عَلى الطَّريق جلسة · رحلة تدبر تغيّر نظرتك لموضوع واحد
جـلـسـة

تقرأ… ولا يتحرك فيك شيء؟

تفتح المصحف وتغلقه كما فتحته: لا دمعة ولا قشعريرة ولا أثر. القرآن يسمّي هذه الحالة باسمها: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم﴾… وفي الآية نفسها يترك الباب مفتوحاً
وَعْدُ الرِّحْلَةوضعنا بين يديك من كلام الله ما يخاطب فؤادك عن فؤادك: قسوةِ القلب وعلاماتِها ودوائها — ١٤ آية من ٩ سور ومعها ١٩٠ نقلاً موثقاً من أربعة تفاسير. الكنز مجموعٌ لأجلك… وما بقي إلا أن يمشي قلبُك فيه.
١٤ آية ٧ محطات وجسر ٧ دقائق بالموجز — أو نصف ساعة بالقطوف
صخرة صماء وسط أرض متشققة تخرج من شقها نبتة خضراء
الصور هنا رسمها الذكاء الاصطناعي لتؤنس الطريق — أما المعاني فمن مصادرها الموثقة وحدها.
خريطة الجلسة
قلبٌ قسا…
وطريقُ عودته
١ المرآة قلبٌ يقرأ ولا يشعر ٢ الأسباب من أين تأتي القسوة؟ ٣ العلامة كيف تعرف أنه بدأ يقسو؟ ٤ المفارقة الحجارة ألين منه ٥ الدواء الآية التالية لآية الويل ٦ القلب الحي أربع علامات ترسمها الآيات ٧ الذروة: ألم يأنِ؟ سؤال الله المباشر… ثم لحظة صمت ٨ الجسر اللهُ يحيي القلوب
اضغط أي محطة للانتقال إليها — أو امضِ في الرحلة بترتيبها
سطح بحيرة ساكن كمرآة في وادٍ صخري صامت
المحطة الأولى

قلبٌ يقرأ ولا يشعر

متى كانت آخر مرةٍ تحرّك فيها قلبُك؟
۞
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
البقرة ٧٤
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
ق ٣٧
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
القسوة أن يشتدّ القلب ويتحجّر فلا تؤثّر فيه الموعظة — تمرّ به الآيات ولا يتحرك. والخطاب في آية البقرة موجَّه لقومٍ رأوا المعجزات بأعينهم ثم قست قلوبهم من بعد ذلك؛ وفي سورة ق يضع القرآن شرط الانتفاع بالذكرى كلها: أن يكون لصاحبها قلبٌ حاضر.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على البقرة ٧٤

تعريف القسوة: قلب لا تؤثر فيه الموعظة رغم النعم والآيات — فتح الجرح مباشرة.
{ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ} أي: اشتدت وغلظت, فلم تؤثر فيها الموعظة، {مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} أي: من بعد ما أنعم عليكم بالنعم العظيمة وأراكم الآيات، ولم يكن ينبغي أن تقسو قلوبكم، لأن ما شاهدتم، مما يوجب رقة القلب وانقياده.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٣٥
خاتمة الآية عند السعدي: القسوة ليست شأنًا خاصًّا يمر بلا حساب.
ثم توعدهم تعالى أشد الوعيد فقال: {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} بل هو عالم بها حافظ لصغيرها وكبيرها.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٣٥
تعريف ابن عاشور الجامع للقسوة: عدم قبول التحول عن الحالة الموجودة — مرآة دقيقة لقلب لا يتغير
وَالْقَسْوَةُ وَالْقَسَاوَةُ تُوصَفُ بِهَا الْأَجْسَامُ وَتُوصَفُ بِهَا النُّفُوسُ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْقُلُوبِ فَالْمَعْنَى الْجَامِعُ لِلْوَصْفَيْنِ هُوَ عَدَمُ قَبُولِ التَّحَوُّلِ عَنِ الْحَالَةِ الْمَوْجُودَةِ إِلَى حَالَةٍ تُخَالِفُهَا.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١، ص ٥٦٢
معنى «ثم»: مع كل الآيات لم تلن القلوب — القسوة بعد رؤية الآيات أعجب وأبعد
أَيْ وَمَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ لَمْتَلِنْ قُلُوبُكُمْ وَلَمْ تنفعكم الْآيَات ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ مِنَ الْبَعِيدِ قَسْوَتُهَا.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١، ص ٥٦٢
لماذا شُبّه القلب بالحجر تحديداً: صلابته أعرف الأشياء وأشهرها حساً
وَقَدْ كَانَتْ صَلَابَةُ الْحَجَرِ أَعْرَفَ لِلنَّاسِ وَأَشْهَرَ لِأَنَّهَا مَحْسُوسَةٌ فَلِذَلِكَ شُبِّهَ بِهَا،
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١، ص ٥٦٣
حقيقة القسوة عند الرازي: القلب خُلق ليتأثر، فإذا فقد التأثر صار حجرا
وَكَذَلِكَ الْقَلْبُ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَتَأَثَّرَ عَنْ مُطَالَعَةِ الدَّلَائِلِ وَالْآيَاتِ وَالْعِبَرِ وَتَأَثُّرُهُ عِبَارَةٌ عَنْ تَرْكِ التَّمَرُّدِ وَالْعُتُوِّ وَالِاسْتِكْبَارِ وَإِظْهَارِ الطَّاعَةِ وَالْخُضُوعِ لِلَّهِ وَالْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِذَا عَرَضَ لِلْقَلْبِ عَارِضٌ أَخْرَجَهُ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ صَارَ فِي عَدَمِ التَّأَثُّرِ شَبِيهًا بِالْحَجَرِ فَيُقَالُ: قَسَا الْقَلْبُ وَغَلُظَ، وَلِذَلِكَ كَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصْفَ الْمُؤْمِنِينَ بِالرِّقَّةِ فَقَالَ: كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ [الزُّمَرِ: 23]
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣، ص ٥٥٥
تعريف القسوة لغة (اشتداد التصلب والتحجر) وربطها بطول إمهال الله بعد الخوارق
{ثم قست} من القسوة وهي اشتداد التصلب والتحجر {قلوبكم} ولما كانت لهم حالات يطيعون فيها أتى بالجار فقال {من بعد ذلك} أي من بعدما تقدم وصفه من الخوارق في المراجعات وغيرها تذكيراً لهم بطول إمهاله لهم سبحانه
نظم الدرر، البقاعي، جـ١، ص ٤٧٩
لماذا شبهت القلوب بالحجارة لا بالحديد: القلب أحيى حي والحجر أجمد جامد
{فهي} أي فتسبب عن قسوتها أن كانت {كالحجارة} التي هي أبعد الأشياء عن حالها، فإن القلب أحيى حيّ والحجر أجمد جامد، ولم يشبهها بالحديد لما فيه من المنافع، ولأنه قد يلين.
نظم الدرر، البقاعي، جـ١، ص ٤٨٠
سبب القسوة: تراكم المعاصي حتى حجب القلب الرين
ولما بيّن سبحانه أن قلوبهم صارت من كثرة المعاصي وتوالي التجرّؤ على بارئها محجوبة بالرين كثيفة الطبع
نظم الدرر، البقاعي، جـ١، ص ٤٨٤

على ق ٣٧

شرط الانتفاع بالجلسة كلها: وجود قلب حي — مدخل مثالي للمحطة الأولى.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ} أي: قلب عظيم حي، ذكي، زكي، فهذا إذا ورد عليه شيء من آيات الله، تذكر بها، وانتفع، فارتفع.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٤٦٣
الوجه المقابل: الإعراض يعطل الانتفاع مهما كثرت الآيات.
وأما المعرض، الذي لم يلق سمعه إلى الآيات، فهذا لا تفيده شيئًا، لأنه لا قبول عنده، ولا تقتضي حكمة الله هداية من هذا وصفه ونعته.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٤٦٣
القلب الحاضر وإلقاء السمع: كأن الأسماع طُرحت في الذكر فلا يشغلها شيء آخر
وَالْقَلْبُ: الْعَقْلُ وَإِدْرَاكُ الْأَشْيَاءِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ. وَإِلْقَاءُ السَّمْعِ: مُسْتَعَارٌ لِشِدَّةِ الْإِصْغَاءِ لِلْقُرْآنِ ومواعظ الرَّسُول صلى الله عليه وسلم كَأَنَّ أَسْمَاعَهُمْ طُرِحَتْ فِي ذَلِكَ فَلَا يَشْغَلُهَا شَيْءٌ آخَرُ تَسْمَعُهُ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٦، ص ٣٢٤
باب اليقظة: الإصغاء الصادق يوقظ القلب الغافل
وَإِلْقَاءُ السَّمْعِ مَعَ الْمُشَاهَدَةِ يُوقِظُ الْعَقْلَ لِلذِّكْرَى وَالِاعْتِبَارِ إِنْ كَانَ لِلْعَقْلِ غَفْلَةٌ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٦، ص ٣٢٤
المعرض عن الذكرى كمن لا قلب له — القلب الغائب كالعدم
وَهُوَ تَعْرِيضٌ بِتَمْثِيلِ الْمُشْرِكِينَ بِمَنْ لَيْسَ لَهُ قَلْبٌ وَبِمَنْ لَا يلقِي سَمعه.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٦، ص ٣٢٤
الحد الفاصل: من لا يتذكر فكأنه لا قلب له أصلا — صورةٌ بلا قلب
فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لَهُ قَلْبٌ وَحِينَئِذٍ فَمَنْ لَا يَتَذَكَّرُ لَا قَلْبَ لَهُ أَصْلًا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [الْبَقَرَةِ: 18] حَيْثُ لَمْ تَكُنْ آذَانُهُمْ وَأَلْسِنَتُهُمْ وَأَعْيُنُهُمْ مُفِيدَةً لِمَا يُطْلَبُ مِنْهَا كَذَلِكَ مَنْ لَا يَتَذَكَّرُ كَأَنَّهُ لَا قَلْبَ لَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [الْأَعْرَافِ: 179] أَيْ هُمْ كَالْجَمَادِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ [الْمُنَافِقُونَ: 4] أَيْ لَهُمْ صُوَرٌ وَلَيْسَ لَهُمْ قَلْبٌ لِلذِّكْرِ وَلَا لِسَانٌ لِلشُّكْرِ.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٨، ص ١٥٠
أرض كانت مروية تشققت بطول الجفاف وقناة ري مهجورة
المحطة الثانية

من أين تأتي القسوة؟

ثلاثة أبواب تدخل منها القسوة إلى القلب
۞
فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
المائدة ١٣
فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
الأنعام ٤٣
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ
الحديد ١٦
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
ثلاثة أسباب نصّت عليها الآيات نصاً: نقضُ العهد مع الله يعقبه جعلُ القلب قاسياً، والشدةُ التي لا تُقابَل بتضرع تترك القلب أصلب مما كان، وطولُ الأمد مع نسيان الذكر يُقسّي كما قسّى قلوبَ أهل الكتاب من قبلنا.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على المائدة ١٣

القسوة عقوبة لا مجرد حالة: أعظم ما يعاقَب به العبد.
{وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} أي: غليظة لا تجدي فيها المواعظ، ولا تنفعها الآيات والنذر، فلا يرغبهم تشويق، ولا يزعجهم تخويف، وهذا من أعظم العقوبات على العبد، أن يكون قلبه بهذه الصفة التي لا يفيده الهدى، والخير إلا شرا.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٣٥٥
هم الذين أغلقوا الأبواب على أنفسهم — القسوة تبدأ من نقض العهد.
{لَعَنَّاهُمْ} أي: طردناهم وأبعدناهم من رحمتنا، حيث أغلقوا على أنفسهم أبواب الرحمة، ولم يقوموا بالعهد الذي أخذ عليهم، الذي هو سببها الأعظم.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٣٥٥
تعميم السنة على القارئ المعاصر: لكل مفرِّطٍ نصيب من هذه القسوة.
فكل من لم يقم بما أمر الله به، وأخذ به عليه الالتزام، كان له نصيب من اللعنة وقسوة القلب، والابتلاء بتحريف الكلم، وأنه لا يوفق للصواب، ونسيان حظ مما ذُكِّر به، وأنه لا بد أن يبتلى بالخيانة، نسأل الله العافية.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٣٥٦
القسوة هنا: صلابة استعيرت لعدم تأثر القلوب بالمواعظ والنذر — عقوبة نقض العهد
قَسَاوَةُ الْقَلْبِ مَجَازٌ، إِذْ أَصْلُهَا الصَّلَابَةُ وَالشِّدَّةُ، فَاسْتُعِيرَتْلِعَدَمِ تَأَثُّرِ الْقُلُوبِ بِالْمَوَاعِظِ وَالنُّذُرِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٦، ص ١٤٣
الأسباب الثلاثة: نقض العهد، الغرور بسوء التأويل، النسيان من قلة تعهد الدين — والمقصود أن نعتبر نحن
وَقَدْ جَمَعَتِ الْآيَةُ مِنَ الدَّلَائِلِ عَلَى قِلَّةِ اكْتِرَاثِهِمْ بِالدِّينِ وَرَقَةِ اتِّبَاعِهِمْ ثَلَاثَةَ أُصُولٍ مِنْ ذَلِكَ: وَهِيَ التَّعَمُّدُ إِلَى نَقْضٍ مَا عَاهَدُوا عَلَيْهِ مِنَ الِامْتِثَالِ، وَالْغُرُورُ بِسُوءِ التَّأْوِيلِ، وَالنِّسْيَانُ النَّاشِئُ عَنْ قِلَّةِ تَعَهُّدِ الدِّينِ وَقِلَّةِ الِاهْتِمَامِ بِهِ.وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا أَنْ نَعْتَبِرَ بِحَالِهِمْ وَنَتَّعِظَ مِنَ الْوُقُوعِ فِي مِثْلِهَا.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٦، ص ١٤٤
لفتة: «نسوا حظاً» ليس نسياناً بريئاً بل إهمال يفضي إلى النسيان
وَالنِّسْيَانُ مُرَادٌ بِهِ الْإِهْمَالُ الْمُفْضِي إِلَى النِّسْيَانِ غَالِبًا.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٦، ص ١٤٤
القسوة نأيٌ عن قبول الحق بعد نقض العهد
قَالَ أَصْحَابُنَا وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً أَيْ جَعَلْنَاهَا نَائِيَةً عَنْ قَبُولِ الْحَقِّ مُنْصَرِفَةً عَنِ الِانْقِيَادِ لِلدَّلَائِلِ.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١١، ص ٣٢٥
صورة بليغة: القلب الخالص لين كالذهب الخالص، والمغشوش يابس صلب
وَهُوَ أَيْضًا مِنَ الْقَسْوَةِ لِأَنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ الْخَالِصَيْنِ فِيهِمَا لِينٌ، وَالْمَغْشُوشَ فِيهِ يُبْسٌ وَصَلَابَة
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١١، ص ٣٢٥
تحريف الكلام عن مواضعه نتيجة من نتائج القسوة لا سببها فقط
ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ بَعْضَ مَا هُوَ مِنْ نَتَائِجِ تِلْكَ الْقَسْوَةِ فَقَالَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَهَذَا التَّحْرِيفُ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ الْبَاطِلَ، وَيَحْتَمِلُ تَغْيِيرَ اللَّفْظ
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١١، ص ٣٢٥
نسيان الحظ من الذكر ثمرة أخرى لنقض الميثاق
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَرَكُوا نَصِيبًا مِمَّا أُمِرُوا بِهِ فِي كِتَابِهِم
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١١، ص ٣٢٥
اللعنة والقسوة مسببتان عن نقض الميثاق وقتل الأنبياء ونبذ الكتاب
فقال تعالى مسبباً عما مضى مؤكداً بما النافية لضد ما أثبته الكلام: {فبما نقضهم ميثاقهم} أي بتكذيب الرسل الآتين من بعد موسى عليه السلام، وقتلهم الأنبياء، ونبذهم كتاب الله وراء ظهورهم في كتمانهم أمر محمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك
نظم الدرر، البقاعي، جـ٦، ص ٥٦
تشبيه القلب القاسي بالذهب المغشوش: الخالص لين والمغشوش يابس صلب
ولما كان البعيد قد يكون رقيق القلب، متأسفاً على بعده. ساعياً في أسباب قربه، باقياً على عافية ربه، فيرجى بذلك له الغفران لذنبه. أخبر أنهم على غير ذلك بقوله: {وجعلنا} أي بعظمتنا {قلوبهم قاسية} أي صلبة عاسية بالغش فهي غير قابلة للنصحية، لأن الذهب الخالص يكون ليناً، والمغشوش يكون فيه يبس وصلابة، وكل لين قابل للصلاح بسهولة
نظم الدرر، البقاعي، جـ٦، ص ٥٧
ثمرة القسوة: تجديد تحريف كلام الله كل وقت اتباعا للشهوات
ثم بين قساوتها بما دل على نقضهم بقوله: {يحرّفون الكلم} أي يجددون كل وقت تحريفه {عن مواضعه} فإنهم كلما وجدوا شيئاً من كلام الله يشهد بضلالهم حرفوه إلى شهواتهم، وأولوه التأويل الباطل بأهوائهم، فهم يحرفون الكلم ومعانيها.
نظم الدرر، البقاعي، جـ٦، ص ٥٧

