحِكْمَتِه
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣٠، ص ٧٣٧

على القيامة ٣

الرد بالبنان
فاستبعد من جهله وعدوانه قدرة الله على خلق عظامه التي هي عماد البدن، فرد عليه بقوله: {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} أي: أطراف أصابعه وعظامه، المستلزم ذلك لخلق جميع أجزاء البدن
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٦٢٧
جذر الإنكار: إرادة التكذيب
وإنما وقع ذلك منه أن قصده وإرادته أن يكذب بما أمامه من البعث
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٦٢٧
من قدر على الابتداء قدر على الإعادة — سر البنان
وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى الشَّيْءِ فِي الِابْتِدَاءِ قَدَرَ أَيْضًا عَلَيْهِ فِي الْإِعَادَةِ وَإِنَّمَا خُصَّ الْبَنَانُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ آخِرُ مَا يَتِمُّ خَلْقُهُ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: نَقْدِرُ عَلَى ضَمِّ سُلَامَاتِهِ عَلَى صِغَرِهَا وَلَطَافَتِهَا بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ كَمَا كَانَتْ أَوَّلًا مِنْ غَيْرِ نُقْصَانٍ وَلَا تَفَاوُتٍ، فَكَيْفَ الْقَوْلُ فِي كِبَارِ الْعِظَام
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣٠، ص ٧٢٢
جذر الإنكار: حماية الشهوات
وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْإِنْسَانَ الَّذِي يَمِيلُ طَبْعُهُ إِلَى الِاسْتِرْسَالِ فِي الشَّهَوَاتِ وَالِاسْتِكْثَارِ مِنَ اللَّذَّاتِ لَا يَكَادُ يُقِرُّ بِالْحَشْرِ وَالنَّشْرِ وَبَعْثِ الْأَمْوَاتِ لِئَلَّا تَتَنَغَّصَ عَلَيْهِ اللَّذَّاتُ الْجُسْمَانِيَّةُ فَيَكُونُ أَبَدًا مُنْكِرًا لذلك
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣٠، ص ٧٢٣
أثر الوهم في العيش: الفاجر لا يحاسب نفسه
قال الحسن: المؤمن ما تراه إلا يلوم نفسه ويقول: ما أردت بكلامي؟ وما أردت بأكلي؟ والفاجر يمضي قدماً لا يحاسب نفسه ولا يعاتبها.
نظم الدرر، البقاعي، جـ٢١، ص ٩٠
معاني كلمات المحطة — من المصادر نفسها
عَبَثًا: «الْعَبَثُ:الْعَمَلُ الَّذِي لَا فَائِدَةَ فِيهِ» — ابن عاشور (المؤمنون ١١٥)
سُدًى: «لَا يُؤْمَرُ، وَلَا يُنْهَى، وَلَا يُكَلَّفُ فِي الدُّنْيَا وَلَا يُحَاسَبُ بِعَمَلِهِ فِي الْآخِرَةِ» — الرازي (القيامة ٣٦)؛ ونقل ابن عاشور عن الشافعي: «السُّدَى الَّذِي لَا يُؤْمَرُ وَلَا يُنْهَى»
مصادر جُمل الموجز: السعدي ص٩٩٩ و١٦٣٠ و١٦٢٧ + ابن عاشور جـ١٨ (المؤمنون) وجـ٢٩ (القيامة) + الرازي (المؤمنون/القيامة) — الصفحات في القطوف أعلاه.
آثار أقدام كاملة محفورة في رمال ممتدة تحت سماء نجوم
المحطة الثالثة

وهم الإفلات

أتحسب أن ما أخفيتَه قد فات اللهَ علمُه؟
الوهم: لا أحد يسمع، لا أحد يرى، لا أحد يقدر ← التصحيح: بلى — يعلم السر ورسله يكتبون
۞
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ
العنكبوت ٤
أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم ۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ
الزخرف ٨٠
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ
محمد ٢٩
أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ
البلد ٥
يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا
البلد ٦ — آية سياق
أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ
البلد ٧
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
وهم الإفلات ثلاث طبقات: أن نسبق اللهَ فلا يدركنا، وأن ما أسررناه لا يسمعه، وأن ما بأيدينا من قوةٍ أو مالٍ يعصمنا. جذرُ الجرأة على الذنب هو هذا الحسبان: أن الأعمال ستُهمل وأن الله سيغفل عنها — وهو حكم جائر يتضمن إنكار قدرة الله، وأصحابه أضعف شيء وأعجزه. والرد القرآني قاطع: بلى، يعلم السر والنجوى ورسله يكتبون كل شيء حتى يجدوه يوم القيامة حاضراً؛ والإمهال لا يفضي إلى الإهمال؛ وما تكتمه القلوب من أضغانٍ سيخرجه الله — فالألسن مغارف القلوب، يظهر منها ما فيها من الخير والشر.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على العنكبوت ٤

جذر الجرأة على الذنب
أي: أحسب الذين همهم فعل السيئات وارتكاب الجنايات، أن أعمالهم ستهمل، وأن اللّه سيغفل عنهم، أو يفوتونه، فلذلك أقدموا عليها، وسهل عليهم عملها؟
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١١١٣
ساء ما يحكمون
أي: ساء حكمهم، فإنه حكم جائر، لتضمنه إنكار قدرة اللّه وحكمته، وأن لديهم قدرة يمتنعون بها من عقاب اللّه، وهم أضعف شيء وأعجزه
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١١١٣
تحذير المسلم من حسبان الانفلات
وَهَذِهِ الْآيَةُ وَإِنْ كَانَتْ وَارِدَةً فِي شَأْنِ الْمُشْرِكِينَ الْمُؤْذِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ فَهِيَ تُشِيرُ إِلَى تَحْذِيرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ مُشَابِهَتِهِمْ فِي اقْتِرَافِ السَّيِّئَاتِ اسْتِخْفَافًا بِوَعِيدِ اللَّهِ عَلَيْهَا لِأَنَّهُمْ فِي ذَلِكَ يَأْخُذُونَ بِشَيْءٍ مِنْ مُشَابَهَةِ حُسْبَانِ الِانْفِلَاتِ، وَإِنْ كَانَ الْمُؤْمِنُ لَا يَظُنُّ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ مَنْ يَظُنُّهُ لِإِعْرَاضِهِ عَنِ الْوَعِيدِ حِينَ يقترف السَّيئَة.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٠، ص ٢٠٧
الإمهال لا يفضي إلى الإهمال
وَأَمَّا الْإِمْهَالُ فَلَا يُفْضِي إِلَى الْإِهْمَالِ وَالتَّعْجِيلُ فِي جَزَاءِ الْأَعْمَالِ شُغْلُ مَنْ يَخَافُ الْفَوْتَ لَوْلَا الِاسْتِعْجَالُ.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٥، ص ٢٧

