على الأنفال ٢
علامة عملية قابلة للقياس: الوجل الصادق يظهر في الكف عن الذنب.
{الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} أي: خافت ورهبت، فأوجبت لهم خشية الله تعالى الانكفاف عن المحارم، فإن خوف الله تعالى أكبر علاماته أن يحجز صاحبه عن الذنوب.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٥٢٦
شرط زيادة الإيمان: إلقاء السمع وإحضار القلب — وصفة استماع عملية.
{وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} ووجه ذلك أنهم يلقون له السمع ويحضرون قلوبهم لتدبره فعند ذلك يزيد إيمانهم.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٥٢٦
تقرير محوري لجلسة القلب: أعمال القلوب أصل أعمال الجوارح.
وقدم تعالى أعمال القلوب، لأنها أصل لأعمال الجوارح وأفضل منها.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٥٢٧
توصية عملية مباشرة: تعاهُد الإيمان بتدبر الكتاب.
وأنه ينبغي للعبد أن يتعاهد إيمانه وينميه، وأن أولى ما يحصل به ذلك تدبر كتاب الله تعالى والتأمل لمعانيه.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٥٢٧
تعريف الوجل: خوف مع فزع منشؤه استعظام الله
وَالْوَجَلُ خَوْفٌ مَعَ فَزَعٍ فَيَكُونُ لِاسْتِعْظَامِ الْمَوْجُولِ مِنْهُ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٩، ص ٢٥٦
وجل القلب الحي وجل دافع: يبعث على الاستكثار من الخير والوقوف عند حدود الله
وَقَدْ أَجْمَلَتِ الْآيَةُ ذِكْرَ اللَّهِ إِجْمَالًا بَدِيعًا لِيُنَاسِبَ مَعْنَى الْوَجِلِ، فَذِكْرُ اللَّهِ يَكُونُ: بِذِكْرِ اسْمِهِ، وَبِذِكْرِ عِقَابِهِ، وَعَظَمَتِهِ، وَبِذِكْرِ ثَوَابِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَحْصُلُ مَعَهُ الْوَجَلُ فِي قُلُوبِ كُمَّلِ الْمُؤْمِنِينَ، لِأَنَّهُ يَحْصُلُ مَعَهُ اسْتِحْضَارُ جَلَالِ اللَّهِ وَشِدَّةِ بَأْسِهِ وَسِعَةِ ثَوَابِهِ، فَيَنْبَعِثُ عَنْ ذَلِكَ الِاسْتِحْضَارِ تَوَقُّعُ حُلُولِ بَأْسِهِ، وَتَوَقُّعُ انْقِطَاعِ بَعْضِ ثَوَابِهِ أَوْ رَحْمَتِهِ، وَهُوَ وَجَلٌ يَبْعَثُ الْمُؤْمِنَ إِلَى الِاسْتِكْثَارِ مِنَ الْخَيْرِ وَتَوَقِّي مَا لَا يُرْضِي اللَّهَ تَعَالَى وَمُلَاحَظَةِ الْوُقُوفِ عِنْدَ حُدُودِ اللَّهِ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ،
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٩، ص ٢٥٦
الآية مرآة اختبار ذاتي: يعرف المتصف بها تحققها فيه من عرض نفسه عليها
وَالْمَعْنَى لَيْسَ الْمُؤْمِنُونَ الْكَامِلُ إِيمَانُهُمْ إِلَّا أَصْحَابَ هَذِهِ الصِّلَةِ الَّتِي يَعْرِفُ الْمُتَّصِفُ بِهَا تَحَقُّقَهَا فِيهِ أَوْ عَدَمَهُ مِنْ عَرْضِ نَفْسِهِ عَلَى حَقِيقَتِهَا
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٩، ص ٢٥٥
وجل القلب الحي: خوف عظمة وجلال لا يفارق قلب أحد من المخلوقين