على الأنعام ٤٣

المصائب رحمة تستدعي التضرع — قلب المفهوم المعاصر للابتلاء.
{فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ} أي: بالفقر والمرض والآفات، والمصائب، رحمة منا بهم. {لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} إلينا، ويلجأون عند الشدة إلينا.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٤١٥
كلمة واحدة حاسمة: «استحجرت» — صار القلب حجرًا لا يلين.
{فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ} أي: استحجرت فلا تلين للحق.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٤١٥
خطر «الطمأنينة الزائفة»: الرخاء مع القسوة أشد إنذارًا من الشدة.
{حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} أي: آيسون من كل خير، وهذا أشد ما يكون من العذاب، أن يؤخذوا على غرة، وغفلة وطمأنينة.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٤١٥
المعادلة النفسية: التضرع ينشأ عن لين القلب، فنفيُه دليل ضده وهو القساوة
لِأَنَّ التَّضَرُّعَ يَنْشَأُ عَنْ لِينِ الْقَلْبِ فَكَانَ نَفْيُهُ الْمُفَادُ بِحَرْفِ التَّوْبِيخِ نَاشِئًا عَنْ ضِدِّ اللِّينِ وَهُوَ الْقَسَاوَةُ، فَعَطَفَ بِ لكِنْ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٧، ص ٢٢٨
القسوة عند البأس: مكابرة وعدم رجوع عن الباطل حتى كأن القلوب لا تتأثر
وَالْمَعْنَى: وَلَكِنِ اعْتَرَاهُمْ مَا فِي خِلْقَتِهِمْ مِنَ الْمُكَابَرَةِ وَعَدَمِ الرُّجُوعِ عَنِ الْبَاطِلِ كَأَنَّ قُلُوبَهُمْ لَا تَتَأَثَّرُ فَشُبِّهَتْ بِالشَّيْءِ الْقَاسِي. وَالْقَسْوَةُ: الصَّلَابَةُ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٧، ص ٢٢٩
الشيطان لا يصنع القسوة بل يجدها عوناً: يحسّنها لصاحبها ويغريه بالاستمرار
وَقَدْ وَجَدَ الشَّيْطَانُ مِنْ طِبَاعِهِمْ عَوْنًا عَلَى نَفْثِ مُرَادِهِ فِيهِمْ فَحَسُنَ لَهُمْ تِلْكَ الْقَسَاوَةُ وَأَغْرَاهُمْ بِالِاسْتِمْرَارِ عَلَى آثَامِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٧، ص ٢٢٩
البأساء رسالة غرضها التضرع، والتضرع انقيادٌ وذلة بين يدي الله
وَالْمَعْنَى: إِنَّمَا أَرْسَلْنَا الرُّسُلَ إِلَيْهِمْ وَإِنَّمَا سَلَّطْنَا الْبَأْسَاءَ وَالضَّرَّاءَ عَلَيْهِمْ لِأَجْلِ أَنْ يَتَضَرَّعُوا. وَمَعْنَى التَّضَرُّعِ التَّخَشُّعُ وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الِانْقِيَادِ وَتَرَكِ التَّمَرُّدِ، وَأَصْلُهُ مِنَ الضَّرَاعَةِ وَهِيَ الذِّلَّة
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٢، ص ٥٣٣
فرق دقيق بين دعاءٍ لرفع البلاء وتضرعِ إخلاص
أُولَئِكَ تَضَرَّعُوا لِطَلَبِ إِزَالَةِ الْبَلِيَّةِ وَلَمْ يَتَضَرَّعُوا عَلَى سَبِيلِ الْإِخْلَاصِ للَّه تَعَالَى
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٢، ص ٥٣٤
لا عذر لتارك التضرع إلا القسوة والإعجاب بالعمل
وَذِكْرُ كَلِمَةِ (لَوْلَا) يُفِيدُ أَنَّهُ مَا كَانَ لَهُمْ عُذْرٌ فِي تَرْكِ التَّضَرُّعِ إِلَّا عِنَادُهُمْ وَقَسْوَتُهُمْ وَإِعْجَابُهُمْ بِأَعْمَالِهِمُ الَّتِي زَيَّنَهَا الشَّيْطَانُ لَهُم
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٢، ص ٥٣٤
مناسبة الآية: التضرع يكشف البلاء وتركه يوجب الشقاء
ولما أقام لهم بهذه الآية على توحيده الدليل حتى استنارت السبل في تذكيرهم أن التضرع قد يكشف به البلاء، أخبرهم أن تركه يوجب الشقاء، ترغيباً في إدامته وترهيباً من مجانبته
نظم الدرر، البقاعي، جـ٧، ص ١١٣
لا عذر في ترك التضرع عند البأس؛ والقسوة أن لا يذكروا ربهم أصلا مع تزيين الشيطان
فقال معبراً بأداة التخصيص ليفيد مع النفي أنهم ما كان لهم عذر في ترك التضرع: {فلولا} أي فهلا {إذ جاءهم بأسنا تضرعوا} ولما كان معنى الإنكار أنهم ما تضرعوا قال: {ولكن قست قلوبهم} أي فلم يذكروا ربهم أصلاً {وزين لهم الشيطان} أي بما دخل عليهم به من باب الشهوات {ما كانوا يعملون *}
نظم الدرر، البقاعي، جـ٧، ص ١١٤
القلب القاسي لا يرتدع بسياط البلاء ولا ينتفع ببساط الرخاء
فعلم أنهم في غاية من الغباوة، لا يرتدعون بالتأديب بسياط البلاء، ولا ينتفعون ببساط المنة والرخاء، بل ظنوا أن البلاء عادة الزمان، والرخاء باستحقاقهم الامتنان، فعلم أن قلوبهم لا يرجى لها انتباه بحار ولا بارد ولا رطب ولا يابس
نظم الدرر، البقاعي، جـ٧، ص ١١٥

على الحديد ١٦

آلية القسوة: طول الأمد + استمرار الغفلة = اضمحلال الإيمان.
ولا يكونوا كالذين أنزل الله عليهم الكتاب الموجب لخشوع القلب والانقياد التام، ثم لم يدوموا عليه، ولا ثبتوا، بل طال عليهم الزمان واستمرت بهم الغفلة، فاضمحل إيمانهم وزال إيقانهم، {فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ}
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٥٢٣
قاعدة عملية: القلب كائن يحتاج تغذية دائمة، والغفلة سبب القسوة وجمود العين.
فالقلوب تحتاج في كل وقت إلى أن تذكر بما أنزله الله، وتناطق بالحكمة، ولا ينبغي الغفلة عن ذلك، فإن ذلك سبب لقسوة القلب وجمود العين.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٥٢٣
لطف العتاب الإلهي: المقصود التحذير لا الاتهام بأنهم تلبسوا بالقسوة
وَالْمَقْصُود التحذير لَا أَنَّهُمْ تَلَبَّسُوا بِذَلِكَ وَلَمْ يَأْنِ لَهُمُ الْإِقْلَاعُ عَنْهُ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٧، ص ٣٩١
سبب القسوة: طول الأمد — تحذير للمؤمنين في كل عصر، فالقرآن موعظة للعصور والأجيال
وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ النَّهْي عَن التَّشَبُّه بِالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ فِي عَدَمِ خُشُوعِ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّهُ يُفِيدُ تَحْذِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ أَنْ يَطُولَ الزَّمَانُ مِنْ أَنْ يَقَعُوا فِيمَا وَقَعَ فِيهِ أَهْلُ الْكِتَابِ. وَيَسْتَتْبِعُ ذَلِكَ الْأَنْبَاءَ بِأَنَّ مُدَّةَ الْمُسْلِمِينَ تَطُولُ قَرِيبًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ مُدَّةِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَ الْبَعْثَةِ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ مَوْعِظَةٌ لِلْعُصُورِ وَالْأَجْيَالِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٧، ص ٣٩٢
تشريح التدرج نحو القسوة: «سيُغفر لنا» ثم صار ديدناً رويداً رويداً حتى قست القلوب
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ نَسُوا مَا أُوصُوا بِهِ فَخَالَفُوا أَحْكَامَ شَرَائِعِهِمْ وَلَمْ يَخَافُوا عِقَابَ اللَّهِ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا، وَصَارَ دَيْدَنًا لَهُمْ رُوَيْدًا رُوَيْدًا حَتَّى ضَرِئُوا بِذَلِكَ، فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ، أَيْ تَمَرَّدَتْ عَلَى الِاجْتِرَاءِ عَلَى تَغْيِيرِ أَحْكَامِ الدِّينِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٧، ص ٣٩٢
طول العمر في الغفلة وطول الأمل سببان مباشران للقسوة
وَثَالِثُهَا: طَالَتْ أَعْمَارُهُمْ فِي الْغَفْلَةِ فَحَصَلَتِ الْقَسْوَةُ فِي قُلُوبِهِمْ بِذَلِكَ السَّبَبِ وَرَابِعُهَا: قَالَ: / ابن حبان: الأمد هاهنا الْأَمَلُ الْبَعِيدُ، وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا طَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ بِطُولِ الْأَمَلِ، أَيْ لَمَّا طَالَتْ آمَالُهُمْ لَا جَرَمَ قَسَتْ قُلُوبُهُم
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٩، ص ٤٦١
الألفة الطويلة بلا حضور تُذهب وقعَ كلام الله في القلب
وَسَادِسُهَا: طَالَ عَهْدُهُمْ بِسَمَاعِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فَزَالَ وَقْعُهُمَا عَنْ قُلُوبِهِمْ فَلَا جَرَمَ قَسَتْ قُلُوبُهُم
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٩، ص ٤٦١
الخشوع رتبة عالية: أن تلين وتسكن وتخبت فتعرض عن الفاني وتقبل على الباقي
فقال: {ألم يأن} أي يحن وينتهي ويدرك إلى غاية {للذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان بألسنتهم صدقاً أو كذباً {أن تخشع} أي أن يكون لهم رتبة عالية في الإيمان بأن تلين وتسكن وتخضع وتذل وتطمئن فتخبت فتعرض عن الفاني وتقبل على الباقي {قلوبهم لذكر الله}
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٩، ص ٢٧٨
طول الأمد يقسي (فقسمت: كذا في المطبوع أي فقست) + قول القشيري: الشهوة والصفوة لا تجتمعان
{فقسمت} أي بسبب الطول {قلوبهم} أي صلبت واعوجت حتى كانت بحيث لا تنفعل للطاعات والخير فكانوا كل قليل في تعنت شديد على أنبيائهم عليهم الصلاة والسلام يسألونهم المقترحات، وأما بعد ايتائهم فأبعدوا في القساوة، فمالوا إلى دار الكدر بكلياتهم وأعرضوا عن دار الصفاء فانجروا إلى الهلاك باتباع الشهوات، قال القشيري: وقسوة القلب إنما تحصل من اتباع الشهوة وإن الشهوة والصفوة لا تجتمعان.
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٩، ص ٢٨٠
جدول ماء ينساب حول صخرة مصمتة لا ينفذ إليها
المحطة الثالثة