على الزخرف ٨٠

ظن ألا تبعة للخفي
أي: كلامهم الخفي الذي يتناجون به، أي: فلذلك أقدموا على المعاصي، وظنوا أنها لا تبعة لها ولا مجازاة على ما خفي منها
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٣٩٢
الرد: بلى
فرد اللّه عليهم بقوله: {بَلَى} أي: إنا نعلم سرهم ونجواهم، {وَرُسُلُنَا} الملائكة الكرام، {لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} كل ما عملوه، وسيحفظ ذلك عليهم، حتى يردوا القيامة، فيجدوا ما عملوا حاضرا، ولا يظلم ربك أحدا
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٣٩٢
علم يترتب عليه أثر: كتابة تؤذن بالحساب
وَعَطَفَ وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ لِيَعْلَمُوا أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِمَا يُسِرُّونَ عِلْمٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَثَرٌ فِيهِمْ وَهُوَ مُؤَاخَذَتُهُمْ بِمَا يُسِرُّونَ لِأَنَّ كِتَابَةَ الْأَعْمَالِ تُؤْذِنُ بِأَنَّهَا سَتُحْسَبُ لَهُمْ يَوْمَ الْجَزَاءِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٥، ص ٢٦٣

على محمد ٢٩

ظن لا يليق بحكمة الله
أن الله لا يخرج ما في قلوبهم من الأضغان والعداوة للإسلام وأهله؟ هذا ظن لا يليق بحكمة الله، فإنه لا بد أن يميز الصادق من الكاذب، وذلك بالابتلاء بالمحن
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٤٢٩
الألسن مغارف القلوب
فإن الألسن مغارف القلوب، يظهر منها ما في القلوب من الخير والشر
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٤٢٩
مكائد بلا طائل وخيبة للآمال
انْتِقَالٌ مِنَ التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ إِلَى الْإِنْذَارِ بِأَنَّ اللَّهَ مطلع رَسُوله صلى الله عليه وسلم عَلَى مَا يُضْمِرُهُ الْمُنَافِقُونَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَكْرِ وَالْكَيْدِ لِيَعْلَمُوا أَنَّ أَسْرَارَهُمْ غَيْرُ خَافِيَةٍ فَيُوقِنُوا أَنَّهُمْ يَكُدُّونَ عُقُولَهُمْ فِي تَرْتِيبِ الْمَكَائِدِ بِلَا طَائِلٍ وَذَلِكَ خَيْبَةٌ لِآمَالِهِمْ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٦، ص ١٢٠
فلنخرجن ما يبالغون في ستره
خابت ظنونهم وفالت آراؤهم فلنخرجن ما يبالغون في ستره حتى لا ندع منه شيئاً يريدون إخفاءه إلا كشفناه وأبديناه للناس وأوضحناه، فإنا نعلمهم ونعلم ذلك منهم من قبل أن نخلقهم، فلو نشاء لفضحناهم حتى يعرفهم الناس أجمعون
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٨، ص ٢٥٢

على البلد ٥

بطر العافية وظن دوام الحال
فإنه لم يشكر الله على هذه النعمة العظيمة، بل بطر بالعافية وتجبر على خالقه، فحسب بجهله وظلمه أن هذه الحال ستدوم له، وأن سلطان تصرفه لا ينعزل
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٦٧٤
وهم القوي أن شدته تعصمه
اعْلَمْ أَنَّا إِنْ فَسَّرْنَا الْكَبَدَ بِالشِّدَّةِ فِي الْقُوَّةِ، فَالْمَعْنَى أَيَحْسَبُ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ الشَّدِيدُ أَنَّهُ لِشِدَّتِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَد
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣١، ص ١٦٧
لسان حال المغرور
فمن يستعصي عليّ ومن يخالف أمري، فضلاً عن أن يريد إخمال ذكري أو نقص قدري.
نظم الدرر، البقاعي، جـ٢٢، ص ٥٤

على البلد ٧

بل قد رآه الله
أي: أيحسب في فعله هذا، أن الله لا يراه ويحاسبه على الصغير والكبير؟ بل قد رآه الله، وحفظ عليه أعماله، ووكل به الكرام الكاتبين، لكل ما عمله من خير وشر
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٦٧٤
الإنفاق إهلاك أو تجارة
وسمى الله تعالى الإنفاق في الشهوات والمعاصي إهلاكًا، لأنه لا ينتفع المنفق بما أنفق، ولا يعود عليه من إنفاقه إلا الندم والخسار والتعب والقلة، لا كمن أنفق في مرضاة الله في سبيل الخير، فإن هذا قد تاجر مع الله، وربح أضعاف أضعاف ما أنفق
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٦٧٤
علم الله بدخيلته
وَالِاسْتِفْهَامُ إِنْكَارٌ وَتَوْبِيخٌ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِدَخِيلَتِهِ وَأَنَّ افْتِخَارَهُ بِالْكَرَمِ بَاطِلٌ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣٠، ص ٣٥٣
من خلق أعضاءك قادر على محاسبتك
وَقَالَ الْحَسَنُ: قَالَ: أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَداً فَمَنِ الَّذِي يُحَاسِبُنِي عَلَيْهِ؟ فَقِيلَ: الَّذِي قَدَرَ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ لَكَ هَذِهِ الْأَعْضَاءَ قَادِرٌ عَلَى مُحَاسَبَتِك
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣١، ص ١٦٨
معاني كلمات المحطة — من المصادر نفسها
أَضْغَانَهُمْ: «أَيْ ميلهم وما يبطنونه في دواخل أكشاحهم من اعوجاجهم الدال على أحقادهم» — البقاعي (محمد ٢٩)
لُبَدًا: «أي: كثيرًا، بعضه فوق بعض» — السعدي ص١٦٧٤ (البلد ٦)
مصادر جُمل الموجز: السعدي ص١١١٣ و١٣٩٢ و١٤٢٩ و١٦٧٤ + الرازي (العنكبوت) + ابن عاشور (البلد/محمد) — الصفحات في القطوف أعلاه.
طريق يفترق عند صخرة إلى مسارين مختلفي المصير
المحطة الرابعة