قَالَ أَصْحَابُ الْحَقَائِقِ: الْخَوْفُ عَلَى قِسْمَيْنِ: خَوْفُ الْعِقَابِ، وَخَوْفُ الْعَظَمَةِ وَالْجَلَالِ. أَمَّا خَوْفُ الْعِقَابِ فَهُوَ لِلْعُصَاةِ. وَأَمَّا خَوْفُ الْجَلَالِ وَالْعَظَمَةِ فَهُوَ لَا يَزُولُ عَنْ قَلْبِ أَحَدٍ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، سَوَاءً كَانَ مَلَكًا مُقَرَّبًا أَوْ نَبِيًّا مُرْسَلًا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَالَى غَنِيٌّ لِذَاتِهِ عَنْ كُلِّ الْمَوْجُودَاتِ/ وَمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ فَمُحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، وَالْمُحْتَاجُ إِذَا حَضَرَ عِنْدَ الْمَلِكِ الْغَنِيِّ يَهَابُهُ وَيَخَافُهُ، وَلَيْسَتْ تِلْكَ الْهَيْبَةُ مِنَ الْعِقَابِ، بَلْ مُجَرَّدُ عِلْمِهِ بِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْهُ، وَكَوْنِهِ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ يُوجِبُ تِلْكَ الْمَهَابَةَ، وَذَلِكَ الْخَوْفَ.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٥، ص ٤٥٠
لا تنافي بين الوجل والطمأنينة: يجتمعان في القلب الحي كما اجتمعا في آية الزمر
الِاطْمِئْنَانُ إِنَّمَا يَكُونُ عَنْ ثَلْجِ الْيَقِينِ، وَشَرْحِ الصَّدْرِ بِمَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ، وَالْوَجَلُ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ خَوْفِ الْعُقُوبَةِ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ، بَلْ نَقُولُ: هَذَانِ الْوَصْفَانِ اجْتَمَعَا فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [الزُّمَرِ: 23]
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٥، ص ٤٥٠
سلم العودة: وجل، فانقياد، فانقطاع بالكلية إلى الله
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ الثَّلَاثَةَ مُرَتَّبَةٌ عَلَى أَحْسَنِ جِهَاتِ التَّرْتِيبِ، فَإِنَّ الْمَرْتَبَةَ الْأُولَى هِيَ: الْوَجَلُ مِنْ عِقَابِ اللَّه.وَالْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: هِيَ الِانْقِيَادُ لِمَقَامَاتِ التَّكَالِيفِ للَّه.وَالْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: هِيَ الِانْقِطَاعُ بِالْكُلِّيَّةِ عَمَّا سِوَى اللَّه، وَالِاعْتِمَادُ بِالْكُلِّيَّةِ عَلَى فَضْلِ اللَّه، بَلِ الْغِنَى بِالْكُلِّيَّةِ عَمَّا سِوَى اللَّه تَعَالَى.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٥، ص ٤٥٢
زيادة الإيمان بحر لا ساحل له: مراتب التجلي والمعرفة لا نهاية لها
وَكُلَّمَا وَقَفَ عَقْلُ الْإِنْسَانِ عَلَى آثَارِ حِكْمَةِ اللَّه فِي تَخْلِيقِ شَيْءٍ آخَرَ، انتقل منه إلى طلب حكمة فِي تَخْلِيقِ شَيْءٍ آخَرَ، فَقَدِ انْتَقَلَ مِنْ مَرْتَبَةٍ إِلَى مَرْتَبَةٍ أُخْرَى أَعْلَى مِنْهَا وَأَشْرَفَ وَأَكْمَلَ، وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْمَرَاتِبُ لَا نِهَايَةَ لَهَا، لَا جَرَمَ لَا نِهَايَةَ لِمَرَاتِبِ التَّجَلِّي وَالْكَشْفِ وَالْمَعْرِفَةِ.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٥، ص ٤٥١
دعوى الإيمان لا تصدق حتى يحصل البيان بالامتحان
ولما أمر ونهى هيج وألهب فقال مبيناً كون الإيمان مستلزماً للطاعة: {إن كنتم مؤمنين*} أي صادقين في دعوى الإيمان، فليس كل من يدعي شيئاً يكون صادقاً في دعواه حتى يحصل البيان بالامتحان
نظم الدرر، البقاعي، جـ٨، ص ٢١٩
الوجل: خوف عظيم يتخلل صميم العظام بمجرد ذكر الله