علامة القلب القاسي

كيف تعرف أن قلبك بدأ يقسو؟
۞
أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ۚ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ أُولَـٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ
الزمر ٢٢
لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ
الحج ٥٣
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
علامة القلب القاسي ليست في الجوارح أولاً، بل في موقفه من ذكر الله: لا يلين له ولا يتحرك عنده — والويل في الآية معلَّق بهذا صراحة.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على الزمر ٢٢

صورة القلب الحي المقابل: متسع، قرير العين، على نور.
أي: أفيستوي من شرح الله صدره للإسلام، فاتسع لتلقي أحكام الله والعمل بها، منشرحا قرير العين، على بصيرة من أمره، وهو المراد بقوله: {فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} كمن ليس كذلك.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٢٩٨
تشخيص القسوة بثلاث علامات: لا تلين، لا تتذكر، لا تطمئن.
{فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ} أي: لا تلين لكتابه، ولا تتذكر آياته، ولا تطمئن بذكره، بل هي معرضة عن ربها، ملتفتة إلى غيره، فهؤلاء لهم الويل الشديد، والشر الكبير.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٢٩٨
سؤال وجداني يصلح للتدبر كما هو: القسوة إعراضٌ عن مصدر السعادة نفسه.
وأي ضلال أعظم من ضلال من أعرض عن وليه؟ ومن كل السعادة في الإقبال عليه، وقسا قلبه عن ذكره، وأقبل على كل ما يضره؟
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٢٩٩
القسوة ضدها اللين: قلة التأثر بالمواعظ مقابل سرعة التأثر بها — ميزان تشخيص
وقسوة الْقَلْبِ: مُسْتَعَارَةٌ لِقِلَّةِ تَأَثُّرِ الْعَقْلِ بِمَا يُسْدَى إِلَى صَاحِبِهِ مِنَ الْمَوَاعِظِ وَنَحْوِهَا، وَيُقَابِلُ هَذِهِ الِاسْتِعَارَةَ اسْتِعَارَةُ اللِّينِ لِسُرْعَةِ التَّأَثُّرِ بِالنَّصَائِحِ وَنَحْوِهَا، كَمَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ [الزمر: 23] .
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٣، ص ٣٨١
آلية التقسّي: كلما سمعوا الذكر أعرضوا فترسخت الكراهية حتى صارت القلوب قاسية
وَحَاصِلُ الْمَعْنَى: أَنَّ كُفْرَهُمْ يَحْمِلُهُمْ عَلَى كَرَاهِيَةِ مَا يَسْمَعُونَهُ مِنَ الدَّعْوَةِ إِلَى الْإِسْلَامِ بِالْقُرْآنِ فَكُلَّمَا سَمِعُوهُ أَعْرَضُوا وَعَانَدُوا وَتَجَدَّدَتْ كَرَاهِيَةُ الْإِسْلَامِ فِي قُلُوبِهِمْ حَتَّى تُرَسَّخَ تِلْكَ الْكَرَاهِيَةُ فِي قُلُوبِهِمْ فَتَصِيرَ قُلُوبُهُمْ قَاسِيَةً.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٣، ص ٣٨٢
علامة القلب القاسي: الذكر نفسه الذي يلين القلوب السليمة يزيد المريضة مرضاً
فَذِكْرُ اللَّهِ سَبَبٌ فِي لِينِ الْقُلُوبِ وَإِشْرَاقِهَا إِذَا كَانَتِ الْقُلُوبُ سَلِيمَةً مِنْ مَرِضِ الْعِنَادِ وَالْمُكَابَرَةِ وَالْكِبْرِ، فَإِذَا حَلَّ فِيهَا هَذَا الْمَرَضُ صَارَتْ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ عِنْدَهَا أَشَدَّ مَرَضًا مِمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٣، ص ٣٨٢
مقابل القسوة: شرح الصدر فرحٌ بالحال ومسرّة برضى الرب واستخفاف بالمصائب
وَمِنْ رَشَاقَةِ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ إِيثَارُ كَلِمَةِ شَرَحَ لِلدَّلَالَةِ عَلَى قَبُولِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ تَعَالِيمَ الْإِسْلَامِ وَأَخْلَاقَهُ وَآدَابَهُ تُكْسِبُ الْمُسْلِمَ فَرَحًا بِحَالِهِ وَمَسَرَّةً بِرِضَى رَبِّهِ وَاسْتِخْفَافًا لِلْمَصَائِبِ وَالْكَوَارِثِ لِجَزْمِهِ بِأَنَّهُ عَلَى حَقٍّ فِي أَمْرِهِ وَأَنَّهُ مُثَابٌ عَلَى ضُرِّهِ وَأَنَّهُ رَاجٍ رَحْمَةَ رَبِّهِ فِيالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلِعَدَمِ مُخَالَطَةِ الشَّكِّ وَالْحَيْرَةِ ضَمِيرَهُ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٣، ص ٣٨٠
لا انتفاع بالبينات كلها إلا بصدر مشروح وقلب منوَّر
اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَالَغَ فِي تَقْرِيرِ الْبَيَانَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُوبِ الْإِقْبَالِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَوُجُوبِ الْإِعْرَاضِ عَنِ الدُّنْيَا بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الِانْتِفَاعَ بِهَذِهِ الْبَيَانَاتِ لَا يَكْمُلُ إِلَّا إِذَا شَرَحَ اللَّهُ الصُّدُورَ وَنَوَّرَ الْقُلُوب
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٦، ص ٤٤٠
سؤال الرازي: كيف يكون الذكر نفسه سببا للقسوة؟ والجواب في حال النفس المتلقية
أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ سَبَبٌ لِحُصُولِ النُّورِ وَالْهِدَايَةِ وَزِيَادَةِ الِاطْمِئْنَانِ كَمَا قَالَ: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرَّعْدِ: 28] فَكَيْفَ جَعَلَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ سَبَبًا لِحُصُولِ قَسْوَةِ الْقَلْبِ، وَالْجَوَابُ أَنْ نَقُولَ إِنَّ النَّفْسَ إِذَا كَانَتْ خَبِيثَةَ الْجَوْهَرِ كَدِرَةَ الْعُنْصُرِ بَعِيدَةً عَنْ مُنَاسَبَةِ الرُّوحَانِيَّاتِ شَدِيدَةَ الْمَيْلِ إِلَى الطَّبَائِعِ الْبَهِيمِيَّةِ وَالْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ، فَإِنَّ سَمَاعَهَا لِذِكْرِ اللَّهِ يَزِيدُهَا قَسْوَةً وَكُدُورَة
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٦، ص ٤٤١
مثال الشمس: الفاعل واحد والأثر يختلف باختلاف القابل — فالعلة في القلوب
وَتَقْرِيرُ هَذَا الْكَلَامِ بِالْأَمْثِلَةِ فَإِنَّ الْفَاعِلَ الْوَاحِدَ تَخْتَلِفُ أَفْعَالُهُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْقَوَابِلِ كَنُورِ الشَّمْسِ يُسَوِّدُ وجه القصار ويبيض ثوبه، وحرارة الشمس وَتُعَقِّدُ الْمِلْحَ، وَقَدْ نَرَى إِنْسَانًا وَاحِدًا يَذْكُرُ كَلَامًا وَاحِدًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَيَسْتَطِيبُهُ وَاحِدٌ وَيَسْتَكْرِهُهُ غَيْرُه
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٦، ص ٤٤١
العلامة القصوى: إذا صار الدواء الأعظم — الذكر — سببا لازدياد المرض
إِنَّ رَأَسَ الْأَدْوِيَةِ الَّتِي تُفِيدُ الصِّحَّةَ الرُّوحَانِيَّةَ وَرَئِيسُهَا هُوَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِذَا اتَّفَقَ لِبَعْضِ النُّفُوسِ أَنْ صَارَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى سَبَبًا لِازْدِيَادِ مَرَضِهَا كَانَ مَرَضُ تِلْكَ النَّفْسِ مَرَضًا لَا يُرْجَى زَوَالُهُ وَلَا يُتَوَقَّعُ عِلَاجُهُ وَكَانَتْ فِي نِهَايَةِ الشَّرِّ وَالرَّدَاءَةِ، فَلِهَذَا الْمَعْنَى قَالَ تَعَالَى: فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِين
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٦، ص ٤٤١
شرح الصدر لين القلب فانقياده للدليل والإيمان
{أفمن شرح الله} أي الذي له القدرة الكاملة والعلم الشامل {صدره للإسلام} أي للانقياد للدليل، فكان قلبه ليناً فانقاد للإيمان فاهتدى لباطن هذا الدليل
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٦، ص ٤٨٥
من تبتدئ قسوته من ذكر الله الذي تطمئن به القلوب فهو أقسى من الجلمود
كمن جعل صدره ضيقاً حرجاً فكان قلبه قاسياً، فكان في الظلام خابطاً، فويل له - هكذا كان الأصل ولكن قيل: {فويل للقاسية قلوبهم} أي لضيق صدورهم، وزاد في بيان ما بلاهم به من عظيم القسوة بلفت القول إلى الاسم الدال على جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى فقال: {من ذكر الله} فإن من تبتدئ قسوته مما تطمئن به القلوب وتلين له الجلود، من مدح الجامع لصفات الكمال فهو أقسى من الجلمود.
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٦، ص ٤٨٦
لفتة تناسب: بناء الآية احتباكا بين الشرح والنور والويل والضلال
فالآية من الاحتباك: ذكر أولاً الشرح والنور دليلاً على حذف ضده ثانياً، وثانياً الويل للقاسي والضلال دليلاً على حذف ضده أولا
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٦، ص ٤٨٦

على الحج ٥٣

القلب القاسي يفقد حاسة «الفهم عن الله» — تعطُّل جهاز الاستقبال.
{وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} أي: الغليظة، التي لا يؤثر فيها زجر ولا تذكير، ولا تفهم عن الله وعن رسوله لقسوتها.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٩٦٥
التمييز بين القلب المريض والقاسي: المريض تهزه أدنى شبهة.
وهم الذين {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} أي: ضعف وعدم إيمان تام وتصديق جازم، فيؤثر في قلوبهم أدنى شبهة تطرأ عليها.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٩٦٥
تمييز الدرجات: مرض القلب تردد، وقسوته تصميم — القسوة مرحلة متأخرة من المرض
ولِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ هُمُ الْمُتَرَدِّدُونَ فِي قَبُولَ الْإِيمَانِ. والْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ هُمُ الْكَافِرُونَ الْمُصَمِّمُونَ عَلَى الْكُفْرِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٧، ص ٣٠٢
علامة القلب القاسي أمام الفتنة: الانصراف عن التأمل فيستمر الباطل ويقوى
أَيْ تَحْصُلُ عَقِبَ النَّسْخِ الَّذِي فَعَلَهُ اللَّهُ فتْنَة من افْتتن مَنْ الْمُشْرِكِينَ بِانْصِرَافِهِمْ عَنِ التَّأَمُّلِ فِي أَدِلَّةِ نَسْخِ مَا يُلْقِيهِ الشَّيْطَانُ، وَعَنِ اسْتِمَاعِ مَا أَحْكَمَ اللَّهُ بِهِ آيَاتِهِ، فَيَسْتَمِرُّ كُفْرُهُمْ وَيَقْوَى.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٧، ص ٣٠١
مرض القلب شكٌّ وشبهة، وقسوته إصرارٌ ظاهرا وباطنا
مَا مَرَضُ الْقَلْبِ الْجَوَابُ: أَنَّهُ الشَّكُّ وَالشُّبْهَةُ وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ كَمَا قَالَ: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَأَمَّا الْقَاسِيَةُ قُلُوبُهُمْ فَهُمُ الْمُشْرِكُونَ الْمُصِرُّونَ عَلَى جَهْلِهِمْ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٣، ص ٢٤١
مآل القسوة والمرض واحد: شقاقٌ بعيد ومباعدة عن الله
وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ يُرِيدُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ فَأَصْلُهُ وَإِنَّهُمْ، فَوَضَعَ الظَّاهِرَ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ قَضَاءً عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ وَالشِّقَاقِ وَالْمُشَاقَّةِ وَالْمُعَادَاةِ وَالْمُبَاعَدَةِ سَوَاء
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٣، ص ٢٤١
تصنيف القلوب: مريض مائي لا تثبت فيه صورة، وقاس حجري انتقشت فيه الشبه
{فتنة} أي اختباراً وامتحاناً {للذين في قلوبهم مرض} لسفولها عن حد الاعتدال من اللين حتى صارت مائيته تقبل كل صورة ولا يثبت فيها صورة، وهم أهل النفاق المتلقفون للشبه الملقون لها {والقاسية قلوبهم} عن فهم الآيات، وهم من علت قلوبهم عن ذلك الجدال أن صارت حجرية، وهم المصارحون بالعداوة، فهم في ريب من أمرهم وجدال للمؤمنين، قد انتقشت فيها الشبه، فصارت أبعد شيء عن الزوال.
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٣، ص ٧٢
البقاعي يبطل قصة الغرانيق الواهية ويصرح أنه لم يصح منها شيء
وقد زالت بحمد الله عن هذه الآية - بما قررته الشكوك، وانفضحت مخيلات الشبه، وانقمعت مضلات الفتن، من قصة الغرانيق وما شاكلها مما يتعالى عنه ذلك الجناب الرفيع، والحمى العظيم المنيع، ولم يصح شيء من ذلك كما صرح به الحافظ عماد الدين ابن كثير وغيره
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٣، ص ٧٤
صخر جبلي يتفجر من شقه نبع ماء صاف
المحطة الرابعة

الحجارة ألين منه

مفارقةٌ داخل آية القسوة نفسها
۞
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
البقرة ٧٤ — الآية نفسها — فانظر تكملتها
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
في آية القسوة نفسها مفارقة صادمة: الحجارة التي شُبِّه بها القلب أحسنُ حالاً منه — منها ما يتفجر أنهاراً، ومنها ما يهبط من خشية الله. الجماد يستجيب… والقلب الذي خُلق ليعرف الله لا يستجيب.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على البقرة ٧٤