وهم التسوية

أتحسب أن من اجترح السيئات يستوي بمن آمن وعمل الصالحات؟
الوهم: المسيء والمحسن سواء في النهاية ← التصحيح: ساء ما يحكمون — الحكم القطعي غير ذلك
۞
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ
الجاثية ٢١
وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
الجاثية ٢٢ — آية سياق
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
آيةٌ واحدة تحسم وهم «الكل سواء»: أحسب المسيئون المكثرون من الذنوب أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات، سواءً محياهم ومماتهم؟ ساء ما ظنوا وساء ما حكموا — فهو حكم يخالف حكمة أحكم الحاكمين ويناقض العقول السليمة، وقد نسبوا فيه إلى الحكيم ما لا يفعله أقل الناس فيمن تحت يده. الحكم الواقع القطعي: للمؤمنين العاملين النصر والسعادة والثواب في العاجل والآجل كلٌّ على قدر إحسانه، وللمسيئين الغضب والشقاء في الدنيا والآخرة — وقد يستوي محيا الفريقين في الرزق والصحة، وإنما يظهر الفرق الحاسم في الممات.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على الجاثية ٢١

هدم وهم التسوية
أي: أم حسب المسيئون المكثرون من الذنوب المقصرون في حقوق ربهم. {أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} بأن قاموا بحقوق ربهم، واجتنبوا مساخطه ولم يزالوا مؤثرين رضاه على هوى أنفسهم؟ أي: أحسبوا أن يكونوا {سَوَاءً} في الدنيا والآخرة؟ ساء ما ظنوا وحسبوا وساء ما حكموا به، فإنه حكم يخالف حكمة أحكم الحاكمين وخير العادلين ويناقض العقول السليمة والفطر
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٤٠٥
الحكم القطعي المقابل
بل الحكم الواقع القطعي أن المؤمنين العاملين الصالحات لهم النصر والفلاح والسعادة والثواب في العاجل والآجل كل على قدر إحسانه، وأن المسيئين لهم الغضب والإهانة والعذاب والشقاء في الدنيا والآخرة
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٤٠٦
صورة الوهم: عظيمهم هنا عظيمهم هناك
وَتَخْيِيلِهِمْ لِلنَّاسِ أَنَّهُمْ يَصِيرُونَ فِي الْآخِرَةِ، عَلَى الْحَالِ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا، عَظِيمُهُمْ فِي الدُّنْيَا عَظِيمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَضَعِيفُهُمْ فِي الدُّنْيَا ضَعِيفُهُمْ فِي الْآخِرَةِ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٥، ص ٣٥١
هدم التسوية في المحيا والممات
فَكَمَا خَالَفَ اللَّهُ بَيْنَ حَالَيْهِمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَجَعَلَ فَرِيقًا كَفَرَةً مُسِيئِينَ وَفَرِيقًا مُؤْمِنِينَ مُحْسِنِينَ، فَكَذَلِكَ سَيُخَالِفُ بَيْنَ حَالَيْهِمْ فِي الْمَمَاتِ فَيَمُوتُ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْيَأْسِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِذْ لَا يُوقِنُونَ بِالْبَعْثِ وَيُلَاقُونَ بَعْدَ الْمَمَاتِ هَوْلَ مَا تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ، وَيَمُوتُ الْمُؤْمِنُونَ رَجَاءَ رَحْمَةِ اللَّهِ وَالْبُشْرَى بِمَا وُعِدُوا بِهِ وَيُلَاقُونَ بَعْدَ الْمَمَاتِ ثَوَابَ اللَّهِ وَرِضْوَانَهُ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٥، ص ٣٥٣
الوهم بلسانهم وإنكار الله عليهم
قَالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: وَاللَّهِ مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيْءٍ، وَلَوْ كَانَ مَا تَقُولُونَ حَقًّا لَكَانَ حَالُنَا أَفْضَلَ مِنْ حَالِكُمْ فِي الْآخِرَةِ، كَمَا أَنَّا أَفْضَلُ حَالًا مِنْكُمْ فِي الدُّنْيَا، فَأَنْكَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذَا الْكَلَامَ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَالُ الْمُؤْمِنِ الْمُطِيعِ مُسَاوِيًا لِحَالِ الْكَافِرِ الْعَاصِي فِي دَرَجَاتِ الثَّوَابِ، وَمَنَازِلِ السَّعَادَاتِ.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٧، ص ٦٧٦
قد يستوون في الرزق والفرق في الممات
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ قَدْ يَسْتَوِي مَحْيَاهُمْ فِي الصِّحَّةِ وَالرِّزْقِ وَالْكِفَايَةِ بَلْ قَدْ يَكُونُ الْكَافِرُ أَرْجَحَ حَالًا مِنَ الْمُؤْمِنِ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي الْمَمَاتِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٧، ص ٦٧٧
اجتراح السوء يعمي البصيرة
وكان الأصل: حسبوا، ولكنه عدل عنه للتنبيه على أن ارتكاب السوء معم للبصيرة مضعف للعقل كما أفاده التعبير بالحسبان
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٨، ص ٩٠
نسبوا إلى الحكيم ما لا يفعله أقل الناس
{ساء ما يحكمون *} أي بلغ حكمهم هذا في نفسه ولا سيما وهم بإصرارهم عليه في تجديد له كل ساعة أقصى نهايات السوء، فهو مما يتعجب منه، لأنه لا يدري الحامل عليه، وذلك أنه نسبوا الحكيم الذي لا حكيم في الحقيقة غيره إلى ما لا يفعله أقل الناس فيمن تحت يده.
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٨، ص ٩١
معاني كلمات المحطة — من المصادر نفسها
اجْتَرَحُوا: «{حسب الذين اجترحوا} أي فعلوا بغاية جهدهم» — البقاعي (الجاثية ٢١)
مصادر جُمل الموجز: السعدي ص١٤٠٥-١٤٠٦ + ابن عاشور والرازي والبقاعي (الجاثية ٢١) — الصفحات في القطوف أعلاه.
كأس ذهبية ينسكب منها رمل يتبدد في الهواء
المحطة الخامسة