فيكونون {إذا ذكر الله} أي الجامع لصفات الكمال من الجلال والجمال مجرد ذكر في نحو قوله {الأنفال لله} {وجلت} أي خافت خوفاً عظيماً يتخلل صميم عظامهم ويجول في سائر معانيهم وأجسامهم {قلوبهم}
نظم الدرر، البقاعي، جـ٨، ص ٢١٩
تلاوة الآيات تزيد نور القلب وطمأنينة اليقين
{زادتهم إيماناً} أي بإيمانهم بها وبما حصل لهم من نور القلب وطمأنينة اليقين بسببها، فإنها هي الدالة على الله بما تبين من عظيم أفعاله ونعوت جلاله وجماله، وتظاهر الأدلة أقوى للمدلول عليه
نظم الدرر، البقاعي، جـ٨، ص ٢٢٠
على الرعد ٢٨
ترجمة الطمأنينة بلغة معاصرة: زوال القلق والاضطراب وحضور الفرح.
{الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ} أي: يزول قلقها واضطرابها، وتحضرها أفراحها ولذاتها.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٧٢٩
حصر مصدر الطمأنينة: لا شيء أحلى للقلب من محبة خالقه والأنس به.
{أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} أي: حقيق بها وحريٌّ أن لا تطمئن لشيء سوى ذكره، فإنه لا شيء ألذ للقلوب ولا أشهى ولا أحلى من محبة خالقها، والأنس به ومعرفته.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٧٢٩
وجه ثانٍ يربط الذكر بالقرآن نفسه — يخدم خيط الجلسة القرآني.
وقيل: إن المراد بذكر الله كتابه الذي أنزله ذكرى للمؤمنين، فعلى هذا معنى طمأنينة القلوب بذكر الله: أنها حين تعرف معاني القرآن وأحكامه تطمئن لها.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٧٢٩
الاطمئنان سكونٌ ويقين، والشك اضطراب — تشخيص لحالتي القلب
وَالِاطْمِئْنَانُ: السُّكُونُ، وَاسْتُعِيرَ هُنَا لِلْيَقِينِ وَعَدَمِ الشَّكِّ، لِأَنَّ الشَّكَّ يُسْتَعَارُ لَهُالِاضْطِرَابُ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٣، ص ١٣٧
ذكر اللسان طريق للقلب: إجراؤه على اللسان ينبّه القلوب إلى مراقبته
وَالذِّكْرُ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ ذِكْرُ اللَّهِ بِاللِّسَانِ فَإِنَّ إِجْرَاءَهُ عَلَى اللِّسَانِ يُنَبِّهُ الْقُلُوبَ إِلَى مُرَاقَبَتِهِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٣، ص ١٣٨
دعوة مفتوحة: إذا علمتم راحة بال المؤمنين فما يمنعكم؟ فإن تلك في متناولكم
وَافْتُتِحَتْ جُمْلَةُ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ اهْتِمَامًا بِمَضْمُونِهَا وَإِغْرَاءً بِوَعْيِهِ. وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ التَّذْيِيلِ لِمَا فِي تَعْرِيفِ الْقُلُوبُ مِنَ التَّعْمِيمِ. وَفِيهِ إِثَارَةُ الْبَاقِينَ عَلَى الْكُفْرِ عَلَى أَنْ يَتَّسِمُوا بِسِمَةِ الْمُؤمنِينَ من التَّدْبِير فِي الْقُرْآنِ لِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُهُمْ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِذَا عَلِمْتُمْ رَاحَةَ بَالِ الْمُؤْمِنِينَ فَمَاذَا يَمْنَعُكُمْ بِأَنْ تَكُونُوا مِثْلَهُمْ فَإِنَّ تِلْكَ فِي مُتَنَاوَلِكُمْ لِأَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ بِمَسَامِعِكُمْ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٣، ص ١٣٨
تفسير ابن عباس: سماع القرآن خشوع واطمئنان معا
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ إِذَا سَمِعُوا الْقُرْآنَ خَشَعَتْ قُلُوبُهُمْ وَاطْمَأَنَّت