صورة حسية مدهشة: الحديد يذوب والحجر لا — قلبٌ أصلب من الحديد.
ثم وصف قسوتها بأنها {كَالْحِجَارَةِ} التي هي أشد قسوة من الحديد، لأن الحديد والرصاص إذا أذيب في النار، ذاب بخلاف الأحجار.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٣٥
المفارقة الصريحة: الحجارة تتفجر وتهبط خشيةً — وقلوبهم لا.
ثم ذكر فضيلة الأحجار على قلوبهم، فقال: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} فبهذه الأمور فضلت قلوبكم.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٣٥
سرّ «أو أشد قسوة»: ليس رمياً جزافاً بل تثبّت وتقصٍّ — ساواهم بالحجارة ثم رأى أنهم أقوى
وَالْمَقْصُودُ مِنَ التَّخْيِيرِ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَرْمِي بِكَلَامِهِ جُزَافًا وَلَا يَذُمُّهُمْ تَحَامُلًا بَلْ هُوَ مُتَثَبِّتٌ مُتَحَرٍّ فِي شَأْنِهِمْ فَلَا يُثْبِتُ لَهُمْ إِلَّا مَا تَبَيَّنَ لَهُ بِالِاسْتِقْرَاءِ وَالتَّقَصِّي فَإِنَّهُ سَاوَاهُمْ بِالْحِجَارَةِ فِي وَصْفٍ ثُمَّ تَقَصَّى فَرَأَى أَنَّهُمْ فِيهِ أَقْوَى فَكَأَنَّهُ يَقُولُ لِلْمُخَاطَبِ إِنْ شِئْتَ فَسَوِّهِمْ بِالْحِجَارَةِ فِي الْقَسْوَةِ وَلَكَ أَنْ تَقُولَ هُمْ أَشَدُّ مِنْهَا
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١، ص ٥٦٤
المفارقة المرّة: الحجارة يعتريها التحول بالتفرق والتشقق، وهذه القلوب لم تُجدِ فيها محاولة
وَوَجْهُ تَفْضِيلِ تِلْكَ الْقُلُوبِ عَلَى الْحِجَارَةِ فِي الْقَسَاوَةِ أَنَّ الْقَسَاوَةَ الَّتِي اتَّصَفَتْ بِهَا الْقُلُوبُ مَعَ كَوْنِهَا نَوْعًا مُغَايِرًا لِنَوْعِ قَسَاوَةِ الْحِجَارَةِ قَدِ اشْتَرَكَا فِي جِنْسِ الْقَسَاوَةِ الرَّاجِعَةِ إِلَى مَعْنَى عَدَمِ قَبُولِ التَّحَوُّلِ كَمَا تَقَدَّمَ فَهَذِهِ الْقُلُوبُ قَسَاوَتُهَا عِنْدَ التَّمْحِيصِ أَشَدُّ مِنْ قَسَاوَةِالْحِجَارَةِ لِأَنَّ الْحِجَارَةَ قَدْ يَعْتَرِيهَا التَّحَوُّلُ عَنْ صَلَابَتِهَا وَشِدَّتِهَا بِالتَّفَرُّقِ وَالتَّشَقُّقِ وَهَذِهِ الْقُلُوبُ لَمْ تُجْدِ فِيهَا مُحَاوَلَةٌ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١، ص ٥٦٤
ذروة التشبيه: الحجارة نهايتها الامتثال «من خشية الله» مع تعاصي القلوب عن الامتثال
وَمِنْ بَدِيعِ التَّخَلُّصِ تَأَخُّرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَالتَّعْبِيرُ عَنِ التَّسَخُّرِ لِأَمْرِ التَّكْوِينِ بِالْخَشْيَةِ لِيَتِمَّ ظُهُورُ تَفْضِيلِ الْحِجَارَةِ عَلَى قُلُوبِهِمْ فِي أَحْوَالِهَا الَّتِي نِهَايَتُهَا الِامْتِثَالُ لِلْأَمْرِ التكليفي مَعَ تَعَاصِي قُلُوبِهِمْ عَنِ الِامْتِثَالِ لِلْأَمْرِ التَّكْلِيفِيِّ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١، ص ٥٦٥
المفارقة: الحجارة لو عقلت لقبلت ما لم تقبله القلوب القاسية
أَنَّ الْحِجَارَةَ لَوْ كَانَتْ عاقلة ولقيتها هذه الآية لقبلنها كَمَا قَالَ: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [الْحَشْرِ: 21]
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣، ص ٥٥٦
الحجارة ينتفع بها ويخرج منها الماء، والقلب القاسي لا نفع فيه ولا لين
أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً، لِأَنَّ الْأَحْجَارَ يُنْتَفَعُ بِهَا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَيَظْهَرُ مِنْهَا الْمَاءُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، أَمَّا قُلُوبُ هَؤُلَاءِ فَلَا نَفْعَ فِيهَا الْبَتَّةَ وَلَا تَلِينُ لِطَاعَةِ اللَّهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣، ص ٥٥٦
الحجر يندى بالماء وقلوبهم لا تندى بقبول موعظة
أَنَّ الْحِجَارَةَ قَدْ تَنْدَى بِالْمَاءِ الْكَثِيرِ وَبِالْمَاءِ الْقَلِيلِ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلُ تَفَاوُتِ الرُّطُوبَةِ فِيهَا، وَأَنَّهَا قَدْ تَكْثُرُ فِي حَالٍ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهَا مَا يَجْرِي مِنْهُ الْأَنْهَارُ، وَقَدْ تُقِلُّ، وَهَؤُلَاءِ قُلُوبُهُمْ فِي نِهَايَةِ الصَّلَابَةِ لَا تَنْدَى بِقَبُولِ شَيْءٍ مِنَ الْمَوَاعِظِ وَلَا تَنْشَرِحُ لِذَلِكَ وَلَا تَتَوَجَّهُ إِلَى الِاهْتِدَاء
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣، ص ٥٥٧
تأويل «يهبط من خشية الله»: الهبوط مثلٌ للانقياد الذي فقده المستكبرون
أَنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ مَا يَتَرَدَّى مِنَ الْمَوْضِعِ الْعَالِي الَّذِي يَكُونُ فِيهِ فَيَنْزِلُ إِلَى أَسْفَلَ وَهَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ مُصِرُّونَ عَلَى الْعِنَادِ وَالتَّكَبُّرِ، فَكَأَنَّ الْهُبُوطَ مِنَ الْعُلُوِّ جُعِلَ مَثَلًا لِلِانْقِيَادِ، وَقَوْلُهُ: مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، أَيْ ذَلِكَ الْهُبُوطُ لَوْ وُجِدَ مِنَ الْعَاقِلِ الْمُخْتَارِ لَكَانَ بِهِ خَاشِيًا لِلَّه
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٣، ص ٥٥٨
وجه كون القلب القاسي أقبح من الحجر: الحي مهيأ للين بالإدراك
{أشد قسوة} لأنها لا تلين لما حقه أن يلينها والحجر يلين لما حقه أن يلينه وكل وصف للحي يشابه به ما دونه أقبح فيه مما دونه من حيث إن الحي مهيأ لضد تلك المشابهة بالإدراك.
نظم الدرر، البقاعي، جـ١، ص ٤٨١
الحجارة تهبط من خشية الله والقلوب لا تنقاد لشيء من الأوامر
{وإن منها لما يهبط من خشية الله} أي ينتقل من مكانه من أعلى الجبل إلى أسفله لأمر الملك الأعلى له بذلك وقلوبكم لانتقاد لشيء من الأوامر فجعل الأمر في حق القلوب لما فيها من العقل كالإرادة في حق الحجارة لما لها من الجمادية
نظم الدرر، البقاعي، جـ١، ص ٤٨٢
أول مطر الغيث على أرض عطشى وقطرات على أوراق تنتعش
المحطة الخامسة

الدواء جارُ الداء

الآية التالية مباشرةً لآية الويل
۞
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ
الزمر ٢٣
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
الآية التالية مباشرةً لآية الويل تفتح الباب: الجلود التي تقشعرّ من الخشية هي نفسها التي تلين مع القلوب إلى ذكر الله — الداء عند الذكر، والدواء عند الذكر نفسه.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على الزمر ٢٣