وهم قراءة النعمة

أتحسب أن كل عطاءٍ رضا؟
الوهم: العطاء رضا، والمهلة أمان، والمال خلود ← التصحيح: قد يكون الإمداد استدراجاً، والممسَك طوقاً
۞
أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ
المؤمنون ٥٥
نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ ۚ بَل لَّا يَشْعُرُونَ
المؤمنون ٥٦ — آية سياق
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ
آل عمران ١٧٨
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
آل عمران ١٨٠
يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ
الهمزة ٣
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
هنا يهدم القرآن أوهام قراءة النعمة. من ظن كثرة المال والبنين دليلاً على الرضا فهو كقومٍ غمرهم الماء وهم يحسبون أنهم يسبحون — فقد يكون الإمداد استدراجاً لا مسارعةً في الخيرات، ولهذا جمع أهل الإحسان بين الإحسان والخوف وجمع المغترون بين الإساءة والأمن. ومن ظن طول الإمهال خيراً فليحذر: فالإملاء للظالم كالطعام المسموم، نعمةٌ في الظاهر نقمةٌ في الحقيقة. ومن ظن البخل غُنماً فسيُطوَّق ما بخل به يوم القيامة، ولا معنى للبخل بشيءٍ زائلٍ عنك منتقلٍ إلى غيرك. ومن حسب أن ماله أخلده فقد جعل كدَّه كله في تنمية مالٍ يظن أنه ينمي عمره — ولم يدر أن البخل يقصف الأعمار، وأن البر يزيد في العمر.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على المؤمنون ٥٥

صورة الوهم: الزيادة دليل خيرية
أي: أيظنون أن زيادتنا إياهم بالأموال والأولاد، دليل على أنهم من أهل الخير والسعادة، وأن لهم خير الدنيا والآخرة؟ وهذا مقدم لهم، ليس الأمر كذلك
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٩٨٧
المقابلة: الإساءة مع الأمن والإحسان مع الخوف
لما ذكر تعالى الذين جمعوا بين الإساءة والأمن، الذين يزعمون أن عطاء الله إياهم في الدنيا دليل على خيرهم وفضلهم، ذكر الذين جمعوا بين الإحسان والخوف
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٩٨٧
صورة الغرقى يحسبون أنهم يسبحون
بِحَالِ قَوْمٍ غَمَرَهُمُ الْمَاءُ فَأَوْشَكُوا عَلَى الْغَرَقِ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنهم يسبحون.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٨، ص ٧٤
ظن النعم ثواباً معجلاً
وَلَمَّا كَانَ الْقَوْمُ فِي نِعَمٍ عَظِيمَةٍ فِي الدُّنْيَا جَازَ أَنْ يَظُنُّوا أَنَّ تِلْكَ النِّعَمَ كَالثَّوَابِ الْمُعَجَّلِ لَهُمْ عَلَى أَدْيَانِهِمْ، فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْأَمْرَ بِخِلَافِ ذَلِكَ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٣، ص ٢٨٢
الإمداد استدراج واستجرار في الإثم
أَنَّ هَذَا الْإِمْدَادَ لَيْسَ إِلَّا اسْتِدْرَاجًا لَهُمْ فِي الْمَعَاصِي، وَاسْتِجْرَارًا لَهُمْ فِي زِيَادَةِ الْإِثْمِ وَهُمْ يحسبونه مسارعة في الخيرات
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٣، ص ٢٨٢

على آل عمران ١٧٨

صورة الوهم: الإمهال محبة
أي: ولا يظن الذين كفروا بربهم ونابذوا دينه، وحاربوا رسوله أن تركنا إياهم في هذه الدنيا، وعدم استئصالنا لهم، وإملاءنا لهم خير لأنفسهم، ومحبة منا لهم
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٢٢٥
فليحذر الظالمون من الإمهال
فالله تعالى يملي للظالم، حتى يزداد طغيانه، حتى يترادف كفرانه، حتى إذا أخذه أخذه أخذ عزيز مقتدر، فليحذر الظالمون من الإمهال، ولا يظنوا أن يفوتوا الكبير المتعال
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٢٢٥
صورة الإملاء: إرخاء الطِّوَل للفرس وتوسيع القيد
يُقَالُ: أَمْلَى لِفَرَسِهِ إِذَا أَرْخَى لَهُ الطِّوَلَ فِي الْمَرْعَى، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْمَلْوِ بِالْوَاوِ وَهُوَ سَيْرُ الْبَعِيرِ الشَّدِيدِ، ثُمَّ قَالُوا: أَمْلَيْتُ لِلْبَعِيرِ وَالْفَرَسِ إِذَا وَسَّعْتُ لَهُ فِي الْقَيْدِ لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ بِذَلِكَ مِنَ الْخَبَبِ وَالرَّكْضِ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٤، ص ١٧٥
الإمهال كخبيصٍ مسموم لا يُعَدّ إنعامًا
وَقَالُوا هَذِهِ الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ إِطَالَةَ الْعُمُرِ وَإِيصَالَهُ إِلَى مُرَادَاتِهِ فِي الدُّنْيَا لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا نِعْمَةً، لِأَنَّهُ تَعَالَى نَصَّ عَلَى أَنَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ بِخَيْرٍ، وَالْعَقْلُ أَيْضًا يُقَرِّرُهُ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ أَطْعَمَ إِنْسَانًا خَبِيصًا مَسْمُومًا فَإِنَّهُ لَا يُعَدُّ ذَلِكَ الْإِطْعَامُ إِنْعَامًا، فَإِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ إِعْطَاءِ نِعَمِ الدُّنْيَا عِقَابَ الآخرة لم يكن شيء منها نعمة حقيقة
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٩، ص ٤٤١
نِعَمٌ في الظاهر نِقَمٌ وآفات في الحقيقة
وَأَمَّا الْآيَاتُ الْوَارِدَةُ فِي تَكْثِيرِ النِّعَمِ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ فَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا يَكُونُ نِعَمًا فِي الظَّاهِرِ، وَأَنَّهُ لَا طَرِيقَ إِلَى التَّوْفِيقِ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ وَبَيْنَ تِلْكَ الْآيَاتِ إِلَّا أَنْ نَقُولَ: تِلْكَ النِّعَمُ نِعَمٌ فِي الظَّاهِرِ وَلَكِنَّهَا نِقَمٌ وَآفَاتٌ فِي الْحَقِيقَةِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٩، ص ٤٤١