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٩، ص ٣٩
تشخيص القلق المعاصر: التوجه إلى عالم الأجسام اضطراب، والتوجه إلى الله سكون
فَالْقَلْبُ كُلَّمَا تَوَجَّهَ إِلَى مُطَالَعَةِ عَالَمِ الْأَجْسَامِ حَصَلَ فِيهِ الِاضْطِرَابُ وَالْقَلَقُ وَالْمَيْلُ الشَّدِيدُ إِلَى الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا، أَمَّا إِذَا تَوَجَّهَ الْقَلْبُ إِلَى مُطَالَعَةِ الْحَضْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ حَصَلَ فِيهِ أَنْوَارُ الصَّمَدِيَّةِ والأضواء والإلهية، فَهُنَاكَ يَكُونُ سَاكِنًا فَلِهَذَا السَّبَبِ قَالَ: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٩، ص ٤٠
كلام الرازي المشهور: القلب لا يستقر عند شيء دون الله لأنه لا درجة فوقه
أَنَّ الْقَلْبَ كُلَّمَا وَصَلَ إِلَى شَيْءٍ فَإِنَّهُ يَطْلُبُ الِانْتِقَالَ مِنْهُ إِلَى حَالَةٍ أُخْرَى أَشْرَفَ مِنْهَا، لِأَنَّهُ لَا سَعَادَةَ فِي عَالَمِ الْأَجْسَامِ إِلَّا وَفَوْقَهَا مَرْتَبَةٌ أُخْرَى فِي اللَّذَّةِ وَالْغِبْطَةِ. أَمَّا إِذَا انْتَهَى الْقَلْبُ وَالْعَقْلُ إِلَى الِاسْتِسْعَادِ بِالْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْأَضْوَاءِ الصَّمَدِيَّةِ بَقِيَ وَاسْتَقَرَّ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْهُ الْبَتَّةَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ دَرَجَةٌ أُخْرَى فِي السَّعَادَةِ أَعْلَى مِنْهَا وَأَكْمَلُ، فَلِهَذَا الْمَعْنَى قَالَ: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٩، ص ٤٠
إكسير جلال الله يقلب نحاس القلب ذهبا نورانيا لا يتبدل
أَنَّ الْإِكْسِيرَ إِذَا وَقَعَتْ مِنْهُ ذَرَّةٌ عَلَى الْجِسْمِ النُّحَاسِيِّ انْقَلَبَ ذَهَبًا بَاقِيًا عَلَى كَرِّ الدُّهُورِ وَالْأَزْمَانِ، صَابِرًا عَلَى الذَّوَبَانِ الْحَاصِلِ بِالنَّارِ، فَإِكْسِيرُ جَلَالِ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ أَوْلَى أَنْ يَقْلِبَهُ جَوْهَرًا بَاقِيًا صَافِيًا نورانيا لا يقبل التغيير وَالتَّبَدُّل
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ١٩، ص ٤٠
الطمأنينة سكون واستئناس مستمر بعد الاضطراب بالشكوك
{وتطمئن قلوبهم} أي تسكن وتستأنس إلى الدليل بعد الاضطراب بالشكوك لإيجادهم الطمأنينة بعد صفة الإيمان إيجاداً مستمراً دالاً على ثبات إيمانهم لترك العناد
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٠، ص ٣٣٦
ذكر الله أعظم الآيات فلا يطلب القلب المطمئن به آية سواه
{بذكر الله} الذي هو أعظم الآيات في أن المذكور مستجمع لصفات الكمال
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٠، ص ٣٣٦
تعريف الذكر: حضور المعنى للنفس؛ ومن لم يطمئن به فلا قلب له بل هو من الجمادات
والذكر: حضور المعنى للنفس، وذلك إشارة إلى أن من لم يطمئن به فليس له قلب فضلاً عن أن يكون في قلبه عقل، بل هو من الجمادات، أو إلى أن كل قلب يطمئن به، فمن أخبر عن قلبه بخلاف ذلك فهو كاذب معاند، ومن أذعن وعمل بموجب الطمأنينة فهو مؤمن
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٠، ص ٣٣٧
على الحج ٥٤
الإخبات ثلاث حركات: خشوع وخضوع وتسليم — وهو هدية لا صنعة.
{فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} أي: تخشع وتخضع، وتسلم لحكمته، وهذا من هدايته إياهم.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٩٦٦
القلب المخبت يُكافأ بمزيد هداية وتثبيت — دورة صاعدة تقابل دورة القسوة.
{وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا} بسبب إيمانهم {إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} علم بالحق، وعمل بمقتضاه، فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٩٦٦
الإخبات اطمئنان وخشوع يستقر في القلب استقراراً
وَالْإِخْبَاتُ: الِاطْمِئْنَانُ وَالْخُشُوعُ. وَتَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ [الْحَج: 34] ، أَيْ فَيَسْتَقِرُّ ذَلِكَ فِي قُلُوبِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [الْبَقَرَة:260] .
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٧، ص ٣٠٣
نفس الحدث الذي يفتن القاسي يزيد المؤمن هدىً في قلبه
أَي ينْسَخ الله مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ لِإِرَادَةِ أَنْ يَعْلَمَ الْمُؤْمِنُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ بِرُسُوخِ مَا تَمَنَّاهُ الرَّسُولُ وَالْأَنْبِيَاءُ لَهُمْ مِنَ الْهُدَى كَمَا يَحْصُلُ لَهُمْ بِمَا يُحْكِمُ اللَّهُ مِنْ آيَاتِهِ ازْدِيَادُ الْهُدَى فِي قُلُوبِهِمْ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٧، ص ٣٠١
القلب المخبت يتحول: قد يكون جلفاً قبل الإيمان فإذا آمن انقلب حكيماً كعمر
فَإِنَّ نُورَ النُّبُوءَةِ يُشْرِقُ فِي قُلُوبِ الَّذِينَ يَصْحَبُونَ الرَّسُولَ.وَلِذَلِكَ تَجِدُ مَنْ يَصْحَبُ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم قَدْ يَكُونُ قَبْلَ الْإِيمَانِ جِلْفًا فَإِذَا آمَنَ انْقَلَبَ حَكِيمًا، مِثْلَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ١٧، ص ٣٠٢
الإخبات خضوع وسكون: ثمرة العلم بأن الأمر كله لله
فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ أَيْ تَخْضَعُ وَتَسْكُنُ لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّ الْمَقْضِيَّ كَائِنٌ، وَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خلق له
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٣، ص ٢٤١
هداية الله للمخبتين: لا تلحقهم حيرة ولا تعتريهم شبهة
أَنْ يَتَأَوَّلُوا مَا يَتَشَابَهُ فِي الدِّينِ بِالتَّأْوِيلَاتِ الصَّحِيحَةِ وَيَطْلُبُوا مَا أَشْكَلَ مِنْهُ مِنَ الْمُجْمَلِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الْأُصُولُ الْمُحْكَمَةُ حَتَّى لَا تَلْحَقَهُمْ حَيْرَةٌ وَلَا تَعْتَرِيَهُمْ شُبْهَة
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٣، ص ٢٤٢
القلب المخبت زجاجي بين المائية والحجرية: صلب صاف تسكنه السكينة وينفع بالعلم
{فتخبت} أي تطمئن وتخضع {له قلوبهم} وتسكن به قلوبهم، فإن الله جعل فيها السكينة فجعلها زجاجية صلبة صافية رقيقة بين المائية والحجرية، نافعة بفهم العلم وحفظه والهداية به لمن يقبل عنهم من الضالين
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٣، ص ٧٣
الجدال لا يزيد الحق إلا ظهورا لمن أوتي العلم
فإن الحق كلما جودل أهله ظهرت حججه، وأسفرت وجوهه، ووضحت براهينه، وغمرت لججه
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٣، ص ٧٣
على ق ٣٣
معيار صدق القلب: الخشية حين لا يراك أحد.
{مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ} أي: خافه على وجه المعرفة بربه، والرجاء لرحمته ولازم على خشية الله في حال غيبه أي: مغيبه عن أعين الناس، وهذه هي الخشية الحقيقية.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٤٦٢
تعريف الإنابة بكلمة آسرة: انجذاب دواعي القلب إلى مراضي الله.
{وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} أي: وصفه الإنابة إلى مولاه، وانجذاب دواعيه إلى مراضيه.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٤٦٢
الأوّاب: الرجّاع في جميع الأوقات — العودة أسلوب حياة لا لحظة عابرة.
هي التي وعد الله كل أواب أي: رجاع إلى الله، في جميع الأوقات، بذكره وحبه، والاستعانة به، ودعائه، وخوفه، ورجائه.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٤٦٢
الأوّاب ليس معصوماً: إذا صدرت منه فلتة أعقبها بالتوبة — واقعية طريق العودة
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ مُحَافِظٌ عَلَى الطَّاعَةِ فَإِذَا صَدَرَتْ مِنْهُ فَلْتَةٌ أَعْقَبَهَا بِالتَّوْبَةِ.
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٦، ص ٣١٩
القلب المنيب زادُ اللقاء: أن تموت موصوفاً بالإنابة وتجيء بقلبك لا بمالك
وَمَعْنَى وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ أَنَّهُ حَضَرَ يَوْمَ الْحَشْرِ مُصَاحِبًا قَلْبَهُ الْمُنِيبَ إِلَى اللَّهِ، أَيْ مَاتَ مَوْصُوفًا بِالْإِنَابَةِ وَلَمْ يُبْطِلْ عَمَلَهُ الصَّالِحَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ حِكَايَةً عَنْ إِبْرَاهِيمَ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشُّعَرَاء: 88، 89] .
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٦، ص ٣٢٠
لفتة اسم الرحمن: خشيةٌ ممزوجة بمعرفة الرحمة — لا خوف يقنّط
وَإِيثَارُ اسْمِهِ الرَّحْمنَ فِي قَوْلِهِ: مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ دُونَ اسْمِ الْجَلَالَةِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ هَذَا الْمُتَّقِيَ يَخْشَى اللَّهَ وَهُوَ يعلم أَنه رحمان،
التحرير والتنوير، ابن عاشور، جـ٢٦، ص ٣٢٠
لطيفة «خشي الرحمن»: لم تمنعه رحمة ربه من خشية عظمته
قال الله تعالى هاهنا خَشِيَ الرَّحْمنَ مَعَ أَنَّ وَصْفَ الرَّحْمَةِ غَالِبًا يُقَابِلُ الْخَشْيَةَ إِشَارَةً إِلَى مَدْحِ الْمُتَّقِي حَيْثُ لَمْ تَمْنَعْهُ الرَّحْمَةُ مِنَ الْخَوْفِ بِسَبَبِ الْعَظَمَة
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٨، ص ١٤٧
القلب المنيب يجيء إلى من يخشاه ولا يهرب منه
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ إِشَارَةٌ إِلَى صِفَةِ مَدْحٍ أُخْرَى، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْخَاشِيَ قَدْ يَهْرُبُ وَيَتْرُكُ الْقُرْبَ مِنَ الْمَخْشِيِّ وَلَا يَنْتَفِعُ، وَإِذَا عَلِمَ الْمَخْشِيُّ أَنَّهُ تَحْتَ حُكْمِهِ تَعَالَى عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ الْهَرَبُ، فَيَأْتِي الْمَخْشِيُّ وَهُوَ [غَيْرُ] خَاشٍ فَقَالَ: وَجاءَ وَلَمْ يَذْهَبْ كَمَا يَذْهَبُ الْآبِق