مدخل المحطة: دواء اللين هو أحسن الحديث على الإطلاق.
يخبر تعالى عن كتابه الذي نزله أنه {أَحْسَنَ الْحَدِيثِ} على الإطلاق، فأحسن الحديث كلام الله، وأحسن الكتب المنزلة من كلام الله هذا القرآن.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٢٩٩
تمثيل السعدي الأشهر هنا: القرآن ماءٌ والقلوب أشجار — سر «مثاني».
فإنه تعالى، لما علم احتياج الخلق إلى معانيه المزكية للقلوب، المكملة للأخلاق، وأن تلك المعاني للقلوب، بمنزلة الماء لسقي الأشجار، فكما أن الأشجار كلما بعد عهدها بسقي الماء نقصت، بل ربما تلفت، وكلما تكرر سقيها حسنت وأثمرت أنواع الثمار النافعة، فكذلك القلب يحتاج دائما إلى تكرر معاني كلام الله تعالى عليه.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٢٩٩
شرح حركة القشعريرة ثم اللين: خوف ورجاء يتعاقبان فيلين القلب.
{تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} لما فيه من التخويف والترهيب المزعج، {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} أي: عند ذكر الرجاء والترغيب، فهو تارة يرغبهم لعمل الخير، وتارة يرهبهم من عمل الشر.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٣٠٠
اللين ليس إنجازًا ذاتيًّا بل هدى وفضل — يحفظ القارئ من العُجب.
{ذَلِكَ} الذي ذكره الله من تأثير القرآن فيهم {هُدَى اللَّهِ} أي: هداية منه لعباده، وهو من جملة فضله وإحسانه عليهم.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٣٠٠
جملة جامعة قصيرة تصلح عنوانًا لأثر القرآن في القلب.
ولما كان القرآن العظيم بهذه الجلالة والعظمة، أثَّر في قلوب أولي الألباب المهتدين.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٣٠٠
القطف المحوري: كيف يلين القلب بين آيات الوعيد فيقشعر وآيات الوعد فينقلب الوجل رجاءً
وَاللِّينُ: مُسْتَعَارٌ لِلْقَبُولِ وَالسُّرُورِ، وَهُوَ ضِدٌّ لِلْقَسَاوَةِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا سَمِعَ آيَاتِ الْوَعِيدِ وَالتَّهْدِيدِ يَخْشَى رَبَّهُ وَيَتَجَنَّبُ مَا حَذَّرَ مِنْهُ فَيَقْشَعِرُّ جِلْدُهُ فَإِذَا عُقِّبَ ذَلِكَ بِآيَاتِ الْبِشَارَةِ وَالْوَعْدِ اسْتَبْشَرَ وَفَرِحَ وَعَرَضَ أَعْمَالَهُ عَلَى تِلْكَ الْآيَاتِ فَرَأَى نَفْسَهُ مُتَحَلِّيَةً بِالْعَمَلِ الَّذِي وَعَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ بِالثَّوَابِ فَاطْمَأَنَّتْ نَفْسُهُ وَانْقَلَبَ الْوَجَلُ وَالْخَوْفُ رَجَاءً وَتَرَقُّبًا، فَذَلِكَ مَعْنَى لِينِ الْقُلُوبِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٣، ص ٣٨٩
أعجوبة القرآن: يجمع تأثير الرهبة وتأثير الرغبة ليعامل العبد ربه بالجلال والرحمة معاً
أُعْجُوبَةُ جَمْعِهِ بَيْنَ التَّأْثِيرَيِنِ الْمُتَضَادَّيْنِ: مَرَّةً بِتَأْثِيرِ الرَّهْبَةِ، وَمَرَّةً بِتَأْثِيرِ الرَّغْبَةِ، لِيَكُونَ الْمُسْلِمُونَ فِي مُعَامَلَةِ رَبِّهِمْ جَارِينَ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ جَلَالُهُ وَمَا يَقْتَضِيهِ حِلْمُهُ وَرَحْمَتُهُ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٣، ص ٣٩٠
اللين المطلوب لين خاص ناشئ عن اطمئنان القلوب بالذكر، أفعم القلب حتى ظهر على الجلد
فَعُطِفَ عَلَيْهِ لِينَ الْقُلُوبِ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ لين خَاص ناشىء عَنِ اطْمِئْنَانِ الْقُلُوبِ بِالذِّكْرِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرَّعْد: 28] وَلَيْسَ مُجَرَّدُ رُجُوعِ الْجُلُودِ إِلَى حَالَتِهَا الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ الْقُشَعْرِيرَةِ. وَلَمْ يُكْتَفَ بِذِكْرِ لِينِ الْقُلُوب عَن لين الْجُلُودِ لِأَنَّهُ قُصِدَ أَنَّ لِينَ الْقُلُوبِ أَفْعَمَهَا حَتَّى ظَهَرَ أَثَرُهُ عَلَى ظَاهِرِ الْجُلُودِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٣، ص ٣٩٠
قاعدة الدواء: ما ذكر القرآن ترهيباً إلا أعقبه بترغيب وبشارة
وَذَلِكَ أَنَّ الْقُرْآنَ مَا ذَكَرَ مَوْعِظَةً وَتَرْهِيبًا إِلَّا أَعْقَبَهُ بِتَرْغِيبٍ وَبِشَارَةٍ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٣، ص ٣٩١
الدواء: قشعريرة الجلال ثم لين الجمال — إن نظروا إلى الجلال طاشوا وإن لاح الجمال عاشوا
معنى تقشعر جلودهم تَأْخُذُهُمْ قُشَعْرِيرَةٌ وَهِيَ تَغَيُّرٌ يَحْدُثُ فِي جِلْدِ الْإِنْسَانِ عِنْدَ الْوَجَلِ وَالْخَوْفِ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ عِنْدَ سَمَاعِ آيَاتِ الرَّحْمَةِ وَالْإِحْسَانِ يَحْصُلُ لَهُمُ الْفَرَحُ فَتَلِينُ قُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ، وَأَقُولُ إِنَّ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الْعَارِفِينَ قَالُوا: السَّائِرُونَ في مبدأ إجلال اللَّهِ إِنْ نَظَرُوا إِلَى عَالَمِ الْجَلَالِ طَاشُوا، وَإِنْ لَاحَ لَهُمْ أَثَرٌ مِنْ عَالَمِ الْجَمَالِ عَاشُوا
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٦، ص ٤٤٦
ضابط قتادة: قشعريرة ولين، لا زوال عقل ولا اضطراب أعضاء
رَوَى الْوَاحِدِيُّ فِي «الْبَسِيطِ» عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ: الْقُرْآنُ دَلَّ عَلَى أَنَّ أَوْلِيَاءَ/ اللَّهِ مَوْصُوفُونَ بِأَنَّهُمْ عِنْدَ الْمُكَاشَفَاتِ وَالْمُشَاهَدَاتِ، تَارَةً تَقْشَعِرُّ جُلُودُهُمْ وَأُخْرَى تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ. وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ عُقُولَهُمْ تَزُولُ وَأَنَّ أَعْضَاءَهُمْ تَضْطَرِبُ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْأَحْوَالَ لَوْ حَصَلَتْ لَكَانَتْ مِنَ الشيطان
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٦، ص ٤٤٧
التخريج: قول قتادة — كما نقله الرازي عن الواحدي في «البسيط»
شهادة الرازي الشخصية: كلما تأمل أسرار القرآن اقشعر جلده ووقف شعره
وَأَنَا أَقُولُ: إِنِّي خُلِقْتُ مَحْرُومًا عَنْ هَذَا الْمَعْنَى، فَإِنِّي كُلَّمَا تَأَمَّلْتُ فِي أَسْرَارِ الْقُرْآنِ اقْشَعَرَّ جلدي وقف على شَعْرِي وَحَصَلَتْ فِي قَلْبِي دَهْشَةٌ وَرَوْعَةٌ، وَكُلَّمَا سَمِعْتُ تِلْكَ الْأَشْعَارِ غَلَبَ الْهَزْلُ عَلَيَّ وَمَا وَجَدْتُ أَلْبَتَّةَ فِي نَفْسِي مِنْهَا أَثَرًا، وَأَظُنُّ أَنَّ الْمَنْهَجَ الْقَوِيمَ وَالصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ هُوَ هَذَا
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٦، ص ٤٤٧
من كان عنده نور الإيمان عظُم اضطرابه عند سماع آيات الجلال
وَأَمَّا الْمَعَانِي الَّتِي يَشْتَمِلُ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ فَهِيَ أَحْوَالٌ لَائِقَةٌ بِجَلَالِ اللَّهِ، فَمَنْ وَقَفَ عَلَيْهَا عَظُمَ الْوَلَهُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنَّ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ نُورُ الْإِيمَانِ وَجَبَ أَنْ يَعْظُمَ اضْطِرَابُهُ عِنْدَ سَمَاعِ قَوْلِهِ: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ [الْأَنْعَامِ: 59]
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٦، ص ٤٤٧
سرُّ نفاذ القرآن في الروح: قائله هو الله
سَمِعْتُ بَعْضَ الْمَشَايِخِ قَالَ كَمَا أَنَّ الْكَلَامَ لَهُ أَثَرٌ فَكَذَلِكَ صُدُورُ ذَلِكَ الْكَلَامِ مِنَ الْقَائِلِ الْمُعَيَّنِ لَهُ أَثَرٌ، لِأَنَّ قُوَّةَ نَفْسِ الْقَائِلِ تُعِينُ عَلَى نَفَاذِ الْكَلَامِ فِي الرُّوحِ، وَالْقَائِلُ فِي الْقُرْآنِ هُنَا هُوَ اللَّهُ بِوَاسِطَةِ جِبْرِيلَ بِتَبْلِيغِ الرَّسُولِ الْمَعْصُوم
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٦، ص ٤٤٧
أعلى درجات اللين: أن تحب الله لذاته لا لعطائه
لِمَ قَالَ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَلَمْ يَقُلْ إِلَى ذِكْرِ رَحْمَةِ اللَّهِ؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّ مَنْ أَحَبَّ اللَّهَ لِأَجْلِ رَحْمَتِهِ فَهُوَ مَا أَحَبَّ اللَّهَ، وَإِنَّمَا أَحَبَّ شَيْئًا غَيْرَهُ، وَأَمَّا مَنْ أَحَبَّ اللَّهَ لَا لِشَيْءٍ سِوَاهُ فَهَذَا هُوَ الْمُحِبُّ الْمُحِقُّ وَهُوَ الدَّرَجَةُ الْعَالِيَةُ، فَلِهَذَا السَّبَبِ لَمْ يَقُلْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ رَحْمَةِ اللَّهِ بَلْ قَالَ إِلَى ذِكْرِ اللَّه
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٦، ص ٤٤٨
القرآن يطرب مع التكرار ويزداد حلاوة؛ واشتقاق الاقشعرار من الأديم اليابس
ولما كان التكرار يمل، ذكر أن من خصائص هذا الكتاب أنه يطرب مع التكرار، ويزداد حلاوة ولو ثنى آناء الليل وأطراف النهار، فقال: {تقشعر} أي تهتز وتتجمع وتتقبض تقبضاً شديداً، من القشع وهو الأديم اليابس
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٦، ص ٤٨٩
لفتة تناسب محورية: أخر القلوب وطوى اقشعرارها تنزيها لها عما يوهم القسوة
{ثم تلين} أي تمتد وتنعم، وقدم ما صرح فيه بالاقشعرار الذي يلزمه اليبس، وأخر القلوب إبعاداً لها عما قد يفهم يبساً فيوهم قسوة فقال: {جلودهم} لتراجعهم بعد برهة إلى الرجاء وإن اشتدت صلابتها {وقلوبهم} وذكره لتجدد لين القلوب مع الجلود دال على تقدير اقشعرارها معها من شدة الخشية فإن الخشية لا تكون إلا في القلب، وكان سر حذف التصريح بذلك تنزيههاً عن ذكر ما قد يفهم القسوة.
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٦، ص ٤٩٠
سر التعدية بـ«إلى»: القلب المتقلب يسكن ويطمئن إلى ذكر الله وحده
ولما كان القلب شديد الاضطراب والتقلب، دل على حفظه له بنافذ أمره وباهر عظمته بالتعدية ب «إلى» ليكون المعنى: ساكنة مطمئنة
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٦، ص ٤٩٠
بستان حي عند الفجر بندى وجدول رقراق
المحطة السادسة

ملامح القلب الحي

أربع علاماتٍ ترسمها الآيات
۞
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
الأنفال ٢
الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
الرعد ٢٨
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
الحج ٥٤
مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَـٰنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ
ق ٣٣
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
للقلب الحي ملامح ترسمها الآيات: يوجَل عند ذكر الله وتزيده الآيات إيماناً، ويطمئن بذكر الله وحده لا بغيره، ويُخبِت للحق إذا علمه، ويرجع إلى ربه في كل حال بقلبٍ منيب.
القلب الحي يرى النعمةَ قبل أن يشكرها — وفي ذلك رحلة كاملة: هل ترى النعمة… أم اعتدتها؟
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على الأنفال ٢

علامة عملية قابلة للقياس: الوجل الصادق يظهر في الكف عن الذنب.
{الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} أي: خافت ورهبت، فأوجبت لهم خشية الله تعالى الانكفاف عن المحارم، فإن خوف الله تعالى أكبر علاماته أن يحجز صاحبه عن الذنوب.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٥٢٦
شرط زيادة الإيمان: إلقاء السمع وإحضار القلب — وصفة استماع عملية.
{وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} ووجه ذلك أنهم يلقون له السمع ويحضرون قلوبهم لتدبره فعند ذلك يزيد إيمانهم.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٥٢٦
تقرير محوري لجلسة القلب: أعمال القلوب أصل أعمال الجوارح.
وقدم تعالى أعمال القلوب، لأنها أصل لأعمال الجوارح وأفضل منها.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٥٢٧
توصية عملية مباشرة: تعاهُد الإيمان بتدبر الكتاب.
وأنه ينبغي للعبد أن يتعاهد إيمانه وينميه، وأن أولى ما يحصل به ذلك تدبر كتاب الله تعالى والتأمل لمعانيه.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٥٢٧
تعريف الوجل: خوف مع فزع منشؤه استعظام الله
وَالْوَجَلُ خَوْفٌ مَعَ فَزَعٍ فَيَكُونُ لِاسْتِعْظَامِ الْمَوْجُولِ مِنْهُ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٩، ص ٢٥٦
وجل القلب الحي وجل دافع: يبعث على الاستكثار من الخير والوقوف عند حدود الله
وَقَدْ أَجْمَلَتِ الْآيَةُ ذِكْرَ اللَّهِ إِجْمَالًا بَدِيعًا لِيُنَاسِبَ مَعْنَى الْوَجِلِ، فَذِكْرُ اللَّهِ يَكُونُ: بِذِكْرِ اسْمِهِ، وَبِذِكْرِ عِقَابِهِ، وَعَظَمَتِهِ، وَبِذِكْرِ ثَوَابِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَحْصُلُ مَعَهُ الْوَجَلُ فِي قُلُوبِ كُمَّلِ الْمُؤْمِنِينَ، لِأَنَّهُ يَحْصُلُ مَعَهُ اسْتِحْضَارُ جَلَالِ اللَّهِ وَشِدَّةِ بَأْسِهِ وَسِعَةِ ثَوَابِهِ، فَيَنْبَعِثُ عَنْ ذَلِكَ الِاسْتِحْضَارِ تَوَقُّعُ حُلُولِ بَأْسِهِ، وَتَوَقُّعُ انْقِطَاعِ بَعْضِ ثَوَابِهِ أَوْ رَحْمَتِهِ، وَهُوَ وَجَلٌ يَبْعَثُ الْمُؤْمِنَ إِلَى الِاسْتِكْثَارِ مِنَ الْخَيْرِ وَتَوَقِّي مَا لَا يُرْضِي اللَّهَ تَعَالَى وَمُلَاحَظَةِ الْوُقُوفِ عِنْدَ حُدُودِ اللَّهِ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ،
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٩، ص ٢٥٦
الآية مرآة اختبار ذاتي: يعرف المتصف بها تحققها فيه من عرض نفسه عليها
وَالْمَعْنَى لَيْسَ الْمُؤْمِنُونَ الْكَامِلُ إِيمَانُهُمْ إِلَّا أَصْحَابَ هَذِهِ الصِّلَةِ الَّتِي يَعْرِفُ الْمُتَّصِفُ بِهَا تَحَقُّقَهَا فِيهِ أَوْ عَدَمَهُ مِنْ عَرْضِ نَفْسِهِ عَلَى حَقِيقَتِهَا
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٩، ص ٢٥٥
وجل القلب الحي: خوف عظمة وجلال لا يفارق قلب أحد من المخلوقين
قَالَ أَصْحَابُ الْحَقَائِقِ: الْخَوْفُ عَلَى قِسْمَيْنِ: خَوْفُ الْعِقَابِ، وَخَوْفُ الْعَظَمَةِ وَالْجَلَالِ. أَمَّا خَوْفُ الْعِقَابِ فَهُوَ لِلْعُصَاةِ. وَأَمَّا خَوْفُ الْجَلَالِ وَالْعَظَمَةِ فَهُوَ لَا يَزُولُ عَنْ قَلْبِ أَحَدٍ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، سَوَاءً كَانَ مَلَكًا مُقَرَّبًا أَوْ نَبِيًّا مُرْسَلًا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَالَى غَنِيٌّ لِذَاتِهِ عَنْ كُلِّ الْمَوْجُودَاتِ/ وَمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ فَمُحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، وَالْمُحْتَاجُ إِذَا حَضَرَ عِنْدَ الْمَلِكِ الْغَنِيِّ يَهَابُهُ وَيَخَافُهُ، وَلَيْسَتْ تِلْكَ الْهَيْبَةُ مِنَ الْعِقَابِ، بَلْ مُجَرَّدُ عِلْمِهِ بِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْهُ، وَكَوْنِهِ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ يُوجِبُ تِلْكَ الْمَهَابَةَ، وَذَلِكَ الْخَوْفَ.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٥، ص ٤٥٠
لا تنافي بين الوجل والطمأنينة: يجتمعان في القلب الحي كما اجتمعا في آية الزمر
الِاطْمِئْنَانُ إِنَّمَا يَكُونُ عَنْ ثَلْجِ الْيَقِينِ، وَشَرْحِ الصَّدْرِ بِمَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ، وَالْوَجَلُ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ خَوْفِ الْعُقُوبَةِ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ، بَلْ نَقُولُ: هَذَانِ الْوَصْفَانِ اجْتَمَعَا فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [الزُّمَرِ: 23]
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٥، ص ٤٥٠
سلم العودة: وجل، فانقياد، فانقطاع بالكلية إلى الله
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ الثَّلَاثَةَ مُرَتَّبَةٌ عَلَى أَحْسَنِ جِهَاتِ التَّرْتِيبِ، فَإِنَّ الْمَرْتَبَةَ الْأُولَى هِيَ: الْوَجَلُ مِنْ عِقَابِ اللَّه.وَالْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: هِيَ الِانْقِيَادُ لِمَقَامَاتِ التَّكَالِيفِ للَّه.وَالْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: هِيَ الِانْقِطَاعُ بِالْكُلِّيَّةِ عَمَّا سِوَى اللَّه، وَالِاعْتِمَادُ بِالْكُلِّيَّةِ عَلَى فَضْلِ اللَّه، بَلِ الْغِنَى بِالْكُلِّيَّةِ عَمَّا سِوَى اللَّه تَعَالَى.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٥، ص ٤٥٢
زيادة الإيمان بحر لا ساحل له: مراتب التجلي والمعرفة لا نهاية لها
وَكُلَّمَا وَقَفَ عَقْلُ الْإِنْسَانِ عَلَى آثَارِ حِكْمَةِ اللَّه فِي تَخْلِيقِ شَيْءٍ آخَرَ، انتقل منه إلى طلب حكمة فِي تَخْلِيقِ شَيْءٍ آخَرَ، فَقَدِ انْتَقَلَ مِنْ مَرْتَبَةٍ إِلَى مَرْتَبَةٍ أُخْرَى أَعْلَى مِنْهَا وَأَشْرَفَ وَأَكْمَلَ، وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْمَرَاتِبُ لَا نِهَايَةَ لَهَا، لَا جَرَمَ لَا نِهَايَةَ لِمَرَاتِبِ التَّجَلِّي وَالْكَشْفِ وَالْمَعْرِفَةِ.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٥، ص ٤٥١
دعوى الإيمان لا تصدق حتى يحصل البيان بالامتحان
ولما أمر ونهى هيج وألهب فقال مبيناً كون الإيمان مستلزماً للطاعة: {إن كنتم مؤمنين*} أي صادقين في دعوى الإيمان، فليس كل من يدعي شيئاً يكون صادقاً في دعواه حتى يحصل البيان بالامتحان
نظم الدرر، البقاعي، جـ٨، ص ٢١٩
الوجل: خوف عظيم يتخلل صميم العظام بمجرد ذكر الله
فيكونون {إذا ذكر الله} أي الجامع لصفات الكمال من الجلال والجمال مجرد ذكر في نحو قوله {الأنفال لله} {وجلت} أي خافت خوفاً عظيماً يتخلل صميم عظامهم ويجول في سائر معانيهم وأجسامهم {قلوبهم}
نظم الدرر، البقاعي، جـ٨، ص ٢١٩
تلاوة الآيات تزيد نور القلب وطمأنينة اليقين
{زادتهم إيماناً} أي بإيمانهم بها وبما حصل لهم من نور القلب وطمأنينة اليقين بسببها، فإنها هي الدالة على الله بما تبين من عظيم أفعاله ونعوت جلاله وجماله، وتظاهر الأدلة أقوى للمدلول عليه
نظم الدرر، البقاعي، جـ٨، ص ٢٢٠