على آل عمران ١٨٠

الوهم وعكسه: البخل شر في الدارين
أي: ولا يظن الذين يبخلون، أي: يمنعون ما عندهم مما آتاهم الله من فضله، من المال والجاه والعلم، وغير ذلك مما منحهم الله، وأحسن إليهم به، وأمرهم ببذل ما لا يضرهم منه لعباده، فبخلوا بذلك، وأمسكوه، وضنوا به على عباد الله، وظنوا أنه خير لهم، بل هو شر لهم، في دينهم ودنياهم، وعاجلهم وآجلهم
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٢٢٦
انقلاب الأمر على الباخلين
فهؤلاء حسبوا أن بخلهم نافعهم، ومجد عليهم، فانقلب عليهم الأمر، وصار من أعظم مضارهم، وسبب عقابهم
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٢٢٦
لا معنى للبخل بزائل
أن هذا الذي بيد العباد كلها ترجع إلى الله، ويرثها تعالى، وهو خير الوارثين، فلا معنى للبخل بشيء هو زائل عنك منتقل إلى غيرك
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٢٢٦
أموالهم أطواقًا يوم القيامة يعذَّبون بحملها
وَيُطَوَّقُونَ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الطَّاقَةِ، وَهِيَ تَحَمُّلُ مَا فَوْقَ الْقُدْرَةِ أَيْ سَيَحْمِلُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ، أَيْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وِزْرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الطَّوْقِ، وَهُوَ مَا يُلْبَسُ تَحْتَ الرَّقَبَةِ فَوْقَ الصَّدْرِ، أَيْ تُجْعَلُ أَمْوَالُهُمْ أَطْوَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُعَذَّبُونَ بِحَمْلِهَا
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٤، ص ١٨٢
المال مال الله وما من بخيل إلا سيذهب ويتركه
وَقَوْلُهُ: وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ تَذْيِيلٌ لِمَوْعِظَةِ الْبَاخِلِينَ وَغَيْرِهِمْ: بِأَنَّ الْمَالَ مَالُ اللَّهِ، وَمَا مِنْبَخِيلٍ إِلَّا سَيَذْهَبُ وَيَتْرُكُ مَالَهُ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٤، ص ١٨٢

على الهمزة ٣

صفة جامع المال
ومن صفة هذا الهماز اللماز، أنه لا هم له سوى جمع المال وتعديده والغبطة به، وليس له رغبة في إنفاقه في طرق الخيرات وصلة الأرحام
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٦٩٣
البخل يقصف الأعمار والبر يزيد في العمر
فلذلك كان كده وسعيه كله في تنمية ماله، الذي يظن أنه ينمي عمره، ولم يدر أن البخل يقصف الأعمار، ويخرب الديار، وأن البر يزيد في العمر
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٦٩٣
حال من يحسب المال يقيه الموت
وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّ الَّذِينَ جَمَعُوا الْمَالَ يُشْبِهُ حَالُهُمْ حَالَ مَنْ يَحْسَبُ أَنَّ الْمَالَ يَقِيهِمُ الْمَوْتَ وَيَجْعَلُهُمْ خَالِدِينَ لِأَنَّ الْخُلُودَ فِي الدُّنْيَا أَقْصَى مُتَمَنَّاهُمْ إِذْ لَا يُؤْمِنُونَ بِحَيَاةٍ أُخْرَى خَالِدَةٍ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٣٠، ص ٥٣٩
يشيد البنيان عمل من لا يموت
يَعْمَلُ الْأَعْمَالَ الْمُحْكَمَةَ كَتَشْيِيدِ الْبُنْيَانِ بِالْآجُرِّ وَالْجِصِّ، عَمَلَ مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ يَبْقَى حَيًّا أَوْ لِأَجْلِ أَنْ يُذْكَرَ بِسَبَبِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣٢، ص ٢٨٥
كلا: يموت كما مات كل حي
ولما كان هذا الحسبان لشدة وهيه وبيان ضعفه لا يحتاج إلى إقامة دليل على فساده، اكتفى فيه بأداة الردع الجامعة لكل زجر فقال: {كلا} أي لا يكون ما حسبه لأنه لا يكون له ما لا يكون لغيره من أمثاله بل يموت كما مات كل حي مخلوق.
نظم الدرر، البقاعي، جـ٢٢، ص ٢٤٦
معاني كلمات المحطة — من المصادر نفسها
نُمْلِي / الإِمْلاء: «يُقَالُ: أَمْلَى لِفَرَسِهِ إِذَا أَرْخَى لَهُ الطِّوَلَ فِي الْمَرْعَى» — ابن عاشور (آل عمران ١٧٨)
سَيُطَوَّقُونَ: «تُجْعَلُ أَمْوَالُهُمْ أَطْوَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُعَذَّبُونَ بِحَمْلِهَا» — ابن عاشور (آل عمران ١٨٠)؛ و«الْعَرَبُ يُعَبِّرُونَ عَنْ تَأْكِيدِ إِلْزَامِ الشَّيْءِ بِتَصْيِيرِهِ فِي الْعُنُقِ» — الرازي
مصادر جُمل الموجز: السعدي ص٩٨٧ و٢٢٥ و٢٢٦ و١٦٩٣ + ابن عاشور (المؤمنون/آل عمران/الهمزة) + الرازي (آل عمران) — الصفحات في القطوف أعلاه.
سائر واثق الخطى نحو سراب والطريق الحقيقية بعيدة عن نظره
المحطة السادسة