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٨، ص ١٤٧
الإنابة والسلامة وجهان لقلب واحد: من أناب سلم ومن سلم أناب
فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: جَاءَ وَمَا جَاءَ إِلَّا بِسَبَبِ إِنَابَةٍ فِي قَلْبِهِ عَلِمَ أَنَّهُ لَا مَرْجِعَ إِلَّا إِلَى اللَّه فَجَاءَ بِسَبَبِ قَلْبِهِ الْمُنِيبِ، وَالْقَلْبُ الْمُنِيبُ كَالْقَلْبِ السَّلِيمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الصَّافَّاتِ: 84] أَيْ سَلِيمٍ مِنَ الشِّرْكِ، وَمَنْ سَلِمَ مِنَ الشِّرْكِ يَتْرُكُ غَيْرَ اللَّه وَيَرْجِعُ إِلَى اللَّه فَكَانَ مُنِيبًا، وَمَنْ أَنَابَ إِلَى اللَّه برىء من الشرك فكان سليما.
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٨، ص ١٤٧
خشية من يستحضر الرحمة أبلغ: خوف مقرون بالرجاء
ونبه على كثرة خشيته بقوله: {الرحمن} لأنه إذا خاف مع استحضار الرحمة العامة للمطيع والعاصي كان خوفه مع استحضار غيرها أولى
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٨، ص ٤٣٢
القلب المنيب: راجع إلى الله بوازع العلم، ولطف التعبير بالقلب دون النفس بالعصاة
ولما كان النافع من الطاعة الدائم إلى الموت، قال: {وجاء} أي بعد الموت {بقلب منيب *} أي راجع إلى الله تعالى بوازع العلم، ولم يقل: بنفس، لطفاً بالعصاة لأنهم وإن قصرت نفوسهم لم يكن لها صدق القدم فلهم الأسف بقلوبهم، وصدق الندم.
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٨، ص ٤٣٣
على ق ٣٧
أول العودة: أن تُرسل سمعك للذكرى ولا تمسكه عنها
وَأَمَّا إِلْقَاءُ السَّمْعِ فَمَعْنَاهُ أَنَّ الذِّكْرَى حَاصِلَةٌ لِمَنْ لَا يُمْسِكُ سَمْعَهُ بَلْ يُرْسِلُهُ إِرْسَالًا
مفاتيح الغيب، الرازي، جـ٢٨، ص ١٥١
من لا ينتفع بقلبه فلا قلب له: القلب الغافل عدم
{لمن كان} أي كوناً عظيماً {له قلب} هو في غاية العظمة والنورانية إن رأى شيئاً من ذلك فهو بحيث يفهم ما يراه ويعتز به، ومن لم يكن كذلك فلا قلب له لأن قلبه لما كان غير نافع كان عدماً.
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٨، ص ٤٣٦
شرط الانتفاع بالسماع: حضور القلب بكليته وجمع الخاطر
{وهو} أي والحال أنه في حال إلقائه {شهيد *} أي حاضر بكليته، فهو في غاية ما يكون من تصويب الفكر وجمع الخاطر، فلا يغيب عنه شيء مما تلي عليه وألقي إليه
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٨، ص ٤٣٦
القرآن مبشر للكامل والناقص، وليس دون التذكر مانع غير الإعراض
والثاني القاصر بما عنده من كثافة الطبع فهو بحيث يحتاج إلى التعليم فيتذكر بشرط أن يقبل بكليته، ويزيل الموانع كلها، فلذلك حسن جداً موقع «أو» المقسمة وعلم منه عظيم شرف القرآن في أنه مبشر للكامل والناقص، ليس منه مانع غير الإعراض.
نظم الدرر، البقاعي، جـ١٨، ص ٤٣٧