على الرعد ٢٨

ترجمة الطمأنينة بلغة معاصرة: زوال القلق والاضطراب وحضور الفرح.
{الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ} أي: يزول قلقها واضطرابها، وتحضرها أفراحها ولذاتها.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٧٢٩
حصر مصدر الطمأنينة: لا شيء أحلى للقلب من محبة خالقه والأنس به.
{أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} أي: حقيق بها وحريٌّ أن لا تطمئن لشيء سوى ذكره، فإنه لا شيء ألذ للقلوب ولا أشهى ولا أحلى من محبة خالقها، والأنس به ومعرفته.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٧٢٩
وجه ثانٍ يربط الذكر بالقرآن نفسه — يخدم خيط الجلسة القرآني.
وقيل: إن المراد بذكر الله كتابه الذي أنزله ذكرى للمؤمنين، فعلى هذا معنى طمأنينة القلوب بذكر الله: أنها حين تعرف معاني القرآن وأحكامه تطمئن لها.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٧٢٩
الاطمئنان سكونٌ ويقين، والشك اضطراب — تشخيص لحالتي القلب
وَالِاطْمِئْنَانُ: السُّكُونُ، وَاسْتُعِيرَ هُنَا لِلْيَقِينِ وَعَدَمِ الشَّكِّ، لِأَنَّ الشَّكَّ يُسْتَعَارُ لَهُالِاضْطِرَابُ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٣، ص ١٣٧
ذكر اللسان طريق للقلب: إجراؤه على اللسان ينبّه القلوب إلى مراقبته
وَالذِّكْرُ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ ذِكْرُ اللَّهِ بِاللِّسَانِ فَإِنَّ إِجْرَاءَهُ عَلَى اللِّسَانِ يُنَبِّهُ الْقُلُوبَ إِلَى مُرَاقَبَتِهِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٣، ص ١٣٨
دعوة مفتوحة: إذا علمتم راحة بال المؤمنين فما يمنعكم؟ فإن تلك في متناولكم
وَافْتُتِحَتْ جُمْلَةُ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ اهْتِمَامًا بِمَضْمُونِهَا وَإِغْرَاءً بِوَعْيِهِ. وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ التَّذْيِيلِ لِمَا فِي تَعْرِيفِ الْقُلُوبُ مِنَ التَّعْمِيمِ. وَفِيهِ إِثَارَةُ الْبَاقِينَ عَلَى الْكُفْرِ عَلَى أَنْ يَتَّسِمُوا بِسِمَةِ الْمُؤمنِينَ من التَّدْبِير فِي الْقُرْآنِ لِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُهُمْ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِذَا عَلِمْتُمْ رَاحَةَ بَالِ الْمُؤْمِنِينَ فَمَاذَا يَمْنَعُكُمْ بِأَنْ تَكُونُوا مِثْلَهُمْ فَإِنَّ تِلْكَ فِي مُتَنَاوَلِكُمْ لِأَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ بِمَسَامِعِكُمْ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٣، ص ١٣٨
تفسير ابن عباس: سماع القرآن خشوع واطمئنان معا
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ إِذَا سَمِعُوا الْقُرْآنَ خَشَعَتْ قُلُوبُهُمْ وَاطْمَأَنَّت
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٩، ص ٣٩
تشخيص القلق المعاصر: التوجه إلى عالم الأجسام اضطراب، والتوجه إلى الله سكون
فَالْقَلْبُ كُلَّمَا تَوَجَّهَ إِلَى مُطَالَعَةِ عَالَمِ الْأَجْسَامِ حَصَلَ فِيهِ الِاضْطِرَابُ وَالْقَلَقُ وَالْمَيْلُ الشَّدِيدُ إِلَى الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا، أَمَّا إِذَا تَوَجَّهَ الْقَلْبُ إِلَى مُطَالَعَةِ الْحَضْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ حَصَلَ فِيهِ أَنْوَارُ الصَّمَدِيَّةِ والأضواء والإلهية، فَهُنَاكَ يَكُونُ سَاكِنًا فَلِهَذَا السَّبَبِ قَالَ: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٩، ص ٤٠
كلام الرازي المشهور: القلب لا يستقر عند شيء دون الله لأنه لا درجة فوقه
أَنَّ الْقَلْبَ كُلَّمَا وَصَلَ إِلَى شَيْءٍ فَإِنَّهُ يَطْلُبُ الِانْتِقَالَ مِنْهُ إِلَى حَالَةٍ أُخْرَى أَشْرَفَ مِنْهَا، لِأَنَّهُ لَا سَعَادَةَ فِي عَالَمِ الْأَجْسَامِ إِلَّا وَفَوْقَهَا مَرْتَبَةٌ أُخْرَى فِي اللَّذَّةِ وَالْغِبْطَةِ. أَمَّا إِذَا انْتَهَى الْقَلْبُ وَالْعَقْلُ إِلَى الِاسْتِسْعَادِ بِالْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْأَضْوَاءِ الصَّمَدِيَّةِ بَقِيَ وَاسْتَقَرَّ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْهُ الْبَتَّةَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ دَرَجَةٌ أُخْرَى فِي السَّعَادَةِ أَعْلَى مِنْهَا وَأَكْمَلُ، فَلِهَذَا الْمَعْنَى قَالَ: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٩، ص ٤٠
إكسير جلال الله يقلب نحاس القلب ذهبا نورانيا لا يتبدل
أَنَّ الْإِكْسِيرَ إِذَا وَقَعَتْ مِنْهُ ذَرَّةٌ عَلَى الْجِسْمِ النُّحَاسِيِّ انْقَلَبَ ذَهَبًا بَاقِيًا عَلَى كَرِّ الدُّهُورِ وَالْأَزْمَانِ، صَابِرًا عَلَى الذَّوَبَانِ الْحَاصِلِ بِالنَّارِ، فَإِكْسِيرُ جَلَالِ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ أَوْلَى أَنْ يَقْلِبَهُ جَوْهَرًا بَاقِيًا صَافِيًا نورانيا لا يقبل التغيير وَالتَّبَدُّل
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٩، ص ٤٠
الطمأنينة سكون واستئناس مستمر بعد الاضطراب بالشكوك
{وتطمئن قلوبهم} أي تسكن وتستأنس إلى الدليل بعد الاضطراب بالشكوك لإيجادهم الطمأنينة بعد صفة الإيمان إيجاداً مستمراً دالاً على ثبات إيمانهم لترك العناد
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٠، ص ٣٣٦
ذكر الله أعظم الآيات فلا يطلب القلب المطمئن به آية سواه
{بذكر الله} الذي هو أعظم الآيات في أن المذكور مستجمع لصفات الكمال
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٠، ص ٣٣٦
تعريف الذكر: حضور المعنى للنفس؛ ومن لم يطمئن به فلا قلب له بل هو من الجمادات
والذكر: حضور المعنى للنفس، وذلك إشارة إلى أن من لم يطمئن به فليس له قلب فضلاً عن أن يكون في قلبه عقل، بل هو من الجمادات، أو إلى أن كل قلب يطمئن به، فمن أخبر عن قلبه بخلاف ذلك فهو كاذب معاند، ومن أذعن وعمل بموجب الطمأنينة فهو مؤمن
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٠، ص ٣٣٧

على الحج ٥٤

الإخبات ثلاث حركات: خشوع وخضوع وتسليم — وهو هدية لا صنعة.
{فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} أي: تخشع وتخضع، وتسلم لحكمته، وهذا من هدايته إياهم.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٩٦٦
القلب المخبت يُكافأ بمزيد هداية وتثبيت — دورة صاعدة تقابل دورة القسوة.
{وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا} بسبب إيمانهم {إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} علم بالحق، وعمل بمقتضاه، فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٩٦٦
الإخبات اطمئنان وخشوع يستقر في القلب استقراراً
وَالْإِخْبَاتُ: الِاطْمِئْنَانُ وَالْخُشُوعُ. وَتَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ [الْحَج: 34] ، أَيْ فَيَسْتَقِرُّ ذَلِكَ فِي قُلُوبِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [الْبَقَرَة:260] .
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٧، ص ٣٠٣
نفس الحدث الذي يفتن القاسي يزيد المؤمن هدىً في قلبه
أَي ينْسَخ الله مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ لِإِرَادَةِ أَنْ يَعْلَمَ الْمُؤْمِنُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ بِرُسُوخِ مَا تَمَنَّاهُ الرَّسُولُ وَالْأَنْبِيَاءُ لَهُمْ مِنَ الْهُدَى كَمَا يَحْصُلُ لَهُمْ بِمَا يُحْكِمُ اللَّهُ مِنْ آيَاتِهِ ازْدِيَادُ الْهُدَى فِي قُلُوبِهِمْ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٧، ص ٣٠١
القلب المخبت يتحول: قد يكون جلفاً قبل الإيمان فإذا آمن انقلب حكيماً كعمر
فَإِنَّ نُورَ النُّبُوءَةِ يُشْرِقُ فِي قُلُوبِ الَّذِينَ يَصْحَبُونَ الرَّسُولَ.وَلِذَلِكَ تَجِدُ مَنْ يَصْحَبُ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم قَدْ يَكُونُ قَبْلَ الْإِيمَانِ جِلْفًا فَإِذَا آمَنَ انْقَلَبَ حَكِيمًا، مِثْلَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٧، ص ٣٠٢
الإخبات خضوع وسكون: ثمرة العلم بأن الأمر كله لله
فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ أَيْ تَخْضَعُ وَتَسْكُنُ لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّ الْمَقْضِيَّ كَائِنٌ، وَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خلق له
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٣، ص ٢٤١
هداية الله للمخبتين: لا تلحقهم حيرة ولا تعتريهم شبهة
أَنْ يَتَأَوَّلُوا مَا يَتَشَابَهُ فِي الدِّينِ بِالتَّأْوِيلَاتِ الصَّحِيحَةِ وَيَطْلُبُوا مَا أَشْكَلَ مِنْهُ مِنَ الْمُجْمَلِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الْأُصُولُ الْمُحْكَمَةُ حَتَّى لَا تَلْحَقَهُمْ حَيْرَةٌ وَلَا تَعْتَرِيَهُمْ شُبْهَة
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٣، ص ٢٤٢
القلب المخبت زجاجي بين المائية والحجرية: صلب صاف تسكنه السكينة وينفع بالعلم
{فتخبت} أي تطمئن وتخضع {له قلوبهم} وتسكن به قلوبهم، فإن الله جعل فيها السكينة فجعلها زجاجية صلبة صافية رقيقة بين المائية والحجرية، نافعة بفهم العلم وحفظه والهداية به لمن يقبل عنهم من الضالين
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٣، ص ٧٣
الجدال لا يزيد الحق إلا ظهورا لمن أوتي العلم
فإن الحق كلما جودل أهله ظهرت حججه، وأسفرت وجوهه، ووضحت براهينه، وغمرت لججه
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٣، ص ٧٣