أخطر الأوهام: يحسب أنه يُحسن

أتحسب أن حُسن النية يكفي وحده؟
الوهم: الضلالُ هدى والخسارةُ إحسان ← التصحيح: الأخسرون أعمالاً هم من ضل سعيهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً
۞
قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا
الكهف ١٠٣ — آية سياق
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا
الكهف ١٠٤
فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ ۗ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ
الأعراف ٣٠
وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ
الزخرف ٣٦ — آية سياق
وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ
الزخرف ٣٧
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
أخطر الأوهام كلها: أن تخسر وأنت تحسب أنك تُحسن. القرآن يسأل: هل ننبئكم بأخسر الناس أعمالاً على الإطلاق؟ ويعدل عن المواجهة إلى الغيبة حتى يستشرف السامعون لمعرفة هؤلاء الأخسرين — فما يروعهم إلا أن يعلموا أن المخبَر عنهم هم أنفسهم. صاحب هذا الوهم بلا عذر، لأنه متمكن من الهدى وإنما أتاه حسبانه من ظلمه بترك الطريق الموصل إليه؛ والإعراض يتدرج كالرمد يصير عشىً ثم عمى، حتى تنقلب الحقائق فيُظن الباطل حقاً والحق باطلاً، ويُحسب الضلال هدىً بتزيين الشيطان للباطل والإعراض عن الحق. ومن هنا كان مجرد الظن والحسبان لا يكفي في الدين — بل لا بد من اليقين.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على الكهف ١٠٤

افتتاح التحذير
أي: قل يا محمد، للناس ـ على وجه التحذير والإنذار ـ : هل أخبركم بأخسر الناس أعمالا على الإطلاق؟
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٨٦٢
ضل سعيهم وهم يحسبون
أي: بطل واضمحل كل ما عملوه من عمل، يحسبون أنهم محسنون في صنعه، فكيف بأعمالهم التي يعلمون أنها باطلة
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٨٦٢
تمليح الغيبة: يستشرفون لمعرفة الأخسرين فإذا هم أنفسهم
وَفِي قَوْلِهِ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا إِلَى آخِرِهِ … تَمْلِيحٌ إِذْ عَدَلَ فِيهِ عَنْ طَرِيقِةِ الْخِطَابِ بِأَنْ يُقَالَ لَهُمْ: هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِأَنَّكُمُ الْأَخْسَرُونَ أَعْمَالًا، إِلَى طَرِيقَةِ الْغَيْبَةِ بِحَيْثُ يَسْتَشْرِفُونَ إِلَى مَعْرِفَةِ هَؤُلَاءِ الْأَخْسَرِينَ فَمَا يُرَوِّعُهُمْ إِلَّا أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّ الْمُخْبِرَ عَنْهُمْ هُمْ أَنْفُسُهُمْ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٦، ص ٤٦
تشبيه السعي الضائع بالسير في طريق غير موصلة
وَالضَّلَالُ: خَطَأُ السَّبِيلِ. شَبَّهَ سَعْيَهُمْ غَيْرَ الْمُثْمِرِ بِالسَّيْرِ فِي طَرِيقٍ غَيْرِ مُوَصِّلَةٍ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٦، ص ٤٦
يظن أعماله طاعات وهي معاصٍ فيخيب رجاؤه
وَالْأَصْلُ أَنْ يُقَالَ هُوَ الَّذِي يَأْتِي بِالْأَعْمَالِ يَظُنُّهَا طَاعَاتٍ وَهِيَ فِي أَنْفُسِهَا مَعَاصِي وَإِنْ كَانَتْ طَاعَاتٍ لَكِنَّهَا لَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ لِأَجْلِ كُفْرِهِمْ فَأُولَئِكَ إِنَّمَا أَتَوْا بِتِلْكَ الْأَعْمَالِ لِرَجَاءِ الثَّوَابِ، وَإِنَّمَا أَتْعَبُوا أَنْفُسَهُمْ فِيهَا لِطَلَبِ الْأَجْرِ وَالْفَوْزِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِذَا لَمْ يَفُوزُوا بِمَطَالِبِهِمْ بَيَّنَ أَنَّهُمْ كَانُوا ضَالِّينَ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢١، ص ٥٠١

على الأعراف ٣٠

سبب الوهم: الانسلاخ من الولاية
فحين انسلخوا من ولاية الرحمن، واستحبوا ولاية الشيطان، حصل لهم النصيب الوافر من الخذلان، ووكلوا إلى أنفسهم فخسروا أشد الخسران
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٤٧٣
انقلاب الحقائق
لأنهم انقلبت عليهم الحقائق، فظنوا الباطل حقا والحق باطلا
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٤٧٣
لا عذر لصاحب هذا الحسبان
وأن من حسب أنه مهتدٍ وهو ضالٌّ، أنه لا عذر له، لأنه متمكن من الهدى، وإنما أتاه حسبانه من ظلمه بترك الطريق الموصل إلى الهدى
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٤٧٣
مجرد الحسبان لا يكفي في الدين بل لا بد من اليقين
بَلْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى عُمُومِهِ فَكُلُّ مَنْ شَرَعَ فِي بَاطِلٍ فَهُوَ يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ وَالْعَذَابَ سَوَاءٌ حَسِبَ كَوْنَهُ حَقًّا أَوْ لَمْ يَحْسَبْ ذَلِكَ وَهَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ الظَّنِّ وَالْحُسْبَانِ لَا يَكْفِي فِي صِحَّةِ الدِّينِ بَلْ لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ الْجَزْمِ وَالْقَطْعِ وَالْيَقِينِ لِأَنَّهُ تَعَالَى عَابَ الْكُفَّارَ بِأَنَّهُمْ يَحْسَبُونَ كَوْنَهُمْ مُهْتَدِينَ وَلَوْلَا أَنَّ هَذَا الْحُسْبَانَ مَذْمُومٌ وَإِلَّا لَمَا ذَمَّهُمْ بِذَلِكَ.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٤، ص ٢٢٨
قنعوا في الأصول بالظنون فاستحقوا النكال
{ويحسبون} أي والحال أنهم يظنون بقلة عقولهم {أنهم مهتدون*} فأشار بذلك إلى أنهم استحقوا النكال لأنهم قنعوا في الأصول - التي يجب فيها الابتهال ألى القطع - بالظنون.
نظم الدرر، البقاعي، جـ٧، ص ٣٨٦

على الزخرف ٣٧

مصدر الوهم: تزيين وإعراض
{وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} بسبب تزيين الشيطان للباطل وتحسينه له، وإعراضهم عن الحق، فاجتمع هذا وهذا
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٣٨٤
سؤال العذر وجوابه
فإن قيل: فهل لهذا من عذر، من حيث إنه ظن أنه مهتد، وليس كذلك؟ قيل: لا عذر لهذا وأمثاله، الذين مصدر جهلهم الإعراض عن ذكر اللّه
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٣٨٤
الذنب ذنبهم
فزهدوا في الهدى مع القدرة عليه، ورغبوا في الباطل، فالذنب ذنبهم، والجرم جرمهم
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٣٨٤
تمثيل: مستهدٍ ضلّلوه في فيافي التيه وهو يحسب أنه واصل
وَقَدْ مُثِّلَتْ حَالَةُ الَّذِينَ يَعْشُونَ عَن ذكر الرحمان وَحَالُ مُقَارَنَةِ الشَّيَاطِينِ لَهُمْ بِحَالِ مَنِ اسْتَهْدَى قَوْمًا لِيَدُلُّوهُ عَلَى طَرِيقٍ مُوصِلٍ لِبُغْيَتِهِ فَضَلَّلُوهُ وَصَرَفُوهُ عَنِ السَّبِيلِ وَأَسْلَكُوهُ فِي فَيَافِي التِّيهِ غِشًّا وَخَدِيعَةً، وَهُوَ يَحْسَبُ أَنَّهُ سَائِرٌ إِلَى حَيْثُ يَبْلُغُ طَلِبَتَهُ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٥، ص ٢١٢
تدرج العمى: من الرمد إلى العشى إلى العمى
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ فِي أَوَّلِ اشْتِغَالِهِ بِطَلَبِ الدُّنْيَا يَكُونُ كَمَنْ حَصَلَ بِعَيْنِهِ رَمَدٌ ضَعِيفٌ، ثُمَّ كُلَّمَا كَانَ اشْتِغَالُهُ بِتِلْكَ الْأَعْمَالِ أَكْثَرَ كَانَ مَيْلُهُ إِلَى الْجُسْمَانِيَّاتِ أَشَدَّ وَإِعْرَاضُهُ عَنِ الرُّوحَانِيَّاتِ أَكْمَلَ، لِمَا ثَبَتَ فِي عُلُومِ الْعَقْلِ أَنَّ كَثْرَةَ الْأَفْعَالِ تُوجِبُ حُصُولَ الْمَلَكَاتِ الرَّاسِخَةِ فَيَنْتَقِلُ الْإِنْسَانُ مِنَ الرَّمَدِ إِلَى أَنْ يَصِيرَ أَعْشَى فَإِذَا وَاظَبَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ أَيَّامًا أُخْرَى انْتَقَلَ مِنْ كَوْنِهِ أَعْشَى إِلَى كَوْنِهِ أَعْمَى
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٧، ص ٦٣٤
معاني كلمات المحطة — من المصادر نفسها
ضَلَّ سَعْيُهُمْ: «الضَّلَالُ: خَطَأُ السَّبِيلِ. شَبَّهَ سَعْيَهُمْ غَيْرَ الْمُثْمِرِ بِالسَّيْرِ فِي طَرِيقٍ غَيْرِ مُوَصِّلَةٍ» — ابن عاشور (الكهف ١٠٤)
مصادر جُمل الموجز: السعدي ص٨٦٢ و٤٧٣ و١٣٨٤ + ابن عاشور (الكهف/الزخرف) + الرازي (الكهف/الأعراف/الزخرف) — الصفحات في القطوف أعلاه.
عاصفة مطر تنقشع عن أشعة شمس ذهبية فوق حقل أخضر ندي
المحطة السابعة

التصحيح المطمئن: وهمٌ في الاتجاه المعاكس

وماذا عن العكس — أشياء حسبتَها شراً وهي خير؟
الوهم: هذا البلاءُ شرٌّ محض، وهذا الفقدُ نهاية ← التصحيح: بل هو خير لكم، بل أحياء عند ربهم
۞
إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ
النور ١١
وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
آل عمران ١٦٩
فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
آل عمران ١٧٠ — آية سياق
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
الختام يقلب الاتجاه: فكما نتوهم الخير فيما هو شر، نتوهم الشر فيما هو خير. قال الله عن حادثة الإفك — وهي أقسى ما مر بالبيت النبوي: لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم؛ فقد تضمنت تبرئة أم المؤمنين والتنويه بذكرها وأحكاماً يعمل بها إلى يوم القيامة — وإذا أراد الله أمراً جعل له سبباً. وقال عن الشهداء: لا تحسبنهم أمواتاً؛ ففي الآية تسليةُ الأحياء عن قتلاهم، وإثبات أنهم أحياء عند ربهم يرزقون، في نعيم البرزخ تتلاقى أرواحهم ويبشر بعضهم بعضاً. فآخر ما تتعلمه الرحلة: أن تحسباناتنا عن الشر قد تكون هي الأخرى أوهاماً يصححها الوحي.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على النور ١١