على ق ٣٣

معيار صدق القلب: الخشية حين لا يراك أحد.
{مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ} أي: خافه على وجه المعرفة بربه، والرجاء لرحمته ولازم على خشية الله في حال غيبه أي: مغيبه عن أعين الناس، وهذه هي الخشية الحقيقية.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٤٦٢
تعريف الإنابة بكلمة آسرة: انجذاب دواعي القلب إلى مراضي الله.
{وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} أي: وصفه الإنابة إلى مولاه، وانجذاب دواعيه إلى مراضيه.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٤٦٢
الأوّاب: الرجّاع في جميع الأوقات — العودة أسلوب حياة لا لحظة عابرة.
هي التي وعد الله كل أواب أي: رجاع إلى الله، في جميع الأوقات، بذكره وحبه، والاستعانة به، ودعائه، وخوفه، ورجائه.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٤٦٢
الأوّاب ليس معصوماً: إذا صدرت منه فلتة أعقبها بالتوبة — واقعية طريق العودة
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ مُحَافِظٌ عَلَى الطَّاعَةِ فَإِذَا صَدَرَتْ مِنْهُ فَلْتَةٌ أَعْقَبَهَا بِالتَّوْبَةِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٦، ص ٣١٩
القلب المنيب زادُ اللقاء: أن تموت موصوفاً بالإنابة وتجيء بقلبك لا بمالك
وَمَعْنَى وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ أَنَّهُ حَضَرَ يَوْمَ الْحَشْرِ مُصَاحِبًا قَلْبَهُ الْمُنِيبَ إِلَى اللَّهِ، أَيْ مَاتَ مَوْصُوفًا بِالْإِنَابَةِ وَلَمْ يُبْطِلْ عَمَلَهُ الصَّالِحَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ حِكَايَةً عَنْ إِبْرَاهِيمَ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشُّعَرَاء: 88، 89] .
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٦، ص ٣٢٠
لفتة اسم الرحمن: خشيةٌ ممزوجة بمعرفة الرحمة — لا خوف يقنّط
وَإِيثَارُ اسْمِهِ الرَّحْمنَ فِي قَوْلِهِ: مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ دُونَ اسْمِ الْجَلَالَةِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ هَذَا الْمُتَّقِيَ يَخْشَى اللَّهَ وَهُوَ يعلم أَنه رحمان،
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٦، ص ٣٢٠
لطيفة «خشي الرحمن»: لم تمنعه رحمة ربه من خشية عظمته
قال الله تعالى هاهنا خَشِيَ الرَّحْمنَ مَعَ أَنَّ وَصْفَ الرَّحْمَةِ غَالِبًا يُقَابِلُ الْخَشْيَةَ إِشَارَةً إِلَى مَدْحِ الْمُتَّقِي حَيْثُ لَمْ تَمْنَعْهُ الرَّحْمَةُ مِنَ الْخَوْفِ بِسَبَبِ الْعَظَمَة
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٨، ص ١٤٧
القلب المنيب يجيء إلى من يخشاه ولا يهرب منه
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ إِشَارَةٌ إِلَى صِفَةِ مَدْحٍ أُخْرَى، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْخَاشِيَ قَدْ يَهْرُبُ وَيَتْرُكُ الْقُرْبَ مِنَ الْمَخْشِيِّ وَلَا يَنْتَفِعُ، وَإِذَا عَلِمَ الْمَخْشِيُّ أَنَّهُ تَحْتَ حُكْمِهِ تَعَالَى عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ الْهَرَبُ، فَيَأْتِي الْمَخْشِيُّ وَهُوَ [غَيْرُ] خَاشٍ فَقَالَ: وَجاءَ وَلَمْ يَذْهَبْ كَمَا يَذْهَبُ الْآبِق
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٨، ص ١٤٧
الإنابة والسلامة وجهان لقلب واحد: من أناب سلم ومن سلم أناب
فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: جَاءَ وَمَا جَاءَ إِلَّا بِسَبَبِ إِنَابَةٍ فِي قَلْبِهِ عَلِمَ أَنَّهُ لَا مَرْجِعَ إِلَّا إِلَى اللَّه فَجَاءَ بِسَبَبِ قَلْبِهِ الْمُنِيبِ، وَالْقَلْبُ الْمُنِيبُ كَالْقَلْبِ السَّلِيمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الصَّافَّاتِ: 84] أَيْ سَلِيمٍ مِنَ الشِّرْكِ، وَمَنْ سَلِمَ مِنَ الشِّرْكِ يَتْرُكُ غَيْرَ اللَّه وَيَرْجِعُ إِلَى اللَّه فَكَانَ مُنِيبًا، وَمَنْ أَنَابَ إِلَى اللَّه برىء من الشرك فكان سليما.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٨، ص ١٤٧
خشية من يستحضر الرحمة أبلغ: خوف مقرون بالرجاء
ونبه على كثرة خشيته بقوله: {الرحمن} لأنه إذا خاف مع استحضار الرحمة العامة للمطيع والعاصي كان خوفه مع استحضار غيرها أولى
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٨، ص ٤٣٢
القلب المنيب: راجع إلى الله بوازع العلم، ولطف التعبير بالقلب دون النفس بالعصاة
ولما كان النافع من الطاعة الدائم إلى الموت، قال: {وجاء} أي بعد الموت {بقلب منيب *} أي راجع إلى الله تعالى بوازع العلم، ولم يقل: بنفس، لطفاً بالعصاة لأنهم وإن قصرت نفوسهم لم يكن لها صدق القدم فلهم الأسف بقلوبهم، وصدق الندم.
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٨، ص ٤٣٣

على ق ٣٧

أول العودة: أن تُرسل سمعك للذكرى ولا تمسكه عنها
وَأَمَّا إِلْقَاءُ السَّمْعِ فَمَعْنَاهُ أَنَّ الذِّكْرَى حَاصِلَةٌ لِمَنْ لَا يُمْسِكُ سَمْعَهُ بَلْ يُرْسِلُهُ إِرْسَالًا
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٨، ص ١٥١
من لا ينتفع بقلبه فلا قلب له: القلب الغافل عدم
{لمن كان} أي كوناً عظيماً {له قلب} هو في غاية العظمة والنورانية إن رأى شيئاً من ذلك فهو بحيث يفهم ما يراه ويعتز به، ومن لم يكن كذلك فلا قلب له لأن قلبه لما كان غير نافع كان عدماً.
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٨، ص ٤٣٦
شرط الانتفاع بالسماع: حضور القلب بكليته وجمع الخاطر
{وهو} أي والحال أنه في حال إلقائه {شهيد *} أي حاضر بكليته، فهو في غاية ما يكون من تصويب الفكر وجمع الخاطر، فلا يغيب عنه شيء مما تلي عليه وألقي إليه
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٨، ص ٤٣٦
القرآن مبشر للكامل والناقص، وليس دون التذكر مانع غير الإعراض
والثاني القاصر بما عنده من كثافة الطبع فهو بحيث يحتاج إلى التعليم فيتذكر بشرط أن يقبل بكليته، ويزيل الموانع كلها، فلذلك حسن جداً موقع «أو» المقسمة وعلم منه عظيم شرف القرآن في أنه مبشر للكامل والناقص، ليس منه مانع غير الإعراض.
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٨، ص ٤٣٧
لحظة انبلاج الفجر وأول خيط ضوء يشق ليلاً طويلاً
المحطة السابعة — الذروة

ألم يأنِ؟

سؤالٌ من الله مباشرةً للذين آمنوا
۞
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ
الحديد ١٦
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
سؤالٌ من الله مباشرةً للذين آمنوا: ألم يحن الوقت أن تخشع قلوبكم؟ — عاتب الله به خيرَ القرون وما بين إسلامهم والعتاب إلا أربع سنين. فكم بيننا نحن وبين آخر خشوع؟
والخشوع الذي تسأل عنه الآية عُدّةٌ لها رحلتها: حين تثقل الحياة… بمَ تستعين؟
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على الحديد ١٦

صياغة النداء الذروة بلغة الوقت: «ألم يجئ الوقت؟» — سؤال يوقظ.
أي: ألم يجئ الوقت الذي به تلين قلوبهم وتخشع لذكر الله، الذي هو القرآن، وتنقاد لأوامره وزواجره، وما نزل من الحق الذي جاء به محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ؟
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٥٢٣
تحويل الآية إلى عمل: تذكُّر دائم ومحاسبة نفس.
وهذا فيه الحث على الاجتهاد على خشوع القلب لله تعالى، ولما أنزله من الكتاب والحكمة، وأن يتذكر المؤمنون المواعظ الإلهية والأحكام الشرعية كل وقت، ويحاسبوا أنفسهم على ذلك.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٥٢٣
ربط السعدي بين الآيتين ١٦ و١٧: محيي الأرض هو محيي القلوب — باب الرجاء.
والذي أحيا الأرض بعد موتها بماء المطر قادر على أن يحيي القلوب الميتة بما أنزله من الحق على رسوله.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٥٢٤
أثر ابن مسعود في نزول العتاب: «ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنين»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِنَا وَبَيْنَ أَنْ عَاتَبْنَا اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ إِلَى وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ إِلَّا أَرْبَعُ سِنِينَ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٧، ص ٣٩٠
التخريج: صحيح مسلم (٣٠٢٧)
تعليق ابن عاشور على أثر ابن مسعود: كان يخشى أن يكون منهم حذراً وحيطة — فقه التعامل مع العتاب
وَلَيْسَ مَا قَالَهُ ابْنُمَسْعُودٍ مُقْتَضِيًا أَنَّ مِثْلَهُ مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَلكنه يخْشَى أَن يكون مِنْهُمْ حَذَرًا وَحَيْطَةً.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٧، ص ٣٩٠
العتاب ليس تقريعاً فقط بل تحريض على مراقبة القلب والحذر من التقصير
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَحْرِيضًا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى مُرَاقَبَةِ ذَلِكَ وَالْحَذَرِ مِنَ التَّقْصِيرِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٧، ص ٣٩٠
الآية عتابٌ للمؤمن الذي فتر خشوعه وحثٌّ على المعاودة
لَعَلَّ طَائِفَةً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَا كَانَ فِيهِمْ مَزِيدُ خُشُوعٍ وَلَا رِقَّةٍ، فَحُثُّوا عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَثَانِيهَا: لَعَلَّ قَوْمًا كَانَ فِيهِمْ خُشُوعٌ كَثِيرٌ، ثُمَّ زَالَ مِنْهُمْ شِدَّةُ ذَلِكَ الْخُشُوعِ فَحُثُّوا عَلَى الْمُعَاوَدَةِ إِلَيْهَا
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٩، ص ٤٦٠
علامة الحياة أن يورث الذكرُ خشوعا، لا ذكرَ غفلةٍ لا يخشع له قلب
أَيْ يَجِبُ أَنْ يُورِثَهُمُ الذِّكْرُ خُشُوعًا، وَلَا يَكُونُوا كَمَنْ ذِكْرُهُ بِالْغَفْلَةِ فَلَا يَخْشَعُ قَلْبُهُ لِلذِّكْر
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٩، ص ٤٦٠
الخشوع والخشية لا تحصل إلا عند ذكر الله، وخشوع القرآن من ذكر الله فيه
وَإِنَّمَا قُدِّمَ الْخُشُوعُ بِالذِّكْرِ عَلَى الْخُشُوعِ بِمَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ، لِأَنَّ الْخُشُوعَ وَالْخَوْفَ وَالْخَشْيَةَ لَا تَحْصُلُ إِلَّا عِنْدَ ذِكْرِ اللَّه، فَأَمَّا حُصُولُهَا عِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ فَذَاكَ لِأَجْلِ اشْتِمَالِ الْقُرْآنِ عَلَى ذِكْرِ اللَّه
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٩، ص ٤٦١
الذروة: ترك الخشوع أول الطريق، والفسق آخره
وَكَأَنَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ عَدَمَ الْخُشُوعِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ يفضي إلى الفسق في آخر الأمر
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٩، ص ٤٦١
لا دواء لمرض القلب في غير القرآن؛ الذكر يجلو أصداء القلوب ويصقلها
فيصدق في إيمانه من كان كاذباً ويقوى في الدين من كان ضعيفاً، فلا يطلب لذلك دينه دواء ولا لمرض قلبه شفاء في غير القرآن، فإن ذكر الله يجلو أصداء القلوب ويصقل مرائيها.
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٩، ص ٢٧٩
لفتة تناسب الذروة: آية إحياء الأرض مقررة لصدر السورة ومثال لإحياء القلوب بصقل الذكر والتلاوة
مقرراً لما ابتدأ به السورة من أمر الإحياء مشيراً إلى القدر على إحياء القلوب ممثلاً لإزالة القسمة عنها بصقل الذكر والتلاوة ترغيباً في إدامة ذلك
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٩، ص ٢٨١
تتمة السابق: إحياء القلوب بروح الوحي كما أحيا الأرض بروح الماء
أحيا الأرض بروح الماء لتصير بإحيائها بالذكر خاشعة بعد قسوتها كما صارت الأرض بالماء رابية بعد خشوعها وموتها
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٩، ص ٢٨٢
أرض اخضرت بعد المطر يقطعها طريق نحو أفق مضيء
الجسر الختامي

اللهُ يحيي القلوب

القلب القاسي ليس نهاية القصة
۞
أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
الأنعام ١٢٢
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
الأنفال ٢٤
المُوجَز — صياغة مبسطة، والنقل الحرفي في القطوف أدناه
القلب القاسي ليس نهاية القصة: الذي يحيي الأرض بعد موتها يحيي القلوب — «أوَمن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس». والاستجابة لله وللرسول هي دعوة الحياة نفسها.
القُطوف الموثّقة — استزادة لمن أراد