لماذا كان الإفك خيراً
لما تضمن ذلك تبرئة أم المؤمنين ونزاهتها، والتنويه بذكرها، حتى تناول عموم المدح سائر زوجات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولما تضمن من بيان الآيات المضطر إليها العباد، التي ما زال العمل بها إلى يوم القيامة، فكل هذا خير عظيم، لولا مقالة أهل الإفك لم يحصل ذلك، وإذا أراد الله أمرا جعل له سببا
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٠٠٣
لماذا حسبه المؤمنون شراً نزل بهم
وَالشَّرُّ الْمَحْسُوبُ: أَنَّهُ أَحْدَثَ فِي نَفَرٍ مَعْصِيَةَ الْكَذِبِ وَالْقَذْفِ وَالْمُؤْمِنُونَ يَوَدُّونَ أَنْ تَكُونَ جَمَاعَتُهُمْ خَالِصَةً مِنَ النَّقَائِصِ (فَإِنَّهُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ الْفَاضِلَةِ) . فَلَمَّا حدث فيهم هَذَا الِاضْطِرَابُ حَسِبُوهُ شَرًّا نَزَلَ بِهِمْ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٨، ص ١٧٢
منافع الإفك الكثيرة: تمييز وتشريع وبراءة وغيظ المنافقين
وَبَعْدَ إِزَالَةِ خَاطِرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ شَرًّا لِلْمُؤْمِنِينَ أَثْبَتَ أَنَّهُ خَيْرٌ لَهُمْ فَأَتَى بِالْإِضْرَابِ لِإِبْطَالِ أَنْ يَحْسَبُوهُ شَرًّا، وَإِثْبَاتِ أَنَّهُ خَيْرٌ لَهُمْ لِأَنَّ فِيهِ مَنَافِعَ كَثِيرَةً إِذْ يُمَيَّزُ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ الْخُلَّصُ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَتُشْرَعُ لَهُمْ بِسَبَبِهِ أَحْكَامٌ تَرْدَعُ أَهْلَ الْفِسْقِ عَنْ فِسْقِهِمْ، وَتَتَبَيَّنُ مِنْهُ بَرَاءَةُ فُضَلَائِهِمْ، وَيَزْدَادُ الْمُنَافِقُونَ غَيْظًا وَيُصْبِحُونَ مُحَقَّرِينَ مَذْمُومِينَ، وَلَا يَفْرَحُونَ بِظَنِّهِمْ حُزْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُمْ لَمَّا اخْتَلَقُوا هَذَا الْخَبَرَ مَا أَرَادُوا إِلَّا أَذَى الْمُسْلِمِينَ، وَتَجِيءُ مِنْهُ مُعْجِزَاتٌ بِنُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ بِالْإِنْبَاءِ بِالْغَيْبِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٨، ص ١٧٢
كيف صار خيراً: ثواب الصبر وانكشاف الكذب على مر الدهر
فَإِنْ قِيلَ فَمِنْ أَيِّ جِهَةٍ يَصِيرُ خَيْرًا لَهُمْ مَعَ أَنَّهُ مَضَرَّةٌ فِي الْعَاجِلِ؟ قُلْنَا لِوُجُوهٍ:أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ صَبَرُوا عَلَى ذَلِكَ الْغَمِّ طَلَبًا لِمَرْضَاةِ اللَّه تَعَالَى فَاسْتَوْجَبُوا بِهِ الثَّوَابَ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ وُقُوعِ الظُّلْمِ بِهِمْ وَثَانِيهَا: أَنَّهُ لَوْلَا إِظْهَارُهُمْ لِلْإِفْكِ كَانَ يَجُوزُ أَنْ تَبْقَى التُّهْمَةُ كَامِنَةً فِي صُدُورِ الْبَعْضِ، وَعِنْدَ الْإِظْهَارِ انْكَشَفَ كَذِبُ الْقَوْمِ عَلَى مَرِّ الدَّهْرِ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٣، ص ٣٣٨

على آل عمران ١٦٩

مقصد الآية: تسلية وتعزية
هذه الآيات الكريمة فيها فضيلة الشهداء وكرامتهم، وما منَّ الله عليهم به من فضله وإحسانه، وفي ضمنها تسلية الأحياء عن قتلاهم وتعزيتهم
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٢٢٣
هدم الحسبان: لم يفقدوا
أي: لا يخطر ببالك وحسبانك أنهم ماتوا وفقدوا، وذهبت عنهم لذة الحياة الدنيا والتمتع بزهرتها
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٢٢٣
إثبات نعيم البرزخ
وفي هذه الآيات إثبات نعيم البرزخ، وأن الشهداء في أعلى مكان عند ربهم، وفيه تلاقي أرواح أهل الخير، وزيارة بعضهم بعضًا، وتبشير بعضهم بعضًا
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٢٢٣
معنى بل أحياء: أموات الأجسام أحياء الأرواح
وَقَدْ أَثْبَتَ الْقُرْآنُ لِلْمُجَاهِدِينَ مَوْتًا ظَاهِرًا بِقَوْلِهِ: قُتِلُوا، وَنَفَى عَنْهُمُ الْمَوْتَ الْحَقِيقِيَّ بِقَوْلِهِ: بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَعَلِمْنَا أَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا أَمْوَاتَ الْأَجْسَامِ فَهُمْأَحْيَاءُ الْأَرْوَاحِ، حَيَاةً زَائِدَةً عَلَى حَقِيقَةِ بَقَاءِ الْأَرْوَاحِ، غَيْرَ مُضْمَحِلَّةٍ، بَلْ هِيَ حَيَاةٌ بِمَعْنَى تَحَقُّقِ آثَارِ الْحَيَاةِ لِأَرْوَاحِهِمْ مِنْ حُصُولِ اللَّذَّاتِ وَالْمُدْرَكَاتِ السَّارَّةِ لِأَنْفُسِهِمْ، وَمَسَرَّتِهِمْ بِإِخْوَانِهِمْ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٤، ص ١٦٥
أي عاقل يظن الشهادة مكروهة وقد أحياه الله وأكرمه
ثُمَّ أَجَابَ عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِجَوَابٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْقَتْلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ شَيْءٌ مَكْرُوهٌ، وَكَيْفَ يُقَالُ ذَلِكَ وَالْمَقْتُولُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحْيَاهُ اللَّهُ بَعْدَ الْقَتْلِ وَخَصَّهُ بِدَرَجَاتِ الْقُرْبَةِ وَالْكَرَامَةِ، وَأَعْطَاهُ أَفْضَلَ أَنْوَاعِ الرِّزْقِ وَأَوْصَلَهُ إِلَى أَجَلِّ مَرَاتِبِ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ؟ فَأَيُّ عَاقِلٍ يَقُولُ إِنَّ مِثْلَ هَذَا الْقَتْلِ يَكُونُ مَكْرُوهًا
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٩، ص ٤٢٥
معاني كلمات المحطة — من المصادر نفسها
الإِفْك: «أَبْلَغُ مَا يَكُونُ مِنَ الْكَذِبِ وَالِافْتِرَاءِ [...] وَأَصْلُهُ الْإِفْكُ وَهُوَ الْقَلْبُ لِأَنَّهُ قَوْلٌ مَأْفُوكٌ عَنْ وَجْهِهِ» — الرازي (النور ١١)
مصادر جُمل الموجز: السعدي ص١٠٠٣ و٢٢٣ + ابن عاشور (النور/آل عمران) + الرازي (النور/آل عمران) — الصفحات في القطوف أعلاه.
حجم الخط
الخلفية