على الأنعام ١٢٢

تعريف حياة القلب وموته بمفردات ثلاث: علم وإيمان وطاعة مقابل كفر وجهل ومعاص.
{أَوَمَنْ كَانَ} من قبل هداية الله له {مَيْتًا} في ظلمات الكفر، والجهل، والمعاصي، {فَأَحْيَيْنَاهُ} بنور العلم والإيمان والطاعة، فصار يمشي بين الناس في النور، متبصرا في أموره، مهتديا لسبيله.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٤٤٥
وصف نفسي دقيق لموت القلب: التباس الطرق وحضور الهم والغم.
{لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} قد التبست عليه الطرق، وأظلمت عليه المسالك، فحضره الهم والغم والحزن والشقاء.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٤٤٥
لوحة الإحياء كاملة: من ميت في ظلمة لو أفاق لم يعرف أين ينصرف، إلى حيّ في نور يمشي به
وَلَقَدْ جَاءَ التَّشْبِيهُ بَدِيعًا: إِذْ جَعَلَ حَالَ الْمُسْلِمِ، بَعْدَ أَنْ صَارَ إِلَى الْإِسْلَامِ، بِحَالِ مَنْ كَانَ عَدِيمَ الْخَيْرِ، عَدِيمَ الْإِفَادَةِ كَالْمَيِّتِ، فَإِنَّ الشِّرْكَ يَحُولُ دُونَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَيَصْرِفُ صَاحِبَهُ عَنِ السَّعْيِ إِلَى مَا فِيهِ خَيْرُهُ وَنَجَاتُهُ، وَهُوَ فِي ظُلْمَةٍ لَوْ أَفَاقَ لَمْ يَعْرِفْ أَيْنَ يَنْصَرِفُ، فَإِذَا هَدَاهُ اللَّهُ إِلَى الْإِسْلَامِ تَغَيَّرَ حَالَهُ فَصَارَ يُمَيِّزُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَيَعْلَمُ الصَّالِحَ مِنَ الْفَاسِدِ، فَصَارَ كَالْحَيِّ وَصَارَ يَسْعَى إِلَى مَا فِيهِ الصَّلَاحُ، وَيَتَنَكَّبُ عَنْ سَبِيلِالْفَسَادِ، فَصَارَ فِي نُورٍ يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٨-أ، ص ٤٥
الظلمة مشروطة بالبقاء فيها: «ما دام» — باب الخروج لم يُغلق
أَيْ ظُلُمَاتٌ لَا يُرْجَى لِلْوَاقِعِ فِيهَا تَنُّورٌ بِنُورٍ مَا دَامَ فِي حَالَةِ الْإِشْرَاكِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٨-أ، ص ٤٥
المثل الجامع: المهتدي ميت أُحيي وأُعطي نورا، والضال غارق في ظلمات
فَبَيَّنَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ الْمُهْتَدِيَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَجُعِلَ حَيًّا بَعْدَ ذَلِكَ وَأُعْطِيَ نُورًا يَهْتَدِي بِهِ فِي مَصَالِحِهِ وَأَنَّ الْكَافِرَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ هُوَ فِي ظُلُمَاتٍ مُنْغَمِسٌ فِيهَا لَا خَلَاصَ لَهُ مِنْهَا فَيَكُونُ مُتَحَيِّرًا عَلَى الدَّوَامِ.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٣، ص ١٣٢
لماذا سُمي البُعد موتا: لأن الجهل حيرة ووقفة كسكون الموت
فَلَمَّا جُعِلَ الْكُفْرُ مَوْتًا وَالْكَافِرُ مَيِّتًا جُعِلَ الْهُدَى حَيَاةً وَالْمُهْتَدِي حَيًّا وَإِنَّمَا جُعِلَ الْكُفْرُ مَوْتًا لِأَنَّهُ جَهْلٌ وَالْجَهْلُ يُوجِبُ الْحَيْرَةَ وَالْوَقْفَةَ فَهُوَ كَالْمَوْتِ الَّذِي يُوجِبُ السُّكُونَ وَأَيْضًا الْمَيِّتُ لَا يَهْتَدِي إِلَى شَيْءٍ وَالْجَاهِلُ كَذَلِكَ وَالْهُدَى عِلْمٌ وَبَصَرٌ وَالْعِلْمُ وَالْبَصَرُ سَبَبٌ لِحُصُولِ الرُّشْدِ وَالْفَوْزِ بِالنَّجَاة
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٣، ص ١٣٣
البصيرة تحتاج أمرين: سلامة القلب وطلوع نور الوحي — كالعين والشمس
فَإِنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْإِبْصَارِ مِنْ أَمْرَيْنِ: مِنْ سَلَامَةِ الْحَاسَّةِ وَمِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَكَذَلِكَ الْبَصِيرَةُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ أَمْرَيْنِ: مِنْ سَلَامَةِ حَاسَّةِ الْعَقْلِ وَمِنْ طُلُوعِ نُورِ الْوَحْيِ وَالتَّنْزِيل
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٣، ص ١٣٣
تحذير: طول المكث في الظلمة يجعلها كالصفة اللازمة يعسر زوالها
وَفِي قَوْلِهِ: لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها دَقِيقَةٌ عَقْلِيَّةٌ وَهِيَ أَنَّ الشَّيْءَ إِذَا دَامَ حُصُولُهُ مَعَ الشَّيْءِ صَارَ كَالْأَمْرِ الذَّاتِيِّ وَالصِّفَةِ اللَّازِمَةِ لَهُ فَإِذَا دَامَ كَوْنُ الْكَافِرِ فِي ظُلُمَاتِ الْجَهْلِ وَالْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ صَارَتْ تِلْكَ الظُّلُمَاتُ كَالصِّفَةِ الذَّاتِيَّةِ اللَّازِمَةِ لَهُ يعسر إِزَالَتِهَا عَنْهُ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْحَالَة
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٣، ص ١٣٤
مناسبة آية الإحياء لما قبلها: الرد إلى ظلام الضلال بعد نور الهداية
ولما كان معنى التحذير من طاعة المشركين أنكم إن فعلتم كنتم قد رددتم أنفسكم إلى ظلام الضلال بعد أن منحتم نور الهداية، فكان التقدير: أفمن كان هكذا كان كمن نصح لنفسه باتباع الأدلة وتوقي الشبه
نظم الدرر، البقاعي، جـ٧، ص ٢٥٢
الإحياء بإشراق أنوار الإيمان على القلب الذي إن صلح صلح الجسد كله (إشارة لحديث النعمان المتفق عليه)
{أو من كان ميتاً} أي بالغرق في أمواج ظلام الكفر، ليس لهم من ذواتهم إلا الجمادية بل العدمية {فأحييناه} أي بما لنا من العظمة بإشراق أنوار الإيمان على قبله الذي إن صلح صلح الجسد كله، وإن فسد فسد الجسد كله {وجعلنا} أي بعظمتنا على وجه الخصوص {له نوراً} أي بالهداية إلى كل خير {يمشي} مستضيئاً {به في الناس} فيعرفون أفعاله وأخلاقه وأقواله
نظم الدرر، البقاعي، جـ٧، ص ٢٥٢
لفتة تناسب: الآية ناظرة إلى أول السورة «والموتى يبعثهم الله»
وهي ناظرة إلى قوله أول السورة {إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله} [الأنعام: 36] وقوله: {والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات} [الأنعام: 39]
نظم الدرر، البقاعي، جـ٧، ص ٢٥٣

على الأنفال ٢٤

الجملة المفتاح: حياة القلب هي العبودية الدائمة — كل أمرٍ إلهي إحياء.
وقوله: {إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} وصف ملازم لكل ما دعا الله ورسوله إليه، وبيان لفائدته وحكمته، فإن حياة القلب والروح بعبودية الله تعالى ولزوم طاعته وطاعة رسوله على الدوام.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٥٣٣
تحذير من تأجيل الاستجابة: قد يُحال بينك وبين قلبك إن سوّفت.
{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} فإياكم أن تردوا أمر الله أول ما يأتيكم، فيحال بينكم وبينه إذا أردتموه بعد ذلك، وتختلف قلوبكم، فإن الله يحول بين المرء وقلبه، يقلب القلوب حيث شاء ويصرفها أنى شاء.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٥٣٣
وصية ختامية جاهزة: دعاء التثبيت يختم الجلسة عملاً.
فليكثر العبد من قول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، يا مصرف القلوب، اصرف قلبي إلى طاعتك.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٥٣٣
التخريج: دعاء ثابت: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» — الترمذي (٢١٤٠) وقال حسن؛ وشطر «مصرف القلوب» في صحيح مسلم (٢٦٥٤) بلفظ «اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك» — وصياغة السعدي له بالمعنى
الاستجابة إحياء: الله يكسب القلوب بها قوى قدسية
وَأَعْقَبَ ذَلِكَ بِالْأَمْرِ بِالِاسْتِجَابَةِ لِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاهُمْ إِلَى شَيْءٍ، فَإِنَّ فِي دَعْوَتِهِ إِيَّاهُمْ إِحْيَاءً لِنُفُوسِهِمْ وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ اللَّهَ يُكْسِبُ قُلُوبَهُمْ بِتِلْكَ الِاسْتِجَابَةِ قُوًى قُدْسِيَّةً.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٩، ص ٣١١
ما يحييكم: كل ما به كمال الإنسان — إنارة العقول والخلق الكريم وإصلاح الفرد والمجتمع
وَالْإِحْيَاءُ هَذَا مُسْتَعَارٌ لِمَا يُشْبِهُ إِحْيَاءَ الْمَيِّتِ، وَهُوَ إِعْطَاءُ الْإِنْسَانِ مَا بِهِ كَمَالُ الْإِنْسَانِ، فَيَعُمُّ كُلَّ مَا بِهِ ذَلِكَ الْكَمَالُ مِنْ إِنَارَةِ الْعُقُولِ بِالِاعْتِقَادِ الصَّحِيحِ وَالْخُلُقِ الْكَرِيمِ، وَالدَّلَالَةِ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَإِصْلَاحِ الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ، وَمَا يَتَقَوَّمُ بِهِ ذَلِكَ مِنَ الْخِلَالِ الشَّرِيفَةِ الْعَظِيمَةِ، فَالشَّجَاعَةُ حَيَاةٌ لِلنَّفْسِ، وَالِاسْتِقْلَالُ حَيَاةٌ، وَالْحُرِّيَّةُ حَيَاةٌ، وَاسْتِقَامَةُ أَحْوَالِ الْعَيْشِ حَيَاةٌ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٩، ص ٣١٣
معنى «يحول بين المرء وقلبه»: علم الله أشد اتصالاً بقلبك من كل شيء
فَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ عَزْمَ الْمَرْءِ وَنِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَعِلَ بِعَزْمِهِ جَوَارِحُهُ، فَشُبِّهَ عِلْمُ اللَّهِ بِذَلِكَ بِالْحَائِلِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فِي كَوْنِهِ أَشَدَّ اتِّصَالًا بِالْمَحُولِ عَنْهُ مِنْ أَقْرَبِ الْأَشْيَاءِ إِلَيْهِ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٩، ص ٣١٥
نداء المبادرة: استجب الآن قبل أن تعترض الموانع بينك وبين عزم قلبك
قِيلَ إِنَّ الْمُرَادَ الْحَثُّ عَلَى الْمُبَادَرَةِ بِالِامْتِثَالِ وَعَدَمِ إِرْجَاءِ ذَلِكَ إِلَى وَقْتٍ آخَرَ خَشْيَةَ أَنْ تَعْتَرِضَ الْمَرْءَ مَوَانِعُ مِنْ تَنْفِيذِ عَزْمِهِ عَلَى الطَّاعَةِ
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٩، ص ٣١٥
دعوة الله إحياء: الإيمان حياة القلب، والقرآن حياة ونجاة وعصمة
قَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ الْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ وَفِيهِ الْحَيَاةُ لِأَنَّ الْإِيمَانَ حَيَاةُ الْقَلْبِ وَالْكُفْرُ مَوْتُهُ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ [الروم: 19] قِيلَ الْمُؤْمِنُ مِنَ الْكَافِرِ. الثَّانِي: قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي الْقُرْآنَ أَيْ أَجِيبُوهُ إِلَى مَا فِي الْقُرْآنِ فَفِيهِ الْحَيَاةُ وَالنَّجَاةُ وَالْعِصْمَةُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْقُرْآنُ بِالْحَيَاةِ لِأَنَّ الْقُرْآنَ سَبَبُ الْعِلْمِ. وَالْعِلْمُ حَيَاةٌ، فَجَازَ أَنْ يُسَمَّى سَبَبُ الْحَيَاةِ بِالْحَيَاة
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٥، ص ٤٧٢
نداء المبادرة: الأجل يحول دون الأمل فلا تعتمد على توقع طول البقاء
أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ تَعَالَى يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَبَيْنَ مَا يَتَمَنَّاهُ وَيُرِيدُهُ بِقَلْبِهِ، فَإِنَّ الْأَجَلَ يَحُولُ دُونَ الْأَمَلِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: بَادِرُوا إِلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَلَا تَعْتَمِدُوا عَلَى مَا يَقَعُ فِي قُلُوبِكُمْ مِنْ تَوَقُّعِ طُولِ الْبَقَاءِ، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِه
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٥، ص ٤٧٣
باب الأمل: مقلب القلوب يبدل الضعف قوة — فلا قلب عصيّ على العودة
فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى يُغَيِّرُ تِلْكَ الْأَحْوَالَ فَيُبَدِّلُ الضَّعْفَ بِالْقُوَّةِ، وَالْجُبْنَ بِالشَّجَاعَةِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى مُقَلِّبُ الْقُلُوب
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٥، ص ٤٧٣
تأويل الحسن: قرب الله من عبده أشد من قرب قلبه منه
قَالَ الْحَسَنُ مَعْنَاهُ، أَنَّ اللَّه حَائِلٌ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ قُرْبَهُ تَعَالَى مِنْ عَبْدِهِ أَشَدُّ مِنْ قُرْبِ قَلْبِ الْعَبْدِ مِنْهُ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا فِي بَاطِنِ الْعَبْدِ وَمِمَّا فِي ضَمِيرِهِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق: 16]
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٥، ص ٤٧٣
خاتمة الآية: ترغيب في العمل وتحذير من الكسل والغفلة
وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ أَيْ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ أَيْ إِلَى اللَّه وَلَا تُتْرَكُونَ مُهْمَلِينَ مُعَطَّلِينَ، وَفِيهِ تَرْغِيبٌ شَدِيدٌ فِي الْعَمَلِ وتحذير عن الكسل والغفلة.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٥، ص ٤٧٣
مناسبة الأمر بالاستجابة: نكال الكافرين كان بسبب عدم الاستجابة
ولما كان ما مضى من نكال الكافرين مسبباً عن عدم الاستجابة، أمر المؤمنين بها تحذيراً من الكون الكفرة في مثل حالهم فيحشروا معهم في مآلهم
نظم الدرر، البقاعي، جـ٨، ص ٢٥١
سر اللام في «لما يحييكم»: ثمرة الطاعة قريبة، والاستجابة نقل من الموت المعنوي إلى الحياة
ولما كان اجتناء ثمرة الطاعة في غاية القرب، نبه على ذلك باللام دون «إلى» فقال: {لما يحييكم} أي ينقلكم بعز الإيمان والعلم عن حال الكفرة من الصمم والبكم وعدم العقل الذي هو الموت المعنوي إلى الحياة المعنوية
نظم الدرر، البقاعي، جـ٨، ص ٢٥١
حديث صحيح في سبب استحضار معنى الاستجابة الفورية للرسول ﷺ
روى البخاري في التفسير وغيره عن أبي سعيد ابن المعلي رضي الله عنه قال: «كنت أصلي فمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاني فلم آته حتى صليت ثم أتيته فقال: ما منعك أن تأتي؟ فقلت كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا}
نظم الدرر، البقاعي، جـ٨، ص ٢٥١
التخريج: صحيح البخاري (٤٦٤٧)
حجم الخط
الخلفية